بين “المؤسسية” و”الفردانية”

Gemini Generated Image cfz4mccfz4mccfz4 - بين "المؤسسية" و"الفردانية" 1

بين “المؤسسية” و”الفردانية”

(ملاحظة لابد منها: لا اسعى للحديث في السياسة وانما لتوضيح ما الذي يحدث في الكيانات عامة والكيانات السياسية بصورة خاصة التي تتحول من كيان مؤسسي ناظم الى (شخص) الكيان)

يرتبط نجاح أي كيان مهما كان نوعه، بمدى انضباط الإطار المؤسسي الناظم لغرض تأسيسه. فكلما كان هذا الإطار صارماً في إدارة اتخاذ القرار على المستويات الحاكمة، الاستراتيجية، والتشغيلية، تمكن الكيان من اكتساب شخصية معنوية مستقلة، تحكم بنظامها لا بأشخاصها، مما يضمن تحقيق أهدافها بعيداً عن الرغبات الفردية.

وفي الكيانات السياسية، لا يختلف الأمر، فقوة الكيان يكمن في قدرة أنظمة الكيان على تدوير الأدوار وتفعيل الممكنات التي تسمح للفاعلين الأكثر كفاءة بالمساهمة في صنع القرار.

هذه الكفاءة المؤسسية هي ما يمنح الكيان القدرة على استقطاب الموارد (البشرية والمالية) وتنميتها من خلال أعضائه بشكل ذاتي ومستدام.

في المقابل، تبرز المعضلة حين يُربط الكيان بشخص بعينه، لدرجة أن يُصاغ فيها النظام التأسيسي لخدمة (شخص بعينه) لا (بصفته). هنا، يتحول الكيان من فضاء عام  إلى “منزل خاص”، ويتحول الكادر الوظيفي أو التنظيمي من شركاء وأعضاء إلى “ضيوف” لدى صاحب البيت، يتحركون في المساحة التي يمنحها لهم، ويظلون رهني إشارته مهما حُددت لهم من “مساحة” صلاحيات.

هذا النمط من “الفردانية” يخلق كياناً عاجزاً عن توليد موارده ذاتياً، فالأعضاء ينتظرون من “المالك – الشخص” توفير الموارد، كونه هو الرئيس، والصانع الوحيد للقرار، والغطاء القانوني للكل “وكل تحركات الكيان تعتمد على قوة الشخص وما يتوفر لديه من موارد وسطوة”.

في مثل هذه البيئات، يزهد أصحاب الكفاءات في القيادة، لعلمهم اليقيني بأنهم مجرد “شاغلي مواقع” في بيت غيرهم، لا يملكون من أمر القرار شيئاً أمام سلطة المالك المطلقة (مالك البيت).

إن هذا الوضع “غير الصحي” وإن تغطى خلف قضايا عادلة، يُحكم على الكيان بالفناء، فارتباط حاكمية الكيان (بشخص) يعني تلقائياً أن غياب الشخص، يعني غياب لمبرر وجود الكيان. وبما أن النظام صِيغ باسمه لا بصفته، يصبح الإصلاح مستحيلاً إلا بإنهاء الكيان وتأسيس كيان آخر جديد.

للأسف، يقع الكثيرون في فخ الانضمام لهذه الكيانات دون وعي بهذه الإشكالية البنيوية، بينما يدرك أصحاب الخبرة والمعرفة مبكراً أن دعم “القضية” لا يقتضي بالضرورة الانخراط في كيانات “شخصية” تفتقر لأدنى معايير الاستدامة المؤسسية.

ودمتم بخير

احمد مبارك بشير

‏09‏/01‏/2026

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.