المواطن بين مطرقة السياسة وسندان التضخم الكسادي

Gemini Generated Image lv8vqflv8vqflv8v - المواطن بين مطرقة السياسة وسندان التضخم الكسادي 1

المواطن بين مطرقة السياسة وسندان التضخم الكسادي

مرحباً،

في شوارع اليمن اليوم، لا شيء يبدو أنه يبعث على الفرح أكثر من سماع خبر “انخفاض سعر الصرف”.

يُحتفى بهذا الحدث وكأنه انتصار اقتصادي، لكن فور التوجه للسوق ، تكتشف ان الفرحة طارت، فالحقيقة أنه عرض جانبي ضمن اطار سياسي ، ضمن اقتصاد لازلت اسميه “اقتصاد الدكاكين”، وهو نموذج متجذر في اليمن من قبل ازمة 2015 ، بل أصبحت فيه لقمة عيش المواطن رهينة للقرار السياسي، لا للسياسات النقدية المنضبطة. لخص ذلك الدكتور منير سيف، خبير الاقتصاد، في نقاش عابر معه المشهد ببراعة: “اقتصاد اليمن لا يتبع مؤشرات يمكن القياس عليها، بل هو أشبه بدكان، إذا دخله الزبائن واشتروا، قلنا إن الاقتصاد بخير، وإذا بقي فارغاً، فالاقتصاد ليس بخير”.

مؤخراً، أقرت الحكومة مشروع موازنة عام 2026 مع لجنة الموازنات، خطوة إيجابية.

قدرت الإيرادات بنحو 1.2 تريليون ريال (حوالي 765 مليون دولار)، بينما تجاوزت النفقات 2 تريليون ريال (1.2 مليار دولار)، ليظهر العجز الكبير. ورغم الإشادة برفض “الطبع المكشوف” للعملة لتغطية العجز، يبقى السؤال الأهم: من أين سيأتي التمويل؟

قد يأتي الجواب من الدعم الخارجي، مثل الدعم السعودي الأخير (1.3 مليار ريال سعودي “343 مليون دولار امريكي تقريباً”). لكن هذا الدعم السخي، على أهميته، يتحول في غياب هيكل اقتصادي منتج إلى مجرد “إبر تخدير” في جسد منهك، حيث يُضخ في الرواتب ليتبخر في الاستهلاك، دون أن يساهم في بناء كيان تشغيلي يربط اقتصادنا بمحيطه.

لقد انتقل الاقتصاد اليمني من “إدارة الأزمات” إلى “إدارة الانهيار”، ليدخل مرحلة خطيرة تُعرف بـ “التضخم الكسادي” (Stagflation). هذا يعني أننا نعاني من غلاء فاحش في الأسعار، وفي نفس الوقت، شلل شبه تام في القدرة على الشراء بسبب فقدان الوظائف وتآكل الدخل.

في عدن ونطاقها، قد ننخدع بضخ المرتبات بحركة شرائية مؤقتة. لكن الواقع المرير أن الأسعار التي قفزت إلى عنان السماء عندما وصل الدولار إلى 2800 ريال، لم تنخفض عندما تدخل القرار السياسي ليعيده إلى 1580 ريالاً. المواطن الذي كان يملأ سلته بـ 100 دولار، يحتاج اليوم إلى 150 دولاراً لنفس السلة. إنه تضخم يلتهم الرواتب، بينما التجار يسعرون بضائعهم “تحوطاً” من انهيار قادم “وهذا أمر طبيعي” في ظل فقدان الثقة.

أما في صنعاء، تم تثبيت سعر الصرف عند 533 ريالاً لكنه واجهة تخفي وراءها اقتصاداً يختنق. ففي السوق الموازية، يتجاوز سعر “الشيك الرقمي” للدولار حاجز 2200 ريال. الأسواق تعج بالناس، لكن جيوبهم فارغة، والمبيعات في تراجع مستمر.

لقد أصبحنا سوقاً استهلاكياً ضخماً بلا مستهلكين حقيقيين. وزاد الطين بلة انسحاب المنظمات الدولية التي كانت بمثابة “جهاز تنفس صناعي” للاقتصاد، مما سحب آخر قطرات السيولة وأدى إلى فقدان آلاف الوظائف.

ليس هدفي هنا ، جلد الذات، بل البحث عن حلول حقيقية تتجاوز الأدوات التقليدية التي لم تعد تجدي نفعاً. الانتقال من “اقتصاد الدكاكين” إلى “اقتصاد المؤسسات” يتطلب قرارات جريئة، من ذلك:

  1. بدلاً من أن يتبخر الدعم المالي في الإنفاق الاستهلاكي، من ذلك تحويل المنح (كالمنحة السعودية) إلى “صناديق استثمار مشتركة” تدار بآلية حوكمة عابرة للحدود هذا يضمن توجيه الأموال لمشاريع بنية تحتية وطاقة تديرها شركات مشتركة، مما يخلق وظائف ويمنع تسرب الأموال للاستهلاك غير المنتج.
  2. لا يمكن السيطرة على الأسعار دون منح الغرف التجارية دوراً فاعلاً في إدارة الاستيراد بالتعاون مع الجهات المعنية كالبنك المركزي و وزارة التجارة . هذا يضمن تدفق السلع الأساسية بأسعارها الحقيقية، بعيداً عن مضاربات تجار العملة.
  3. لكي نتخلص من تسعير “الدكان”، يجب خلق سوق شفافة للسلع والأوراق المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. هذه البورصة ستسحب السيولة من أيدي تجار الأزمات، وتسمح للمواطنين والمغتربين (وخاصة ان احدى مصادر الأموال قادمة منهم مبالغ قد تقارب 4 مليار دولار امريكي) قد يشجعهم وجود آلية تداول حصص في مشاريع حقيقية ان يكونوا جزاء من هذه المساهمة، بل ويدعموا اسرهم بدخول مستقرة في المستقبل، وهذا قد يسعهم في ضبط حركة الأموال ويخلق مؤشرات اقتصادية يمكن القياس عليها. (وقد اثبتت بعض قصص شركات توظيف الأموال التي أسست بشكل غير منظم الى ان أغلبية الناس تبحث عن بدائل لتنمية مدخراتهم بدلاً عن صرفها وانفاقها او وضعها في بنوك غير ذات جدوى).

وكلمة أخيرة،

إن الاستقرار عند سعر صرف مرتفع، حتى لو كان 3000 ريال للدولار، ولكنه يعكس آليات عرض وطلب حقيقية، مع معالجة هيكل الأجور ودعم الإنتاج المحلي، هو أفضل ألف مرة من استقرار وهمي يقتل الاقتصاد، أو تذبذب سياسي يخدم مصالح المضاربين فقط.

حان الوقت لنبدأ بالممكن، ونتخذ القرارات الصعبة التي ستنقل اليمن من حالة الانتظار إلى بداية التعافي الحقيقي.

ودمتم سالمين،

اصلح الله بالكم،

احمد مبارك بشير

‏27‏/02‏/2026

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.