اقتصاد “المزاج- الكيف الجديد” من التخدير إلى التعزيز
اقتصاد “المزاج- الكيف الجديد” من التخدير إلى التعزيز

مرحباً،
قرأت خبراً عن زلزال يهز سوق صناعة الكحول عالمياً ، حيث تراجعت أسهم شركات المشروبات الكحولية بمقدار 830 مليار $[1]، وفقًا لبلومبيرغ، هذه الخسارة الأكبر لمنتجي الكحول “البيرة والنبيذ” في العالم خلال أربع سنوات فقط. بل وتتراجع المبيعات بشكل متصاعد 2-5% سنوياً، والمخازن تمتلئ ، والحل هو رفع الأسعار لتغطية فجوة الخسارة.
قد يظن بعض من يقرأ الخبر السابق ( انه تحول الى ترك الخمر) كإشارة إسلامية ، لكن هذه الخسارة لشركات الكحول الكبرى كانت إعلاناً عن انتهاء صلاحية “نموذج العمل القديمة”، فالعالم يغادر عصر “الخمار” ويدخل عصر “اليقظة الوظيفية”، يقود هذا التغيير جيل Z ليس لأنه ” يبتعد عن الكيف والمزاج” بل لأنه يرفض كل ما يعيق إنتاجيته أو يضر بصورته الرقمية “ما يشتي تقع عليه كاميرا جوال مفاجئة وهو في حالة سكار” ،
ينظر جيل Z إلى الكحول كمادة “قديمة” ، تسبب الخمول وفقدان السيطرة، وهو ما لا يتناسب مع جيل يعيش تحت مجهر الكاميرات ويسعى خلف الإنتاجية والصحة النفسية.
وفي المقابل ايضاً في سوق السجائر التقليدية هناك خسائر وتراجع في منتجات السجائر التقليدية ، يبرز هذا مثلاً ما فعلته شركة British American Tobacco (BAT) (واحدة من أكبر شركات التبغ في العالم) في أواخر عام 2023، قامت بـ “شطب” أكثر من 31 مليار دولار من قيمة علاماتها التجارية للسجائر التقليدية في أمريكا، فالشركة اعترفت رسمياً بأن علاماتها الشهيرة هناك لن يكون لها قيمة مادية في المستقبل ، فالمستهلك الذي كان يشتريها يتناقص أو يتجه للبدائل.
ما الذي يحدث من تغيير في هذا الاقتصاد الكبير (الكيف) ؟ يمكن القول ان لدينا أربع متغيرات جوهرية في قيم الاستهلاك:
- لم يعد المستهلك يبحث عن الهروب من الواقع، بل عن “أدوات” تساعده على مواجهته (تركيز أعلى، توتر أقل، طاقة مستدامة) او ما تسمى “المشروبات الوظيفية” أو مشروبات الطاقة التي تعطي تركيزاً ذهنياً دون تخدير، مما دفع الى النمو الهائل في مشروبات الـ 0.0% كحول والمشروبات العشبية، والخالية من السكر، بما يعكس رغبة في “الكيف” دون دفع ضريبة صحية في اليوم التالي.
- تحول “النيكوتين” من سيجارة محترقة ومنفرة إلى “جهاز تقني” مثل (Vape) يتماشى مع المظهر العصري، وهو ما يمكن تسميته “تكنولوجيا الكيف”.
- الحشيش (المقنن): “في الغرب تحديداً” هروب من الكحول الى الماريجوانا، حيث يرونه طبيعياً وأقل ضرر من الكحول ، حتى أن دول كأمريكا تجاوز عدد مستخدمي الحشيش فيها بشكل يومي أعلى من شاربي الكحول.
فهل شركات صناعة الكحول وحتى السجائر تقبلت هذه الانحسار؟
بالتأكيد لا،
ولان الإعلانات المباشرة ممنوعة عليها ، لابد من الاختراق عبر القوة الناعمة، لاختراق وعي الجيل الحالي والقادم، زادت في دعم أفلام تعرض الابطال “وللأسف في انتاج عربي وتركي” مشاهداته عالية ، يستهلكون كميات من الكحول او /و السجائر ، لجذب جيل Z ومن يليه بهذه العادة ،
بل وتتطور الأمر، مع المنتجات البديلة،
بظهور أبطال جيل Z الجدد وهم يستخدمون “الفيب” أو يروجون لمشروبات الطاقة والمنشطات الذهنية او الماريجوانا ، مما يخلق صورة ذهنية تربط بين هذه المواد وبين “الذكاء، الجاذبية، والتحمل”. أنه نوع من “الاستقطاب الصامت” بما يضمن تدفق الأرباح للشركات التي بدأت فعلياً في تحويل خطوط إنتاجها من الخمور إلى المنشطات وبدائل الحشيش المقننة، وهذا الجانب الآخر الذي تعمل عليه:
- إنتاج مشروبات “صفر كحول” وابرزها مشروبات غازية لتعزيز الطاقة بأنواع متعددة.
- الاستحواذ على شركات القنب (الحشيش) في الدول التي تسمح بذلك.
- تطوير مشروبات تعتمد على “الكافيين” ومنشطات المزاج الطبيعية.
- …. والخ
محلياً و للأسف، تبدو هناك زيادة واضحة في استهلاك “القات” (واشياء أخرى) برغم قلة الدراسات حول ذلك محلياً لكني بحسب حجم الإنتاج المعلن للقات 237 ألف طناً تقريباً ، يبدو ان المخزنيين لن يزيد عددهم عن 10 مليون نسمة وهذا في عدد السكان البالغين يبدو ان هناك عزوفاً من عدد كبير في المقابل “ربما عدد منهم بسبب عدم امتلاك قيمته ” و هذا الرقم يعني ان لدينا يومياً بين 18-25 مليون $ دورة سوق القات، وللأسف مع الركود الاقتصادي، أصبح بيع القات مهنة “من لا مهنة له” (من توقف نشاطه صار مقوتي، ولا نستغرب ذلك !) وهذا تلقائياً يعني انتشاره بشكل مزعج بصرياً واقتصادياً، وهذا بدون إضافة قيمة حقيقية للناتج القومي، ولابد من القول أن القات لا يزال ركيزة اجتماعية واقتصادية يصعب كسرها بسهولة. (وللأسف بديلاً لهروب الكثير من الواقع المر!).
ولكني أعتقد أن الجيل الجديد قد يميل لتقليل ساعات “المقيل” الطويلة أو يربطها باستخدام التكنولوجيا والألعاب الإلكترونية، ولا امتلك دليلاً كاملاً عن ذلك. ولأنه لا يمكن نفي أهمية هذا السوق، الذي يعمل فيه أكثر من 500 الف عامل، فلماذا لا يتحول الى بدائل قابلة للتصدير، فالعالم يعيد تدوير منتجاته، وبالتالي:
- يظل القات “منتجاً غير مرحب به” دولياً بسبب طبيعته الخام وتصنيفه التقليدي، رغم احتوائه على مركبات كيميائية يمكن استخلاصها وتوظيفها قانونياً (مثل الكاثينون والكاثين[2]). “هذه مواد منشطة في القات”
- ولأن العالم يبيع “المزاج” في علب أنيقة ومستخلصات طبية، و لا زلنا نبيعه كـ “أوراق خام” تستهلك 70% من المياه الجوفية.
- وإذن، “ربما نفكر فيما فكر فيه رجل الاعمال شاهر عبد الحق” ، لكي يتحول القات من “عبء” إلى “فرص”، بالتفكير في مسارات “التصنيع والتحويل”:
- فهل يمكن استخلاص المنشطات الطبيعية من القات وتدخل في صناعة “مشروبات الطاقة” أو “المكملات الغذائية” المرخصة دولياً؟ (هذا ينقله من دائرة الحظر إلى دائرة التجارة المقننة).
- إنشاء “مركز أبحاث كيميائية زراعية” يدرس إمكانية تحويل القات إلى منتجات صيدلانية أو صناعية قابلة للتصدير، بدلاً من محاربته بطرق تقليدية أثبتت فشلها.
- استثمار جيل Z للمشروبات الوظيفية عبر ابتكار “شاي القات” أو “مستخلصات مركزة” تقلل من وقت “المقيل” الضائع وتوفر المياه، وتحول العملية إلى استهلاك حضري وأنيق.
- تشجيع ريادة الأعمال في مجال “المشروبات الوطنية البديلة” التي تعتمد على المحاصيل المحلية (بن، قشر، قات، وغيرها) وتسويقها كـ “براندات” تنافس الفيب ومشروبات الطاقة المستوردة.
- استخدام عوائد هذا “التحويل” لتمويل تنمية وتعزيز الزراعة في اليمن (كمعالجة لمشكلة الفقر المائي وزيادة انتاج البن واللوز..) وهذا ايضاً يسهم في تقليل الاعتماد الكلي على القات الخام، وهو ما قد يسهم في تحول جذري في طريقة الاستهلاك اجتماعياً من المقايل وتضييع الوقت وهدر المال بغير منفعة.
الأعزاء ،
في اقتصاد الكيف، لن ينتهي عصر الكيف عالمياً ولا محلياً، وبالتالي ،
ادعاء قدرتنا على إزاحة أي منتج، لابد من خلق بدائل ذات منفعة اقتصادية، وتقليل الأثر غير الصحي ، وقد يكون التوجه الجديد مساحة لإزالة مشروبات الكحول بل وكل أنواع المخدرات محلياً وعالمياً ،
ودائماً أكرر
” لا يمكن ان نلغي الكيف، لكن من المهم ان صناع ومتخذي القرار ان يتجنبوا صناعة او اتخاذ قراراتهم وهم في حالة شرود ذهني وغياب وعي، لان كوراث تلك القرارات مستمرة في بلادنا وبلدان تعيش ظروفنا بشكل مدمر”
الأعزاء،
ليست هذا المقال دعوة لأي نوع من المكيفات، وانما منظور اقتصادي من أجل المصلحة وتقليل الضرر.
مودتي
واصلح الله بالكم
احمد مبارك بشير
24/02/2026
[1] https://elfann.com/news/show/1412244/%D8%B3%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AD%D9%88%D9%84-%D9%8A%D8%AE%D8%B3%D8%B1-830-%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A3%D8%B1%D8%A8%D8%B9-%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%87
[2] مواد منشطة طبيعية توجد في أوراق نبات القات (Catha edulis). يعمل الكاثينون كمنبه قوي (يشبه الأمفيتامين) ويتحول بيولوجياً إلى الكاثين (الأقل قوة) مع جفاف الأوراق، وكلاهما يسبب تأثيرات نفسية وجسدية مثل النشاط الزائد وانعدام الشهية، وتم تصنيفهما كمخدرات