التحول الهيكلي نحو اقتصاد الوكلاء

Gemini Generated Image s1q5wds1q5wds1q5 - التحول الهيكلي نحو اقتصاد الوكلاء 1

التحول الهيكلي نحو اقتصاد الوكلاء

مرحباً،

تأتي هذه السطور انطلاقاً من الملاحظات المتزايدة حول نشاط “وكلاء الذكاء الصناعي” وما أثير مؤخراً حول منصة “Moltbook” كمنتدى مخصص لهؤلاء الوكلاء. ورغم الضجيج المثار حول انتهاك الخصوصية أو استقلالية الآلة، تظل قناعتي الراسخة أن أي تشوه يحدث هو نتاج “فعل بشري” في المقام الأول. فلا يمكن للخصوصية أن تُنتهك، ولا للوكلاء أن يتمردوا، دون ثغرات أو سياسات صممها البشر، فالآلة في النهاية تعيد تدوير ما تدربت عليه من بيانات الإنترنت بجيدها وسخيفها ممثلةً الأدوار التي يحددها سياق الحوار.

Moltbook بين الحقيقة والمبالغة بالنظر إلى الأرقام المليونية المتداولة حول عدد الوكلاء في “Moltbook”، نجد أنها تفتقر إلى المنطق التشغيلي والاقتصادي نظراً للتكلفة التشغيلية والحاسوبية الهائلة . الحقيقة التقنية بناءً على بحثي في الموضوع تتلخص في التالي:

  • أسس المنصة “مات شليشت” (Matt Schlicht)، الرئيس التنفيذي لـ Octane AI، كتجربة لفهم تفاعل الوكلاء في بيئة اجتماعية، مشيراً إلى أنه أوكل مهمة بناء المنصة لوكيله الشخصي .
  • تعتمد المنصة على نظام مفتوح المصدر يُدعى (OpenClaw)، طوره “بيتر شتاينبرغر” ليعمل محلياً على أجهزة المستخدمين وفق مبدأ “جهازك، مساعدك، قواعدك” .
  • لا يملك الوكيل الذكي القدرة على العمل الذاتي أو التسجيل في المنصة من تلقاء نفسه . العملية تبدأ دائماً بضوء أخضر بشري (أمر مباشر بالتسجيل أو تثبيت مهارة). بمجرد التفعيل، يمكن للوكيل زيارة المنصة دورياً، القراءة، والتعليق بناءً على تعليمات مستخدمه.

يمكن مراجعة الفيديو القصير التالي:

 إذن، نحن أمام “ملعب” وضعه المطورون، و”لاعبين” أطلقهم البشر من حواسيبهم، مما يفسر الرقم الضخم للوكلاء الناتج عن تعدد النسخ الشخصية وليس عن وعي ذاتي للآلة.

Gemini Generated Image gadgusgadgusgadg - التحول الهيكلي نحو اقتصاد الوكلاء 3

بيت القصيد هنا ليس المنصة بحد ذاتها، بل الدلالة الاقتصادية لهذا الحراك. نحن نمر بلحظة تحول مفصلية من عصر “الأدوات الرقمية” التي تتطلب تشغيلاً بشرياً، إلى عصر “الوكلاء المستقلين” القادرين على الإدراك والتخطيط والتنفيذ. هذا ما نطلق عليه “اقتصاد الوكلاء” (Agentic Economy)، وهو يمثل نقلة نوعية في طبيعة العمل، حيث يمتلك الذكاء الاصطناعي أهدافاً، وقدرة على التخطيط، وذاكرة طويلة المدى، وإمكانية استخدام أدوات خارجية.

تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن إنفاق المؤسسات على الذكاء الصناعي الوكيل سيرتفع من أقل من مليار دولار في عام 2024 إلى أكثر من 51.5 مليار دولار بحلول عام 2028، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ حوالي 150%. هذا النمو الهائل مدفوع بقدرة “نماذج الاستدلال” التي ستهيمن على 70% من التطبيقات بحلول عام 2029، مما يتيح للمؤسسات أتمتة ما يقرب من 15% من قرارات العمل اليومية المعقدة التي كانت حكراً على البشر.[1]

يعني هذا اننا نشهد تحولاً من مفهوم “المساعد الشخصي” الذي يساعد الموظف، إلى “القوى العاملة الرقمية” التي تدير وظائف أعمال كاملة. تتوقع الدراسات أن يمتلك كل مستهلك “وكيلاً مساعداً” يتواصل مع “وكلاء الخدمة” لدى الشركات، مما يقلل بشكل كبير من تكاليف الاتصال والاحتكاك التجاري.  هذا التحول يخلق طبقة اقتصادية جديدة تعرف بالتوأم الوكيل للاقتصاد” في هذه الطبقة، التي تتفاعل البرمجيات مع بعضها البعض في أسواق رقمية مغلقة، حيث يتم اكتشاف الخدمات، والتفاوض على الأسعار، وإبرام العقود دون تدخل بشري مباشر. هذه الأسواق ستعمل كمراكز تنسيق قابلة للبرمجة، مما يعيد تعريف مفاهيم العرض والطلب لتصبح أكثر ديناميكية وسرعة مما يمكن للبشر استيعابه في الوقت الفعلي[2].

لكن مع صعود أي تكنولوجيا ثورية، تنتشر الأساطير والمخاوف التي قد تعيق الفهم السليم. وفي اطار مفهوم اقتصاد الوكلاء، تبرز بعض القضايا او نقدر نسميها (الاساطير في اقتصاد الوكلاء) والتي كانت محور المقدمة من ابرزها :

  1. لغة المؤامرة السرية: الحديث عن اختراع الوكلاء لغة سرية ليس إلا “اختصاراً حسابياً” لتحقيق أعلى كفاءة في التفاوض (مثل تكرار كلمات معينة)، وليس دليلاً على وعي ذاتي أو تآمر.[3]
  2. البطالة الشاملة: التوقعات تشير إلى تحول هيكلي في الوظائف وليس إقصاءً كاملاً. سنشهد ظهور أدوار جديدة (حوالي 78 مليون وظيفة بحلول 2030) تركز على الإشراف وتحديد الأهداف بدلاً من التنفيذ الروتيني . التحدي الحقيقي يكمن في “عدم تطابق المهارات” وسرعة تغيرها.[4]
  3. الصندوق الأسود: القول باستحالة فهم قرارات الوكيل لم يعد دقيقاً تماماً. تقنيات التفسير الحديثة تسمح بتتبع مسار الاستدلال وتحويل الوكيل إلى “صندوق زجاجي” قابل للرصد.

ورغم ذلك، إلا أن هناك مخاطر حقيقية ومرعبة تأتي من السرعة، والأتمتة، وتفاعل الوكلاء مع بعضهم بدون وقت كافٍ لتدخل البشر. من ابرز تلك المخاطر:

  1. الانهيارات الخاطفة في سلاسل التوريد: خطأ صغير في قراءة مؤشر جيوسياسي من قبل وكيل واحد قد يؤدي إلى سلوك قطيع (شراء هلع) بين آلاف الوكلاء، مما يسبب أزمات واقعية في الغذاء أو الطاقة خلال دقائق. (بمعنى لو قام وكيل بسبب معلومة ما بطلب شراء فوري لكميات معينة يبدأ بقية الوكلاء بالتقليد وفجأة بسبب خطأ بسيط تتراكم الطلبات وترتفع الأسعار وتتعطل الشحنات وتظهر أزمة توافر قبل ان يستوعب البشر المشكلة، خطأ بسيط يولد أزمة متسلسلة واثرا اقتصادياً كارثياً.).
  2. التواطؤ الخوارزمي: قد يتعلم الوكلاء “ضمناً” أن الحفاظ على أسعار مرتفعة أفضل للربحية، مما يضر بالمستهلك دون وجود اتفاق صريح يُجرمه القانون الحالي. (مثال ذلك: قيام الوكيل (أ) بتجربة خفض السعر، فجأة الوكيل (ب) “يعاقب” بخفض أشد ، الطرفان يخسران، مع الوقت يستقران على أسعار أعلى من السعر التنافسي. وهنا يتضرر بشكل مباشر المستهلك “أسعار أعلى وخيارات أقل”. وهنا يبرز تحدي قانوني في منع الاحتكار ، والسلوك الذي حدث بين الوكلاء ناتج عن تعلم بيني ، وليس عن نوايا سلبية مسبقة، باختصار يحتاج ضبط وضمان آلية المراقبة والتحقق القانوني)
  3. مخاطر التنفيذ والاحتيال: قدرة الوكيل على تنفيذ عمليات مالية أو إدارية تجعل أي اختراق أو “حقن للنوايا” ذا أثر مدمر وفوري. (مثال ذلك: قد يبدأ الوكيل عملية مالية “سحب و تحويل” ناتج عن تعليمات زرعها “مهاجم/هكر” داخل بريد/صفحة/تعليق… الوكيل يقرأها للتلخيص ثم ينفذها كأنها مهمة مطلوبة وشرعية سليمة متجاوزاً ضوابط الأمن. “وللأسف كلما تطورت التقنية تطور معها مستخدميها وخاصة “الاحتيال المنظم”” وقس على ذلك فقدان الأموال او تسربها لجهات غير معلومة).
  4. مشكلة الموكل والوكيل: صعوبة تحويل القيم البشرية والأخلاقية إلى “دوال مكافأة” رقمية دقيقة قد تدفع الوكيل لتحقيق الأهداف بطرق تضر بسمعة المؤسسة أو قيمها، (مثال ذلك: إدارة تضارب مصالح بين المالك (الموكل) والمدير/المنفذ (الوكيل) يعطي الموكل الوكيل هدفاً رقمياً مثل “زيادة وقت المشاهدة” فينفذه حرفياً بطريقة قد تروج محتوى متطرف/ضار يحقق الرقم لكنه يخون قيم المؤسسة).

وإذن لضمان أن “اقتصاد الوكلاء” يضيف قيمة حقيقية ولا يتحول إلى فوضى رقمية، يجب قلب المنطق التقليدي والعمل وفق التسلسل التالي:

  1. الإطار القانوني والحوكمة: نبدأ بتحديد المسؤوليات والحدود، ثم بناء ضوابط تشغيلية (صلاحيات، فصل مهام، سجلات أفعال) تجعل القواعد قابلة للتنفيذ التقني.
  2. المقاييس الدقيقة: وضع مؤشرات أداء تشمل الاقتصاد الجزئي (عائد الأتمتة، كفاءة التكلفة) والاقتصاد الكلي (مرونة سلاسل التوريد، فجوة الإنتاجية).

والخلاصة،

أن اقتصاد الوكلاء ليس مجرد أدوات ذكية، بل هو إعادة هندسة شاملة للإنتاج والاستهلاك، وانتقال من اقتصاد الندرة الى اقتصاد الوفرة “رقمياً”. لكن هذا الانتقال قد ينقلب بسرعة إلى ضجيج رقمي إذا ترك بلا قواعد.

لذلك، النجاح في هذا العصر ليس لمن يتبنى التقنية أسرع، بل لمن يؤطرها قانونياً، ويضبطها تشغيلياً، ويثبت أثرها بمقاييس تقيس القيمة لا الاستعراض. ويقتضي ذلك عملياً:

  1. إعادة النظر في منظومة التعلم، وقد شاركت معكم تصوري حول منظومة التعلم الشاملة. والتي تشمل الاعداد لمستقبل أجيالنا القادمة، وعدم تجاهلنا اجيالنا الحاضرة.
  2. الاستثمار في حوكمة البنية التحتية قبل التكنولوجيا نفسها أي “دساتير رقمية” ، وقواعد سلوكية، وتحويل السياسات إلى شفرة برمجية ، مع بيئات تجريبية واختبارات أمان قبل الإطلاق.
  3. إعادة تأهيل القوى العاملة نحو الإشراف على الوكيل لا منافسته مع التركيز في التدريب على مهارات الإشراف، وهندسة النوايا، وإدارة المخاطر والضوابط.
  4. فرض معايير الشفافية والمراقبة وسجلات أفعال قابلة للتدقيق لمنع “الصندوق الأسود” وحماية الاقتصاد من الانهيارات الخاطفة والتواطؤ الخوارزمي.

ودمتم سالمين

واصلح الله بالكم

احمد مبارك بشير

‏01‏/02‏/2026


[1] https://www.ropesgray.com/en/insights/alerts/2025/11/artificial-intelligence-q3-2025-global-report

[2] https://cmr.berkeley.edu/2025/12/how-to-run-the-world-architecting-the-agentic-twin-economy/

[3] https://cemse.kaust.edu.sa/articles/2017/10/24/facebook-ai-new-language-explained-kaust-professor-xiangliang-zhang

[4] https://www.weforum.org/stories/2026/01/top-jobs-and-labour-market-stories-2025/

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.