هندسة الولاء المطلق: آليات تشكل الديكتاتوريات الناشئة

هندسة الولاء المطلق: آليات تشكل الديكتاتوريات الناشئة

هندسة الولاء المطلق - هندسة الولاء المطلق: آليات تشكل الديكتاتوريات الناشئة 1

بعد مشاهدة لحلقة “الدحيح” التي يمكن عنونتها بـ (كيف يتحول البشر إلى تروس في آلة الزعيم؟)، والتي شاهدتها بعد إشارة العزيز “زين عيديد”،

استوقفتني خلاصتها المرعبة: في لحظات الانكسار الكبرى، وحين تنهار الأنظمة القديمة تاركة خلفها فراغاً من الخوف والشك ، تماماً كما حدث في حقبة الستينات أو في فوضى ما بعد الثورات مثل (الربيع العربي)، تظهر الحاجة البشرية العميقة للانتماء. هنا، لا يولد الديكتاتور أو زعيم الطائفة فجأة، بل يتشكل كـ “مخلص” من حالة الهشاشة النفسية والاجتماعية التي يعيشها الناس. تبدأ القصة دائماً بوعود براقة عن “يوتوبيا” أو مدينة فاضلة (القضية والحق الموعود)، وعن مجتمع جديد يقوم على المساواة والعدالة ويقدم حلاً للمشاكل المستعصية. لكن خلف هذا القناع الخيري، تعمل آلة سيكولوجية معقدة لإعادة بناء شخصية الفرد وتحويله إلى أداة طيعة، عبر ما يعرف بنموذج “BITE” الذي صاغه “ستيفن حسن”، والذي يعتمد على أربعة محاور للسيطرة: السلوك، المعلومات، الأفكار، والعواطف.

تعالوا ندرس هذا النموذج (BITE) وإسقاطاته الواقعية:

  1. العزل والتحكم في المعلومات (Information Control)
  2. يمكن تسميتها بصناعة “الأخ الأكبر” كما في رواية جورج أورويل “1984”، حيث تعيد السلطة صياغة الحقيقة. يبدأ الزعيم بعزل أتباعه عن العالم الخارجي، ويتم تصوير هذا العالم على أنه “وحش”، “متآمر”، “أعداء القضية”، “أعداء الحق”، أو “أهل الضلال” الذين يسعون لتدميرنا. في نموذج مدينة “جونز تاون” الذي عرضه الفيديو، تم تشكيل كيانات مسلحة منعزلة (مليشيات) وقُطع الاتصال بالواقع، لا أخبار إلا ما يذيعه الزعيم عبر مكبرات الصوت أو قنواته الخاصة. وفي واقعنا، حتى وإن لم تتوفر تلك الأدوات لبعض الزعماء “المساكين” الذين يحلمون بتأسيس مدينة كـ “جونز”، فإنهم يعوضون ذلك ببث أخبار مفبركة والإشارة الدائمة إلى أن “كل ما هو خارجنا كذب وتدليس”، لتعزيز الشعور بالخطر والمؤامرة الكونية (التحالفات الكبرى ضد البلد الطيب أهله)، ليصبح الزعيم “المفدى” هو المصدر الوحيد للحقيقة، وجسر النجاة الأوحد.
  3. التحكم في السلوك (Behavior Control)،
  4. للتحكم والسيطرة، لا بد من سلسلة متوالية من خلق الأزمات المعيشية والحياتية لإنهاك الناس جسدياً، ودفعهم للجري طوال اليوم في سبيل الحياة الطبيعية، حتى لا يجدوا وقتاً للتفكير (فالتفكير جريمة). في “مدينة جونز “، تم إغراق الأتباع في مهام شاقة من الشروق للغروب وحرمانهم من الغذاء والنوم. هذا لا يختلف كثيراً عن النطاق المفتوح في واقعنا، فالغرض الأساسي هو “إشغال الحيز الذهني” بهموم اليوم: ما الفاتورة القادمة؟ كيف أسددها؟ كيف سيأكل صغيري؟ كيف سنحصل على العلاج؟ هذا الإنهاك الجسدي يجعل المقاومة أو التفكير النقدي أمراً مستحيلاً (والتعليم هنا ليس إلا وسيلة للحصول على شهادة)، فيتحول الأفراد إلى ما يشبه عمال السخرة أو الجنود الآليين الذين “يجرون جري الوحوش”، بينما ينعم الزعيم وفريقه بالامتيازات الحصرية، ولديهم ألف مبرر لذلك.. “لأنه الزعيم”.
  5. التحكم العاطفي (Emotional Control) ،
  6. هذه هي المرحلة الأصعب و الأخطر. في المدن المفتوحة، قد لا ينسجم الجميع، لكن المهم هو السيطرة على الأغلبية من خلال الصدمات. يمارس الزعيم وفريقه ما يسمى بـ “قصف الحب” (Love Bombing): (الشعب النبيل، العظيم، المجاهد، المضحي، المظلوم..). ولأن الحب وحده لا يكفي، يتم التصعيد إلى الترهيب وزرع الشعور بالذنب تجاه (المتآمرين، أعداء القضية، العملاء، المرتزقة). يتم ذلك عبر تفتيت الروابط الطبيعية (أسرة، صداقة، مصاهرة، زمالة)ـ فلا ينبغي أن يكون الولاء لغير الزعيم الذي يمثل “الجميع والقضية والحق”. يصبح الزعيم هو “الأب والأم والروح القدس” و”المتمكن بأمر الله”. تنشأ هنا “رابطة الصدمة” (Trauma Bonding)، حيث يتعلق الضحية بالجلاد (متلازمة ستوكهولم)، وينتظر الأتباع الرضا والأمان من “حامي الديار”.
  7. التحكم في الأفكار (Thought Control)،
  8. كما أشرت سابقاً ، أكبر جريمة هي التفكير، وبالأخص التفكير الناقد. لذا، يجب إلغاؤه من خلال تقسيم العالم لقسمين: (الأخيار المظلومين “نحن” / الأشرار المتآمرين “الآخرون”). يتم تدريب الأتباع على تقنيات “إيقاف التفكير” بمجرد أن يراودهم الشك، وتصبح الوشاية بالرفاق والأهل عملاً “ثورياً” ومقدساً. وحين ينجح ذلك، يتحول المجتمع إلى سجن مفتوح يراقب فيه الجميع، الجميعَ، في تجسيد حي لـ “شرطة الفكر” حسب رواية “1984” . يتم عبر ذلك محو الشخصية الفردية وصهرها في “الجماعة/الكلت”، فلم يعد الفرد يمتلك اسماً أو رأياً، هو مجرد “ترس في آلة” مستعد للموت إذا طلب الزعيم، لأن موته تضحية ستكتب في التاريخ وتقدس في السماء.

لكن دقيقة.. لا يمكن للديكتاتورية الناشئة أن تعيش على الشعارات والولاء فقط، فهي بحاجة لوقود مادي (العدي-البيس). هنا يتحول نهب الأموال من مجرد سرقة إلى استراتيجية هيمنة منظمة، وذلك عبر مستويين يحاكيان واقع الكيانات المسلحة:

  • المستوى الأول  “تأميم” أموال الأتباع:
  • النهب باسم الولاء أو الإفلاس الممنهج. في “مدينة جونز “، لم يكن الانضمام مجانياً، صادر جونز منازل ومدخرات أتباعه، وحتى شيكات رواتبهم لتصب في خزينة “المعبد”. هذا يحقق هدفين: توفير السيولة لشراء الولاءات والسلاح، وجعل الأفراد عاجزين عن الهروب لعدم امتلاكهم ثمن التذكرة. يتحول الزعيم هنا إلى “الرازق” الذي يمنح الفتات، وهو ما يشبه نظام الحصص في رواية “1984”.
  • المستوى الثاني “المقايضة بالنفوذ”
  • النهب يمتد لـ “خزينة الدولة”. الزعيم الطائفي (جونز) تحول لشخصية “براجماتية” تعقد صفقات مع السياسيين، مستخدماً أتباعه كـ “كتلة تصويتية” مقابل مناصب رسمية (مثل رئيس هيئة الإسكان). هذا المنصب أتاح له الوصول لموارد الدولة وشرعنة وجوده، وهو ما يشبه تماماً سيطرة قادة الميليشيات في دول “الربيع العربي” على مؤسسات الدولة لتمويل حركاتهم.

هذا “الاقتصاد الدكاكيني القسري” يراكم الثروة للزعيم (الذي كان الوحيد الذي يأكل اللحم والبيض في جونز تاون)، بينما يُفقر الناس عمداً ليسرق منهم القدرة على المقاومة، ثم يطعمهم الفتات ليبقوا مدينين له بحياتهم داخل أسوار الوطن ذي الولاء “الوهمي”.

لكن ورغم ذلك ، و مهما طال ليل الديكتاتوريات الناشئة، فإن شمس الحقيقة لا بد أن تشرق، لتكشف حجم الوهم الذي عاشه الأتباع كدروع بشرية لمجد الزعيم الشخصي. هذه الكيانات التي تقتات على اليأس، سواء كانت طوائف في الغابات أو كيانات مسلحة في دولنا، تنتهي دائماً بكوارث تفضح زيف شعاراتها، تلك اللحظة التي يدرك فيها الفرد أنه تحول من “مشروع إنسان” إلى “مشروع قربان” هي لحظة فارقة، لكنها غالباً ما تأتي بعد فوات الأوان، وسط ركام من الخراب النفسي والمادي.

لكن، لكي لا ننتظر الكارثة حتى نستفيق، ولكي لا يدفع المجتمع كلفة باهظة من الدماء والخراب، علينا تفعيل سلاح “الوقاية”، وهو التفكير الناقد. إن تحصين العقل يبدأ من التعليم، ولهذا أشدد دائماً على ضرورة إعادة بناء وعينا عبر ، ولذا حرصت ومازلت على نشر ومشاركة رؤية “منظومة التعلم الشاملة”، والتي نشرتها بتحديثها الأخير، لأن التعليم الذي لا يؤسس لعقل حر، هو مجرد أداة أخرى من أدوات التدجين.

لكن ليس مطلوب منا الانتظار، بل : “أن نفعل قدرتنا على التفكير”، نربي ابناءنا والاجيال القادمة على التفكير ، ولا تسلم مقود عقولنا لأحد.

اعزائي

أن الشجرة تضرب بجذورها في الأرض بحثاً عن الحياة، فلا نكن أقل منها تشبثاً بحقنا في التفكير.

فكّر..

ففي التفكير حياتك، وفي تسليم عقلك لغيرك نهايتك.

دمتم سالمين،

وأصلح الله بالكم،  

احمد مبارك بشير

‏29‏/01‏/2026

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.