القصة الحقيقة للثورة المصرية 11- حكاية الغراب النوحي


القصة الحقيقة للثورة المصرية 11

حكاية الغراب النوحي

(مدخل:سوف يذكر التاريخ على الدوام أن الثورة المصرية هي أول ثورة في التاريخ تقوم على أيدي البشر وتستكملها الكلاب والغربان.)

كشف الحاج محمود الظروف التاريخية التي أحاطت بالأيام الأولى من الثورة وكيف استطاعت القوى الثورية إفشال خطة نسف ميدان التحرير, وهي الواقعة التي يعرفها كل المصريين وإن كانوا لا يعرفون كيف تم ذلك.  حدث ذات ليلة بعد أن تناول الشيخ حسن طعام العشاء وتحادث مع والدته الحاجة كريمة التي أخبرته أن الحاجة هانم – زوجة الحاج محمود – قد زارتها صباح اليوم وحدثتها كيف أن سلمى ابنة الحاج محمود لا تكف عن البكاء بعد أن ألغى الحاج محمود جلسة قراءة فتحتها يوم الخميس المقبل.  قالت الحاجة هانم إن سلمى لا تفهم فكرة أن والدها لا تتوفر لديه نصف ساعة لاستقبال الحاج عبد العاطي شاهين وقراءة الفاتحة.  ضحكت الحاجة هانم وهي تحكي أن حضرة سيادة المستشار حلمي بك نفسه “مصدوم” أكثر من سلمى من موضوع إلغاء قراءة الفاتحة هذا حيث كان يأمل في أن يتم وراءها كتب الكتاب بأسرع ما يكون ثم الدخلة.   إلا أن لا أحد يستطيع مراجعة الحاج محمود فيما قال.  ابتسم الشيخ حسن وهز رأسه لإبداء تعاطفه مع سلمى, وقال “الله غالب, يا أمي.  خير إن شاء الله, خير”.   ذكرت الحاجة كريمة بعد ذلك أنها ستذهب في الغد إلى سوق الخميس وتساءلت عما إذا كان الشيخ حسن يرغب في شيء مخصوص.  رد الشيخ حسن بأن الحمد لله.  قامت الحاجة كريمة واحتضنت الشيخ حسن ثم زينب وقالت لهما “تصبحوا على خير”, وأغلقت الباب خلفها. 

لم تمضِ دقائق, على أية حال, حتى سمع الشيخ حسن “نقرًا” خفيفا على الباب كأن هناك من يريد أن يوقظه على استحياء.  نهض الشيخ حسن من فراشه وفتح الباب ليجد غرابًا أسود كبير الحجم رافعًا رأسه ينظر إليه.    هز الغراب رأسه واتجه ببطء ناحية سلم السطوح وارتقى عددًا من الدرجات ثم توقف ونظر إلى الشيخ حسن مرة أخرى.  فهم الشيخ حسن أن الغراب يريد أن يتحدث معه ولا يريد إزعاج زينب أو الحاجة كريمة.  أغلق الشيخ حسن باب الغرفة واتجه ناحية سلم السطوح ليرى ما لدى الغراب.

ألقى الغراب السلام على الشيخ حسن بصوت منخفض حرصًا على عدم إزعاج أهل الدار فرد الشيخ حسن السلام بصوت منخفض هو الآخر.  قدم الغراب نفسه على أنه هو الغراب النوحي.  ابتسم الشيخ حسن ابتسامة كبيرة فهو يسمع عن الغراب النوحي منذ أن كان طفلاً إذ كانت أمه الحاجة كريمة تردد في كل مرة تسمع فيها صوته أن هذا هو الغراب النوحي.  كان الشيخ حسن سعيدًا أن يرى الغراب النوحي بعد كل هذه السنين. 

قال الغراب النوحي إنه يعتذر عن إزعاج الشيخ حسن في هذا الوقت المتأخر من الليل إلا أنه, مثله في ذلك مثل كل أهل كفر نفرة, يعلم أن الشيخ حسن يغادر كفر نفرة بعد صلاة الفجر ولا يعود إلا بعد العاشرة مساءً.  بين الغراب النوحي أنه حضر من  القاهرة لمقابلة الشيخ حسن حيث إن من الصعب للغاية مقابلة الشيخ حسن على انفراد في القاهرة أو الإسكندرية.  فسواء في القاهرة أو الإسكندرية فالشيخ حسن محاط دائمًا بعشرات الناس على حين أن ما يريد الغراب النوحي إخباره به لا يمكن السماح لأحد غيره بسماعه.   ضحك الغراب النوحي ثم قال إنه حتى لو أراد ذلك لما استطاع فهو الآن غراب كبير في السن وقد أنهكته تماما رحلة السفر من القاهرة إلى كفر نفرة وأنه لولا أن الشيخ حسن هو الوحيد الذي يثق به لما غادر القاهرة أصلا.   هز الشيخ حسن رأسه شاكرًا هذه الثقة, كما أخبر الغراب النوحي بأنه ضيف مرحب به في أي وقت.

قال الغراب النوحي إنه غادر كفر نفرة إلى القاهرة منذ سنين طويلة بحثًا عن الرزق واستقر هناك في منطقة البساتين, وهي منطقة عامرة بالسكان فضلاً عن آلاف الزوار الذين يأتونها يوميا لزيارة موتاهم في مقابر البساتين الممتدة.  بين الغراب النوحي أن الوضع في كفر نفرة قد اختلف كثيرًا عما كان عليه الحال فيما مضى فقد هجرها كثير من أهلها واستقروا في بركة السبع, وطنطا, بل في القاهرة والإسكندرية, ولم تعد عيشة الغربان رغدًا كما اعتادوا فقد اختفت عشش الدجاج وبقايا الأكل التي كانت تفيض عن حاجة الناس. 

بين الغراب النوحي كيف أن الحياة في القاهرة قد علمته كيف يميز بين الناس, ومن هم الناس الذين ينتظر منهم الخير, ومن هم الذين لا يرجى خير من ورائهم, وكيف أنه استطاع مع الوقت أن يتعرف على ثلاثي البراهمية ويتقرب منهم, ويطمئنوا إليه, ويطمئن لهم.  أخبر الغراب النوحي الشيخ حسن أن ثلاثي البراهمية هذا يتكون من ثلاثة رجال أشداء من المهتمين بالشأن العام في منطقة السيدة زينب, حيث يشرفون على عمليات بيع وشراء المواد التموينية, وأنابيب البوتاجاز, والخبز, وكل ما يحتاجه الناس في السيدة زينب.  إذ يضمنون لكل من يقف في طابور التموين, أو الخبز, أو البوتاجاز أن يحصل على حقه, بل أن يضمن الوصول به إلى بيته سالما غانما إلى درجة أن لو أحدًا أصابته لوثة عقلية وخطف ما اشتراه هؤلاء الناس من حر مالهم لمزقه واحد من هؤلاء البراهمية شر ممزق في عرض الشارع.    أضف إلى ذلك أن هؤلاء البراهمية لا يتقاضون من الناس مليمًا واحدًا مقابل هذه الخدمة, إذ أنهم يعتبرون أنفسهم شركاء لهم في سعيهم نحو إطعام أفواه أطفالهم, وعليه فهم يقتسمون معهم ما حصلوا عليه.  بين الغراب النوحي أن الناس في السيدة زينب يقدرون النعمة التي يعيشون فيها وهو ما أظهرته الأيام التي تلت سقوط الداخلية والتي أطلق عليها الناس في عموم بر مصر مصطلح “الانفلات الأمني” إذ بقيت السيدة زينب نموذجًا “للانضباط الأمني” ولم يتغير شيء على الإطلاق.  يعلم لصوص بر مصر جميعهم أن الاعتداء على أي رجل, أو امرأة, أو حتى كلب من كلاب السيدة زينب, هو اعتداء على البراهمية شخصيًا وهو عمل ينتهي في العادة بفقدان حياتهم.    حقيقة الأمر, جاء الانفلات الأمني في مصر بالخير على السيدة زينب وأهلها, فقد أدى غياب رجال الداخلية إلى انخفاض الأسعار نتيجة اختفاء الإتاوات, كما أتاح الفرصة للصوص السيدة زينب للعمل بحرية في الأحياء المجاورة التي لا تتمتع بما تتمتع به السيدة زينب من حماية البراهمية.

ضحك الغراب النوحي عندما رأى علامات الاستفهام ترتسم على وجه الشيخ حسن كلما ذكر كلمة “البراهمية” وتذكر أنه لم يوضح ما يقصد.  قال الغراب النوحي وهو يغالب الضحك ن كلمة البراهمية هذه لا تعني, والعياذ بالله, أنهم كفرة, أو أنهم يعبدون الأبقار مثلاً, والعياذ بالله, بل هم مسلمون يؤمنون بالله ورسوله ولا تفوتهم ركعة في مسجد أم هاشم والحمد لله, فهم دائمًا قائمون على أعمالهم في القهوة الملاصقة لمسجد أم هاشم على بعد خطوات من قسم شرطة السيدة زينب. 

 بين الغراب النوحي أن هذا هو المصطلح الذي يستخدمه الناس في السيدة عندما يشيرون إلى الثلاثي الذي يشرف على مصالح الناس في السيدة والذي يتألف من ثلاثة رجال يسمى كل منهم بإبراهيم.  فهناك إبراهيم الشركسي, وإبراهيم الأسود, وإبراهيم الصعيدي.  وهي أسماء لا يدري أحد ما إذا كانت هي أسماء عائلاتهم فعلاً أم أنها أسماء أطلقها الناس عليهم, إلا أن المؤكد أنها أسماء تثير الرعب, والاحترام, والإعجاب في حي السيدة.   يعلم الناس في السيدة زينب أنه لولا وجود البراهمية لأصبحت الحياة في السيدة زينب لا تطاق.  يعلم الناس في السيدة كذلك أن هناك تعاونا وثيقًا بين جناحي الأمن في السيدة إذ كثيرًا ما يلجأ رجال الداخلية إلى الاستعانة برجال البراهمية في فرض النظام على طوابير الناخبين أيام الانتخابات, أو تأديب العناصر الخارجة على النظام العام والتي يجدون صعوبة في القيام على تأديبها بأيديهم, كما أن البراهمية يلجأون إلى رجال الداخلية في حالة محاولة أي غريب التسلل إلى السيدة زينب من أجل بيع مخدرات مثلا ومن ثم التسبب في مشاكل كبرى.  حقيقة الأمر, قال الغراب النوحي, هناك عرف في السيدة زينب, وهو عرف يشرف عليه كلا من رجال الداخلية ورجال البراهمية, بعدم تدخين الحشيش نهائيا في الأماكن العامة في منطقة السيدة زينب, وذلك منعًا لإحراج الباشا المأمور.  وعليه, فقد استقر الأمر على أن يذهب من يريد التحشيش في الهواء الطلق إلى قرافة زينهم حيث لن يضايقه أحد على الإطلاق.  ينطبق هذا الكلام على شحاذي السيدة كما ينطبق على البراهمية أنفسهم.

بين الغراب النوحي أنه رتب حياته منذ سنين على ألا يخرج بحثًا عن رزقه إلا بعد العاشرة مساءً حين يكون البراهمية ورجالهم قد وصلوا إلى القرافة, وأشعلوا الراكية, وبدأوا في شرب المشروبات, وشي اللحوم, وأكل الفواكه, والتحشيش إلى الصباح.  قال الغراب النوحي إن المسألة بالنسبة له لم تكن مسألة أكل وحسب, وإنما مسألة “صحبة طيبة” أيضًا.  فالقوم يمضون الليل في الغناء, والضحك, والحكايات الظريفة, والنكات, وفي آخر الليل ينصرف الجميع إلى بيوتهم بعد أن يكونوا قد أمضوا ليلة جميلة, وينطلق الغراب النوحي إلى عشته في شارع قدري بعد أن يكون قد ملأ بطنه من خيرات الله.  حقًا, هناك أوقات يدور فيها الكلام عن أشياء بعيدة تماما عن اهتمام الغراب النوحي, مثل تنظيم الانتخابات, أو جمع التبرعات, أو تسوية المديونيات, إلا أن ذلك لم يكن الأمر الغالب كما أنه لم يكن يدوم طويلاً قبل أن يبدأ السمر.  توقف الغراب النوحي عن الكلام, ونظر إلى الشيخ حسن وقد بدت عليه الجدية وبعض التوتر, وكأنه يقول له كان كل ما قلته هذا مجرد تمهيد لما سأقوله الآن, ثم بدأ في الحديث عما جاء لأجله.

قال الغراب النوحي إنه لاحظ في الأيام الأخيرة أن جو السهر والسمر هذا قد اختفى, وأن الحديث بدأ يدور, ويدور, ولا ينتهي أبدًا عن ميدان التحرير.  وهو ميدان معروف ومألوف لدى الغراب النوحي إلا أنه لم يكن أبدًا موضع اهتمام أحد من أهل القاهرة من قبل.  حقًا هو أكبر ميدان في القاهرة إلا أن ذلك لا يعني أن يقضي الناس ليلهم في الحديث عنه.  مع مرور الوقت, على أية حال, بدأ الغراب النوحي في سؤال أصدقائه من الغربان المهتمين بالشأن العام عن موضوع ميدان التحرير هذا.  قابل أصدقاء الغراب النوحي سؤاله هذا بالتعجب فالكل يعرف أن الغراب النوحي لا يهتم بشيء في هذه الحياة سوى بلقمة عيشه هو وأطفاله ولا علاقة له على الإطلاق بما تفعله الغربان الأخرى, ودعك من البشر.  أي أنه, كما يقولون, كافٍ خيره شره.  إلا أنهم شرحوا له أن هناك في ميدان التحرير ثورة.  أي أن الناس غاضبة من النظام القائم وتريد نظاما آخر.  هز الغراب النوحي رأسه وتظاهر بأنه فهم وإن كان, في حقيقة الأمر, لم يفهم شيئًا.  كل ما كان يريد الغراب النوحي أن يعرفه هو ما إذا كان ما يجري في ميدان التحرير سيؤثر على لقمة عيشه أم لا, وهذا سؤال لم يهتم به أحد, أو لم يفهمه أحد, وبالتالي فالأمر لا يخص الغراب النوحي من أصله. 

مرت الأيام وسهرات قرافة زينهم على ما هي عليه من النكد, والغراب النوحي صابر على ما ابتلاه الله به من اهتمام غير مفهوم بأكبر ميدان في البلد, إلا أن الأكل والشرب لم ينقص ولم يحدث أن عاد الغراب النوحي يوما إلى عشته بدون عشاء.  ميدان تحرير أو غير ميدان تحرير.  استمر ذلك إلى أن جاء يوم سمع فيه الغراب النوحي كلامًا غريبا عن ميدان التحرير, وكيف أن الباشا قد طلب من البراهمية نسف الميدان بمن فيه, وكيف أن ذلك سيعود بالخير العميم على البراهمية, ورجال البراهمية.  دار الحديث كذلك عن أطنان الديناميت المطلوبة لإنجاز المهمة وطرق تسليمها ونقلها إلى الميدان, وعشرات الرجال اللازمين لعمليات النقل. 

لم يأخذ الأمر طويل وقت ليدرك الغراب النوحي أن البراهمية كانوا يتحاورون حول استخدام مترو الأنفاق من أجل نقل عشرات الأطنان من الديناميت أسفل ميدان التحرير ومن ثم نسفه والتخلص ممن فيه وبذا يتم القضاء على الثورة المصرية.  كاد الغراب النوحي أن يسقط على الأرض عندما سمع البراهمية يتحدثون أن عدد القتلى لن يقل بأي حال من الأحوال عن خمسين ألف وقد يصل إلى مائة ألف.  شعر الغراب النوحي بالغثيان والرغبة في القيء كما شعر بالرعب.  شعر بأنه في مصيبة.

لم يكن الغراب النوحي, مثله في ذلك مثل عموم الغربان الآخرين, من المهتمين يومًا بالشأن العام, ودعك من تغيير نظام الحكم بالقوة.  كل ما كان يهتم به هو أن يذهب آخر الليل إلى عياله في عشة شارع قدري وهو يحمل لهم ما جاد به الله عليه من بقايا طعام البراهمية, ويحمد الله على ذلك.  لم يستمع إلى نشرة أخبار واحدة في حياته, ولم يقرأ سطرًا واحدًا في صحيفة في حياته, ولم يهتم بالسؤال عن أحد في حياته, ولم يسأل عنه أحد في حياته.  هو غراب نوحي لا يطمع في شيء من هذه الحياة الدنيا غير الستر.  والآن هو في مصيبة, فقد اطلع على معلومات لا تخصه, ولا كان من المفروض أن يسمعها, ولولا أن البراهمية كانوا مساطيل لما تحدثوا بهذا الحديث أمامه.  حقًا, هو غراب, ولكن من أدراهم أن الغربان يمكن الثقة بها؟  من أدراهم أن الغربان لا خلق لها؟  كيف لغراب أن يرى إنسانًا يخطط لمقتل عشرات الآلاف من البشر ويقف ساكنا وكأن الأمر لا يعنيه؟  كيف يمكن أن يقال إن الأمر لا يعنيه وهو حيوان مثلهم تمامًا؟  حتى لو كان فاقد العقل فهو ليس فاقد الخلق.  حقيقة الأمر, لا هو فاقد العقل, ولا فاقد الخلق, ولن يرضى لنفسه أبدًا أن يشارك في هذه الجريمة.  السكوت عن الإجرام إجرام.  وسكت الغراب النوحي.

نظر الشيخ حسن إلى الغراب النوحي ولم تخرج كلمة من فمه.  كان مذهولا من هول ما سمعه.  لم يكن يتخيل أن تصل الحكومة إلى حد قتل عشرات الآلاف من المصريين من أجل الحفاظ على الحكم.  والأهم أنه, مثله في ذلك مثل الغراب النوحي, لم يكن يعلم ماذا يصنع بمثل هذه المعلومات.  مثله مثل الغراب النوحي كذلك أدرك أن كل ما يستطيع القيام به هو توصيل هذه المعلومات إلى من لديهم القدرة على فعل شيء.  كان الشخص الوحيد الذي يعرفه الشيخ حسن والذي يمكنه أن يفعل شيئًا في مثل هذا الموضوع هو سيادة المهندس خيري عبد الرحمن.  وعليه, سأل الشيخ حسن الغراب النوحي عما إذا كان يمكنه الانتظار إلى الغد ليرى ما يمكن عمله.  قال الغراب النوحي إن أمامهم متسع من الوقت حيث إن البراهمية ما زالوا في مرحلة التخطيط بعد ولم يدخلوا في مرحلة الإعداد والتنفيذ.  أي أنه يتوقع أن يحتاج ذلك إلى ثلاثة أو أربعة أيام.  أضاف الغراب النوحي أنه ليس في عجلة من أمره هو الآخر وأن الرحلة من القاهرة إلى كفر نفرة قد استنفدت طاقته وأنه, بالتالي, لا يتوقع أن يكون قادرًا على السفر إلى القاهرة قبل يومين من الآن.

قال الشيخ حسن إنه يشرفه أن يمضي الغراب النوحي هذين اليومين في بيته هنا في كفر نفرة.  توجه الشيخ حسن إلى غرفة الحاجة كريمة وطرق الباب طرقًا خفيفا.  خرجت الحاجة كريمة على الفور لاستطلاع الأمر.  أشار الشيخ حسن إلى الغراب النوحي وأخبر أمه أنه سوف يقضي اليومين القادمين في ضيافتهم وطلب منها أن تفتح له غرفة السطوح وأن ترى طلباته وأن تحرص على ألا يزعجه أحد.  أي أن من الأفضل ألا يصعد إلى السطوح أحد غيرها.  ذهبت الحاجة كريمة إلى المطبخ وأحضرت بعض الطعام وطبقًا مليئًا بالماء وصعدت مع الشيخ حسن لتفتح غرفة السطوح.  دخل الغراب النوحي إلى الغرفة وأغلق عينيه وراح في النوم.  كانت الرحلة من القاهرة إلى كفر نفرة رحلة طويلة ومضنية.  ابتسمت الحاجة كريمة عند رؤية الغراب النوحي وهو مستغرق في النوم.  تغير شكله كثيرًا عما كان عليه في شبابه.  الحمد لله على كل حال على أنه ما زال محتفظا بصحته.  يكفي أنه طار اليوم من القاهرة إلى كفر نفرة بدون توقف.  أغلق الشيخ حسن الباب برفق, إلا أنه تركه مواربًا حتى يستطيع الغراب النوحي مغادرة الغرفة في الصباح بدون أن ينتظر صعود الحاجة كريمة لتفتح له.  ذهب الشيخ حسن إلى غرفته وأغلق الباب واستلقى بجوار زينب التي كانت مستغرقة في أكل الرز باللبن مع الملائكة.  ابتسم الشيخ حسن عند رؤية وجه الملاك النائم إلى جواره, وألقى رأسه على المخدة وراح في النوم. 

استيقظ الشيخ حسن على صوت أمه وهي تتحرك في المنزل لإعداد الشاي والفطور.  اللطيف في الأمر, حقيقة الأمر, أن الحاجة كريمة كانت تعلم أن احتمال أن يتناول الشيخ حسن طعام الإفطار قبل السفر إلى القاهرة هو احتمال ضعيف جدًا قد لا يصل إلى واحد في المليون, إلا أنها لم تكن لتقبل أن يأتي هذا الواحد في المليون وهي غير مستعدة.  توضأ الشيخ حسن وأخذ رشفة من الشاي والابتسامة تسطع على وجهه.  الله يخليكِ يا حاجه كريمة.  قبل الشيخ حسن يد والدته, ونظر إلى زينب وفتح باب الدار وخرج.  كان المسجد عامرًا بآل العكابري وأخذ الشيخ حسن مكانه في الصف الأول.  نفس المكان الذي كان يقف فيه مع والده رحمه الله, وأدى الصلاة وخرج إلى حيث كانت تقف سيارة الحاج محمود.  جاء الحاج محمود وأدار السيارة, وقلب المؤشر بين المحطات وانطلقت السيارة إلى القاهرة.

مضى اليوم في القاهرة كالمعتاد, حيث قابل الدكتور محمد, ونام في المسجد إلى ما قبل صلاة الظهر بقليل, ثم اتجه مع الدكتور محمد إلى مكتبه حيث استلم الظرف, وبعد ذلك تناول طعام الغداء مع الحاج محمود وانطلقا إلى الإسكندرية.  وفي الإسكندرية, توقفت السيارة كما هي العادة بالقرب من بناية الجماعة, وصعد الشيخ حسن إلى مكتب سيادة المهندس خيري عبد الرحمن الذي استقبله بكل ترحاب كالعادة واستلم منه المظروف وسلمه مظروفًا آخر, وكالعادة أيضا لاحظ أن لدى الشيخ حسن ما يريد الحديث عنه فأشار بيده إلى الكرسي أمامه قائلاً “ما عندك يا شيخ حسن؟”  وحكى له الشيخ حسن ما أخبره به الغراب النوحي ليلة أمس.

حكى الشيخ حسن ما أخبره به الغراب النوحي بدون أن يقاطعه سيادة المهندس خيري مرة واحدة.   انتهى الشيخ حسن من روايته ولم ينطق المهندس خيري بكلمة واحدة.  كل ما فعله هو أن وضع رأسه بين يديه بعد أن كان يضعها على يد واحدة.  هز المهندس خيري رأسه وقال وكأنه يكلم نفسه “والله يا شيخ حسن أنت تحدثنا عن مصيبة لا أرى حلا لها ولا أعتقد أن هناك حل لها.  لا هنا ولا في القاهرة”.   قال المهندس خيري, مرة أخرى وكأنه يحدث نفسه: “المصيبة في هذا الأمر أننا لا نستطيع إخبار الشرطة.  لا توجد لدينا في مصر شرطة.  الشرطة وقعت.  اختفت منذ يوم 28 يناير.  المصيبة أننا لا نستطيع إخبار الجيش أيضا.  الجيش ليس شرطة ولا يستطيع أن يتدخل لمنع جريمة.  حقًا, يبذل الجيش كل جهده للقبض على المجرمين إلا أن ذلك لا يحدث إلا بعد أن يكونوا قد قاموا بجريمتهم.  في حالتنا نحن هذه نحن لا يمكننا الانتظار حتى تقع الجريمة ثم يقوم الجيش بإلقاء القبض على المجرمين. 

التدخل بعد وقوع الجريمة في حالتنا هذه لا قيمة له.  ما الفائدة من التدخل بعد موت عشرات الآلاف من البشر؟  حقيقة الأمر, أنا واثق من أنه لن يكون هناك تدخل بعد وقوع هذه الجريمة لأن المجرمين الذين أمروا بها هم الذين سيكونون على رأس الحكومة بعد إجهاض الثورة والتخليص على الثوار.  أضف إلى ذلك أننا لا نستطيع التدخل وإرسال شبابنا لإيقاف هذه الجريمة.  نحن نواجه بلطجية السيدة زينب الذين لن يجدوا أي صعوبة في القضاء بالكامل على أي أعداد نرسلها.  نحن لا يوجد لدينا جيش, ولا شرطة, ولا جماعات مسلحة.  فكرة أن لدينا جماعات مسلحة هي فكرة من إنتاج وتسويق مدينة الإنتاج الإعلامي ولا علاقة لها بالواقع.  أكثر من ذلك, حتى لو حدثت معجزة واستطعنا منع الجريمة فسوف يقوم الإعلام بتصوير الأمر على أنه عمل قامت الجماعة به وأن البلطجية هم الذين ماتوا دفاعًا عن الثورة المصرية.”   توقف سيادة المهندس خيري عن الكلام مع نفسه, ثم رفع رأسه ونظر إلى الشيخ حسن وقال: “توكل أنت على الله يا شيخ حسن وسوف نرى بعض غدًا إن شاء الله وعسى أن يفتح الله بابًا كان موصودا”.  حيا الشيخ حسن سيادة المهندس خيري وخرج من المكتب إلى حيث كان الحاج محمود في انتظاره.  أدار الحاج محمود مفتاح السيارة وانطلق في الطريق إلى كفر نفرة. لم يتوقف مؤشر الراديو عن الانتقال من محطة إلى محطة, كما هي العادة, كما لم يتوقف الحاج محمود عن إعطاء شريط التعليق على الأنباء, كالعادة كذلك.  لم ينطق الشيخ حسن ولو مرة واحدة, على غير العادة, بأن الحمد لله أو لا غالب إلا الله.  كان شكل الحديث مع سيادة المهندس خيري يوحي بأن القضية خسرانه وأنه لم تبقَ سوى أيام قلائل قبل تدمير ميدان التحرير على رؤوس من فيه.

توقفت السيارة أمام دار الشيخ حسن وخرجت منها الحاجة كريمة وهي تبتسم وزينب تقف خلفها والسعادة تقفز من عينيها لرؤية أحب إنسان لديها.  قفز حسين إلى خارج الدار ليرحب بمقدم أخيه الكبير.  كان استقبالاً مبهجًا إلا أن الشيخ حسن كان يجد صعوبة في مبادلة الفرحة بفرحة مماثلة.  كيف يمكن لإنسان أن يبدي الفرحة وهو يعلم أن عشرات الآلاف من البشر سوف يفقدون حياتهم خلال أيام؟

تناول الشيخ حسن طعام العشاء.  تحدثت الحاجة كريمة عن أخبار البلد كالعادة.  كيف تأخرت أم عبده عن الحضور اليوم خجلاً من أن يرى الناس وجهها بعد ما فعله المِشط بالأمس – المِشط هو الابن الوحيد لأم عبده – عندما حاول سرقة زوج حمام من السوق, وكيف تدخل الحاج بدر – أكرمه الله – وأنهى الموضوع على أنه مجرد سوء تفاهم.  طبعًا كانت كل الناس فاهمة أن المشط كان على وعي تماما بما يفعل إلا أن أهل البلد كانوا يفكرون في أمه المسكينة التي ليس لها سند غيره.  كما تحدثت عن نية الحاج أحمد العكابري في السفر إلى طنطا غدًا للقيام ببعض التحليلات.  تساءل حسين هو الآخر عن أخبار الوضع في القاهرة والإسكندرية, إلا أن الشيخ حسن كان يجد صعوبة حتى في الرد بأن الله غالب.  كان واضحًا تماما أن الشيخ حسن لديه ما يشغله.  حملت زينب الأطباق إلى المطبخ, وحمل حسين الطبلية إلى الخارج, وحملت الحاجة كريمة نفسها وقامت لتقبل الشيخ حسن قبل أن تغادر الغرفة.  قام الشيخ حسن وقبل هو رأسها, ثم سألها بصوت خفيض عما إذا كان الغراب النوحي بخير.  ردت الحاجة كريمة بأنها صعدت إلى السطوح أكثر من مرة لترى ما إذا كان يحتاج شيئا إلا أنه كان دائمًا محاطا بأصدقائه القدامى من غربان كفر نفرة, وإن كان عددهم قد قل كثيرًا عما كان عليه أيام زمان, كما أنه كان دائم الطيران فوق كفر نفرة وكأنه يسترجع ذكريات الشباب.  أضافت الحاجة كريمة أنها حرصت على ألا يصعد إلى السطوح أحد غيرها طوال اليوم. 

قبل الشيخ حسن رأس أمه تعبيرًا عن شكره لاهتمامها بضيفه وجلس بانتظار انتهاء زينب من غسيل الأطباق.  حضرت زينب وهي تبتسم.  أخيرًا, خلص لها الشيخ حسن.  نظر إليها الشيخ حسن وهو يبتسم هو الآخر – الشيخ حسن يسعده النظر إلى زينب – وقال لها إن لديه الليلة ضيف عزيز في الدار يحتاج إلى أن يتحدث معه حديثًا قد يطول.  طلب منها الشيخ حسن ألا تنتظر عودته حتى تنام فهو لا يدري كم سيأخذ هذا الحديث من الوقت.  شعرت زينب بغصة في حلقها إلا أنها كانت تعلم أن الشيخ حسن لم يكن ليتركها إلا لأمر شديد الأهمية.  قامت من على الكنبة واحتضنته برفق واتجهت إلى الفراش.  قام الشيخ حسن ووضع عباءة ثقيلة على كتفيه واتجه إلى السطوح للحديث مع الغراب النوحي.

طرق الشيخ حسن باب غرفة السطوح برفق استئذانا من الغراب النوحي بالدخول.  كانت الغرفة مظلمة تمام الظلام باردة تمام البرودة يقف الغراب النوحي في ركن منها تلمع عيناه كأنهما يضيئان المكان.  تحسس الشيخ حسن طريقة حتى وصل إلى اللمبة الجاز التي كانت موجودة في الكوة فأضاءها وأضاء الغرفة.  حيا الشيخ حسن الغراب النوحي وسأله عن الحال وكيف قضى يومه.  حدثه الغراب النوحي عن كيف قضى اليوم في التجول في كفر نفرة والحديث مع الأصدقاء وكيف استمتع بكل دقيقة قضاها في مسقط رأسه.  ذكر الغراب النوحي أن والدته كثيرًا ما ذكرت له أن اسم كفر نفرة هذا ما هو إلا النسخة الحديثة من الأصل الفرعوني “كفر نفرت”.  أي القرية الجميلة.  وكفر نفرة فعلاً جميلة, وهذا شيء لا يعرفه إلا من عاش فيها ثم عاش في غيرها.  كان حديث الغراب النوحي للحق جميلاً إلا أن الغرفة كانت شديدة البرودة.  استأذن الشيخ حسن من الغراب النوحي وخرج ليعود بعد دقائق براكية مليئة بالخشب سكب عليها بعض الجاز وأشعلها أمام غرفة السطوح وما أن هدأت النار قليلا حتى أدخلها الغرفة, ولف العباءة حوله جيدا وبدأ في الحديث.

كان الشيخ حسن, كالعادة, مختصرًا للغاية في كلامه إلا أنه بين بوضوح أن ليس في يد أحد أي شيء يمكن أن يفعلوه لإيقاف الجريمة التي يتم التخطيط لها.  أي أن علينا أن نستعد من الآن لقبول فكرة موت عشرات الآلاف من البشر ونهاية الثورة المصرية.  هز الغراب النوحي رأسه يمينا ويسارا بعنف أكثر من مرة.  لم يستطع أن يتخيل منظر كل هؤلاء القتلى, ولا منظر الميدان وقد انفجرت أمعاؤه, ولا بنايات ميدان التحرير الجميلة وقد سقطت واجهاتها إن لم تكن قد سقطت كلها. 

لم يكن قادرًا كذلك على تقبل فكرة سقوط الشرطة المصرية.  فكرة أن تقصر الشرطة المصرية في عملها فكرة مقبولة.  حقًا هي فكرة سيئة إلا أنها ممكنة.  فكرة أن تكون الشرطة المصرية فاسدة هي أيضًا فكرة ممكنة.  الكمال لله وحده.  وأمام كل ضابط شرطة فاسد يوجد عشرة صالحين.  عاش الغراب النوحي في بيوت كفر نفرة وتعرف عن قرب على سيادة اللواء حسن شاهين وسيادة اللواء أحمد قرطام ويعلم أنهم من أنظف الناس ومن أخلص الناس.  يعرف الغراب النوحي العديد من غربان بركة السبع الذين يعرفون عن قرب سيادة اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية السابق الذي دخل الوزارة كواحد من أشرف رجال مصر وخرج منها كواحد من أشرف رجال مصر.  فكرة أن يقف مثل هؤلاء الرجال موقف المتفرج بينما يقوم البلطجية بقتل الناس كانت تبدو فكرة مستحيلة.   لا بد أن في الأمر شيء خطأ.   مر الوقت ببطء ولم ينطق الشيخ حسن بكلمة.  ولا الغراب النوحي.  كان كلاهما مستغرقًا في التفكير.  فكرة أن يجلس الشيخ حسن مع الغراب النوحي في ركن من غرفة السطوح في انتظار وقوع الجريمة كانت فكرة مرفوضة من كل من الشيخ حسن والغراب النوحي.  لا بد من أن يفعلا شيئا.  المشكلة أنهما لم تكن لديهما أي فكرة عن هذا الشيء الذي يمكن عمله.  فجأة رفع الغراب النوحي رأسه وعيناه تبرقان وقال “وجدتها”.

قال الغراب النوحي إنه إذا كان رجال الشرطة في مصر قد كفوا عن حراسة مصر فإن كلاب الشرطة في مصر لم تكف عن حراسة مصر.  بين الغراب النوحي أن كلاب الشرطة ما زالت في أماكنها وأنها لن تتأخر ولو لثانية عن القيام بواجبها.   قال الغراب النوحي إنه على ثقة كاملة بأن الكلب هول لن يقف موقف المتفرج إذا علم أن حياة عشرات الآلاف من المصريين معرضة للخطر.  غامر الكلب هول طوال حياته بحياته من أجل إنقاذ حياة شخص أو شخصين ولن يضن بها وحياة عشرات الآلاف معرضة للخطرة.  كل ما يحتاجه الأمر هو الذهاب إليه وإطلاعه على الأمر.  التمعت عينا الغراب النوحي وهو يقول إنه سيذهب إلى الكلب هول في الغد وسيعرض الأمر عليه.  اتفق الشيخ حسن مع الغراب النوحي على أن يلتقيا في الغد بعد صلاة الفجر مباشرة أمام مسجد الناحية للسفر سويا إلى القاهرة.  كانت فكرة أن يطير الغراب النوحي إلى القاهرة مستبعدة حيث كانت الرحلة من القاهرة إلى كفر نفرة قد استهلكته تماما.  فكرة السفر من القاهرة إلى كفر نفرة ثم من كفر نفرة إلى القاهرة في نفس اليوم كانت فكرة ممكنة أيام الشباب, وهذه الأيام ولت.  تساءل الشيخ حسن عما إذا كان الغراب النوحي يرغب في إبقاء الضوء المنبعث من اللمبة الجاز أم يفضل إطفاءها.  قال الغراب النوحي إنه يفضل أن يبقى مع الضوء المنبعث من الراكية فقط حيث إنه معتاد على النوم والأضواء مطفأة.  أطفأ الشيخ حسن اللمبة الجاز وأغلق الباب وراءه جيدًا حيث كان البرد قارصا واتجه إلى غرفته.

في الصباح, قام الشيخ حسن وتوضأ ثم صعد إلى غرفة السطوح وطرق الباب لإيقاظ الغراب النوحي قبل أن يدخل الغرفة.  ألقى الشيخ حسن بتحية الصباح على الغراب النوحي وأخبره أن السيارة ستنطلق إلى القاهرة بعد دقائق وأنه سيعد له مكانا على المقعد الخلفي للسيارة.  قبل الشيخ حسن رأس أمه, وملأ عينيه من زينب, وخرج من الدار تصحبه دعوات أحب الناس إلى قلبه.  صلى الشيخ حسن صلاة الفجر واتجه إلى سيارة الحاج كالعادة إلا أنه في هذه المرة فتح الباب الخلفي ووضع بطانية قديمة على أرضية السيارة لكي ينام عليها الغراب النوحي.  كان الغراب النوحي واقفا على سطح الدار يرقب الساحة, وما أن رأى الشيخ حسن يفتح باب السيارة حتى طار إلى جانب الشيخ حسن ودخل السيارة بهدوء.  أغلق الشيخ حسن باب السياة وأخذ مكانه إلى جانب الحاج محمود.  حضر الحاج محمود وأدار مفتاح السيارة وبدأ التقليب في محطات الأخبار وانطلقت السيارة إلى القاهرة.

لم يأخذ الطريق, كالمعتاد, أكثر من ثلاث ساعات إلى أن توقفت السيارة أمام مبنى الجماعة في المقطم.  استيقظ الغراب النوحي عندما شعر بتوقف السيارة وصعد إلى المقعد الخلفي حتى يرى الشيخ حسن.  اتفق الإثنان على أن يلتقيا بعد صلاة الظهر مباشرة بعد أن يكون الغراب النوحي قد عرض الأمر على الكلب هول واتفق معه على خطة العمل على أن يتجه الجميع بعد ذلك إلى الاسكندرية للتنسيق مع سيادة المهندس خيري عبد الرحمن.  نزل الشيخ حسن من السيارة وفتح الباب الخلفي للسيارة حتى يخرج الغراب النوحي.  حيا الشيخ حسن الغراب النوحي ودعا الله أن يوفقه في مهمته واستدار متجها إلى داخل المبنى يصحبه الحاج محمود.  طار الغراب النوحي إلى حيث تعيش كلاب الشرطة. 

لم تكن لدى الغراب النوحي أية فكرة عن المكان الذي يعيش فيه الكلب هول, وعليه توجه إلى مقابر زينهم لعل أحدًا من أصدقائه هناك يكون على علم بعنوانه.  لم يطل البحث كثيرًا, على أية حال, حتى أخبره شاب من شباب الغربان بأن الكلب هول يقيم حاليا في كلية الشرطة بالتجمع الخامس.  أعرب الغراب الشاب عن استعداده للذهاب مع الغراب النوحي لإرشاده إلى الطريق.  شكر الغراب النوحي الغراب الشاب على شهامته وطار الإثنان إلى التجمع الخامس. 

لم يكن قد سبق للغراب النوحي أن رأى القاهرة الجديدة, فهو قد قبع في السيدة زينب منذ أن ترك كفر نفرة ولم يغادرها أبدًا إلا للذهاب إلى قرافة زينهم بحثا عن لقمة العيش.  كان منظر القاهرة الجديدة, بهذا الشكل, مفاجأة له.  شوارع وراء شوارع من أجمل بيوت العالم, وأحياء وراء أحياء لا مثيل لها في جمالها.  شعر الغراب النوحي وكأنه قد ترك مصر وهاجر إلى أمريكا, أو أوستراليا, أو أي من هذه البلاد التي يرى صورها في التليفزيون في مقاهي السيدة زينب.  وفجأة أشار الغراب الشاب إلى مجموعة من المباني يحيط بها سور يمتد مئات الأمتار في كل اتجاه.  مبان من أحلى ما يكون, وشوارع من أجمل ما يكون, وحدائق, وأزهار, ومواقف سيارات تسع سكان القاهرة الجديدة والقديمة سواء.  كانت هذه هي كلية الشرطة.

كان الجو, على غير العادة في مثل هذا الوقت من السنة, دافئًا والشمس ساطعة, فمضى الغراب النوحي يصاحبه الغراب الشاب في الطيران فوق الكلية بحثًا عن الكلب هول وأيضًا استمتاعا بما يريانه.  لم يطل بحثهما كثيرًا, على أية حال, إذ لمح الغراب الشاب الكلب هول متمددًا في الشمس تحيط به مجموعة من كلاب الشرطة وهم يتحدثون بصوت خفيض.  هبط الغراب الشاب إلى مكان قريب من هذا الجمع وما هي إلا ثوان وهبط بجواره الغراب النوحي. 

نظر الكلب هول إلى الغراب النوحي باستغراب, إذ هو لم يسبق له أن تعرف عليه.  حقيقة الأمر, هو لم يسبق له أن تعرف على أي غراب على الإطلاق, إذ لسبب ما تحرص الغربان على الابتعاد عنه.  ربما لأنه يعمل في الشرطة.  سار الغراب النوحي نحو الكلب هول وهو يكلمه كلام الواثق من نفسه تماما ومن كل كلمة يقولها قائلاً له إنه على وعي بغرابة ما يفعله إذ لم يسبق له التعرف على الكلب هول إلا أنه قد جاءه في أمر يهمه بل يهم كل كلب في مصر. 

رفع الكلب هول رأسه وطرطق أذنيه ونظر باهتمام شديد إلى ما يقوله الغراب النوحي.  نظر الغراب النوحي إلى مجموعة كلاب الشرطة المحيطة بالكلب هول ولم يقل شيئا.  فهم الكلب هول مقصد الغراب النوحي ورفع يده اليمنى وهو يهزها في إشارة إلى الغراب النوحي بأن يستمر في الكلام, وقال له إن الجميع هنا كلاب شرطة وأن له أن يقول أمامهم كل ما لديه.  وتحدث الغراب النوحي. تحدث حديثًا مطولا مستفيضا ذكر فيه كل صغيرة وكبيرة من مخطط نسف ميدان التحرير بمن فيه, بما في ذلك كيف أرشده الغراب الشاب إلى مكان الكلب هول.

ما أن انتهى الغراب النوحي من روايته حتى كان الذهول باديا على وجوه الكلاب.  حياة عشرات الآلاف من المصريين معرضة للخطر وهم يتشمسون في كلية الشرطة؟  كيف يستطيع كلب من كلاب الشرطة أن ينظر إلى وجهه في المرآة بعد اليوم؟  كيف يواجهون أنفسهم, ودعك من أطفالهم وزوجاتهم؟  كيف تنظر إليهم كلاب مصر بعد اليوم؟  كيف يبررون كل الامتيازات التي يتمتعون بها أمام كلاب الشوارع التي تبحث عن طعامها في صفائح الزبالة بينما هم يتمتعون بأطايب الطعام؟  شعر الكلب هول ببوادر الغضب تعتلي وجه الكلاب فنظر إلى كل واحد منهم نظرة الحديد اللامع.  لن تقف كلاب الشرطة موقف المتفرج, وإذا كان حتما أن يموت آلاف الناس في ميدان التحرير فسيموت الكلب هول معهم ومعه كل كلاب الشرطة.  لن يعيش الكلب هول يوما واحدًا ونظرات العتاب تحيط به, إن لم تكن نظرات الاحتقار.  كيف يمكن العيش مع نظرات الاحتقار وأصوات الترحيب به في كل مكان ذهب إليه في مصر مازالت ترن في أذنيه؟

تساءل الكلب هول عما إذا كان لدى الغراب النوحي أي فكرة عن الإطار الزمني لهذه العملية.  رد الغراب النوحي أن المسألة مسألة أيام.  يومين أو ثلاثة.   تساءل الكلب هول كذلك عن عدد البلطجية المشتركين في العملية, وعدد قطارات المترو التي سيشحنونها بالديناميت, وأماكن اختطاف هذه القطارات, والوقت الذي ستتم فيه العملية, وغيرها من التفاصيل الدقيقة.  أجاب الغراب النوحي على كل هذه التساؤلات.    قام الكلب هول من مكانه ومضى يسير في الساحة وهو يفكر فيما أخبره به الغراب النوحي.  وقف الغراب النوحي في مكانه حتى ينتهي الكلب هول من دراسة الموضوع.  رفع الكلب هول رأسه فجأة وطرطق أذنيه واتجه إلى الغراب النوحي ليخبره بما استقر على عمله.

قال الكلب هول إن أهم نقطة يلزم أن تكون واضحة تماما هي أن كل كلاب الشرطة ستشترك في العملية.  هذا أمر محسوم.  النقطة الثانية التي يجب أن تكون واضحة كذلك هي أن عدد كلاب الشرطة الموجود حاليا في كلية الشرطة – وهو العدد الذي يمكننا العمل على أساسه فقط – لا يكفي للقيام بهذه العملية.   يعني ذلك أن علينا الاستعانة بكلاب البلد كلها حيث إن العملية ستحتاج إلى أعداد أكثر بكثير من عدد كلاب الشرطة.  قال الكلب هول إنه سيتولى تنظيم هذه العملية بنفسه فكلية الشرطة بها عدد معقول من الكلاب البلدي العاملة بالحراسة والتي ستنتهز هذه الفرصة لإثبات أنها لا تقل كفاءة عن كلاب الشرطة, بل ولا عن الكلب هول نفسه. 

كانت الخطة التي عرضها الكلب هول تقضي, باختصار, بأن تتوزع كلاب الشرطة على ثلاث مجموعات تتشكل كل مجموعة منها من اثنى عشر كلبا أو ثلاثة عشر كلبا.  تقوم كل مجموعة بالهجوم على البلطجية بعد استيلائهم على القطارات وبدء نقل الديناميت من الشاحنات إلى القطارات.  تعمل كل مجموعة على التعامل مع البلطجية, ونزع سلاحهم, وإلقائهم أرضا على أن تتولى الكلاب البلدية بعد ذلك شل حركتهم ومنعهم من الهرب.   بين الكلب هول أن تقسيم العمل بهذا الشكل يعود إلى أن التعامل مع المجرمين المسلحين يحتاج إلى تدريب خاص لا يتوفر لغير كلاب الشرطة على حين لا يحتاج شل حركة المجرمين غير المسلحين إلى تدريب خاص ويمكن لأي كلب أن يقوم به.  بمجرد الانتهاء من ذلك يقوم “ائتلاف ثوار مترو الأنفاق” بوضع الكلابشات في أيدي وأرجل البلطجية وإبلاغ الجيش للحضور والقبض عليهم متلبسين.  قال الكلب هول إن وجود الشاحنات المحملة بالديناميت, والاستيلاء على قطارات مترو الأنفاق وتعبئتها بالديناميت جرائم تكفي لإرسال بلطجية مصر كلها إلى السجن المؤبد إن لم يكن إلى حبل المشنقة.

أصغى الغراب النوحي باهتمام إلى حديث الكلب هول وهو يهز رأسه طوال الوقت علامة الفهم والموافقة إلى أن انتهى الكلب هول من حديثه.   هنا قال الغراب النوحي إنه يتفق مع كل كلمة قالها الكلب هول إلا أنه لم يفهم الجزء الخاص بـ”ائتلاف ثوار مترو الأنفاق” ولم يسبق له أن سمع بهذا الاسم.  قال الكلب هول إن هذه التسمية هي التسمية الشائعة في الوقت الحالي لتسمية أي مجموعة من الناس وقد سمعها بنفسه أكثر من مرة داخل كلية الشرطة.  كل المقصود هو ضرورة وجود عدد من الشباب لكلبشة البلطجية والاتصال بالجيش.  بين الكلب هول أن هذا عمل لا تستطيع كلاب الشرطة القيام به.  هز الغراب النوحي رأسه علامة الفهم وأخبر الكلب هول بأنه سيخبر الشيخ حسن بما تم الاتفاق عليه, وأنه لا يتوقع وجود أي مشكلة في توفير الشباب اللازم لتشكيل “ائتلاف ثوار مترو الأنفاق”.   حيا الغراب النوحي الكلب هول وشكره على حسه الخلقي الرفيع وطار في اتجاه المقطم يصحبه الغراب الشاب.  هبط الغراب النوحي بالقرب من مبنى الجماعة وهبط بجواره الغراب الشاب.  كان الوقت يقترب من موعد أذان الظهر والانطلاق إلى الإسكندرية.  أي لم يبقَ طويل وقت على السفر. 

كان الطيران من التجمع الخامس إلى المقطم قد أعطى الغراب النوحي وقتًا كافيا للتفكير فيما أخبره به الكلب هول.  وعليه بدأ في إدراك أن الكلب هول قد تحدث فقط عما يستطيع الكلب هول عمله.  أو, حقيقة الأمر, عما تستطيع كلاب مصر – شرطة وغير شرطة – عمله إلا أنه لم يفكر فيما تستطيع غربان مصر عمله.   أدرك الغراب النوحي أن هذا هو ما يتوجب عليه عمله: التفكير فيما تستطيع الغربان عمله.

كانت الفكرة التي توصل إليها الغراب النوحي أثناء طيرانه من التجمع الخامس إلى المقطم هي أن الغربان هي الوحيدة التي تستطيع التعرف على بلطجية السيدة وتحديد أماكن تواجدهم واللحظة المناسبة للهجوم عليهم.  باختصار, قيادة العملية.  سار الغراب النوحي بخطوات ثقيلة نحو الغراب الشاب ونظر إليه في عينيه وأخبره أن الأقدار قد اختارته لأداء مهمة ثقيلة.  شرح الغراب النوحي للغراب الشاب الخطة التي توصل إليها أثناء طيرانة من التجمع الخامس إلى المقطم.

كانت الخطة التي وضعها الغراب النوحي خلال فترة الطيران من التجمع الخامس إلى المقطم تقضي بذهاب الغراب الشاب إلى قرافة زينهم بصحبة مجموعة صغيرة من الغربان الذين يوثق بهم.  تعمل هذه المجموعة على التعرف على ثلاثي البراهمية والبلطجية المرافقين لهم.  وصف الغراب النوحي بالضبط مكان المقبرة التي يجتمع فيها البراهمية وأضاف أنه حتى في حالة صعوبة التعرف على مكانهم فما على الغراب الشاب سوى التحليق فوق المقابر من حين لآخر إلى أن يرى نيران الطبيخ, ويشم رائحة اللحم المشوي المختلط بدخان الحشيش.  بين الغراب النوحي أن البراهمية معتادون على تجمع الغربان حولهم وأكد على أن الليلة ستكون ممتعة للجميع شريطة أن لا يخطفوا اللحم من أيديهم.  أي أن الغربان لن تواجه أي مشاكل طالما التزموا الآداب المرعية ولم يبالغوا في الصياح.

بين الغراب النوحي أن الهدف من هذه العملية هو التعرف على البلطجية, وأعوانهم, ومتابعة تحركاتهم, والعودة معهم إلى منازلهم, وانتظار خروجهم, والذهاب معهم أينما ذهبوا, ومعرفة ما ينوون عمله.  أي أن الغربان ستتحول إلى غربان شرطة.  يهدف هذا العمل إلى التعرف على البلطجية الذين سيقودون شاحنات الديناميت, والبلطجية الذين سيقومون بالاستيلاء على قطارات الأنفاق, وأولئك الذين سيقومون بنقل الديناميت من الشاحنات إلى القطارات. 

أكد الغراب النوحي أن على هذه المجموعة بعد ذلك أن تنقسم إلى ثلاث مجموعات تذهب كل واحدة منها إلى نقطة من النقاط التي يخطط البلطجية لاقتحامها والاستيلاء على قطارات الأنفاق فيها ومن ثم شحنها بالديناميت والسير بها إلى ميدان التحرير ونسفه بمن فيه.  أي أن تذهب واحدة منها إلى محطة المرج, والثانية إلى محطة شبرا الخيمة, والثالثة إلى محطة حلوان.  تنتظر كل مجموعة من هذه المجموعات وصول الكلاب والبلطجية, وتعمل على رصد تحركات البلطجية من الجو, وإعطاء إشارة البدء في الهجوم بمجرد بدء البلطجية في شحن الديناميت.  تعمل الغربان بعد ذلك على متابعة العملية من الجو وتتتبع البلطجية الهاربين والطيران المنخفض فوق رؤوسهم بحيث تتبعهم الكلاب وتقوم بالتعامل معهم. 

ما أن انتهى الغراب النوحي من بيان خطته حتى طلب من الغراب الشاب أن يعيد حكاية ما رواه له.  ابتسم الغراب الشاب لطرافة الطلب إلا أنه استجاب له آخذًا في الاعتبار أهمية ما هم بصدده.  سأله الغراب النوحي بعد ذلك عدة أسئلة للتأكد من فهمه لبعض جوانب الخطة.   جاءت إجابات الغراب الشاب واضحة, موجزة, تدل على حسن فهمه لخطة الغراب النوحي.  ما أن انتهى الغراب النوحي من “استجواب” الغراب الشاب حتى ظهر الشيخ حسن يصحبه الحاج محمود في طريقهما إلى السيارة.  حيا الغراب النوحي الغراب الشاب وقفز قفزتين إلى سيارة الحاج محمود ثم دخل بهدوء إلى المقعد الخلفي.   وانطلقت السيارة في الطريق إلى الإسكندرية. 

وقف الغراب النوحي على المقعد الخلفي وبدأ في الحديث بمجرد تحرك السيارة.  بين الغراب النوحي, بالتفصيل الممل, كل تفاصيل الخطة التي وضعها الكلب هول لإفساد مخطط نسف ميدان التحرير كما بين الإضافات الخاصة بعمل الغربان والتي قام هو بوضعها.  أكد الغراب النوحي أن نجاح الخطة يعتمد, في التحليل النهائي, على دخول العنصر البشري ممثلاً في “ائتلاف ثوار مترو الأنفاق”.  أضاف الغراب النوحي, بصوت خفيض, أنه متأكد من أن الشيخ حسن لن يلاقي أي صعوبة في جمع الثوار اللازمين لتشكيل هذا الائتلاف.  يمكن للشيخ حسن من زيارة واحدة لميدان التحرير أن يجمع – إذا شاء – مائة ألف ثائر من مئات آلاف الثوار المجتمعين هناك.    لم يتوقف الغراب النوحي عن الكلام إلا قبل قويسنا بقليل.  كانت هذه هي المرة الوحيدة في تاريخ سيارة الحاج محمود التي لم يصدر فيها الراديو صوتا.  لم يتحدث أحد خلاف الغراب النوحي.

ما أن انتهى الغراب النوحي من كلامه حتى شعر الشيخ حسن بأن حجرًا ثقيلاً قد انزاح عن صدره.  لم يعد نسف ميدان التحرير أمرًا مقدرا.  هناك الآن خطة وضعها الكلب هول ويقودها الكلب هول.  لم يحدث في التاريخ أن فشل عمل تولاه الكلب هول.  لم يحدث في التاريخ كذلك أن قام الغربان بعمل مثل العمل الذي يقوم به الغراب النوحي.   سوف يذكر التاريخ على الدوام أن الثورة المصرية هي أول ثورة في التاريخ تقوم على أيدي البشر وتستكملها الكلاب والغربان.  أما فيما يتعلق بموضوع “ائتلاف ثوار مترو الأنفاق” فهو على ثقة من أن المهندس خيري يستطيع أن يجند ألفًا من الثوار إن لم يكن عشرة آلاف.  يتجمع حول مبنى الجماعة يوميا ما لا يقل عن عشرين ألف من الثوار. 

كانت السيارة قد بدأت تدخل بركة السبع.  استدار الشيخ حسن ونظر إلى المقعد الخلفي وسأل الغراب النوحي عما إذا كان يرغب في السفر معهم إلى الإسكندرية أم يفضل الذهاب إلى كفر نفرة.  رد الغراب النوحي بأنه لا يعرف أحدًا في الإسكندرية ويفضل الذهاب إلى كفر نفرة فهو “لم يشبع منها بعد”.  فضلا عن أن الذهاب إلى الإسكندرية معناه “الحبسة” في سيارة الحاج محمود لساعات ممتدة.  سأل الشيخ حسن الغراب النوحي عما إذا كانت صحته تسمح له بالطيران إلى كفر نفرة أم أنه يحتاج إلى أن يوصلونه إلى البلد.  رد الغراب النوحي بأن المشوار لا يحتاج إلى أكثر من خمس دقائق طيران وشكر الشيخ حسن على عرضه.   توقفت السيارة قبل طريق بركة السبع – السنطة بقليل ونزل الشيخ حسن ليفتح الباب الخلفي للسيارة.  نزل الغراب النوحي وهز رأسه شاكرًا الشيخ حسن وطار إلى كفر نفرة.  أغلق الشيخ حسن الباب الخلفي وأخذ مكانه بجوار الحاج محمود.  أدار الحاج محمود مفتاح الراديو وانطلقت السيارة إلى الإسكندرية.

في الإسكندرية, دخل الشيخ حسن وكل عضلة في وجهه تبتسم.   ابتسم سيادة المهندس خيري عند رؤية كل هذا الابتسام على وجه الشيخ حسن.  الابتسام معدٍ.  أشار سيادته إلى الكرسي أمامه وقال “خير, يا شيخ حسن.  ما عندك؟”.  رد الشيخ حسن بأن ما عنده كله خير, وأخبره – باختصار – بخطة الكلب هول والغراب النوحي مبينا أن كل ما يحتاجه الأمر هو عدد من الثوار لا يزيد عن ثلاث مئة.  رد سيادة المهندس خيري بأنه سيطلب على الفور من شباب الجماعة تشكيل الائتلاف المطلوب وأنه يمكن للشيخ حسن أن يخبر الغراب النوحي والكلب هول أن “ائتلاف ثوار مترو الأنفاق” سيكون جاهزًا للعمل في ظرف ساعة من الآن.  

كان كل ما يفكر فيه سيادة المهندس خيري عبد الرحمن هو كيف تتغير الأحوال من حال إلى حال.  منذ عشرين دقيقة فقط كان يفكر فيما سيقوم به الشياطين بمجرد نسفهم لميدان التحرير.  لم يخطر بباله لحظة إمكانية التغلب على الشياطين الذين وضعوا خطة نسف ميدان التحرير والبلطجية الذين سيقومون بتنفيذها.  حيا الله الشيخ حسن.  مد سيادة المهندس خيري عبد الرحمن يده وشد على يد الشيخ حسن.  كانت هذه خير تحية وأبلغ تعبير ممكن عن الشكر, ثم مد يده وأخرج مظروفا سلمه للشيخ حسن.  تذكر الشيخ حسن أنه لم يسلم سيادته مظروف المقطم فوضع يده بسرعة في جيب معطفه وسلمه لسيادته.   قام سيادة المهندس خيري عن مكتبه وفتح باب الغرفة للشيخ حسن ودعا له بالسلامة في طريقة إلى كفر نفرة.  لم يحدث من قبل أن قام سيادة المهندس خيري عبد الرحمن ليفتح باب الغرفة لأحد.  ولا حتى للدكتور محمد.

في الطريق إلى كفر نفرة لم يتوقف الحاج محمود عن تقليب المحطات بحثا عن آخر نشرة أخبار, كما لم يتوقف عن التعليق على آخر نشرة أخبار.  لم يتوقف الشيخ حسن هو الآخر عن التعليق بأن الحمد لله, أو أن لا غالب إلا الله.  كان واضحًا تماما أن الهم الذي رزح على صدر الشيخ حسن بالأمس قد طار مع طيران الغراب النوحي إلى كفر نفرة.  قبل بركة السبع بقليل طلب الشيخ حسن من الحاج محمود أن يتجه إلى حلواني ياقوت في شارع عبد المنعم رياض.  يعلم الشيخ حسن أن والدته الحاجة كريمة تهوى حلواني ياقوت وحلويات حلواني ياقوت.  توقفت السيارة أمام المحل ونزل الشيخ حسن والحاج محمود.   طلب الشيخ حسن علبتين من الحلويات –  تورتة بالطبع.  حاول الحاج محمود أن يدفع الحساب –  كان الحاج محمود يعلم أن الشيخ حسن لم يطلب علبتين إلا لإعطاء خاله واحدة منهما – إلا أن الشيخ حسن أصر على الدفع. عاد الاثنان إلى السيارة التي انطلقت مرة أخرى في الطريق إلى كفر نفرة.

وقفت السيارة, كالعادة, أمام باب الدار وخرجت أم حسن, وزينب, وقفز حسين إلى الخارج ليحمل عن أخيه الكبير علبة التورتة.  اتسعت الابتسامة فوق وجه الحاجة كريمة عندما رأت علبة حلويات ياقوت.  كانت تلك أبلغ إشارة إلى أن الله قد قضاها وأن الهم الذي ركب الشيخ حسن بالأمس قد انزاح عنه اليوم.  دخل الشيخ حسن غرفته ووراءه أمه وزينب.  سأل الشيخ حسن أمه عن حال ضيفهم في غرفة السطوح فأخبرته أنه بخير حال وأنها أشعلت له الراكية من ساعة أذان المغرب.  شكرها الشيخ حسن على تعبها واستأذن منها ومن زينب أن يسمحا له بالحديث لدقائق مع الغراب النوحي من أجل إطلاعه على ما تم التوصل إليه في الإسكندرية.

صعد الشيخ حسن إلى السطوح وحيا الغراب النوحي, وأشعل اللمبة الجاز, وأخذ مكانه على كرسي قديم هناك.   أخبر الشيخ حسن الغراب النوحي بما أخبره به سيادة المهندس خيري عبد الرحمن من أن “ائتلاف ثوار مترو الأنفاق” جاهز للعمل في أي لحظة من الآن.  تم الاتفاق على أن يسافر الغراب النوحي مع الشيخ حسن إلى القاهرة في الغد, على أن يلتقي به بشكل يومي في المقطم بعد صلاة الظهر وذلك للتنسيق بينهما إلى أن تتم العملية بنجاح بإذن الله.  خرج الشيخ حسن من الغرفة بعد أن دعا للغراب النوحي بأن يصبح على خير.  أغلق الباب وراءه ونزل إلى غرفته.

أخذ الشيخ حسن حمامه, كالعادة, وتناول طعامه, كالعادة أيضا, واستمع إلى حديث أمه, كالعادة كذلك, عن آخر أخبار البلد وماذا حدث في السوق وآخر مشكلة وقع فيها المشط وكيف كاد أبوك الحاج مصطفى شاهين – عمدة البلد – أن يرسله إلى نقطة المركز لولا بكاء أمه التي كادت أن تقبل أيدي كل من كان في دار العمودية من أجل أن يعفو عنه أبوك الحاج مصطفى هذه المرة.  ضحكت الحاجة كريمة وهي تقول “هذه المرة”.  أي مرة يا أم عبده؟  هذا هو الحال في كل مرة.   والله, لولا  أن تدخل أبوك الحاج أحمد قرطام وقال إنه يضمن المِشط هذه المرة لكان المشط في النقطة الآن.  كان الله في عون أم عبده.  قالت زينب كذلك إن سلمى ابنة الحاج محمود قد زارتها اليوم وقضت معها ما يزيد على الساعة وحدثتها أن هناك كلاما في ناحية شاهين أن الأستاذ حلمي شاهين, ابن أبوك الحاج عبد العاطي شاهين, سوف يتقدم لخطبتها بمجرد أن تهدأ الأوضاع في البلد.  ضحكت زينب وهو تقول إن سلمى تتابع الآن نشرات الأخبار باهتمام مثلها مثل أبيها الحاج محمود وتتوقع أن تهدأ الأوضاع في البلد بأسرع مما يتوقع الجميع.    ضحك الجميع على ضحكة زينب.  كان الجميع يعلم أن زينب تحب ابنة خالها سلمى وتتمنى لها كل خير إلا أنها كانت تضحك على “لهفة” زينب على أن تتحسن الأوضاع بأسرع ما يكون لتتم الخطوبة.  قام الشيخ حسن ليغسل يديه ويتوضأ, بينما قامت زينب بحمل الأطباق إلى المطبخ.  حملت الحاجة كريمة الطبلية إلى الخارج بينما كانت تفكر في أنه قد حان الوقت لعمل أكلة رقاق, وأرز معمّر, وطاجن بامية باللحم الضاني – أي الأكل الذي يهواه الشيخ حسن – احتفالا بزوال الهم  وردًا على هدية حلويات ياقوت.  الله يخليك يا شيخ حسن.

في الصباح, قام الشيخ حسن وتوضأ, وارتدى ملابس الخروج, وسلم على زينب, وقبل يد الحاجة كريمة, وغادر المنزل, وأغلق الباب خلفة.  أدى الشيخ حسن صلاة الفجر في المسجد, واتجه إلى السيارة, وفتح الباب الخلفي.   خفق الغراب النوحي جناحيه وانطلق نحو السيارة حيث هبط على بعد بضعة أمتار من الشيخ حسن وسار بعد ذلك بهدوء إلى أن دخل السيارة.   أغلق الشيخ حسن باب السيارة وأخذ موقعه على الكرسي الأمامي بجوار الحاج محمود.  حضر الحاج محمود وأدار محرك السيارة وقلب مؤشر المحطات, وانطلق الجميع في الطريق إلى القاهرة.   في المقطم نزل الجميع من السيارة.  حيا الشيخ حسن الغراب النوحي ودعا له بالتوفيق في المهمة التي نذر نفسه لها واستدار في اتجاه مبنى الجماعة.   طار الغراب النوحي إلى التجمع الخامس.   هناك أشياء يحتاج المرء إلى التفاهم حولها مع الكلب هول.

انطلق الغراب النوحي من هضبة المقطم صوب هضبة القطامية حيث تقع كلية الشرطة.  مرة أخرى كان الجو رائعًا, والشمس ساطعة.  حقًا, كانت هناك برودة في الجو بعض الشيء, إلا أنها كانت البرودة التي تحتاج إلى أن يقف المرء في مكان مقفول ويتمدد ليتلقى أشعة الشمس الدافئة.  كان المنظر في القطامية أيضًا رائعا.  عشرات الألوف من المنازل, والفلل, والقصور, وحمامات السباحة التي يجري العمل على بنائها, أو طلائها, أو زرع حدائقها.  تمنى الغراب النوحي أن يأتي يوم تكون فيه السيدة زينب بمثل هذا الجمال.  في مثل هذه الشوارع التي يراها تحته لا يوجد مجال لوجود بلطجية.  البلطجية لا تعيش إلا في الخرابات. 

ما هي إلا دقائق, على أية حال, إلا وكان الغراب النوحي يحلق فوق كلية الشرطة.  دار الغراب النوحي دورتين فوق الكلية بحثا عن الكلب هول إلا أنه لم يرَه فقرر النزول في نفس المكان الذي وجده فيه بالأمس إلا أنه وجد الساحة خالية, والأبواب التي تؤدي إليها مغلقة.  حلق الغراب النوحي قريبا من الأرض لينظر من النوافذ عله يجد الكلب هول داخل المبني, وهو ما حدث.  نقر الغراب النوحي بمنقاره على زجاج النافذة حتى ينتبه الكلب هول إلى وجوده.  نظر الكلب هول إلى النافذة ورأى الغراب النوحي فابتسم وحياه بهزة بسيطة من رأسه, واتجه نحو باب صغير يسمح بخروج الكلاب فقط – أو دخولها – لم يكن الغراب النوحي قد انتبه إليه.

خرج الكلب هول من الغرفة واتجه إلى زاوية مشمسة في الساحة يستطيع أن يجلس فيها في دفء الشمس بعيدًا عن تيارات الهواء.  تقدم الغراب النوحي ووقف هو الآخر في مكان يسمح له بالحديث مع الكلب هول وكذلك الاستمتاع بأشعة الشمس الدافئة بعيدًا عن تيارات الهواء, وبدأ في الحديث. 

استمع الكلب هول إلى ما أخبره به الغراب النوحي ولمعت عيناه عندما أخبره بجاهزية “ائتلاف ثوار مترو الأنفاق” إذ كان ذلك يعني أن بالإمكان الآن إنقاذ الثورة المصرية.  ما أن انتهى الغراب النوحي من مقالته, على أية حال, حتى بدأ الكلب هول في إخبار الغراب النوحي بما فعله هو الآخر بالأمس.

قال الكلب هول إنه تقابل بالأمس مع عتريس كبير الكلاب البلدي في الكلية وأخبره بموضوع نسف ميدان التحرير وأن كلاب الشرطة قررت التدخل لإيقاف هذه الجريمة حتى ولو كان ثمن هذا التدخل هو الموت.  بين الكلب هول لعتريس أنه لا يستطيع أن يطلب منه أن يساعده فيما انتوت كلاب الشرطة القيام به, إذ هو كلب حراسة وليس كلب شرطة ولا أحد يتوقع من كلاب الحراسة أن تقوم بأعمال قتالية حيث إن كل المطلوب منها هو الهوهوة عند اقتراب غرباء.  جاء رد عتريس واضحًا ومختصرًا, إذ قال إنه قد لا يكون حقًا كلب شرطة إلا أنه كلب مصري في نهاية الأمر يهمه ما يهم هذه البلد ويعنيه ما يعنيها.  وأنه لا يمكن أن يقف ساكنا والبلطجية يخططون ليس لنسف ميدان التحرير فقط وإنما لنسف كل أمل في التغيير.  حقيقة الأمر, أعلن عتريس أنه لا يوجد في مصر كلها كلب واحد يقبل عودة البلطجة.    عانت الكلاب معاناة شديدة من يوم أن سكنت مصر من غياب القانون وحان لها العيش بكرامة مثلها في ذلك مثل الكلاب الأخرى, فهي ليست أقل من كلاب إنجلترا.  وحتى لو كانت أقل من كلاب انجلترا فهي ليست أقل من كلاب فرنسا, أو هولندا, أو ألمانيا, أو كندا, أو أوستراليا, أوغيرها من البلاد التي تعيش فيها الكلاب حياة حيوانية محترمة.  قال عتريس إنه سيخرج الآن من الكلية لإخبار كلاب الشوارع بالخطر الذي تتعرض له الثورة المصرية.  يستحيل أن تترك كلاب الشوارع الكلب هول يواجه الموت بمفرده.  إذا كان لا بد من الموت, فلنمت جميعا بكرامة, أو فلنعِش جميعا بكرامة.  سالت دمعة, أو اثنتان, من عيني الغراب النوحي وهو يستمع إلى ما يحكيه الكلب هول عن الكلب عتريس. 

هز الغراب النوحي رأسه ليطرد الدموع من عينيه ثم نظر إلى الكلب هول وقال له إنه فكر هو الآخر فيما يستطيع الغربان أن يقوموا به.  تحدث الغراب النوحي عن فكرته الخاصة بقيام الغربان بعمليات المراقبة, والاستطلاع, والتنسيق بين الأطراف المشاركة في العملية.  استمع الكلب هول إلى شرح الغراب النوحي بانتباه وطرطق أذنيه, ووقف قائما على قدميه وطلب من الغراب النوحي أن يدخل معه إلى الغرفة المخصصة لكلاب الشرطة. 

دخل الكلب هول من الباب المخصص للكلاب وأبقاه مفتوحا حتى يدخل وراءه الغراب النوحي.  دخل الغراب النوحي ليجد غرفة متسعة نظيفة امتدت فيها على امتداد الجدران وسائد نظيفة لتجلس فوقها الكلاب وأمام كل وسادة إناء به ماء, وآخر مليء بطيبات الطعام.  مال الكلب هول إلى كلب شاب يقف بجواره وأسر إليه ببضع كلمات فانطلق خارجًا من الغرفة.  توجه الكلب هول إلى حيث يقف الغراب النوحي وسأله عما إذا كانت الغرفة باردة بالنسبة له أم لا.  رد الغراب النوحي بأن درجة الحرارة كأحسن ما يكون.  نظر الغراب النوحي حوله بحثا عن مصدر الدفء ليجد أجهزة التكييف المركزي في سقف الغرفة.  نظر الغراب النوحي نظرة فيها شقاوة أبناء حي السيدة وقال للكلب هول “العيشة عندكم تطول العمر”.  ضحك الكلب هول وقال “أرجو أن تقول هذا الكلام للشباب هنا الذين لا تنتهي شكواهم أبدا”.  قام الكلب هول بتعريف الغراب النوحي على الكلاب المتواجدين الذين أبدوا اهتماما كبيرًا بالغراب النوحي وسألوه بعض الأسئلة عن موقف الغربان من الثورة المصرية.  ما هي إلا دقائق, على أية حال, حتى كان الكلب الشاب الذي أرسله الكلب هول إلى الخارج قد عاد وعادت معه كل كلاب الشرطة واستقر كل واحد منها في نظام وهدوء على الوسادة الخاصة به.  أخذ الكلب هول مكانا متوسطا في نصف الغرفة, وخاطب الكلاب قائلاً  إن الغراب النوحي لديه ما يخبر به كلاب كلية الشرطة فيما يتعلق بمؤامرة نسف ميدان التحرير, وأنه سوف يشرح خطة التعامل مع البلطجية.  أكد الكلب هول ضرورة فهم خطة العمل بالتفصيل, فالمسألة لا تتعلق فقط بحياة أو موت كلاب الشرطة وإنما تتعلق أيضا بمستقبل البلد كلها.  طلب الكلب هول من الغراب النوحي أن يقف على مائدة في آخر الغرفة أمام النافذة حتى يمكنه أن يرى الجميع, وحتى يراه الجميع كذلك, وأن يشرح خطته للكلاب.  هز الغراب النوحي رأسه وسار نحو المائدة بخطوات متثاقلة كعادته ثم قفز إلى المائدة وبدأ الكلام. 

تحدث الغراب النوحي بالتفصيل عن الخطة التي وضعها بالاشتراك مع الكلب هول وعن الدور الذي ستقوم به الغربان.  أكد الغراب النوحي على ضرورة الانتباه إلى أن العملية لن تبدأ قبل أن تقوم الغربان بإعطاء إشارة الهجوم, كما أنها لن تنتهي قبل أن تعطي إشارة الانتهاء.  بين الغراب النوحي أن الغربان ستقوم بالانقضاض من أعلى إلى أسفل بشكل متواصل إيذانا ببدء الهجوم وبالتحليق بشكل دائري إعلانا بانتهاء العملية.  أكد الغراب النوحي كذلك أهمية الانتباه إلى أن تحليق الغربان فوق رأس أي إنسان معناه أنه بلطجي ويلزم التعامل معه على الفور وعدم إعطائه الفرصة للهروب.

قام الكلب هول من مكانه واتجه إلى منتصف الغرفة وخاطب الكلاب قائلا إنه يمكنهم الآن سؤال الغراب النوحي عن أي نقطة يودون الاستفسار عنها.  بين الكلب هول ضرورة أن تكون الخطة واضحة تماما لكل كلب إذ قد لا تتاح الفرصة مرة أخرى للقاء الغراب النوحي.   يمكن جدًا أن تبدأ العملية غدًا.  توالت الأسئلة على الغراب النوحي بشكل متواصل.  كان واضحًا تمامًا اهتمام شباب الكلاب بالعملية, فضلا عن رغبتهم – طبعًا – بالظهور بمظهر “الخبراء” أمام آبائهم وأعمامهم.   وطبعًا, أمام الكلب هول. 

عند انتهاء المحاضرة وقف الكلب هول في منتصف الغرفة مرة أخرى وشكر الغراب النوحي على كل ما قام به, كما شكر الكلاب الحاضرين على اهتمامهم, خاصة الشباب منهم الذين أبدوا قدرة عالية على فهم دور كلب الشرطة في العمليات القتالية, وأعلن أنه لا توجد لديه سوى ملاحظة واحدة أخيرة لا بد من التنبيه عليها.  تتعلق هذه الملاحظة بضرورة عدم إلقاء الأضواء على كلاب الشرطة أثناء تنفيذ العملية. 

بين الكلب هول أنه لو انتبه البلطجية إلى الدور الذي تقوم به كلاب الشرطة لركزوا على التخلص منهم ولانتهت العملية بالفشل.  يعود ذلك إلى أن الكلاب البلدي ليست مدربة على طرق نزع السلاح من المجرمين وشل حركتهم.  يعني ذلك ضرورة أن تبتعد الغربان عن كلاب الشرطة وأن تبتعد كلاب الشرطة عن الغربان, كما يجب أن تندمج كلاب الشرطة طوال الوقت مع الكلاب البلدي وإلا أصبحوا هدفا سهلا لرصاص البلطجية وسيوفهم.  نظر الكلب هول في اتجاه الغراب النوحي الذي هز رأسه علامة الفهم, أي أن “الرسالة وصلت”.  واصل الكلب هول حديثه قائلاً إنه لم يذكر هذه النقطة لعتريس أثناء حديثه معه وأنه سيركز عليها عندما يراه اليوم.  يعتمد نجاح العملية على أن يعتقد البلطجية أن هذه عملية قامت بها الكلاب البلدي وأن كلاب الشرطة في حالة استرخاء أمني في غرفهم المكيفة في التجمع الخامس.  نظر الكلب هول إلى الجميع ثم نظر إلى الغراب النوحي وطأطأ رأسه تحية له وأعلن جاهزية كلاب الشرطة في كلية الشرطة في التجمع الخامس للعمل بدءًا من هذه اللحظة.  وانفجرت الغرفة بالهوهوة.

لا يمكن وصف مشاعر كلاب الشرطة عندما أعلن الكلب هول جاهزيتهم للعمل.  أخيرًا جاءتهم الفرصة لإثبات ولائهم للبلد الذي استوطنوه وأحبوه وأحبهم.  فكرة أنهم كلاب ألمانية فكرة سخيفة.  هم كلاب مصرية أبا عن جدًا, عن جدًا عن أبا.    طبعًا, هم يعتزون بأصلهم الألماني إلا أنهم كلاب “مصرية”.   أيضًا كانت هذه فرصة لإثبات خطأ فكرة أن الشرطة المصرية قد سقطت.  الشرطة المصرية لم تسقط, ومازالت تعمل, وأكبر دليل على ذلك هو ما ستقوم به كلاب الشرطة في الليلة الكبيرة.  الشرطة المصرية ليست هي ضباط الشرطة وحسب, وإنما هي أمناء الشرطة, وجنود الشرطة, وكلاب الشرطة.  الشرطة المصرية مؤسسة كاملة, يستحيل أن تسقط.

كانت الكلاب الشابة تهوهو بأعلى صوتها وتتقافز على الأرض عندما وقفت الكلاب “الرتب” كل في مكانه, ورفعت رؤوسها, وتصلبت أجسامها, وبدأت في الهوهوة بطريقة لم يشاهدها شباب الكلاب من قبل, إذ كانت تهوهو مرتين متتابعتين ببطء, ثم تتوقف لتهوهو ثلاث مرات متتابعة بسرعة, ثم تتوقف لتهوهو مرتين متتابعتين ببطء, وهكذا بشكل متواصل.  كانت هذه هي أول مرة يشاهد فيها شباب الكلاب “بيان نظام” والذي لا تقوم به كلاب الشرطة إلا في حالة الخروج في مهمة يحيقها الخطر.  كان هذا علامة على أنهم على وعي بالخطر الذي يواجهونه وعلى أنهم سيواجهونه “باحتراف”.  كلاب الشرطة ليست بلطجية, كلاب الشرطة كلاب نظامية.  هناك التزام بالقانون والنظام –  حتى عند مواجهة الموت.  وقف الكلب هول في منتصف الغرفة ينظر إلى الكلاب المحيطة به بروح الفخر والاعتزاز.  هذه كلاب تفخر بها أي كلية شرطة في العالم.  

جاء أمناء الشرطة, وضباط الشرطة, بل وأطباء الشرطة ليروا ما الأمر, إلا أن الهيجان استمر.  انتهز الغراب النوحي الفرصة وانسل خارجا قبل أن يلحظ أحد من الضباط وجوده في الغرفة, وما أن أصبح في الساحة الخارجية حتى خطا خطوتين وخفق جناحيه مرتين وانطلق نحو المقطم.   مرة أخرى, شعر الغراب النوحي وهو يحلق فوق القطامية أنه يحلق فوق أجمل مكان في العالم.  ازداد شعوره بالجمال عندما تسلل إليه صوت آذان الظهر من عشرات المساجد الجميلة التي ترصع وجه التجمع الخامس. 

هبط الغراب النوحي بالقرب من مقر الجماعة حيث بحث عن سيارة الحاج محمود حتى وجدها فوقف بالقرب منها في انتظار الشيخ حسن والحاج محمود, وما هي إلا دقائق حتى خرج الإثنان واتجها إلى السيارة.  حيا الشيخ حسن الغراب النوحي وفتح له باب السيارة الخلفي ثم أغلق الباب خلفه وجلس هو في المقعد الأمامي.  فتح الحاج محمود باب السيارة من ناحيته ودخل هو الآخر.  سأل الشيخ حسن الغراب النوحي عن الأحوال فأخبره الغراب النوحي بأن كل شيء على ما يرام والحمد لله, وأخبره عن اجتماعه بالكلب هول وعن المحاضرة التي ألقاها في كلية الشرطة, وكيف قام بتغطية كل تفاصيل عملية “الليلة الكبيرة” – هذا هو الاسم الحركي الذي أطلقه عليها الكلب هول – بحيث أعلن الكلب هول في نهاية المحاضرة عن جاهزية كلاب الشرطة للعمل.  بين الغراب النوحي أن كل ما تبقى الآن هو التنسيق بين كلاب الشرطة وكلاب الشوارع, وهو ما سيقوم به الكلب هول, وما بين الغربان وما بين كلاب الشرطة, وهو ما سيقوم به الغراب النوحي شخصيا.  أشار الغراب النوحي أنه يتوقع, بهذا الشكل, الإعلان بشكل رسمي عن جاهزية جميع الأطراف المشتركة في عملية “الليلة الكبيرة” مع أذان العشاء بإذن الله.  هز الشيخ حسن رأسه وقال “الحمد لله” ثم سأل الغراب النوحي عما إذا كان يرغب في السفر معهم إلى كفر نفرة.  قال الغراب النوحي إنه كان سيسعد بلا شك بالسفر معهم إلى كفر نفرة إلا أن وراءه ارتباطات في القاهرة حيث سيلتقي بغربان السيدة لوضع اللمسات الأخيرة لعملية “الليلة الكبيرة”.  دعا الشيخ حسن للغراب النوحي بالتوفيق, واتفقا على اللقاء غدًا في نفس الموعد إن شاء الله.  خرج الشيخ حسن من السيارة وفتح الباب الخلفي للغراب النوحي.  خرج الغراب النوحي من السيارة وشكر الشيخ حسن على ذوقه وقفز قفزتين, وخفق جناحيه مرتين, وطار في اتجاه السيدة.  دخل الشيخ حسن السيارة, وأغلق الباب.  أدار الحاج محمود محرك السيارة, وقلب مؤشر المحطات, وانطلق إلى الإسكندرية. 

في السيدة زينب كان الوضع كما كان عليه منذ أن وقعت عينا الغراب النوحي على السيدة زينب أول مرة.   فالميدان مليء بالسيارات التي لا تكف عن العواء طوال الوقت, والباعة الجائلون يملأون كل شبر في الميدان, وشحاذو السيدة منتشرون بين الباعة الجائلين, والسيارات, والمايكروباصات, يطلبون المساعدة من الجميع, والجميع, والحمد لله, لا يتأخر.  كانت رائحة اللحوم المشوية, والخبز, والسميط, تعبق المكان كذلك.   فضلاً عن رائحة الموز, والبرتقال, وعصير القصب, والسوبيا, وكل ما تشتهيه الأنفس والأعين.   ضحك الغراب النوحي في نفسه وابتسم.  أي تجمع خامس؟  أين التجمع الخامس من كل هذه الخيرات؟  الحياة هنا في السيدة.  مدد يا أم هاشم.  حلق الغراب النوحي مرتين فوق الميدان ليملأ عينيه منه ثم طار إلى شارع قدري حيث يقع سكنه.

في شارع قدري كان السطوح خاليا تقريبا إلا من غراب عجوز وقف في أحد الأركان يغالب النوم.  أدرك الغراب النوحي أن ليس أمامه شيء يمكنه القيام به قبل صلاة العشاء.  كما أدرك أنه لا يستطيع حتى السؤال عن الغراب الشاب الذي كلفه بتتبع البراهمية إذ أنه لم ينتبه إلى سؤاله عن إسمه.  وعليه, دخل إلى شقته واستلقى على فراشه واستسلم للنوم.

لم يستيقظ الغراب النوحي إلا على صوت المؤذن وهو ينادي للصلاة.  كان الصوت جميلاً, كالعادة, إلا أنه كان مرتفعًا جدًا, كالعادة أيضا.  ابتسم الغراب النوحي وهو يتقلب في فراشه.  كانت هذه هي المرة الأولى التي يحمد فيها الله على صوت الأذان المرتفع والذي كان يرغمه دائما على الاستيقاظ ظهرًا, وعصرًا, ومغربًا, وعشاءً على الرغم من حاجته الشديدة للنوم إذ كان لا يعود من سهرته في قرافة زينهم إلا مع أذان الفجر, كما كان لا يستطيع الدخول إلى غرفة النوم قبل الحديث مع زوجته وأبنائه, ثم الجيران, والأصدقاء, بحيث لا يتمكن من الخلود إلى الراحة قبل العاشرة صباحا.   أزاح الغراب النوحي غطاء الفراش عنه, ووضع أقدامه على أرض الغرفة, وسار نحو الباب, وخرج إلى السطوح, ثم قفز قفزتين وطار في اتجاه قرافة زينهم. 

هبط الغراب النوحي في المكان الذي اعتاد البراهمية السهر فيه.  كان الجو معتما تماما حيث لا ضوء هناك باستثناء ضوء ضعيف ينبعث من أعمدة النور في الشوارع البعيدة المحيطة بالقرافة.  سار الغراب النوحي بحرص يتفقد المكان وابتسم عندما رأى عددا من الغربان الشبان مجتمعين بجوار مقبرة قريبة من المقبرة التي يجتمع فيها البراهمية.   اتجه إليهم بخطوات متثاقلة كالعادة, وألقى عليهم السلام, وعرفهم بنفسه, وذكر أنه يبحث عن غراب شاب التقى به الأمس في المقطم وأرشده إلى الطريق إلى القطامية.  تنحنح أحد الغربان الشبان للفت الانتباه إليه, وتقدم خطوة إلى الأمام.   نظر الغراب النوحي إلى الغراب الشاب لعله يتعرف عليه إلا أن الظلام كان شديدًا فلم يستطع أن يميز ملامح وجهه بوضوح.  لم يهتم الغراب النوحي, على أية حال, بهذا الأمر, ولا الغراب الشاب كذلك, وبدأ الاثنان في الحديث حول العملية المرتقبة.

بداية, أشار الغراب النوحي إلى أن من الضروري من الآن فصاعدًا الإشارة إلى العملية باسم “الليلة الكبيرة”, وذلك حفاظا على السرية التامة للعملية.  كما أشار إلى الأهمية المطلقة للابتعاد تماما عن كلاب الشرطة إلا في حالة الضرورة القصوى وذلك منعا لإثارة انتباه البلطجية لتدخل كلاب الشرطة في عملية الليلة الكبيرة.  بين الغراب النوحي كذلك ضرورة تكوين ثلاث مجموعات من الغربان تستطيع التعرف على البلطجية ليس فقط من ملامح وجوههم بل أيضا من شكل أجسامهم, وطريقة مشيتهم, بحيث يمكنها التعرف عليهم حتى في الظلام.  قال الغراب النوحي إنه سيعود إلى هذه النقاط بالتفصيل فيما بعد, أما الآن فهو يريد أن يعرف أولا ما اسم الغراب الشاب, وثانيا, ما الذي فعله منذ ظهر الأمس.

قال الغراب الشاب إن كل غربان السيدة تعرفه باسم “إسفين” وهو اسم أطلقه عليه الغربان منذ أن كان طفلاً حيث كان يغرس منقاره في الأطفال الذين يتشاجرون معه ولا يخرجه منها إلا بعد أن يكون قد ترك حفرة في جسمها وكأنه أدخل إسفينا فيها.  ضحك الغراب النوحي من غرابة الاسم كما ضحك من السعادة الواضحة على وجه إسفين بهذا الاسم.  استمر إسفين في الحديث موضحا بأنه مر بالأمس على خيرة غربان السيدة وأخبرهم بالموضوع وجمع ما يقارب العشرين شابا منهم سهروا ليلة أمس مع البراهمية حتى الصباح, وهاهم قد عادوا اليوم للسهر حتى الصباح كذلك.

شكر الغراب النوحي إسفين على المجهود الذي قام به, إلا أنه بين أن عملية الليلة الكبيرة سوف تتم في ثلاث أماكن متباعدة هي المرج, وشبرا الخيمة, وحلوان.  يعني ذلك أن العدد الحالي يكفي فقط لإرسال سبع غربان لكل موقع – وهو عدد لا يكفي.  قال إسفين أن الحل في هذه الحالة يقضي إما بدعوة كبار السن من الغربان للمشاركة في العملية, أو توسيع الدعوة بحيث تضم شباب الغربان من السيدة زينب, وسيدنا الحسين, والإمام الشافعي, والسيدة نفيسة, والسيدة عائشة.   بيَّن إسفين أنه يفضل الحل الثاني حيث إن العملية سوف تكون مرهقة تماما لكبار الغربان, بل وقد تفشل على الرغم من كل النوايا الطيبة.  هز الغراب النوحي رأسه علامة الموافقة على هذا الاقتراح.  اتفق الإثنان كذلك على عدم تأجيل الدعوة إلى الغد والبدء في العمل من الآن.  من يدري, فقد يعلن البراهمية اليوم القيام بالعملية غدا؟  يجب التحرك الآن.

كان الكلام واضحًا, وهو كلام سمعته الغربان التي دار الحديث أمامها والتي كانت تتحدث مع إسفين قبل وصول الغراب النوحي.   وعليه, لم يكن الأمر يحتاج إلى أكثر من أن تقسم مجموعة الغربان الموجودة نفسها إلى خمس مجموعات تتجه كل واحدة منها إلى حي من الأحياء التي تم ذكرها لنشر الدعوة من أجل المشاركة في عملية الليلة الكبيرة على أن يعود الجميع بعد ساعتين من الآن للسهر حتى الصباح مع البراهمية.  مرة أخرى, طلب الغراب النوحي من شباب الغربان أن يذكروه بمراجعة النقطتين الخاصتين بالابتعاد عن كلاب الشرطة إلا في حالة الضرورة القصوى, وتقسيم الغربان إلى ثلاث مجموعات هي مجموعة المرج, ومجموعة شبرا الخيمة, ومجموعة حلوان, إضافة إلى النقطة الخاصة بإشارة البدء في العملية والتي تقضي بالانقضاض المتوالي موجة وراء موجة فوق رؤوس الكلاب, وإشارة الانتهاء والتي تقضي بالتحليق المتواصل على شكل دائري.   بين الغراب النوحي ضرورة وضوح خطة العمل تماما لكل الغربان المشاركين في عملية “الليلة الكبيرة” وأن لا أحد سيغادر قرافة زينهم الليلة قبل التأكد من فهمه التام لخطة العمل.  هناك احتمال أن يقرر البراهمية القيام بالعملية غدا, وعلينا أن نكون مستعدين.    وللمرة الثالثة طلب الغراب النوحي من شباب الغربان ضرورة تذكيره بمراجعة خطة العمل معهم حيث إن ذاكرته لم تعد كما كانت – أو كما قال, للزمن أحكام.  ضحك الغربان الشبان ووعدوه بأن لا أحد منهم سوف يعود إلى بيته قبل مراجعة الخطة بالتفصيل, خاصة ذلك الجزء “السينمائي” الخاص بالانقضاض على رؤوس الكلاب إعلانا ببدء العملية والتحليق الدائري إعلانا بانتهاء العملية.  ضحك الغراب النوحي, وضحك معه كل الغربان, واطمأن قلبه إلى أن الرسالة وصلت.   

تحدث الغربان الشبان مع بعضهم البعض لدقائق ثم طار أربعة منهم في اتجاه سيدنا الحسين.  بعدها بدقيقة طارت أربعة غربان أخرى صوب الإمام الشافعي, ثم بعدها بدقيقة طارت أربعة أخرى إلى السيدة نفيسة, ثم بعدها بدقيقة طارت أربعة أخرى إلى السيدة عائشة.  طارت المجموعة الخامسة, والأخيرة, إلى السيدة زينب لإخبار من لم يصله الخبر من غربان السيدة بعد بخبر الليلة الكبيرة.  انتشر الخبر في القاهرة الفاطمية كلها انتشار النار في الهشيم.  لم تنم الغربان ليلتها.

وجد الغراب النوحي نفسه وحيدًا بعد أن طارت كل الغربان.  كان المكان موحشًا شديد العتمة فلم يطق أن يبقى فيه في انتظار وصول البراهمية, وعليه قرر الطيران إلى ميدان السيدة على أن يعود بين الحين والآخر.  وهذا ما فعله.  وما هي إلا ساعة حتى كان البراهمية قد وصلوا وأشعلوا راكية كبيرة حيث كان البرد قارصًا وبدأوا في الأكل, والشرب, والشي, والتحشيش, والضحك, والغناء, وتحولت القرافة إلى وناسة.    

كان منظر النار من بعيد يغري بالدفء والونسة فأخذ الغراب النوحي خطوتين في اتجاه الراكية, ثم خطوة, ثم خطوة أخرى, إلى أن صار وسط البراهمية وصبيانهم.  لم يلتفت أحد من الحضور إليه إذ كان الجميع مشغولين بالأكل والشرب, والتحشيش, والغناء.   لاحظ إبراهيم الشركسي وجود الغراب النوحي وسطهم, والتقت عيناه بعينيه مرتين أو ثلاث, إلا أنه كان في كل مرة يبتسم ويلقي إليه بالطعام الذي في يده.

لم يمضِ طويل وقت, على أية حال, حتى كانت أسراب الغربان قد بدأت في الحضور.   أحاط الجميع بأدب وذوق بالبراهمية وحرصوا على التعرف على ملامح وجوههم, وشكل أجسامهم, وطريقة مشيهم, إلا أنهم كانوا أشد حرصًا على عدم إزعاجهم.  من ناحيتهم كان البراهمية مشغولين بلهوهم ولم ينتبهوا إطلاقًا إلى عشرات الغربان التي أحاطت بهم تلمع عيونهم متتبعة كل حركة من حركاتهم, إلى أن أذن المؤذن صلاة الفجر. 

قام البراهمية وركبوا سياراتهم, وانتصب صبيانهم يجمعون الأواني لغسلها, ويجمعون بواقي الطعام, ويكنسون المكان, ثم انطلقوا في سياراتهم هم الآخرون, وخلا المكان للغربان.  قام الغراب النوحي وشرح خطة الهجوم بالتفصيل للغربان, وتأكد من وضوح الفكرة لديهم, وبين لهم أهمية الحضور كل ليلة لقرافة زينهم لمتابعة آخر التطورات.   وفي نهاية المحاضرة شكر الغراب النوحي الغربان الحاضرة على وطنيتها واستعدادها للموت دفاعًا عن الكرامة, والحرية, والعدالة الاجتماعية, ثم طلب لقاء إسفين وغربان السيدة قبل أن ينطلقوا إلى بيوتهم. 

تقدم إسفين وغربان السيدة للحديث مع الغراب النوحي وانطلقت الغربان الأخرى عائدة إلى بيوتها.  نظر الغراب النوحي إلى إسفين وزملائه وأخبرهم أنه ذاهب بعد أذان الظهر للقاء الشيخ حسن ثم إلى كلية الشرطة للقاء الكلب هول.  أخبرهم أنه فكر بالأمس في ضرورة تأمين الاتصال بين أطراف عملية “الليلة الكبيرة” وهو ما يستدعي ألا يقتصر الاتصال بين كلية الشرطة, والشيخ حسن, والغربان على غراب واحد فقط هو الغراب النوحي.  فالغراب النوحي معرض للخطر في كل لحظة, والأعمار, في نهاية الأمر, بيد الله.  يعني ذلك ضرورة أن يصحب الغراب النوحي في رحلاته إلى كلية الشرطة والمقطم أكثر من غراب بحيث لا ينقطع الاتصال بين الأطراف المشاركة في العملية في حالة ما إذا حدث شيء – لا قدر الله – للغراب النوحي.  هز إسفين رأسه علامة الموافقة على ما يقوله الغراب النوحي وتطوع هو واثنين من زملائه بالقيام بهذه المهمة.  اتفق الجميع على اللقاء في منزل الغراب النوحي في شارع قدري بعد أذان الظهر مباشرة والانطلاق من هناك إلى المقطم ثم إلى القطامية.  وانطلق كل إلى بيته.

تماما مع أذان الظهر وصل إسفين وزميلاه إلى منزل الغراب النوحي الذي كان واقفًا في السطوح في انتظارهم وما أن رآهم يقتربون حتى طار للانضمام إليهم ومن ثم الطيران إلى المقطم.  وصل الجمع إلى المقطم وهبطوا بجوار سيارة الحاج محمود في انتظار وصول الشيخ حسن.    لم يمضِ طويل وقت, على أية حال, حتى حضر كلا من الشيخ حسن والحاج محمود.  فتح الشيخ حسن الباب الخلفي للسيارة ودخل الغربان حيث استقروا على المقعد الخلفي للسيارة.  دخل الشيخ حسن والحاج محمود السيارة وأغلق كل بابه.  حيا الشيخ حسن الغراب النوحي والشباب الذين جاؤوا معه, وسألهم عن أحوالهم, وسير الأمور معهم.  رد الجمع بأن كل شيء يسير على خير حال والحمد لله.  نظر الغراب النوحي إلى الشيخ حسن وأخبره أن الشباب قد جاء ليتعرفوا عليه ويتعرف عليهم حيث سيقومون من الآن فصاعدًا بمتابعة الغراب النوحي في كل تحركاته, وأنهم هم المسؤولون عن إبلاغه بكل ما يحدث سواء من ناحية البلطجية أم من ناحية الكلاب.  أوضح الغراب النوحي أن هذه هي خير وسيلة لتأمين الاتصال بين أطراف عملية الليلة الكبيرة.    هز الشيخ حسن رأسه علامة الموافقة على الفكرة وسأل الغراب النوحي عما إذا كان يرغب في السفر معهم إلى كفر نفرة.    رد الغراب النوحي بأنه كان يود لو استطاع السفر إلى كفر نفرة إلا أن وراءه ارتباطات في القاهرة لا يمكنه التخلص منها, إذ هو الآن على موعد مع الكلب هول في كلية الشرطة, كما أن عليه متابعة الأمور بعد صلاة العشاء في قرافة زينهم.   دعا الشيخ حسن للجميع بالتوفيق, ونزل وفتح الباب الخلفي للغربان.  هبط الغراب النوحي إلى الشارع واستدار مبتسما لتحية الشيخ حسن, وقفز قفزتين, وخفق جناحيه مرتين, وطار في اتجاه القطامية يتبعه إسفين وزميلاه.  دخل الشيخ حسن السيارة, وأغلق الباب وراءه, وأدار الحاج محمود محرك السيارة, وقلب مؤشر الراديو, وانطلق في الطريق إلى الاسكندرية.

كان الجو غائما والهواء باردًا كما هي العادة في مثل هذا الوقت من العام إلا أن هذا لم يكن ليمنع الغراب النوحي من الاستمتاع بالمنظر تحته حيث كانت تمتد الشوارع الواسعة والمنازل الأنيقة, والمساجد الجميلة.  لحظ الغراب النوحي وهو يقترب من كلية الشرطة مسجدًا يفيض جمالا تقف على كل جانب منه مئذنة من أجمل ما يكون ذكره بمساجد شارع المعز لدين الله الفاطمي بالغة الروعة والجمال وإن كان هذا المسجد يختلف عنها في طرازه المعماري غير المألوف.  هبط الغراب النوحي ودار حول المسجد دورتين وقرأ اللافتة المعلقة عليه والمكتوب عليها أنه مسجد حسن عباس الشربتلي.  ما أن عرف اسمه حتى انطلق مرة أخرى صوب كلية الشرطة.  تعجب إسفين وزميلاه من أن يلتفت الغراب النوحي وسط كل المشاكل التي تحيط به إلى جمال مسجد مهما بلغ جماله وأن يهتم بمعرفة اسمه.  وهبط الوفد في ساحة كلاب الشرطة حيث كان الكلب هول في انتظارهم.

حيا الغراب النوحي الكلب هول وقدم إليه أعضاء الوفد الذي جاء معه وأخبره أن إسفين وزميلاه سيتولون عملية التنسيق بين أطراف عملية “الليلة الكبيرة”, كما أخبره باكتمال استعدادات الغربان وأنهم جاهزون للعمل في أي لحظة من الآن.   استمع الكلب هول باهتمام لما أخبره به الغراب النوحي ثم دعا الجميع للدخول في غرفة كلاب الشرطة لاستكمال الحديث.  كان الجو باردًا فعلاً.

دخل الغراب النوحي والوفد المرافق له غرفة كلاب الشرطة.  كان الجو دافئا غاية الدفء والكلاب واقفة تتحدث مع بعضها البعض بهدوء.  لم يكن هناك أي أثر للهيجان الذي رآه بالأمس.  أقبلت الكلاب عند رؤية الغراب النوحي للكلام معه والاستفسار عن آخر التطورات.  أشار الكلب هول إلى الطعام المتوافر في الغرفة إشارة دعوة إلى وفد الغربان لتناول الطعام معهم.  نظر الغراب النوحي إلى الطعام الوفير في أواني الكلاب وابتسم ثم شكر الكلب هول ودعا شباب الغربان إلى أن يأكلوا ما طاب لهم.  لم يتأخر الشباب بالطبع وبدأوا في التهام ما قدم إليهم.  ابتسمت كلاب الشرطة بأدب من منظر الغربان الذين انهمكوا في تناول الطعام ونسوا كل ما يتعلق بالليلة الكبيرة.    وقف الكلب هول في منتصف الغرفة يحادث الغراب النوحي وكلاب الشرطة تحيط بهما وعيونها تلمع اهتماما.

أطلع الكلب هول الغراب النوحي على آخر تطورات الأمور عنده وأوضح أن الكلب عتريس قام بالاتصال بكلاب الشوارع وإبلاغها بعملية الليلة الكبيرة.   ضحك الكلب هول من القصة التي أخبره بها عتريس عن الطريقة التي استخدمها للاتصال بكلاب الشوارع.  قال الكلب هول إن عتريس انطلق خارجا من كلية الشرطة لإخبار كلاب الشوارع بخبر الليلة الكبيرة إلا أنه فوجيء بأنه كلما اقترب من كلب منها سارع هذا الكلب بالركض بعيدًا عن عتريس وكأنه رأى عفريتا.  تذكر عتريس عندئذ كيف أنه لم يصادق كلبا من كلاب الشوارع منذ أن دخل في خدمة الشرطة المصرية وكان سعيدًا كل السعادة بأن كلاب الشوارع تهابه وتبتعد عنه.   حاول عتريس أكثر من مرة أن يقترب من أحد كلاب الشوارع إلا أنه فشل في كل مرة في الحديث مع كلب منهم.  بدأ الوقت يمر وبدأت أعصاب عتريس تتوتر.  أخيرًا, تذكر اسم صديق له من أيام أن كان هو نفسه كلبا من كلاب الشوارع في عزبة الصفيح.  وعليه, قرر التوجه إلى عزبة الصفيح على الفور رغم بعد المسافة.  في عزبة الصفيح بحث عتريس عن أبو سريع إلى أن وجده يقف في جبل من الزبالة  يبحث عن لقمة عيش يأكلها.  كان واضحًا تماما من منظر وجهه أن البحث عن لقمة عيش في كوم زبالة في عزبة الصفيح يعادل البحث عن العنقاء في جزيرة العرب.  لا أحد في عزبة الصفيح من ساعة أن ظهرت على ظهر البسيطة إلى يوم الله هذا يرمي خبزًا في الزبالة.   كان شعار عزبة الصفيح على الدوام هو “وجع البطن ولا رمي الطبيخ”. 

تطلع أبو سريع بدون أي اهتمام حقيقي إلى عتريس متسائلاً – بينه وبين نفسه – عن السبب في حضور “حضرة الضابط” إلى عزبة الصفيح.  لم يشاهد أبو سريع صديقه العزيز عتريس من يوم أن غادر عزبة الصفيح للعمل في الداخلية.   حيا عتريس أبو سريع وأخبره بأنه جاء ليخبره بأمر هام يخص كلاب مصر وأن المسألة تعتمد على أبو سريع شخصيا.  لم ينظر أبو سريع إلى عتريس واستمر في بحثه اليائس عن لقمة خبز يأكلها, أو شيء آخر قابل للأكل.  أخبر عتريس صديقه القديم بموضوع نسف ميدان التحرير, والثورة المصرية, والليلة الكبيرة.  أبدا أبو سريع على الفور اهتمامه بما يحدثه عنه صديقه عتريس وسأل باهتمام شديد عما إذا كان عتريس وأصدقاؤه سيقدمون فتة ولحم في هذه الليلة الكبيرة كما هي العادة في الموالد أم أن الأمر لن يتعدى الكشري. 

كاد عتريس أن يصاب باليأس من إيصال الفكرة إلى أبو سريع, فكلما حدثه عن شيء كان السؤال هو عما إذا كان هناك أكل.  كان واضحًا تماما لعتريس أنه إذا لم ينجح في كسب اهتمام هذا الكلب بما يحدثه عنه فإن موضوع حشد الكلاب البلدي وراء كلاب الشرطة مقضي عليه بالفشل.  هو لا يعرف أحدًا سوى هذا الكلب ولن يستمع كلب غيره إلى ما يحاول أن يخبر الكلاب به.  وفجأة خطرت بباله “فكرة جهنمية”.  أخبر عتريس أبو سريع أن كلاب الشرطة ستقيم الليلة “ليلة صغيرة” احتفالاً بـ”بيان النظام” وأن أبو سريع مدعو للأكل.  توقف أبو سريع تماما عن الحركة ونزل عن جبل الزبالة للمشاركة في هذا الاحتفال الجليل.

أدرك عتريس أن الحديث مع كلب جائع عن تغيير نظام الحكم من أجل الحرية, والعدالة الاجتماعية, والكرامة الحيوانية, لا يختلف كثيرًا أو قليلا عن التحشيش.  يستحيل الكلام عن هذه المواضيع مع كلب جائع.  كانت الخطة التي توصل إليها عتريس هي اصطحاب أبو سريع إلى كلية الشرطة وتقديم الطعام إليه ثم الخروج معه إلى الشوارع لتقديمه إلى كلاب الشوارع بحيث يستطيع نقل الخبر إليها.  سوف تطمئن كلاب الشوارع إلى عتريس عندما تراه مع أبو سريع وسوف تستمع إليه. 

دخل عتريس إلى كلية الشرطة يتبعه أبو سريع.  تململ الحراس القائمون على بوابة الكلية عندما رأوا ذلك الكلب الجربان يدخل كلية الشرطة بعيون زائغة تتجنب النظر إليهم إلا أن عتريس نظر إليهم وهز رأسه علامة على أنه “معه”.   توجه عتريس إلى غرفة كلاب الشرطة وأخبر الكلب هول بالخطة التي توصل إليها.  وافق الكلب هول على الفور واتجه إلى أبو سريع ودعاه إلى تناول الطعام معهم.  دخل أبو سريع ونظر إلى الطعام حوله وأصيب بالذهول.  ما كل هذا الطعام؟  يا لها من “ليلة”.  مضى أبو سريع يأكل بلا توقف حتى خشيت الكلاب أن تنفجر بطنه أو أن يصاب بالسكتة.  وأخيرًا, أخيرًا جدًا, توقف عن الأكل وذهب إلى زاوية في الغرفة وراح في النوم. 

في اليوم التالي استيقظ أبو سريع مبكرًا وسأل عما إذا كان هناك بواقي طعام من “الليلة” الماضية.   طمأنه الكلب هول إلى أن هناك طعامًا طازجا سيحضر خلال دقائق.  أخبر أبو سريع الكلب هول بأنه ليس كلبًا “أنوفًا” وأنه تعود من صغره على أن يأكل ما يقدم إليه.  أي أن مسألة “طازج” هذه لا أهمية لها أصلاً في الموضوع.  لا أهمية لها على الإطلاق.  هدأ الكلب هول أبو سريع وطلب إحضار ما هو موجود كما أرسل في طلب عتريس.  حضر عتريس ليجد أبو سريع منهمكًا في الأكل وعلامات عدم التصديق مرسومة على وجهه.  ما كل هذا الأكل؟  ما كل هذا النعيم؟  أدرك عتريس مرة أخرى أن أبو سريع لن يخرج من هذه الغرفة أبدًا طالما كان هناك أكل, وأنه لن يقدمه إلى أي كلب آخر أبدا طالما استمر تقديم الأكل, وأن لا بد من التفكير في طريقة للخروج من هذا المأزق.  وهنا طرأت له “فكرة جهنمية” أخرى.

اقترب عتريس من أبو سريع وأخبره بأن عليهم الرحيل الآن حيث انتهى “حفل بيان النظام”, إلا أنه يمكنهم العودة بعد أذان الظهر للتحضير لحفل آخر كبير بمناسبة مرور وقت على إنشاء كلية الشرطة في التجمع الخامس.  أوضح عتريس, بطريقة عابرة, أن الحفل لن يقام, على أية حال, إلا إذا حضره عشرة على الأقل من كلاب الشوارع لمشاركة كلاب الشرطة عيدها.  نظر أبو سريع إلى عتريس بعيون يملأها العجب والدهشة وأعلن عن استعداده لجلب المئات من كلاب الشوارع احتفالا بمرور الوقت على إنشاء كلية الشرطة في التجمع الخامس.  ابتسم الكلب عتريس ابتسامة واسعة.  هذا هو المطلوب.

ما أن ارتفع آذان الظهر حتى كانت الشوارع المحيطة بكلية الشرطة قد امتلأت بالكلاب.  وعليه, قرر الكلب هول دعوتهم على دفعات بحيث يدخل عشرون كلبا لتناول الطعام ثم تبدأ كلاب الشرطة بعد ذلك بإخبارها بموضوع الليلة الكبيرة, ومن ثم يدخل عشرون آخرون.  لم يمضِ اليوم إلا وكانت كلاب التجمع الخامس كلها قد علمت بالخبر ومن ثم انتشر الخبر بين كلاب القاهرة والجيزة. 

أبدى أبو سريع اهتماما كبيرًا بنشر خبر الليلة الكبيرة وأصر على أن يكون هو مندوب الاتصال بين كلاب الشرطة وبين الكلاب البلدي.  تنازل عتريس عن منصبه هذا لصالح أبو سريع أمام الحماس الهائل الذي أبداه لمساندة ثوار التحرير.   كان عتريس على وعي, طبعًا, بأن استمرار هذا الاهتمام مشروط باستمرار الموالد والحفلات, إلا أنه كان على وعي تام كذلك بأن أبو سريع هو أفضل مدخل لكلاب الشوارع.  كان واضحًا تماما كذلك مدى النجاح الذي حققه أبو سريع في نشر الدعوة بين كلاب الشوارع للمشاركة في عملية الليلة الكبيرة.   لم يكن لدى عتريس أدنى شك في أنهم قد نجحوا في الوصول إلى قلوب وعقول كلاب الشوارع وأن كلاب الشرطة لن تواجه بلطجية السيدة بمفردها.   ضحك الكلب هول عندما وصل إلى نهاية القصة التي حكاها له عتريس وضحك معه الغراب النوحي وبقية الكلاب المحيطة بهما. 

كان هناك شعور عام بأنهم نجحوا في تحقيق ما كانوا يحلمون بالقيام به وبجاهزية كل أطراف الخطة للعمل في أي لحظة.   لم يبقَ إلا أن يعلن البراهمية عن ميعاد نسف ميدان التحرير.  عندها سيعلن الكلب هول بدء عملية الليلة الكبيرة.  نظر الكلب هول نظرة اعتزاز وتقدير للغراب النوحي.  بادله الغراب النوحي نفس النظرة.  ربت الغراب النوحي على كتف شباب الغربان الذبن كانوا لا يزالون منهمكين في الأكل, وأخبرهم أنهم منذ الآن هم المسؤولون عن التنسيق بين كل أطراف العملية.  حيا الغراب النوحي كلاب الشرطة الواقفة حوله وتقدم إلى باب الكلاب وانسل إلى الخارج يتبعه الشباب.  طار الجميع صوب السيدة زينب.

في الطريق إلى السيدة زينب تصاعد في سماء التجمع الخامس صوت الأذان يدعو الناس إلى صلاة العصر.   نظر الغراب النوحي حوله بحثًا عن مصدر هذا الصوت الجميل ووقعت عيناه – مرة أخرى – على مسجد حسن عباس الشربتلي.  انحرف الغراب النوحي عن طريقه قليلا ليستمع إلى الأذان وليستمتع بمنظر المسجد الجميل وحلق فوق المسجد إلى أن انتهى المؤذن من أذانه وانطلق في الطريق إلى السيدة.   هبط الغراب النوحي على سطح منزله في شارع قدري ليجده قد امتلأ بالغربان.  لم يأخذ طويل وقت ليدرك ضرورة التحرك إلى قرافة زينهم, فزوجته لن تتحمل هذا التجمهر مهما كان السبب.  وعليه تحرك الجميع نحو القرافة. 

في القرافة عمل الغراب النوحي على مراجعة خطة الليلة الكبيرة بالتفصيل الممل مع الشباب المحيطين به, كما أصر على أن يلازمه إسفين وشباب السيدة في كل حركاته.  كان واضحًا أن الغراب النوحي يعمل على تأمين ظهور صف ثانٍ لضمان استمرار عملية الليلة الكبيرة حتى في حالة حدوث أي مكروه للغراب النوحي.  وسرعان ما صدحت مساجد القاهرة القديمة بصوت الأذان يدعو المصلين لصلاة المغرب, ثم صلاة العشاء, وحل الظلام, وساد الهدوء التام أنحاء القرافة.   وقفت الغربان في انتظار وصول البراهمية.  حرص الجميع على عدم لفت أنظار البراهمية إلى وجودهم فتجنبوا التواجد في الطرق التي يمرون بها كما تجنبوا الكلام بصوت مرتفع.   لم يمضِ طويل وقت, على أية حال, حتى سمعت الغربان أصوات سيارات تقف أمام أسوار القرافة, وأبواب تصفق, وأصوات ترتفع تنادي أسماء أشخاص, وما هي إلا دقائق حتى حضر صبيان البراهمية وبدأوا في تحضير “القعدة”, وإشعال الراكية, وتجهيز الطعام استعدادًا لحضور “المعلِّمين”.   وهو ما حدث.

سرت هزة وسط الغربان عند حضور البراهمية وساد صمت مطلق وأصاغ كل غراب السمع لما يقوله البراهمية.  كان الكل يتوقع أن تصدر إشارة البدء بالعملية غدًا, إلا أن ذلك لم يحدث.  أمضى البراهمية الليلة في الأكل, والشرب, والتحشيش, واللهو, والغناء.  ومع انطلاق أذان الفجر ركبوا سياراتهم ومضوا إلى بيوتهم.   شكر الغراب النوحي الشباب المحيطين به على ما قاموا به وتواعد معهم على اللقاء غدًا في نفس المكان بإذن الله بعد صلاة العشاء مباشرة.  وطار كل إلى حال سبيله.

في اليوم التالي, استيقظ الغراب النوحي قبل أذان الظهر بقليل ليجد إسفين وزميلاه واقفين في السطوح في انتظاره.  غسل وجهه بسرعة, وخرج إلى السطوح, وحيا الشباب, وانطلق الجمع إلى المقطم.  في المقطم التقى الغراب النوحي بالشيخ حسن وأخبر كل منهما الآخر بما لديه.  اتفق الاثنان على أن يأخذ شباب “ائتلاف ثوار مترو الأنفاق” أماكنهم على المقاهي المنتشرة أمام محطة شبرا الخيمة, والمرج, وحلوان ابتداء من اليوم بعد صلاة العشاء.  مرة أخرى, كان هناك توقع بأن العملية إذا لم تتم اليوم فستتم غدًا.  كالعادة, تساءل الشيخ حسن عما إذا كان الغراب النوحي سيسافر معهم إلى كفر نفرة, وكالعادة كذلك أكد الغراب النوحي أسفه لعدم استطاعته ذلك نظرًا لارتباطاته في القاهرة.  تحركت سيارة الحاج محمود في الطريق إلى الاسكندرية, وطار الغراب النوحي صوب التجمع الخامس.

في التجمع الخامس التقى الغراب النوحي بالكلب هول وأخبر كل منهما الآخر بما لديه.  ارتاح الكلب هول كثيرًا لسماع خبر بدء ثوار “ائتلاف ثوار مترو الأنفاق” في العمل وأخبر الغراب النوحي بأن خطة عتريس في الاستعانة بالكلاب البلدي لتقديم غطاء لكلاب الشرطة قد نجحت نجاحا باهرًا وأن آلاف الكلاب من القاهرة, والجيزة, والقليوبية في انتظار إشارة البدء للتوجه إلى محطات المترو المستهدفة.  سكت الكلب هول قليلاً وبدت على وجهه علامات الحيرة ثم قال “الغريب في الأمر أن الكلب عتريس قد أخبرني أن كلاب المنوفية قد انطلقوا منذ ليلة أمس نحو القاهرة تحت قيادة كلاب قرية صغيرة اسمها كفر نفرة صممت كل كلابها على التوجه إلى القاهرة وقيادة الهجوم على محطة شبرا الخيمة.”  سكت الكلب هول لحظة ثم قال “العجيب في الموضوع أن كلاب كفر نفرة بدأت في التحرك حتى قبل أن أخبر الكلب عتريس”.  طأطأ الغراب النوحي رأسه وتجنب النظر إلى وجه الكلب هول.  كان يعلم أن الخطأ خطأه إذ يبدو أنه قد تحدث في أمر الليلة الكبيرة مع أصدقائه في كفر نفرة الذين تحدثوا فيه مع أصدقائهم أيضا, وهكذا انتشر الخبر حتى وصل إلى كلاب كفر نفرة.  عذره أنه لم تكن قد صدرت التعليمات بعدم الحديث في هذا الموضوع.  أضف إلى ذلك, حتى لو كانت التعليمات قد صدرت, أنه ينسى.  شعر الغراب النوحي, على الرغم من ذلك, بالفخر والاعتزاز بكلاب كفر نفرة.  يكفي أن كلاب المنوفية هي التي سوف تقود الهجوم.  يكفي ذلك.  

حاول الكلب هول أن يتذكر ما إذا كان لديه شيء يضيفه فلم يجد, وكذلك فعل الغراب النوحي.  ابتسم الاثنان عندما أدركا أن كل الأطراف جاهزة للعمل وأنه حتى لو قام البلطجيه بهجومهم الليلة فسوف يكونوا مستعدين لاستقبالهم.  هز الكلب هول رأسه تحية للغراب النوحي.  بادله الغراب النوحي التحية, وسار نحو الباب متجها إلى الساحة.  قفز الغراب النوحي قفزتين, وخفق جناحيه مرتين, وطار صوب السيدة زينب.  لمح الغراب النوحي مسجد حسن عباس الشربتلي من بعيد إلا أنه استمر في طريقه نحو السيدة.  كان متعبًا, لم ينم الليل, ويريد أن ينام قبل سهرة الليلة.  اقترب من إسفين واتفق معه على أن يلتقيا في القرافة بعد صلاة العشاء وأخذ طريقه إلى شارع قدري.

صدح آذان العشاء في مئات المآذن في القاهرة القديمة وقام الغراب النوحي وغسل وجهه وتجول قليلًا في السطوح ثم خفق جناحيه وطار.  خفق قلب الغراب النوحي من منظر مئات المآذن وهي تضيء سماء القاهرة القديمة.  خفق قلبه كذلك عندما رأى من بعيد أضواء ميدان التحرير.  عاش الغراب النوحي أغلب عمره في القاهرة ولم يخطر بباله أبدًا أن سيأتي يوم ينشغل فيه بأمر ميدان التحرير هذا.  سبحان الله.  وطار إلى القرافة.

هبط الغراب النوحي في القرافة ليجد عشرات الغربان من الشباب في انتظاره والكل متوتر.  تحدث معهم بهدوء وراجع معهم خطة “الليلة الكبيرة” مرة أخرى, ثم مرة أخرى, ثم أخرى.  كان هو الآخر متوترًا مثلهم.  حضر صبيان البراهمية, وحضروا القعدة, وأشعلوا الراكية, وأعدوا الأكل والشرب, ورتبوا المكان, وانتظر الكل حضور البراهمية.  كان الكل آذانا صاغية تترقب سماع كلمة توحي بموعد بدء الليلة الكبيرة.  وأخيرًا, حضر البراهمية وبدأ الفرح والسرور, والطعام والشراب.  أمسك إبراهيم الشركسي الجوزة وشفط نفسين طوالا ثم ناولها إلى إبراهيم الصعيدي.  تناول إبراهيم الصعيدي الجوزة وهو يهز رأسه تحية للمعلم إبراهيم الشركسي وسأله عما إذا كان الباشا قد أخبره اليوم بشيء.  قال إبراهيم الشركسي “العملية بكرة بإذن الله.   بالتوفيق إن شاء الله”.

سرت رجفة خفيفة في أجساد الغربان المتراصة حول البراهمية إلا أن الكل حرص على عدم إصدار أي صوت.  تراجعت الغربان خطوة إلى الخلف, ثم خطوة أخرى, ثم استدارت وسارت بهدوء إلى مكان منعزل في القرافة.  مر الغراب النوحي على الغربان المجتمعة وتحدث معهم بصوت خفيض قائلاً إن عليهم الآن إبلاغ غربان مصر بالاحتشاد غدًا بعد صلاة العشاء أمام محطات المترو المتفق عليها.  أكد الغراب النوحي ضرورة أن تتجنب الغربان لفت الأنظار إليها بأي شكل من الأشكال.  طلب الغراب النوحي من الغربان أن يتوجه كل منهم الآن إلى مكانه على أن يبقى غربان السيدة فقط لمتابعة تطورات الوضع.  تمنى لهم الغراب النوحي التوفيق واستدار عائدا إلى موقفه بالقرب من البراهمية يتبعه شباب السيدة.   أمضى غربان السيدة ليلتهم بجوار البراهمية, وهي ليلة لم تختلف قيد شعرة عن كل ليلة سبقتها من غناء, ومرح, وطعام, وشراب, وتحشيش, وفي الصباح انصرفوا إلى بيوتهم.  تواعد الغراب النوحي على اللقاء مع إسفين في منزله بعد أذان الظهر.  وانطلق كل إلى داره.

ما أن ارتفع أذان الظهر حتى كان الغراب النوحي يحلق في سماء السيدة متجها إلى المقطم حيث التقى بالشيخ حسن وأبلغه أن موعدنا الليلة.  تبسم الشيخ حسن وقال: “الحمد لله.  لا غالب إلا الله”.  كان واثقًا ثقة لا تهزها الأعاصير ولا الزلازل أن أمر الله نافذ وأنه لن يصير إلا ما شاء الله.  خفق قلب الغراب النوحي أمام كل هذه الثقة, وكل هذا الإيمان, وقال: “لا غالب إلا الله.  لا غالب إلا الله”.  انطلق الشيخ حسن في طريقة إلى الاسكندرية وطار الغراب النوحي إلى التجمع الخامس.

في التجمع الخامس, أخبر الغراب النوحي الكلب هول أن “الليلة موعدنا”, وأن غربان مصر كلها قررت المشاركة في عملية الليلة الكبيرة وتقديم غطاء جوي لكل الكلاب المشتركة في العملية فضلا عن خدمات الاستطلاع والتنسيق كما أخبره بأن شباب “ائتلاف ثوار مترو الأنفاق” قد أخذوا أماكنهم على المقاهي المنتشرة أمام محطات مترو الأنفاق في شبرا الخيمة, والمرج, وحلوان. أي أن كل فرد في موقعه استعدادًا لبدء الهجوم.   من ناحيته, قال الكلب هول إن كلاب التجمع الخامس, ومصر الجديدة قد بدأت منذ خمس دقائق بالضبط في التحرك نحو محطة المرج بأعداد تكفي وتزيد عن احتياجات العملية.  طلب الكلب هول من الغراب النوحي أن تبدأ خدمة المراقبة والاستطلاع من الآن بحيث تكون جميع أطراف العملية على علم بآخر تطورات الموقف.  أخبر الكلب هول الغراب النوحي أنه يحتاج إلى معرفة الوضع في شبرا الخيمة وحلوان.  لم يكن الأمر يحتاج إلى أكثر من نظرة إلى إسفين الذي استدار وطلب من أربعة من شباب السيدة الاضطلاع بهذه المهمة.  أخبر الكلب هول الغراب النوحي أنه سيكون على رأس مجموعة كلاب الشرطة المتجهة إلى المرج والتي ستنطلق بعد دقائق من الآن وتساءل عن المحطة التي سيتوجه إليها الغراب النوحي.  رد الغراب النوحي بأنه سوف يتجه بعد صلاة المغرب مباشرة إلى محطة شبرا الخيمة ليكون في استقبال كلاب المنوفية حيث بلغه الخبر أنهم قد وصلوا الآن بصحبة غربان المنوفية إلى مشارف القاهرة.  رفع الكلب هول رأسه وسأل الغراب النوحي باهتمام: “هو انت منوفي؟”  هز الغراب النوحي رأسه بالإيجاب وابتسامة كبيرة ترتسم على وجهه.  استمر الكلب هول في التساؤل: “من أين في المنوفية؟”  أجاب الغراب النوحي: “من كفر نفرة”.  ضحك الكلب هول عندما سمع اسم كفر نفرة وقال “الآن فهمت”.  حيا الكلب هول الغراب النوحي بحرارة ودعا للجميع بالتوفيق وأعلن بدء “عملية الليلة الكبيرة”.  وقامت القيامة.

لم يحدث في تاريخ كلية الشرطة من لحظة أنشأها الملك فؤاد, ولا أتخيل أن يحدث مرة ثانية, أن شهدت كلية الشرطة ما شهدته ذلك اليوم.  اصطفت كلاب الشرطة صفين واتجهت نحو باب الخروج وهي تنبح بأعلى صوت ممكن نباح “بيان نظام” بينما هجمت كلاب الشوارع تحت قيادة أبو سريع على كلية الشرطة وتدفقت بالآلاف إلى الداخل متجهة إلى مبنى كلاب الشرطة.  تم التدفق أساسا من الباب 4 والباب 5 وإن كانت الكلاب لم تترك بابا إلا ودخلت منه.  لم يبذل حراس كلية الشرطة أي محاولة لوقف الهجوم.  كان واضحًا تماما أن من المستحيل إيقاف هجوم الكلاب. 

أسرع أمناء الشرطة في مبنى الكلاب بالنزول إلى غرفة كلاب الشرطة ليفاجأوا باصطفافهم خلف الكلب هول في وضع بيان نظام ينبحون بكل قوة, وكل ثقة, وكل نظام, طالبين الإذن بالخروج.  لم يرَ أحد من أمناء الشرطة, أو ضباط الشرطة, أو حتى لواءات الشرطة, بيان نظام أقوى ولا أروع ولا أكثر إقناعا من بيان النظام الذي كانوا يشاهدونه.  كان واضحًا للأعمى أن في الأمر شيئا, وأن الكلاب سوف تخرج سواء فتحوا الباب أم أغلقوا الباب.  تقدم الضابط المسؤول وفتح الباب ليخرج الكلب هول يتبعه كلاب الشرطة في نفس وضع بيان نظام. 

ما أن شاهدت كلاب الشوارع الكلب هول يخرج من مبنى كلاب الشرطة متجها إلى باب 9 حتى أصابتها حالة من الخبال وبدأت بالنباح بشكل متواصل وانطلقت وراء الكلب هول.   لم يكن ضباط الشرطة المسؤولون عن كلاب الشرطة ليتركوا الكلاب تغادر الكلية بمفردها, وعليه ركضوا إلى سياراتهم وركب معهم أمناء الشرطة وساروا تسبقهم وتلحقهم آلاف الكلاب.    ما أن بلغت كلاب الشرطة الدائري حتى انقسمت إلى مجموعتين.  مجموعة صغيرة أخذت طريقها إلى العاشر ومجموعة كبيرة اتجهت صوب الجيزة.  قسم الضباط أنفسهم إلى مجموعتين متماثلتين.  وانطلق الجميع كل في طريقة. 

لم يتحدث أحد من الضباط طوال الطريق إلا أنه كان واضحًا تمام الوضوح أن في الأمر شيئا, وأن وراء الأكمة – كما يقولون – ما وراءها.  كان هناك بعض التوتر – طبعًا – من ظهور رجال الشرطة بملابسهم الرسمية بعد أيام قليلة من سقوط الداخلية.  كانت العلاقة بين الشعب والشرطة في أسوأ حال ممكن خاصة وبرامج التلفزيون تذيع التسجيلات التي تظهر سيارات الشرطة المصرية وهي تهاجم المتظاهرين وتدهسهم تحت عجلاتها.  وما أن تنتهي من إذاعتها حتى تعيد إذاعتها.  كان الضباط على وعي بأن خروجهم إلى الشارع بملابسهم الرسمية هو عمل ينطوي على خطر جسيم, إلا أنهم كانوا على وعي أيضا بأنهم لا يمكن أن يتخلوا عن واجبهم في أداء عملهم.  لا يمكن ترك كلاب الشرطة تعمل لوحدها.   قد يكون أمن الدولة قد سقط, وهو قد سقط.  قد يكون الأمن المركزي قد سقط, وهو قد سقط.  إلا أن الأمن العام لم يسقط, ولن يسقط.   الأمن العام لا يستطيع أن يسقط وسوف يبقى أبدًا ساهرًا على الحفاظ على الأمن العام.   حتى لو كان الثمن هو حياة رجال الأمن العام.  ومضت القافلة في طريقها إلى المرج يقودها الكلب هول.   

ما أن وصلت القافلة إلى محطة شبرا الخيمة حتى فوجيء الضباط بمئات الشباب جالسين على المقاهي المتناثرة أمام المحطة.  كانت المفاجأة أشد في حالة شباب “ائتلاف ثوار مترو الأنفاق” الذين لم يكونوا يتوقعون على الإطلاق ظهور رجال الشرطة.  لم يأخذ الأمر أكثر من ثوان لتدرك قيادات الائتلاف مدى دقة الموقف الذي هم فيه وعليه قاموا على الفور وحيوا الضباط بمنتهى الهدوء, ورحبوا بهم, وأشاروا إلى زملائهم أن ينضموا إلى القافلة للإحاطة بسيارات الضباط حتى لا يرى أحد من بداخلها.   تبادل الثوار ورجال الشرطة نظرات ثقة وتفاهم متبادل.  أخبر الثوار الضباط ضرورة ألا يغادروا سياراتهم حتى لا يلفتوا الأنظار إليهم والاستمرار في السير بعيدًا عن المحطة. 

ما أن وصلت القافلة إلى منطقة تخلو من المقاهي والمحلات حتى خرج رجال الشرطة للحديث مع الثوار.  كان أول سؤال سأله الضباط هو: ما الذي يحدث؟  كان الرد هو: ما الذي جاء بكم؟  لم يكن أحد ينتظر ظهوركم على الإطلاق.  كان الجميع ينتظر وصول الكلب هول وزملائه إلا أن لا أحد على الإطلاق كان يتوقع ظهور رجال الشرطة.  جاء الرد سريعًا كأسرع ما يكون.  يستحيل أن يترك رجال الشرطة كلاب الشرطة تعمل وحدها.  مهما كان الأمر.  تساءل الضباط مرة أخرى عما يجرى.  شرح لهم الثوار موضوع نسف ميدان التحرير وكيف أن العملية سوف تبدأ بالاستيلاء على محطات المترو في شبرا الخيمة, والمرج, وحلوان.  اتفق الجميع على ضرورة عدم ظهور رجال الشرطة في الشارع وإلا فشلت العملية من أولها.  عرض أحد الثوار أن يذهب الضباط وكلاب الشرطة إلى شادر خشب قريب يمتلكه والده ويمكنه أن يسع الجميع.  تحرك رجال الشرطة تتبعهم كلاب الشرطة إلى هذا الشادر.  كان من الضروري كذلك إخلاء المحطة من الكلاب البلدي إلا أن الثوار فوجئوا أن جميع الشوارع المتفرعة من ميدان المحطة قد امتلأت بكلاب المنوفية التي رفضت أن تتزحزح عن مكانها.  كانت كلاب المنوفية مصممة أن تشكل هي الموجة الأولى من الهجوم.  يمكن لكلاب مصر الجديدة والتجمع الخامس أن تشكل الموجة الثانية أما الموجة الأولى فهي محجوزة.  لم يجد الثوار مفرًا سوى أن يطلبوا من كلاب مصر الجديدة والتجمع الخامس الاستمرار في السير إلى أن يجدوا مكانا يقفون فيه. 

ما هي إلا دقائق إلا وكان الأمر قد استقر, وهدأت الحركة, وبدا الميدان خاليا.  في شادر الخشب تولى الثوار شرح خطة “الليلة الكبيرة” لضباط الشرطة بالتفصيل وأعربوا عن سعادتهم المطلقة بوجود رجال الداخلية الشرفاء معهم في هذه “الليلة الكبيرة” حقًا.  اليوم سيتقرر مصير الثورة المصرية.   أما في الشارع فقد سكنت الكلاب, وسكتت الأصوات, ولم يعد هناك سوى صوت أنفاس الكلاب المتهدجة ترقبا لوصول البلطجية, على حين استقرت الغربان فوق أسطح المنازل, وأسلاك المترو, بينما حلقت في الجو مجموعة غربان السيدة التي كانت تمشط المنطقة بحثا عن شاحنات الديناميت. 

مر الوقت بطيئًا متثاقلا إلى وصلت الساعة التاسعة مساءً.  وعندها وصل أول رتل من الشاحنات.  كان المنظر غريبًا.  وقفت شاحنات ضخمة تجر مقطورات تغطيها أغطية ثقيلة باللون الأبيض يعلوها شعار الهلال والصليب باللون الأحمر مكتوب عليها باللون الأحمر أيضا عبارة “أطباء بلا حدود”.  تلا ذلك حافلات تحمل نفس الشعارات توقفت ونزل منها رجال يرتدون ملابس الجراحين الخضراء ويضعون على وجوههم كمامات بيضاء, يحمل كل واحد منهم حقيبة على ظهره يمتد منها العلم المصري.  اصطف “الجراحون” ثم دخلوا إلى المحطة بخطوة عسكرية بطيئة للغاية وهم يحملون الأسلحة الآلية.  أعلن الجراحون “تحرير” محطة شبرا الخيمة وأنها أصبحت محطة حرة مستقلة.

“سقطت” محطة شبرا الخيمة في ثانية.  فكرة مقاومة “أطباء بلا حدود” الذين يحملون أسلحة آلية كانت, بالنسبة للعاملين في المحطة تبدو فكرة خيالية, فضلاً عن أنها فكرة “معادية للثورة”.  لم تمضِ ثوان حتى ظهر الأطباء العاديون بمعاطفهم البيضاء وبدأوا في إنزال صناديق الأدوية من الشاحنات من أجل شحنها في قطارات المترو ونقلها إلى الثوار في ميدان التحرير.  كان الأطباء حريصين على لف صناديق الأدوية بالأعلام المصرية.

ما أن وضع الأطباء أول صندوق “أدوية” في قطارات المترو حتى انقض إسفين تتبعه آلاف الغربان على رؤوس الكلاب المتراصة في الشوارع الجانبية وهي تصرخ صراخًا تقشعر له الأبدان.  عندها انطلقت آلاف الكلاب هي الأخرى وهي تنبح نباحًا يطيح بالرؤوس.  تجمد “الأطباء” في أماكنهم للحظة وقد أصابهم الذهول ثم ألقوا ما بأيديهم وانطلقوا هاربين.  لم تكن الغربان لتتركهم يهربون وعليه فقد انطلقت وراءهم وفي أثرهم الكلاب وهي تتعلق بهم وتشدهم إلى الأرض.  استدار الجراحون وفتحوا مدافعهم الآلية على الكلاب وسقطت أول موجة, ثم ثاني موجة, ثم ثالث موجة ثم فجأة أفسحت الكلاب الطريق لتقوم كلاب الشرطة بهجوم خاطف نزعت فيه المدافع الآلية من الجراحين وشلت حركتهم ثم تركتهم للكلام البلدية لكي تمنعهم من النهوض من على الأرض وتابعت الهجوم على باقي البلطجية.  أدرك إبراهيم الشركسي أن المسألة خسرانة فقفز بين القضبان محاولا الاختفاء بين عربات المترو.  انتبه الغراب النوحي إلى ما يفعله إبراهيم الشركسي فبدأ في التحليق فوقه وهو يصرخ بأعلى صوته لافتا نظر كلاب الشرطة إلى مكانه.  انتبه إبراهيم الشركسي إلى صوت الغراب النوحي فرفع رأسه إلى أعلى ليرى ما يحدث.  التقت عينا إبراهيم الشركسي بعيني الغراب النوحي وتعرف عليه وغمره شعور بالغضب العارم.  هل هذا هو جزائي على حسن ضيافتي لك يا غراب يا نوحي؟  رفع إبراهيم مدفعه الآلي وأطلق وابلاً من الرصاص فسقط الغراب النوحي مضرجا بدمه.  استمر إبراهيم الشركسي في إطلاق النيران على الغراب النوحي حتى بعد سقوطه على الأرض إلا أن الكلب هول كان قد وصل إلى مكان الشركسي وهجم عليه وجرده من السلاح, وجلس فوقه في انتظار حضور من يستلمه منه.  لم تأخذ المعركة أكثر من خمس دقائق. 

مضى رجال الإسعاف الميداني الذين كانوا مصاحبين للثوار في تفقد الجرحى والمصابين سواء من الثوار أو من البلطجية, على حين مضى الثوار ومعهم ضباط الشرطة ينتقلون من مكان إلى مكان لكلبشة البلطجية سواء كانوا أطباءً عاديين أم جراحين.  عمل الجميع على التأكد من القبض على كل البلطجية الذين شاركوا في خطة نسف ميدان التحرير.  لم يهدأ الميدان إلا بعد أن بدأ إسفين وكل الغربان في المنطقة في التحليق بشكل دائري إعلانا بانتهاء المعركة والقبض على كل البلطجية, واحتفالا أيضًا بانتصار الثورة. 

وأخيرًا, بدأ حساب الخسائر.  كان واضحًا تمام الوضوح أن كلاب المنوفية هي التي تحملت أكبر الخسائر.  حقيقة الأمر, لم يعد إلى كفر نفرة إلا أكثر قليلا من نصف عدد الكلاب التي غادرتها للاشتراك في الليلة الكبيرة.  تقدم الكلب هول وأعلن أنه شاهد بعينيه كيف ضحى الغراب النوحي بحياته من أجل العمل على منع إبراهيم الشركسي من الهرب.  أعلن الكلب هول كذلك أنه أمضى اللحظات الأخيرة من حياة الغراب النوحي بجواره وأن الغراب النوحي أخبره بأنه يريد أن يدفن في مسقط رأسه – كفر نفرة.  أعلن إسفين أنه سيتولى ذلك الأمر.  أعلنت كلاب المنوفية أنها سوف تفعل نفس الشيء في حالة الكلاب الذين سقطوا دفاعًا عن الثورة المصرية إلا أن ضباط الشرطة تدخلوا وبينوا أن ذلك قد يأخذ وقتا أطول مما هو مطلوب وأن أفضل حل هو نقل جثامين جميع الضحايا سواء من المنوفية أم من غير المنوفية إلى كلية الشرطة في التجمع الخامس ودفنهم الدفن اللائق بهم وإقامة نصب تذكاري تخليدًا لموقعة الليلة الكبيرة.  بين الضباط أن هذا هو أقل ما يجب عمله اعترافا بتضحية هؤلاء الكلاب.  اقتنعت كلاب المنوفية بهذا الرأي, وكذلك كلاب باقي المحافظات. 

لم يبقً بهذا الشكل, سوى التفكير فيما يجب عمله في البلطجية وشاحنات الديناميت.  أشار الضباط بوضع البلطجية في شادر الخشب إلى حين حضور الجيش لاستلامهم, كما بينوا ضرورة إخلاء الميدان على الفور من شاحنات الديناميت.  أصر الضباط على قيادة الشاحنات إلى أول طريق السويس من أجل الوقوف بها في الصحراء بعيدًا عن المناطق المأهولة.  تم الاتفاق على أن يقوم الثوار بالسير أمامهم وخلفهم مع تشغيل أضواء الطواريء وتقليب الأنوار بشكل مستمر لتحذير السيارات الأخرى من الاقتراب. 

خلال ذلك الوقت كان إسفين وزملاؤه قد حصلوا على قطعة قماش بيضاء ووضعوا الغراب النوحي فيها وغطوه بالعلم المصري.  اجتمعت الغربان وأمسك كل واحد منها بطرف من قطعة القماش وطاروا, بهدوء, إلى كفر نفرة.   نظر الضباط والثوار إلى أعلى وضربوا أقدامهم في الآرض بقوة ورفعوا أيديهم تحية له.  كان كل واحد من الواقفين يعلم أنه لولا ما قام به الغراب النوحي لكانت الثورة المصرية قد انتهت في أول أسبوع من انطلاقها.  لا أحد يعرف حتى الآن أين يرقد الغراب النوحي بالضبط, إلا أن الكل يعلم أنه يرقد في كفر نفرة.  قد يكون في حديقة الحاج كامل شاهين أو في غيط الحاج أحمد قرطام إلا أنه, في نهاية الأمر, يرقد في بلده.  في كفر نفرة.

توقف الحاج محمود عن الكلام, ومسح العرق عن جبينه.  نظر إلى المنديل “الأبيض” ولوح به في إشارة لها معناها.  ثم استمر في الحديث بصوت هاديء لا يكاد المرء يتبينه.  قال الحاج محمود إنه ما أخبر أهل الناحية بما أخبرهم به إلا بعد تفكير طويل حيث كان ممزقًا بين أن يبقي الأسرار التي أخبرهم بها طي الكتمان أم يصرح بها إليهم.  كان الإبقاء على السرية هو القرار الذي اتخذه الشيخ حسن العكابري.  يعود ذلك بلا أدنى شك لخوفه على الثورة المصرية من اطلاع الفلول على أسرارها وبالتالي القضاء عليها.  إلا أن الاستمرار في الكتمان كان يحمل أيضًا خطر ألا تتعرف الأجيال القادمة على القصة الحقيقية للثورة المصرية.  كلنا يعلم أن الأعمار بيد الله, وأن الحاج محمود الموجود بينهم الآن يتحدث إليهم قد يغيب عنهم إلى الأبد بعد دقيقة من الآن.  هذا هو ما دعاه إلى إخبارهم – خاصة وهو يثق بأنهم سيحتفظون بما أخبرهم به لأنفسهم حتى يحين الوقت المناسب لإخبار العالم كله – وليس أهل كفر نفرة وحسب – بالقصة الحقيقية للثورة المصرية.    أكد الحاج محمود أن هذا اليوم لن يغيب طويلاً, فالثورة قد انتصرت, وسوف يستكمل الشباب ما بدأه الشيخ حسن وسوف يعيش كل المصريين – وليس المنايفة وحسب – بكرامة, وحرية, وعدالة اجتماعية.   رفع الحاج محمود يده وطلب من الجميع الصمت, والاستمرار في الصمت, والخروج إلى مسجد الناحية لصلاة الفجر.   جاء صوت الحاج عادل شاهين مؤذن المسجد رائقًا, صافيًا, نقيًا كالبللور يدعو المؤمنين إلى الصلاة.

خرج أهل الناحية من دار الحاج محمود وقد خيم عليهم الصمت إلا من كلمة هنا أو عبارة هناك لا يكاد يصدر عنهم صوت باستثناء أبوك الحاج عبد الهادي شاهين الذي استمر في الحديث, كعادته, بصوت أقرب إلى الصياح منه إلى الحديث العادي.  كان الجميع يفكر فيما أخبرهم به الحاج محمود عن كيف كادت ثورة الخامس والعشرين من يناير أن تسقط لولا تدخل الغراب النوحي, والشيخ حسن, والكلب هول, وائتلاف ثوار مترو الأنفاق, وغربان القاهرة, والجيزة, والقليوبية, وكلاب المنوفية البواسل, وضباط الشرطة الشرفاء.  كان الجميع يفكر كذلك في الدور الذي لعبته “وزة” السحلية الطاهرة التي رفضت أن تعيش حياتها “على المكشوف” مخاطرة بحياتها وحياة زوجها من أجل وضع حد لعمليات الإدراج المشينة التي تقوم بها “مدينة إنتاج المعلومات”.  تذكر الجميع كذلك الدور الرائد الذي قام به “الشايقي” وزميله “الجعلي” وكيف قام الإثنان بتشكيل ائتلافات ثورية لنشر الوعي الثوري بين الحيوانات.

بدأت نقطتان اثنتان تظهران بوضوح تام أمام الجميع.    الأولى, هي الأهمية المطلقة لما أخبرهم به الحاج محمود وضرورة تدوينه حرصًا على وصوله للأجيال القادمة كاملاً غير منقوص.  يعلم الجميع صعوبة الثقة بالذاكرة البشرية خاصة في كفر نفرة حيث ينسى الناس في العشاء ما تناولوه في الغداء.   الثانية, هي الدور المحوري الذي لعبته كفر نفرة في ميلاد ورعاية الثورة المصرية.    كفر نفرة التي جاء منها الشيخ حسن, والغراب النوحي, ووزة ووجدي, والشايقي والجعلي, وعتريس وأبو سريع وكل أبطال الثورة المصرية.   كان السؤال الذي يدور في ذهن الجميع وهم سائرون في صمت إلى جامع الناحية هو التالي: ما الذي يتوجب على أهل كفر نفرة عمله للوفاء بالدور التاريخي الذي اختارها القدر للقيام به؟  

كمال شاهين 

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s