حول الفطرة السليمة والفطرة الخربانة


لتتابع كل كتابات مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي انضم للصفحة
استمرارا للحوار حول الفطرة السليمة والفطرة الخربانة
كتب الشيخ #أحمد_المُهري
 
أنزل الله تعالى القرآن منذ خمسة عشر قرنا ولكن البشرية عاشت ما يقرب من 30 إلى أربعين ألف سنة قبل ذلك بلا قرآن. والقرآن ينص بأن أبوينا آدم وزوجه عاشا بلا تشريعات سماوية. قال تعالى في سورة طه: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126). الآيات الكريمة تعني بأن الله تعالى وبعد أن تاب على آدم وهداه الطريق الصحيحة فإنه تعالى أخرج آدم من جنة الرضوان التي تمتع بها هو وزوجه من قبل أن يأكلا من الشجرة. وجدير بالفهم أن جنة الرضوان ليست جنة مكانية بل هي جنة معنوية تسمو بالإنسان إلى النيل من الرحمة المباشرة من ربه. والهبوط من تلك الجنة يعني خسارة تلك العناية الربانية.
 
هناك وبعد حكاية تعرُّفهما على القوة الجنسية تحولا عمليا إلى إنسانين مثلنا نحن وبدءا ينجبان.
 
اهبطا منها: خطاب لآدم وزوجه.
 
منها: من جنة الرضوان حيث تولى الله تعالى مساعدتهما وعلى أساسه علمهما ألا يأكلا من الشجرة وأبلغهما بأن الشيطان عدو لهما فعليهما أن يرفضا تعليمات الشيطان. إنهما بالتأكيد لم يريا الشيطان لأن الشيطان لا يملك جسما فيزيائيا مثلنا، ولكنهما كانا يتأثران بالوساوس الشيطانية التي تؤثر في القلب النفسي. ومما لا شك فيه بأنهما كانا يحملان كل القدرات التي نحملها نحن اليوم في نفسيهما ولذلك كانا مكلفين مثلنا ومأمورين بأن يتبعا أوامر الله تعالى. ما يتفضل به أخونا العزيز طبيب محمد سلامه من وجود فطرة سليمة في كيان كل إنسان وهي قادرة على التمييز بين الحق والباطل بعرض الحق والباطل على الحقائق الخارجية عن طريق الفطرة الداخلية، فأيهما وافق الحقائق الخارجة عن القلب فهو الحق وهو من الله تعالى وأيهما خالف فهو الهوى وهو من الشيطان.
 
نريد الآن أن نستعرض قلب آدم وقلب من نسميها حواء. القلبان ينطويان على الفطرة السليمة و يستوحيان وحي الملائكة كما يستوحيان وحي الشيطان. هناك فرق بينهما وبيننا بأننا جميعا هابطون مثلهما بعد الهبوط من الرضوان ولكنهما لم يكونا هابطين بعد وكانا من دوننا يتمتعان بنوع خاص من الوحي السماوي الذي نفقده نحن. ولعلهما كانا يسمعان نداء لقوله تعالى بعد أن أكلا الشجرة كما في سورة الأعراف: فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23). هناك بالتأكيد نوع خاص من وحي السماء لهما بحيث يعطيهما قناعة أكبر من قناعتنا.
 
الفطرة السليمة موجودة والنداء السماوي موجود وقد عرفا بأن ربهما منعهما من أكل الشجرة كما منعهما من اتباع الشيطان وبأنهما سيكونا ظالمين لو اتبعا الشيطان. ومن جانب آخر فلا توجد في تلك الجنة البعيدة عن الحيوانات والتي تضم النباتات فقط أي محرك خارجي للشهوات. لا أفلام خلاعية ولا بنات أو فتيان عراة على الشواطئ وهم يمارسون بعض الحركات الجنسية. كما لا يوجد داعش ولا القاعدة ولا الوهابيون وبقية أولياء الشياطين الذين يخدعون الناس ليعصوا ربهم ويقتلوا الناس ويدخلوا الجنة. فطرة سليمة غير ممسوسة وبجوارها نداء ناصح يعلمان علما كاملا بأنه نداء طيب خالص من الله تعالى للابتعاد عن وساوس الشيطان. وفوق ذلك فإن نداء الرحمن وضح لهما بأن الممنوع فقط هو الأكل من شجرة خاصة ولا شيء غيره. هذه الفطرة السليمة ما ساعدت أبوينا الكريمين أن يمتنعا عما علما بأنه يضرهما. أنا أفسر عملهما احتمالا بأنهما أرادا تجربة الأكل ليريا ما الذي سيحصل. وهما على كل حال على علم بأن الله تعالى سيغضب عليهما لكن الفطرة السليمة ما ساعدتهما على الامتناع من أمر محرم واحد، لا حرامَ غيرُه. فما قيمة هذه الفطرة السليمة وما شأنها أن تعلمنا نحن في بريطانيا وأهلنا في مصر والخليج وبقية إخواننا البشر في الصين واستراليا وجبال هملايا، تُعلمنا ما نميز به بين وحي الشيطان ووحي الملائكة في يوم طغت فيه الشياطين وأصبح نصف الناس شياطين إنسيين؟
 
نعود إلى آيات سورة طه مرة أخرى.
 
جميعا بعضكم لبعض عدو: تغير الخطاب من المثنى (اهبطا منها) إلى الجمع. فهل الشيطان أصبح ثالثهما؟ لا أظن ذلك. كان الشيطان مطرودا من الرضوان من قبل، من يوم أن عصى ربه وأراد ألا يمسك نفسه حينما يمر على آدم. وإبليس الذي عاش من أيام آدم قد أضله الله تعالى وحكم عليه بالنار ولكنه سبحانه أبقاه ليختبر به البشر. وهذا الجمع المخاطب في الآية سيأتيهم الهدى، حيث أكمل سبحانه:
 
فإما يأتينكم مني هدى: إذن فالمخاطبون هم آدم وزوجه وأولادهما؛ بمعنى أننا جميعا مخاطبون مع أبوينا في ذلك اليوم. لقد تاب الله تعالى على آدم وغفر له ذنبه كما غفر لزوجه. واسمحوا لي هنا أن أذكر القارئ الكريم بأن الله تعالى يسمي الكائنات أسماء حقيقية وبالنسبة له فإن آدم هو آدم باعتبار أنه من أديم الأرض وزوجه مثله فهي أيضا من أديم الأرض واسمها عند الله آدم أيضا. لكنه سبحانه كما أظن يريد أن يميز بينهما حتى لا نضيع نحن فيقول آدم وزوجه، وإلا فخطاب آدم يعمهما وأحيانا يعمنا جميعا فنحن جميعا آدم. وحينما يشير إلينا ربنا ببني آدم فهو باعتبار أننا لسنا الإنسان الأول الذي اعتبره الله تعالى معجزة سماوية بأنه وعن طريق الطبيعة استحق النفس الإنسانية. وقال تعالى بشأن تلك العملية في سورة المرسلات: أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23). فآدمية الأبوين أكثر من آدميتنا نحن.
 
الفطرة السليمة موجودة لدى آدم وزوجه وقد عصيا وتابا فتاب الله عليهما فلماذا لم يبعث الله تعالى لهما الهدى بل قال: إما يأتينكم منى هدى؟ بمعنى أن الهدى غير موجود ويمكن أن يأتي. ولعلكم تعلمون بأنه سبحانه إذ يقول: إما، يعني وإما لا يأتينكم مني هدى. فلنعلم بأن نزول الهدى المقصود في الآية الكريمة وهي هدى مثل التوراة والقرآن وليس هدى جزئيا مثل الأمر بأن لا يأكلا من الشجرة، فإن نزول ذلك الهدى الشامل مقيد بأمر لو لم يتحقق فلن ينزل الهدى. ذلك هو استعداد البشرية لتسلم التوراة ومن بعدها القرآن. البشرية إلى عهد شعيب لم تكن تعرف شيئا عن الحياة الثانية في الآخرة وكل ظنهم في الدنيا. كل شيء في الدنيا ولو أنهم علموا بالجنة والنار فهما في نفس هذه الكرة التي نعيشها اليوم. ولو نفكر في أهرامات مصر نعلم بأن البشر كان يؤمن بعودة الإنسان ولكن في هذه الدنيا. ومثلهم اليهود اليوم الذين يدفعون كل شيء للحفاظ على رفات أمواتهم لأن جنتهم دنيوية. هناك الكثير من المسلمين لا يعلمون شيئا عن الآخرة ويظنون بأن كل شيء في الدنيا. يؤمن بعض المسلمين بعودة المسيح وبعضهم بظهور المهدي وبعضهم بعودة أئمتهم أو خلفائهم إلى الحياة والحكم في الأرض. كل هؤلاء مع احترامي لهم لا يعرفون معنى الآخرة ولا يعلمون شيئا عن اللقاء الخطير مع الله تعالى.
 
كل اليهود وكل النصارى وكل المسلمين عدا قليل منهم يؤمنون بشفاعة أنبيائهم لهم يوم القيامة فكلهم لا يعلمون معنى القيامة. لا يمكن أن تكون هناك بيع أو خلة أو شفاعة في يوم القيامة لأنها ليست في هذه الأرض حيث المالكية والبنوة والعلاقات النسبية والعلاقات العاطفية والدينية. بل ليست في هذه النشأة هي نشأة كونية أخرى لن تتحقق إلا بعد تدمير كل الكون تدميرا كاملا. ليتصور أخي الطبيب سلامه أبوينا آدم وكل البشر الذين جاؤوا بعده حتى نزول التوراة فهل كانوا قادرين على فهم التوراة. وهل بنو إسرائيل كانوا قادرين على فهم التوراة قبل أن يمروا بمراحل تغييرية كبيرة ويبتعدوا عن مصر حيث أن فرعون وقومه أيضا لم يستعدوا لاستقبال التوراة. لا أقصد الهدى والضلال أو السعادة والشقاء لاستقبال كتاب السماء بل أقصد قدرة الإدراك النفسي لفهم كتاب عظيم مثل التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى على ألواح مكتوبة.
 
لنعد إلى أيام موسى ولنعد بخيالنا إلى بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر حيث بقوا فترة طويلة في منطقة سيناء بلا توراة. هل هناك سبب آخر لحرمانهم من كتاب يريد الله تعالى أن ينزله على البشرية في ذلك الزمان وقد أعد له نبيا عظيما مثل موسى غير ضعفهم النفسي في الإدراك؟ فهذا هو السبب احتمالا في أنه سبحانه قال: فإما يأتينكم مني هدى. فمن الممكن ألا تنزل التوراة وإن لم تنزل التوراة فيستحيل نزول القرآن طبعا.
 
فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى؛ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا: المقطع الأخير من الآية الأولى تتحدث عن هدى الله تعالى والمقطع الأول من الآية التالية لها تتحدث عن التوراة والإنجيل والقرآن فهن يمثلن ذكر ربنا كما أظن. وحتى نعرف معنى الشقاء في الآية على الأقل فإننا نعود إلى آية سبقت آيات طه في نفس السورة وهي هذه: فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117). فاتباع الشيطان يؤدي إلى الشقاء وأما اتباع هدى الرحمن فهو يؤدي إلى أن لا يضل الإنسان ولا يشقى.
 
أين الذكر لدى آدم وأين الذكر قبل نزول التوراة؟ وفي غياب الذكر لا يوجد تكليف أصلا لأنه سبحانه تحدث عن الذي أعرض عن ذكره ولم يقل من أعرض عن فطرته التي تنطوي على القيم والمثل العلا. الذكر حاكم علمي خارجي لا علاقة له بالنفس الإنسانية. وبدون الذكر لا يوجد أي تكليف واضح إلا تكاليف الطبيعة. كلنا نشعر بأن القتل عمل فاسد لا يمكن أن يقوم به إلا شخص شرير انعدمت الرحمة من قلبه وطغى الفساد على كل وجوده فرضي بأن يحرم إنسانا منحه ربه الحياة من الحياة. كلنا يعرف بأن القاتل وبأي لسان وتحت أي شعار هو عدو الله تعالى؛ ولكن ليس كلنا يعرف بأن العلاقة الجنسية بين فتى وفتاة برضا هي علاقة غير شرعية إلا إذا كان هناك تشريع واضح. القيم والمثل العلا في النفس إن كانت موجودة فإنها لن تتمكن من بيان أن العلاقة الجنسية بدون المرور على ما فرضه الله تعالى في القرآن من مهر واستعداد لتنفيذ أحكام الله تعالى وقبول للميراث ولبقية الواجبات على الطرفين، هي زنا وليست ارتباطا مشروعا. هل يمكن القول بأن أناسا طيبين مثل أبي ذر وأبي بكر ومحمد بن عبد الله قبل الرسالة الذين تزوجوا بطرق غير إسلامية قبل ظهور الإسلام قد زنوا والعياذ بالله؟ إنهم تزوجوا زواجا صحيحا لم يرفضه القرآن بعد نزوله وهو الذكر. لكن أيا منهم أراد أن يتزوج بعد نزول القرآن فكان عليه أن يعمل بما فرضه القرآن ولا يكفي أن يعمل بالعقل والوجدان والتقاليد كما فعلوه من قبل. ولا يمكن أن نقول بأن القرآن هو عين ما أملاه عليهم الوجدان والعقل أو الفطرة والمثل العلا. لو قلنا ذلك فنحن نعني بأن القرآن كتاب زائد وغير ضروري.
 
ما يتفضل به سيادة الطبيب محمد سلامه هو أننا يمكننا عرض القرآن على الفطرة لنعرف بأنه كتاب الله تعالى. وما قال لي صديقي سيدني قبل عشرين عاما في لندن هو أنه استيقن بأن الكتاب المقدس هو كتاب الله تعالى ويجب على كل إنسان أن يعمل به وإلا غضب الله عليه. سيدني رجل طيب لا يظلم أحدا ويحب الناس بدليل أنه كان يحبني وأنا لست من دينه وسعى كثيرا ليقنعني بأن القرآن هو من وحي الشيطان والكتاب المقدس هو من وحي الرحمن. معاذ الله.
 
قلت له، أخي سيدني: دعنا ننظر إلى الكتابين بإمعان لننظر أيهما يخدم مصالح الشيطان وأيهما يخدم مصالح الرحمان؟ وافق؛ فقلت له بأن الأنبياء هم صفوة الخلق وهم النماذج الطيبة لنقتدي بهم ونعمل مثلهم. وافق أيضا. فقلت بأن القرآن يذكر الأنبياء بأسمائهم ويمدحهم ولا يذكر لهم معاصي كبيرة. لكن الكتاب المقدس لا يفته نبي غير المسيح إلا اتهمه بالزنا مع المحصنة وبعضهم بأكثر من ذلك. قال: هذه حقيقتهم ولكنهم أناس طيبون. قلت له لنمعن النظر في قصة داوود صاحب كتاب سماوي باسم المزامير مع زوجة أحد ضباطه وقد استدرجها حينما كان زوجها في حرب مع الأعادي. وحينما ظهر آثار الحمل على المرأة سعى لإحضار الضابط العسكر ي وإرساله إلى زوجته ولكنه جاء ورفض الذهاب إلى بيته لأن الجنود يحاربون لحماية الأمة وهم جميعا بعيدون عن أزواجهم. هناك أمر داود من هو أكبر منه في العسكر أن يرسله إلى مقدمة الجيش ليُقتل ولا تظهر الفضيحة. تلك هي أم سليمان، والقصة بكاملها في الكتاب المقدس. استمع سيدني إلي ساكتا. ثم قلت له: هل أنت يا سيدني مستعد بأن تقوم بنفس العمل. قال: كلا لست مستعدا؛ هذا ظلم كبير. قلت إذن أنت خير من داوود الملك الموحى إليه وخير من بقية الرسل الذين نسب الكتاب المقدس إليهم الزنا في ما عدا المسيح. فلماذا لم يذكر الله تعالى اسمك في الكتاب المقدس لتكون لنا قدوة؟ احتار سيدني في الجواب ولكنه لم يتنازل عن أن الكتاب المقدس هو كتاب الله تعالى والقرآن الذي يلعن الشيطان هو وحي الشيطان.
 
سيدني إنسان طيب يسعى ألا يظلم أحدا ويسعى أن يكون طيبا وكنت أراه يحب مساعدة الناس ليس فقط في الدين بل في الحياة العامة. فأين المثل العلا المخزونة في كيانه لتقنعه بأن القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي حفظه الله تعالى لنا؟ هناك يهود طيبون في غاية الإيمان والإخلاص وهناك مسيحيون طيبون بنفس الطيب والإخلاص وهناك مسلمون يؤمنون بالبخاري والكافي ويتقبلون كل الخزعبلات وهم أناس طيبون مثاليون يضحون في سبيل إسعاد الناس. فأين كوامنهم الفطرية الداخلية التي لا تساعدهم ليضربوا بالبخاري والكافي والكتاب المقدس عرض الحائط؟ أنا أعرف هندوس طيبين ولي صديق كنا معا في المدرسة وهو ينقل لي الكثير عن بعض البوذيين الطيبين الذين ارتبط حينما كان يدرس في أمريكا. أين فطرة هؤلاء وأين فطرة البوذيين أصدقاء صديقي المسلم ليتحروا عن طريقه القرآن ويؤمنوا به؟
 
أظن بأن أخي العزيز أبا المكارم عليه بأن يراجع بعض المسلَّمات العلمية في ذهنه فقد تكون مشوبة. لم يصرح القرآن بوجود هذا الكائن الطيب داخل نفوس البشر وإنما قال بأن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء. قد يكون السر في مشيئة الرحمن وليس في مقومات نفوسنا. ولو كان في قلوبنا النفسية ما يهدينا إلى أن القرآن هو الصحيح فإن رحمة الله تعالى تفرض وجود القرآن مع آدم ومن بعده مع كل قوم بلغتهم وهو ليس كذلك. وهو بالتأكيد يعرف أكثر من عامة المسلمين بأن ترجمة القرآن ليست هي القرآن المنزل على محمد بن عبد الله عليه السلام. إنه يعلم بأننا لا يمكن أن نفهم من الترجمة الإنجليزية أو الفارسية ما نفهمه من النص العربي.
 
فالقرآن في واقعه يفيد مجموعة صغيرة من الذين يعيشون في هذا الكوكب حتى بعد خمسة عشر قرنا من تنزيل الله تعالى له. ولكن حينما نوسع نظرتنا إلى البشرية وقد خلق الله تعالى كل البشر وننظر إلى معتقداتهم التي يعلنونها وإلى أفكارهم وما يظهر من أعمالهم فنراها غير متجانسة وغير متوافقة. وحينما نقارن بيننا نحن المجموعة الصغيرة في مركز تطوير الفقه وفي تجمع المودة وأفراد قلائل من المسلمين الذين لا يرفضون أفكارنا فنحن لا نشكل نسبة بين المسلمين. فهل يمكن أن يكون كل البشر بمن فيهم المسلمون عدا هذه المجموعة الصغيرة على باطل؟ وهل يُعقل أن يدخل الله تعالى جميعهم النار إلا هذا العدد الضئيل من المفكرين؟
 
أظن بأن سيادة الأستاذ الدكتور كمال شاهين على حق حينما يقول بأن سيادة الطبيب سلامه هو الذي يقول ذلك وليس الله تعالى. وأنا أضيف عليه أو أكرر كلام شاهين بأن لله تعالى كتابا معروفا ونحن جميعا نؤمن به بأنه كلامه سبحانه وهو لا يقول لنا شيئا عن هذه المسألة الغيبية التي لا يمكن لبشر أن يعرفها. فكيف نقول بوجود شيء داخل كياننا جميعا ولكنني أنا والدكتور كمال ولعل البقية لا نشعر بوجود ذلك الشيء إلا أن الطبيب محمد سلامه يشعر به؟
 
يبقى هناك مسألة مهمة أظن بأنها هي التي تدفع أخي العزيز سلامه أن يصر على وجود حجة فطرية كاملة في كيان كل الناس والله تعالى سيحاسبنا على أساسها. تلك هي مسألة يوم الحساب وكيف يتعامل ربنا مع عبيده وكيف يقول لهم كما نقرأ من سورة الأنعام: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (130).
 
أظن بأن الطبيب سلامه قد يعتقد بأن هذا الرسول هو تلك الفطرة الكامنة المخلوقة مع كل إنسان. وهذا غير دقيق. الحساب يوم القيامة ليس على أساس الأعمال بل على أساس النفوس فقط. والنفوس لا يمكن أن تكون مسؤولة بلا هدى واضح من الله تعالى بحيث يصل إلى النفس. هذا النوع من الهدى لم يتحقق إطلاقا في غير عهد الرسل الكرام. ونحن وبقية الناس سوف نطبق على تلك الفترات الاختبارية المميزة. بمعنى أن الملائكة سوف توزع الناس في زمر يوم القيامة على أساس تشابه نفسياتهم وسيكون مع كل زمرة واحد من أصحاب رسولنا أو بقية الرسل. هذا الصحابي قد يكون من المتقين بمختلف درجاتها أو يكون من المنافقين أو يكون من المؤمنين بالله تعالى وبالأديان السابقة والذين رفضوا دعوة الإسلام أو يكون من المشركين. كلهم صحابة الرسل الكرام وكلهم بزينهم وشينهم نماذج للبشرية. وقد كتبت هذا الموضوع قبل عشرين عاما تقريبا في موقعي الفكري تحت عنوان الشهيد والشاهد في التنزيل.
 
تحياتي ودعواتي للجميع
 
#تطوير_الفقه_الاسلامي
 
26/7/2016
 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s