مناقشات حول الشورى والإمامة ‏ واخرى


مناقشات حول الشورى والإمامة ‏
دارت بيني وبين بعض الإخوة الكرام في الشهر الماضي مناقشات لا بأس بها حول الشورى ‏والإمامة ومسائل أخرى جانبية. تركت الاستمرار وقته لأنني كنت مشغولا جدا وعاجزا عن أن ‏أقرأ بعض الردود المطولة ولا سيما ما بعثه أخي أحمد الكاتب حفظه الله تعالى. ‏
يبدو بأن هناك كمٌّ كبير من المسائل ونحتاج إلى أن نناقشها جميعا. لكن أوقاتكم الشريفة ‏ووقتي القليل لا تسمح بمناقشة كل صغيرة وكبيرة. ولذلك فسوف أختار واعذروني في اختياري. ‏وسوف أرقم المواضيع. واسمحوا لي بأن أقول بصورة عامة بأننا نريد مناقشة المسائل حسب فهمنا ‏ولا يهمنا فهم سلفنا. فلا عبرة عندي وعند كل محقق فيما قاله فلان وفلان مهما كبروا في قلوبنا. ‏
‏1. ‏
موضوع رأيي في كنتم خير أمة أخرجت للناس. قال تعالى في سورة الجاثية: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي ‏إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16). بنو إسرائيل من ‏بداية تواجدهم كانوا مجموعة مؤمنة وفاسقة مع بعض وقد لاحظنا بأن عشرة من أولاد يعقوب ‏الثلاثة عشر الذكور أرادوا أن يقتلوا أخاهم يوسف. وهكذا بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى وبعد ‏أن أنجاهم الله تعالى من ظلم فرعون أرادوا أن يعبدوا غير الله ثم عبدوا العجل. فكيف فضلهم الله ‏على العالمين؟ وفضلهم في أي أمر؟ والتفضيل كان قبل أن تأتيهم التوراة. قال تعالى في سورة ‏الأعراف: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ‏الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137) وَجَاوَزْنَا ‏بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ ‏إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ ‏إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140). فضلهم على العالمين وهم يطلبون إلها غير الله ولم تنزل التوراة ‏بعد؟ ‏
هناك صفة طيبة لديهم وهو الصبر وعلى أساسه ميزهم الله تعالى على قوم فرعون ونقلهم ‏إلى أماكن أخرى هي قراهم القديمة احتمالا وأنزل عليهم التوراة. فهم مختارون لاستلام التوراة ولهم ‏مزايا. وحين تشريف موسى باستلام التوراة كاملة من ربنا العظيم أخبره ربه بأن قومه عبدوا ‏العجل. لاحظوا بأن سبحانه اختار قوما لينزل عليهم التوراة وهم يعبدون العجل! قال تعالى في ‏سورة الدخان: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ‏‏(31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32). ‏
والآن نأتي لنعرف السبب في اختيار ربنا أهل مكة لينزل عليهم القرآن. هناك فضيلة لديهم ‏خاصة بهم مشابه لفضيلة بني إسرائيل. ليس بنو إسرائيل أفضل من في الأرض فلو كان كذلك فهو ‏يعني بأن المجرم نتنياهو أفضل من خاتم النبيين لأن الأول من بني إسرائيل والثاني ليس منهم. هذا ما ‏تقوله الآية الكريمة من سورة آل عمران بالنسبة لأهل مكة الخير: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ ‏بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ‏الْفَاسِقُونَ (110). كنتم تعني كنتم فيما مضى واستدلالاتكم بأن كان لا تعني ذلك مردودة ولو ‏تريدوني أن أرد عليها واحدة واحدة فأنا قادر على ذلك والحمد لله ولكننا نريد الاختصار لنصل ‏إلى نتيجة. ‏
دعنا نفكر في كيفية اختيار ربنا لأهل مكة لينزل عليهم القرآن من واقع الآية الكريمة: ‏
ألف: ‏
كان أهل مكة يتعاملون مع الناس جميعا بغض النظر عن دينهم بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن ‏المنكر. كان مكة مزارا عاما للناس وكان أهل مكة يستقبلون الناس جميعا ويسقونهم ويعمرون ‏المسجد الحرام ويساعدون الزائرين. كانوا يقرون الضيوف ويحترمون الحقوق وكان يزعجهم أن يروا ‏أحدا منهم يظلم شخصا ولو كان غريبا. ولكم في حلف الفضول خير شاهد على ذلك. فهم ‏يتعاملون مع الناس بما هو معروف بينهم بالحسنى ويمنعون أهلهم عما يُكره الناس وهو المنكر. ‏
ب: ‏
كانوا يؤمنون بالله وهو الشرط الأول في الواقع لبعث الرسل. والله تعالى لم يرسل رسلا إلى ‏الفرس لأن إيمانهم بالله بعيد عن الحقيقة ولا إلى الصينيين لأنهم أبعد من الفرس ولا إلى الهند لأنهم ‏جميعا فاقدون للشرط الأساسي. ‏
فاختار سبحانه أهل مكة من بين كل البشر وهم “الناس في خير أمة أخرجت للناس” ‏لاستلام القرآن الكريم. واسمحوا لي لأضيف إلى ذلك ما كان معروفا آنذاك ولذلك لم يذكره القرآن. ‏إنه اهتمام أهل مكة باللغة العربية وإقامتهم لأسواق الشعر على أن أصل الشعراء من اليمن لكن أهل ‏مكة يضيِّفون الجميع ويقيمون لهم أسواقهم حرصا منهم على توحيد لغة التفاهم بين الناس. وهو مهم ‏أيضا لنشر القرآن الكريم. هناك صفات أخرى لدى أهل مكة تميزهم على غيرهم من البشر بغض ‏النظر عن دينهم وشركهم في العبادة وغيرها من صفاتهم السيئة التي جاء الرسول ليصلحها وقد وفقه ‏الله تعالى أكثر من بقية الرسل برأيي كما قرأتم عن أصحاب بقية الرسل. قارنوهم بأصحاب رسولنا ‏لتجدوا بأن رسولنا كان أقل الرسل تعبا وإيذاء من أصحابه وأكثرهم حظا في تجميع المؤمنين ‏برسالته. وما سمعناه من سلفنا بأنه عليه السلام قال ما أوذي نبي مثل ما أوذيت محض الكذب. ‏ليس من حقه أن يقول ذلك فهو لا يعلم ما حل بالرسل بل هو من حق الله تعالى؛ وهو عليه السلام لم ‏يقل ذلك قطعا ويقينا. وهذا مثل قولنا الأحمق بأنه سيد الرسل أو بأنه خير خلق الله. معاذ الله من ‏الكذب ومن التحدث باسم الله تعالى. كلها من حقوق الله سبحانه ونحن نفتري على الله الكذب في ‏ذلك. ‏
‏2. ‏
السابقون الأولون. استند الأخ ماجد المولى على الآية التالية من سورة التوبة لإثبات وجوب ‏اتباع السابقين الأولين: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ ‏عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100). هذه ‏الآية معطوفة على سابقتها وهي: وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ‏اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (99). لا يوجد أي أمر ‏باتباعهم أنفسهم في الآيتين. إنهما تتحدثان عن أنهم من المشمولين برحمة الله تعالى فقط ولا يذكر ‏ربنا بأنهم من أهل الجنة لأن ذلك سابق لأوانه وحكم يحكم به الله تعالى يوم القيامة فلا يوجد مبشر ‏بالجنة من الأحياء حين نزول القرآن وما يقولونه كذب أيضا مع الأسف. ‏
الذين اتبعوهم بإحسان وليس بصورة عامة تتحدث عن أمر حصل وليس عن أمر يحصل. ‏إذا تريدون إنكار المفاهيم النحوية فأظن بأنكم تحتاجون إلى أن تكتبوا نحوا جديدا لنطبقه على ‏تفسير جديد للقرآن. فافعلوا ذلك ثم ناقشوا غيركم. الجملة خبرية وليست أمرية إخواني الكرماء ‏حفظكم الله تعالى. ‏
هناك حديث غير صحيح آخر معروف بيننا بأن الرسول عليه السلام قال: أصحابي ‏كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. وهناك حديث الثقلين عند الشيعة بأن الرسول ترك الثقلين كتاب الله ‏وعترته. أقوله لهم جميعا: هاتوا آية قرآنية تجيز للرسول أن يعين لنا مراجع بشريين ثم اكذبوا بعده ‏وعينوا من تشاؤون مراجع لنا. ‏
إنه من السخافة الواضحة أن يأمرنا رسول الله بأن نتبع بشرا ونكون من الفائزين بثواب الله ‏تعالى. وهل الله لا يعلم كيف يعلمنا حتى يعين لنا العترةُ أو الصحابة أو السابقون ما يرونه صحيحا ‏والله يكافؤنا الجنة؟ فكأنه سبحانه ينفذ ما يريده البشر!!‏
القرآن وحده وليس غيره هو أمر الله وهو الذي يدخلنا الجنة أو النار. قال تعالى في سورة ‏الزخرف: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ ‏تُسْأَلُونَ (44). ليس بيد الرسول أي أمر وأي حق عدا القرآن. هناك آيتان في سورة النساء تمنعه ‏من حق الفتوى الملزمة أيضا فإذا استفتاه قومه فإنه ينتظر فتوى ربه. ثم يوضح الله تعالى له بأن هذا ‏هو نظامه مع الذين سبق أن يتبعوا آيات ربهم فقط فيكمل تعالى الموضوع: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ‏مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي ‏رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ (47). ويذكر ربنا السبب في ذلك ‏وهو أن الذي تتبعونه وتطيعونه فأنتم تعبدونه لأن الطاعة من مظاهر العبادة. إنه سبحانه الرحمن ولا ‏رحمة تضاهي رحمته ولا هدى مثل هداه. ‏
‏3. ‏
موضوع ما صح من أحاديث النبي. نحن نتبع القرآن الكريم باعتبار إيماننا بأنه كتاب الله تعالى ‏ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فهل لأحد أن يصحح القرآن؟ لو مس أحد القرآن ‏فسيدخل النار طبعا. والذين أرادوا اللعب بالقرآن اخترعوا لأنفسهم استحداثات مثل التفريق بين ‏المكي والمدني في الحكم ومثل الناسخ والمنسوخ. بالطبع أنهم كذبوا دون ريب وارتكبوا أعظم إثم في ‏كتاب الله تعالى. أين قال ربنا بأن هناك آيات قرآنية منسوخة. لو كان القرآن عاجزا عن أن يتماسك ‏‏23 سنة واحتاج إلى تبديل ونسخ فأنى لنا بعد 15 قرنا أن نتبعه؟ يستندون إلى الآية التالية من ‏سورة البقرة للاستدلال على لعبهم: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ ‏عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106). وقد وضح ربنا قبلها بأنه في صدد الرد على أهل الكتاب وليس في ‏صدد تصحيح القرآن حيث قال عز من قائل: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن ‏يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105). وحينما ‏نبحث في القرآن لنجد الآية المنسوخة من التوراة لا نجد إلا حكما توراتيا واحدا وهو حكم تحريم ‏شحوم الأنعام. وقد وضح سبحانه لنا بأن ذلك لم يكن تشريعا بل كان حكما عقابيا مؤقتا ضد بني ‏إسرائيل ثم أمر سبحانه المسيح بأن يحلل ذلك. ‏
قال تعالى في سورة الأنعام: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ‏شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ ‏‏(146). فالله تعالى أبقى تحريم ذوي الأظفار ووضح بأن تحريم الشحوم كانت جزاء بغيهم ولم يكن ‏حكما تشريعيا. وقال سبحانه في سورة آل عمران على لسان المسيح عليه السلام: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ ‏يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50). ‏وكما يبدو بأن اليهود لم يتقبلوا ذلك بل اعترضوا على لحم الجمل الذي أحله الله تعالى تصريحا في ‏القرآن. فرد عليهم ربنا في سورة آل عمران: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى ‏نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93). ما يعني بأن يعقوب كان ‏يكره الجمل فحرمه على نفسه واتبعه أبناؤه. ونحن نعرف بأن بني إسرائيل كانوا مهتمين جدا بأبيهم ‏يعقوب ولذلك اهتموا بأسرتهم وكونوا أسرة بني إسرائيل. ‏
ثم حرم بعد ذلك أي اعتراض على القرآن كما أظن بقوله الكريم بعدها: فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ ‏الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94). يعني بذلك أنهم كان من حقهم أن يستفسروا عن ‏تلك المسائل التي كانت غامضة عليهم ولا توجد مسألة غامضة أخرى والعلم عند المولى عز اسمه. ‏
إن سلفنا مع الأسف تشبثوا بما استحدثوه من قوانين إجرامية ليلعبوا في القرآن الكريم إرضاء ‏لحكامهم المجرمين من بني أمية فما بعد مثل الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني وأسباب النزول. أنا ‏أظن بأن أكثر اللعب وقع أيام بني العباس الفاسقين الذين أرادوا تثبيت سلطانهم بأنهم يتبعون أوامر ‏الرسول التي وضعوها بأنفسهم ونسبوها إلى الرسول. إنهم هم الذين أوجدوا مدرسة الحديث ‏الفاسدة التي انتهت إلى بعض الشباب الفرس في نيسابور ليكتبوا لنا الصحاح. ‏
حينما يقولون الصحاح يعني بأننا نتبعهم ولا نتبع الرسول. لا يجوز لأحد أن يصحح كلام ‏الرسول وليس لأحد أن يمس الوحي لأن الرسول لا يتحدث من تلقاء نفسه بل ينقل رسالة ربه فقط ‏وهذا معنى الرسول. نحن لا نعرف محمد بن إسماعيل ولا نعرف مسلم بن الحجاج ولا الكليني ولا ‏الطوسي ولم نرهم ولم نر غيرهم. لكننا نعرف رسول الله عليه السلام باعتبار إيماننا بالقرآن الذي ‏صرح باسمه ومكانه كما نعرف بأن السابقين الأولين من المهاجرين بلا استثناء أناس محترمون نحبهم ‏لأن الله تعالى مدحهم ولم يستثن أحدا منهم. أمر الله تعالى المهاجرين والأنصار وإيانا بأن نتبع رسول ‏الله ولم يأمرنا بأن نتبع السابقين. رسول الله يتحدث عن الله تعالى ولذلك يجب طاعته وليس ‏للسابقين ولا للخلفاء الراشدين منهم ولا للأئمة الإثني عشر أي ارتباط بوحي السماء. نحن أكثر علما ‏وأكثر تطورا منهم فكيف نطيعهم؟ بل نطيع عقولنا بعد أن نطيع القرآن الكريم وكفى. ‏
‏4. ‏
موضوع اللغة العربية. لا شك فيه بأن القرآن نزل بلغة عربية واضحة لا يحتاج الذين حضروا ‏تنزيله إلى أية قواعد وأصول بلاغية لفهم القرآن. لكن الذي حصل بأنهم يوم نزول القرآن كانوا يمثلون ‏أساس العربية وكان كل من يزور بلادهم يسعى ليتحدث مثلهم. لكنهم أيام الفتوحات اختلطوا ‏بالقوميات الأخرى التي كانت أكثر منهم حضارة وأكبر عددا فتأثروا بلغاتهم ولهجاتهم فتغيرت ‏المفاهيم اللغوية لديهم. كما أنهم تركوا بعض الكلمات وأدخلوا كلمات جديدة على لغتهم الأم. هناك ‏كلمات قليلة طبعا ما وجدت لها مثيلا في ما ورثناه من لغة العرب ولاحظت بأن بعض المفسرين ‏انتبهوا أيضا وقد فسرتها يومها على السياق فقط. ‏
وهناك قصة أو قصص كتبوها حول بداية صناعة النحو. وأبرزها أن مجموعة من المؤمنين ‏أيام الخليفة علي بن أبي طالب كانوا يشيعون جنازة ميت وهناك مر بهم شخص فسأل أبا الأسود ‏الدؤلي: من المتوفِّي؟ فقال أبو الأسود: الله جل جلاله. ذهل السائل ثم بينوا له بأن سؤاله كان عن ‏فاعل الوفاة والميت مفعول الوفاة. كان عليه بأن يقول: من المتوفَّى؟ ‏
نقلوا الحكاية للإمام فخاف عليه السلام على فهم المسلمين للقرآن مستقبلا بعد اختلاطهم بغير ‏العرب وأمر أبا الأسود بأن يكتب أصول النحو. ويقال بأنه قال لأبي الأسود: كل فاعل مرفوع، كل ‏مفعول منصوب ووو. ثم قال له أنح هذا النحو. وضع هذا العلم المهم لنا نحن المختلطون بالأعاجم. ‏وجاء بعد أبي الأسود علماء كبار مؤمنون نحتمل فيهم الصلاح والاهتمام بكتاب ربنا الذي هو ‏أساس كل مفاهيمنا؛ فطوروا هذا العلم وأضافوا إليه الصرف والمعاني والبيان والبديع وعلم اللغة ‏وغيرها ليساعدونا على فهم القرآن. ‏
وبالطبع لو رأينا جملة سماوية تخالف النحو فنحن نخطئ النحو. لكنني لعلمكم ما رأيت حتى ‏يومنا هذا مع اهتمامي الكبير بالقرآن أية جملة تخالف القواعد التي وضعها سلفنا العالم بالعربية. لكن ‏علينا بأن نعرف المعاني قبل أن ننتقد القرآن أو نرفض النحو. قولوا لي أي اختلاف فلعلي أفيدكم أو ‏تفيدونني ولا تتحدثوا بصورة عامة في موضوع أساسي للمفسرين. فقول أخي الكريم بأن العرب ‏عرفوا القرآن بدون قواعد النحو صحيح ولكن أين تفسير أولئك العرب؟ إنهم لم يخلفوا كتبا لنتعرف ‏على فهمهم. لقد وضعوا علم النحو قبل أن يبدأوا بالتدوين فبدأ الكُتاب يكتبون وأمامهم النحو علما ‏موجودا في صدورهم. فهل لي أو للأخ حمادة اليوم أن نخطئ النحو؟ أظن بأن ذلك غير منصف. ‏ولعلم الأخ حمادة فإن كبار أئمة النحو هم من السنة وهناك القليل ممن نحتمل بأنهم كانوا شيعة من ‏بينهم. أولئك فعلا علماء أخي العزيز فكيف ترفض سعي عشرات الأئمة وتتقبل فهم أخينا ‏الفارسي محمد بن إسماعيل الذي لم يكن نحويا ولا إمام لغة ولا هم يحزنون. ونحن نشك بأن صحيح ‏البخاري الذي بين يدينا هو نفس الكتاب الذي كتبه البخاري أو كتبوه باسم البخاري. يكفينا أن ‏نعرف بأن المغول دخلوا بغداد وأحرقوا المكتبات بما فيها مكتبة دار الحكمة التي احتوت على أربعة ‏ملايين كتاب مخطوط! أغلب الظن بأن المسلمين أعادوا كتابة بعض الكتب من الذاكرة. ‏
فما بين يدينا نقل من الصدور عن كاتب نقل من الصدور عن الصدور عن الصدور!! ‏مصيبة يا إخواني. ‏
‏5. ‏
الفعل كان: كان في العربية فعل لازم لا يحتاج إلى التعدية في أساسه. كان يعني تكون من ‏الكينونة وهي تعني الوجود أو الصيرورة كقول الشاعر: ‏
إذا كانَ الشِّتاءُ فأَدْفئُوني فإنَّ الشَّيْخَ يُهْرِمُه الشِّتاءُ
فلا نجد في قوله خبرا بل الشتاء فاعلُ كان الكامل اللازم. وكقولنا: كان الله تعالى ولم يكن ‏شيء معه. فكان الله جملة كاملة بفعل وفاعل لأن الفعل كامل وليس ناقصا فلا يحتاج إلى خبر ولا ‏نحتاج إلى تقدير خبر كما فعل البعض. وأما كان المعروفة بالناقصة وهي الأشهر طبعا فهي لا تعني ‏الكينونة بل تعني الإخبار بحال خاص مذكور في خبر كان فتقول كان زيد متكئا على سرير. هذا ‏إخبار وليس إنشاء. ‏
وأما الفعل الماضي فهو في واقعه ليس بمعنى الأمر الذي مضى كما هو شائع بل بمعنى الأمر ‏المحتوم ومنه جاءت كلمة الإمضاء بمعنى التأكيد والحتمية فهو يمضي يعني يؤكد حصول أمر أو حصول ‏تعهد أو عقد. وهكذا نرى بأن كتاب العدل لا يرضون بأن يستعملوا غير الماضي للعقود لتثبيت ‏الإبرام وهكذا التعهدات فالفعل حينذاك إنشائي وليس إخباريا. وهو كذلك في اللغات الأخرى ولعل ‏في جميع اللغات. وإن من حق الله تعالى وحده أن يستعمل هذا الفعل للزمن الماضي أو المستقبل كما ‏يشاء لأن ما يخبر به الله تعالى سواء في أمر مضى أو أمر سيقع فهو محتوم لأن المتغيرات كلها بيده ‏سبحانه. فقوله مثلا في سورة الأنبياء: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ ‏نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104). فهو سبحانه بدأ بالفعل المضارع بداية حتى لا يضيع المستمع ‏ثم أكد بأنه كان فاعلا بنفس المعنى ولكن مع قيد التثبيت والتأكيد في الحصول مستقبلا. لكننا نحن ‏البشر لا يجوز لنا ذلك لأننا لا نملك المتغيرات. ولذلك لا نستعمل الفعل الماضي إلا للأمر الذي وقع ‏كشهادة منا على ذلك. ولا ننس بأن المضارع تعني المشابه للاسم. فأصل كنا فاعلين هو كنا نفعل ‏ولكنه تعالى أتى بالاسم وهو أصل المضارع للمزيد من التأكيد لأن الاسم أكثر حتمية من الفعل. ‏
وهو سبحانه عادة ما يستعمل الماضي بمعناه الأصلي مع سبق فعل المضارع حتى لا نضيع. ‏فقوله تعالى حكاية عن فرعون يوم القيامة كما في سورة هود: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا ‏أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)؛ فهو لا يعني بأن ‏فرعونا قد قام بعمله فعلا فالقيامة لم تقم بعد. ولكنه سبحانه للتأكيد على وقوعه استعمل الفعل ‏الماضي مع تقديم المضارع: يقدم قومه؛ حتى لا نضيع. والعلم عند مولانا عز وجل. ‏
وما تشبث به المفسرون الكرام لتغيير معنى كنتم خير أمة إلى الفعلية فكل سعيهم مرفوض ‏برأيي المتواضع. ولقد حذا أرباب اللغة حذوهم لأن هناك نوعا من الجزمية بأن العرب وكذلك ‏صحابة خاتم النبيين هم خير الناس وهو خطأ جسيم. لا توجد في القرآن قومية خير من بقية ‏القوميات ولا توجد فضيلة مطلقة للصحابة. قال تعالى في سورة النحل: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا ‏مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ ‏لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي ‏مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93). الأيمان هو العهود والمواثيق الموجودة بين الأمم والدخل ‏تعني الفساد والدعوة بالنَّسب. هناك الكثير من اللوم وبعض اللعن لبعض الصحابة. كل المنافقين كانوا ‏من صحابته عليه السلام وكلهم ملعونون. والشهادة بأي نوع من الإحسان لا يمكن أن تكون شهادة ‏مستقبلية لأن الناس مختارون في الدنيا فكم من مؤمن ترك إيمانه وكفر وكم من كافر جعل الكفر وراء ‏ظهره واستقبل الإيمان خير استقبال. ‏
‏6. ‏
والعترة كلمة تشمل كل الأولاد والأحفاد على الأقل. وكم من العترة النبوية فاسقون وكم منهم ‏فجار وكم منهم كفروا وكم منهم ظلموا وقتلوا فصاروا من أصحاب النار؟ وأما السنة التي أوجبوها ‏على لسان الرسول زورا فكان لزاما أن نرى الله تعالى يصون تلك السنة الواجبة والله لم يفعل مع أنه ‏قادر على ذلك. فلماذا لم يفعل ربنا ليخرجنا من التيه فلا نحتاج إلى إخواننا شباب نيسابور بالنسبة ‏للسنة وغيرهم من أبناء فارس مثل الكليني والطوسي وابن بابويه القمي بالنسبة للشيعة؟ هل نحن ‏فاسقون حتى يتركنا ربنا في التيه أم نحن مؤمنون متمسكون باتباع الله تعالى ورسوله الأمين؟ وكيف ‏عاش سلفنا قبل أن يظهر شيوخ نيسابور أو شيوخ قم وطوس والري؟ ‏
‏7. ‏
والواقع أن ليس للرسول سنة قولية إطلاقا وله سنة عملية صانها الله تعالى. إنها في واقعها ‏سنن أبينا إبراهيم إلا أن رسولنا أضاف آيات وسور القرآن الكريم بدل الأذكار الإبراهيمية القديمة ‏باعتبار ظهور الوحي القرآني العظيم على يده الشريفة سلام الله عليه وعلى أبيه إبراهيم وعلى رسلنا ‏الكرام جميعا فنحن نؤمن بهم ولا نفرق بين أحد من رسل ربنا المتعالي. ‏
قال تعالى في سورة الحاقة: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40). وهذا هو رسولنا البشري وليس الروح ‏القدس لأنه هو الذي اتهمه المشركون بالشاعر والتعلم من الكهنة لقوله تعالى بعدها: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ ‏شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43). فهذا ‏القرآن هو قوله الذي أنزله عليه ربه ولا شيء غيره. وقال سبحانه في سورة الأعراف: كِتَابٌ أُنزِلَ ‏إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ‏مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3). فالقرآن هو قول الرسول وحرام علينا اتباع غير القرآن لأنه ‏سبحانه منع من ذلك. هكذا نكون مسلمين وبغير هذا نكون سنة وشيعة بمعنى أننا نكون مسلمين ‏بالاسم فقط ولسنا مسلمين في الحقيقة. ‏
‏8. ‏
المذهبية: لقد حرم الله تعالى علينا التمذهب في سورة الروم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ ‏اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ ‏إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا ‏لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32). وواقع هذه الأحزاب أنها مفرقة بين المسلمين إلا إذا اعتبرناها أحزابا اجتماعية ‏بعيدة عن الدين فأنت سني باعتبار أسرتك وأنا شيعي باعتبار أسرتي ولكنني أنا وأنت ندين ‏بالإسلام دين محمد والمؤمنين من صحابته الكرام. الإسلام هو دين الله تعالى وهو الدين الذين أمر ‏بالعدل والإحسان. لاحظوا بأن القرآن الكريم يخلو من أي أمر بالقتل إلا قتل القاتل بناء على طلب ‏ولي المقتول فقط. كل أوامر القتال وكذلك القتل وقتية للرسول لأنه تعالى لم يسمح للرسول أبدا بأن ‏يعلن أي حرب بدون إذنه. اقرأوا القرآن واحكموا بأنفسكم. ولذلك فكل الغزوات المنسوبة إلى ‏الرسول مفتريات وأكاذيب. لم يغز الرسول أحدا بل حارب حروبا دفاعية بأمر من الله في القرآن ولم ‏يجهز جيشا لفتح الروم حسب ادعاء السنة والشيعة. ‏
قال تعالى في سورة محمد: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ ‏فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20). ‏فالقتال وقتي ينزل في سور وليس في آيات مثل سورة التوبة وسورة الأنفال وغيرهما. ‏
كما أن كل أنواع الارتباط الجنسي محرم عدا الزواج وهو حكم كامل في القرآن ويتبعه الألفة ‏والمحبة والميراث. وبقية أحكام الزواج التي يذكرها فقهاء الشيعة والسنة هي كلها زنا ومحرمة. يخلو ‏القرآن من المتعة ومن زواج المسيار وبقية المحرمات لكن الفقهاء هم وعاظ السلاطين والأثرياء مع ‏الأسف وأكثرهم أتباع الشهوات. قال تعالى في سورة المؤمنون: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاّ ‏عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7). ‏وقال مثلها في سورة المعارج. ‏
أتحدى أي ملحد أو غير ملحد أن يأتيني بآية قرآنية مخالفة للعقل والمنطق. لكن البخاري ‏يتحدث عن زنا القردة ورجمهم ويتحدث عن الرجم وهو حكم يهودي إجرامي لا أثر له في القرآن ‏وهكذا كتب الشيعة. يتحدثون عن التفخيذ مع الطفلة وعن مضاجعة الوداع وعن أن المرأة المريضة ‏لا تستحق العلاج على حساب زوجها وغيرها من أحكام غير إنسانية وأحكام إباحية وأحكام ‏فاسدة. هكذا يصححون أقوالا كاذبة نسبها الوضاعون لرسولنا الصادق الأمين عليه السلام. ‏البخاري بنفسه يقول بأن أكثر من 98% من الأحاديث التي حفظها كاذبة وأقل من 2% منها ‏صادقة. فنحن نتبع البخاري إذن ولا نتبع رسول الله كما ندعي! ‏
أرسلوا إلي أي إشكال على القرآن وسوف أوضح لكم بإذن الله تعالى. وأنا أرسل لكم طيه ‏‏20 إشكالا على القرآن حاولوا أن تجدوا حلا لها من كتب الحديث السنية والشيعية ومن كتب ‏التفسير السنية والشيعية. ذلك لتعلموا بأن هذه الكتب لا علاقة لها بالقرآن وبالنتيجة لا علاقة لها ‏بدين محمد والسابقين وبقية مؤمني الصحابة والتابعين. إنهم يدعون إلى دين جديد دنيوي لم ينزل الله ‏تعالى به من سلطان. ولو تسألوا كل زملائي في جلساتنا التفسيرية فسيردون على الإشكالات ‏العشرين بإذن الله تعالى. ‏
‏9. ‏
ديننا دين المحبة والصدق والمنطق وليس دين السيف. السيف دين المجرمين والعتاة وكل من ‏شهر السيف على الناس فهو مجرم وهو من أهل النار وكل الفتوحات بربرية غير إسلامية. ذلك دين ‏المجرمين من بني أمية وبني العباس والفاطميين ودين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وبقية السفاكين ‏ودين الأحزاب التي صنعتها إسرائيل وأمريكا في أيامنا هذا ليشوهوا سمعة الإسلام ويقنعوا الطيبين من ‏البشر بأن الإسلام دين السيف والقتل. فمحمدنا يا إخوان غير محمدهم وكتابنا السماوي غير كتابهم ‏وإسلامنا غير إسلامهم. ‏
لو كان الله تعالى يريد لنا أن نتبع الأحاديث لأمر رسولنا بأن يشجع قومه لتدوين أحاديثه. ‏والحال أن المؤرخين يقولون بأنه عليه السلام منع من كتابة أحاديثه. وقرأت في أحد الكتب حكاية ‏الخليفة أبي بكر رضي الله عنه حينما حضرته الوفاة وكان قد احتفظ ب 500 حديث لنفسه. ‏يُقال بأنه استشار بعض الصحابة واستشار ابنته السيدة عائشة رضي الله عنهم جميعا فأشاروا ‏عليه بأن يحفظها لمن بعده. لكنه قال بأنه استخار الله تعالى فتراءى له بأن يحرقها حتى لا تزاحم ‏القرآن. فأحرقها ولم يبق لنا نموذجا حيا نثق به من كلمات حبيبنا وحبيبهم محمد عليه السلام. ‏
كان رسولنا يحب المشركين والمسيحيين واليهود ويتألم لهم ويسعى من كل قلبه أن يهديهم حتى ‏يتوقوا عذاب جهنم. قال تعالى في سورة القصص: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ‏وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56). أليس هم المشركون؟ وقال تعالى في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ‏عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6). أليس هم النصارى الذين قالوا اتخذ الله ولدا ‏ورسولنا يؤذي نفسه أسفا عليهم؟ وهكذا كان المؤمنون من الصحابة. قال تعالى في سورة آل ‏عمران: هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ ‏عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119). وقال تعالى في الآية 31 ‏من سورة الرعد: …أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا… مما تدل على أن ‏المؤمنين كانوا مهتمين بأن ينجوا المشركين من تبعات الشرك. هذا هو الإسلام وأولئك هم المسلمون ‏حقا، رضي الله عنهم ورضوا عنه. ‏
‏10. ‏
الآية التي يستشهد بها بعض الإخوة لتثبيت الأحاديث وهي في سورة الحشر: وَمَا آتَاكُمُ ‏الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا. هي مقطع من آية وهي ليست للأحاديث بل هي لتوزيع المال. ‏هاكم الجملة الكريمة كاملة ضمن آيتها مع آيات قبلها وبعدها. وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ ‏عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَّا أَفَاء اللَّهُ ‏عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً ‏بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) ‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8). لو نقطع الآيات تقطيعا فسنكسب الإثم أولا ثم نخسر المعنى دون ريب. ‏اقرأوا الآيات وفكروا منصفين فهل هي للأحاديث أم لغنيمة خاصة من الغنائم؟ ‏
لن تجدوا في القرآن الكريم آية واحدة تدعونا لاتباع غير القرآن بل لن تجدوا في القرآن آية ‏واحدة تتحدث عن إنسان يؤتي العلم إيتاء. نحن البشر يمكننا أن نؤتي المال والحب وما على غرار ‏ذلك لكن إيتاء العلم خاص بالله تعالى. ذلك لأن إيتاء العلم يعني طبع المعلومة العلمية في الصدر ‏النفسي لتبقى مع الإنسان ولا سلطة لأحد بمن فيهم الشخص نفسه على ما في الصدور بل على كافة ‏مكونات النفس من قلب وفؤاد وصدر. كل العلم في القرآن منسوب إلى الله تعالى بما فيها بعض ‏المعلومات البسيطة. فمثلا تعليم كلاب الصيد وهو مسألة جد بسيطة ولكن الله تعالى ينسبها إلى ‏نفسه. قال تعالى في سورة المائدة: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ ‏مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ ‏الْحِسَابِ (4). كلما يفعله المعلمون أنبياء وغير أنبياء هو أنهم ينقلون معلوماتهم إلى من يستمع إليهم ‏والذي يقوم بالإيتاء ويعني إيصال العلم إلى النفس هو الله تعالى وليس الرسول. والآية تتحدث عن ‏الإيتاء والأحاديث مسائل علمية فأنى للرسول أن يؤتيها أحدا؟ ‏
‏11. ‏
غلبت الروم. قال تعالى في سورة الروم: الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ ‏غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ ‏مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6). تلك هي ‏الحكاية المختلف عليها من القرآن الكريم. يقول المفسرون بأن المسلمين تألموا من انتصار الفرس ‏المشركين على الروم المؤمنين بالمسيحية. بالطبع أن الروم كانوا مجرمين عتاة دخلوا نينوى ليستولوا على ‏بلاد الفرس. بالنسبة للمسلمين فإن كلتا الدولتين ظالمتان مجرمتان ولا علاقة لأي منهما بتعليمات ‏السماء. ويقولون بأن الله تعالى وعدهم بأن الروم المسيحيين سيغلبون الفرس في بضع سنين ويومئذ ‏يفرح المؤمنون بنصر الله. فهل يفرح المؤمنون بأن ينتصر الروم الغزاة على الفرس؟ وهل هناك وعد من ‏الله تعالى لينصر غزاة الروم؟ إنهم غزاة ولو انتصروا فسوف يغزون العرب أيضا. إنهم فاسقون لا ‏يمكن أن ينصرهم الله تعالى. على المسلمين أن يفرحوا بأن الفرس طردوا الرومان من نينوى ليتخلصوا ‏من شر عتاة غربيين لن يرحموا أحدا لو دخلوا المنطقة. لو دخل الروم بلاد فارس واحتلوها ‏لأصبحت فارس أقوى بكثير من يوم دخلها المسلمون وأصبحت عصية على جيش خالد. ‏
وأما التاريخ فيقول التاريخ الفارسي وكذلك التاريخ غير الإسلامي احتمالا بأن الروم هجموا ‏على الفرس عام 622 ميلادية أي قبل وفاة الرسول عليه السلام بعشر سنوات ثم هُزموا على يد ‏الفرس وفروا. ثم أعادوا الكرة بعد أن توفى قائد جيش الفرس عام 627 ميلادية وتغلبوا على ‏الفرس. وفي عام 628 أدركت الحكومتان الرومية والفارسية بأنهما منهكتان وتقبل الفرس شروط ‏الصلح مع الروم وانتهت حروب الروم مع الفرس. ولو نريد تطبيق التفسير المعروف على القصة ‏الحقيقية فإنه بصورة كلية تنطبق فعلا ولكن الآيات تقول شيئا آخر. ‏
برأيي أنهم لم يعرفوا ما يقوله القرآن فتشبثوا بأقاويل غير صحيحة ليقولوا فسرنا الآيات. ‏فلننظر إلى الآيات الكريمة ولكن بعد أن نقرأ نهاية السورة السابقة العنكبوت: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ‏آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ ‏كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ‏وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69). الآية 67 تتحدث عن حرب الروم مع الفرس عام 622 ومكان ‏الحرب كان في مصر وتركيا كما يبدو. في تلك الحرب هُزمت الروم على يد الفرس. ‏
وفي سورة الروم أشار سبحانه إلى نفس الحرب كما يبدو وبأن الروم قد غُلبت. ثم أعاد ‏الروميون الكرة على الفرس عام 627 وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بالفرس في حرب نينوى. لعل الآيات ‏الكريمة في السورتين تشير إلى هزيمة الروم عام 622 ثم هزيمة الفرس عام 627. ‏
ولعل من يسأل عن السبب في أنه سبحانه فصل بين المسألتين في سورتين متتاليتين. ليعلم بأن ‏كل سورة قرآنية تتحدث عن موضوع خاص وهناك سور متتالية تتحدث عن موضوع واحد بحالات ‏مختلفة. السور التي تبدأ بـ ألم فهي تتحدث عن فوائد التمسك بالله وباللقاء معه سبحانه. السورتان ‏الأوليان تتحدثان بصورة عامة عن تزكية النفس لغرض كسب الرضوان والجنان في الآخرة والفرق بين ‏البقرة وآل عمران هو أن الأولى تتناول المسائل والتشريعات والثانية تعطينا النماذج من أنبياء السلف ‏ومن الصحابة الذين ساعدوا في إقامة الكيان الإسلامي بمكة لتكون مدينة خاصة بالدعوة إلى ‏الإسلام. وأما السور المتوسطة التي تبدأ بنفس الفواتح فهي تتناول الفوائد الدنيوية أكثر من الفوائد ‏الأخروية للتمسك بالله تعالى وباللقاء معه. والفرق بين سورتي العنكبوت والروم هو أن الأولى جاءت لبيان ‏المكاسب الدنيوية السريعة مع بيان مقتضب للمكاسب الأخروية ولكن الروم تتحدث عن المكاسب الدنيوية ‏المستقبلية. نعرف ذلك بملاحظة الآية الثالثة والآية الرابعة والسابعة و39 و47 والآية الأخيرة من سورة الروم ‏الكريمة. ‏
لكن مقولة المفسرين بأن الله تعالى نصر الروم على الفرس لا تنسجم مع واقع القرآن الكريم ‏الذي يدعو إلى الإسلام ويرفض المجوسية والمسيحية معا. لا يمكن أن ينصر الله تعالى المسيحيين ‏الغزاة على الفرس الغزاة. يفرح المؤمنون بنصر أنفسهم ولن يفرحوا بنصر أي من الفرس والروم على ‏بعضهم البعض ولا سيما أن هزيمة الروم كانت مفيدة لهم وهزيمة الفرس كانت ضارة لهم. لكن ‏الضعف الذي انتاب الدولتين كان مفيدا للمسلمين فيما بعد طبعا. ‏
فالجملة الكريمة “وهم من بعد غلبهم سيغلبون” لا يمكن أن تشير إلى الروم بل تشير إلى ‏المسلمين الذين كانوا ضعفاء في بداية الهجرة إلى المدينة المنورة وقبل أن يأذن الله تعالى لهم بالدفاع ‏المسلح. قال تعالى في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) ‏الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ ‏صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) ‏الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ‏‏(41). الانتصار في آيات الحج هو نفس الانتصار في آيات الروم كما يبدو لي. هناك كان الانتصار ‏وعدا وهنا اقترب الوعد الحق ليصير الانتصار حقيقة. ‏
يريد الله تعالى بنصره للمؤمنين أن يُبقي كل أماكن العبادة قائمة لكل من يريد أن يعبد الخالق ‏الرؤوف بطريقته دون أن يمسها أحد بسوء. هكذا أراد ربنا تشريعا وبمساعدات أولية أن يؤكد ‏عدم الإكراه في الدين. كما أن المتتبع يمكنه أن يلاحظ بأنه سبحانه في بداية سورة الحج يتحدث عن ‏أن الذي يمكنه أن يفصل بين مختلف أتباع الديانات هو الله تعالى وحده وليس غيره. كان رسولنا ‏عليه السلام يستقبل أتباع كل الديانات السماوية وغير السماوية في المسجد الحرام وفي مسجده ‏بالمدينة ويدعوهم إلى تصحيح عقائدهم بربهم ساعيا إلى إقناعهم بصحة سماوية الدين الجديد. لولا ‏ذلك لما تمكن من أن ينقل معلوماته السماوية إلى مختلف متبعي الأديان والعقائد السماوية وغيرها ‏ليجعلهم يفكروا ويختاروا الدين الذي يرونه صحيحا من تلقاء أنفسهم مستهدفا الرضوان والجنان له ‏ولهم عليه السلام. ‏
أما ما نراه اليوم من منع غير المسلمين من الدخول في مكة فهو عمل غير صحيح وغير ‏مشروع لأن أفضل مكان لنا لجذب غير المسلمين هو مكة المكرمة. أصحاب القرار في الحكومات ‏وبهذا العمل غير الصحيح يقفون أمام انتشار الإسلام كما يريده الله تعالى وعليهم بأن يتركوا هذه ‏السياسة المتوارثة من الظالمين. كم هو جميل بأن يعيش الكل آمنين في بلد الأمان مكة ونرى في كل ‏عام أفرادا منحرفين دينيا وهم بأنفسهم يشعرون بتفوق ديننا على عقائدهم فيدخلون دين الله ‏أفواجا. إلى الله المشتكى. ‏
والخلاصة بأن الذين وعد الله تعالى بأن ينصرهم بقوة ليسوا هم الغزاة الروم بل هم المسلمون. ‏لاحظوا الفرق بين الموضوعين: غلبت الروم؛ وهم من بعد غلبهم سيغلبون. الروم مع قوتهم ‏وإمكاناتهم أصابهم الفشل والمسلمون مع ضعفهم سوف ينصرهم الله تعالى على أعدائهم في بضع ‏سنين. وقد نصر الله تعالى المسلمين وفتحوا مكة كما وعدهم ربهم. وليبس صحيحا أن نهتم بما ‏توصل إليه سلفنا الذين نرى الكثير من الأخطاء لديهم بل الصحيح أن نفكر ونستمد العون من الله ‏تعالى لنأتي ببيان أصح من فهم السلف. ‏
‏12. ‏
تفسير الأخ الكريم ماجد المولى للجملة الكريمة “وأمرهم شورى بينهم” ليس باطلا برأيي ‏وليس مخالفا كثيرا مع رأيي المتواضع. إنه حمل الآية ما لم تحمله ولكنه أتى بنتيجة طيبة في نهايتها ولا ‏أحب أن أدخل في سجال علمي معه في هذا الموضوع الذي أقبل نتيجته. لكنني وحتى لا أكون ‏مجحفا بحق الجملة السماوية الكريمة من آية من سورة الشورى، أكتفي بأن أنقل الآيات ليقرأها من يريد ‏بإمعان ويتعرف على المعنى الحقيقي للجملة الكريمة. سأضع خطا تحت الجملة الكريمة وبعض ما ‏قبلها وبعض ما بعدها وأذكر القارئ الكريم بأن يفكر في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة التي تكثر الإشارة ‏إليها في القرآن الكريم ثم يتعرف على معنى “وأمرهم شورى بينهم” المتوسطة بين الصلاة والإنفاق. ‏قال تعالى في سورة الشورى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) ‏وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ‏الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ‏‏(40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ‏وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ‏‏(43). ‏
‏13. ‏
قول أخي ماجد المولى التالي: ‏
والله بعلمه الأزلي يعلم بما سيختاره العباد بحرية إرادتهم الممنوحة لهم.. ويعلم مصيرهم ‏الذي سيؤولون إليه نتيجة اختيارهم هذه. فهل لديكم شك في علم الله هذا؟!!! انتهى النقل. ‏
ليس لدي شك بل أنا على يقين من خطأ ما تفضلتم به. هناك بحث ونقاش طويل لعل أخي ‏الأستاذ الدكتور أحمد مبارك بشير ينشره مستقبلا. لكنني باختصار أطلب من سيادته ألاّ ينسب ‏شيئا لم يقل به الله تعالى إليه سبحانه. هات آية قرآنية يقول الله تعالى ذلك وسوف أقوم بتخطئة ‏نفسي. وللعلم فهناك آية قرآنية في سورة الحديد لنقرأها معا: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي ‏أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22). هل تاريخ الإذن في الآية الكريمة ‏يعود إلى العلم الأزلي أم إلى لحظات قبل أن يبرأها الله تعالى. لو علم الله تعالى أمرا بعلمه الأزلي فإن ‏العبد ليس حرا ولا معنى للاختيار ولا معنى للحياة الدنيا برمتها أخي الكريم. هذا من أخطاء ‏السلف سنة وشيعة مع الأسف. سلفنا قالوا بأن التناقض مستحيل ولكنهم أتوا بالمتناقضات دون ‏أن يشعروا. ‏
قالوا بأن علم الله تعالى عين ذاته فإذا علم أمرا لا يمكن تصور عدم حصوله وأنا العبد مختار ‏بأن أعمل أو لا أعمل. أليست الجملتان متناقضتين أخي العزيز؟ هل قال الله تعالى بأنه كان يعلم ما ‏سنأتي به أم قال ليعلم؟ وكمثال ننظر إلى سورة سبإ: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلاّ فَرِيقًا ‏مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إلاّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ ‏عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21). أنا كأخ صغير لكم فخور بكم إخواني أنكم تحبون الله تعالى وتكرهون ‏أن تنسبوا إليه الجهل. لكن الله تعالى لم يقل بأن العلم بما سيفعله المختارون هو علم في حقيقته بل هو ‏محال إخواني. الله تعالى يعلم الممكن وقادر على أن يعمل الممكن لكن المستحيل فهو بحد ذاته ‏مستحيل ولا علاقة له بالقدرة والضعف ولا بالعلم والجهل. مثاله مثال الخالق الثاني فهو في حد ذاته ‏مستحيل ولا نقول بأن الله تعالى غير قادر على أن يخلق خالقا آخر؛ بل نقول بأن خلق خالق آخر ‏مستحيل لأنه حينذاك يكون مخلوقا لا خالقا. ‏
ومن الطريف أن أخي الكريم ماجد المولى ذكر آية من سورة النجم كشاهد على علم الله ‏تعالى المسبق بأفعال العباد وهي: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ‏هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ‏‏(32). أين قال الله تعالى في الآية بأنه كان يعلم بنا من الأزل؟ هو يعلم حقيقتنا حينما نكون أجنة في ‏بطون أمهاتنا. وهو أعلم بنا حينما أنشأنا من الأرض. متى أنشأني من الأرض؟ أنشأني حين ارتباط ‏الحيوان المنوي لوالدي مع البويضة في رحم أمي والحيمن والبويضة هما من الأرض. حقيقتنا التكوينية ‏إخواني مغاير لأعمالنا التي نقوم بها فيما بعد باختيارنا. حقيقتنا التكوينية تشير إلى قدراتنا الخَلقية. ‏هذا العلم ضروري للخالق. إنه به يقدر التقسيم الجغرافي لعبيده في الأرض. على أساس هذا العلم ‏يقدر للناس أن ينتقلوا من بلد إلى بلد ليوزع الأطباء والمهندسين وبقية العلماء والعمال وهكذا الذكور ‏والإناث في الأرض لتوزيع المهن والإمكانات في كل أرجاء المعمورة. ‏
ويترك باقي الأمر للأنظمة البشرية. فمثلا إذا رأى ربنا بأن القادرين على دراسة الطب ‏تكاثروا في بلد وتناقصوا في بلد آخر فهو سبحانه يقدر لبعضهم أن ينتقل إلى البلد الآخر حتى لا ‏يُحرم البلد الثاني من الأطباء ثم يترك توزيع المهن العلمية للأنظمة. وهو سبحانه لو لم يفعل ذلك فلعلنا ‏نرى بلدا كبيرا لا ينطوي على من يمكن أن يصير طبيا وعلماء الطب من ضرورات المجتمعات ‏الكبيرة. ‏
وهذا هو معنى قوله تعالى في سورة الرعد: اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا ‏تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9). لم يقل سبحان ما ستحمل ‏كل أنثى بل ما تحمل فعلا. وقال سبحانه في سورة الذاريات: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا (2) ‏فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4). الذاريات كما أظن تشير إلى ما يعرف بالسدم وعلى إثرها ‏تُصنع المجرات وهي الحاملات وقرا. ومن بعدها تُخلق النجوم أو الشموس والشمس هي الجارية ‏حتى في اللغة. ومنها تُخلق الكواكب الصلبة وهي الأراضي. وقد سماها سبحانه بالمقسمات بأمره ‏سبحانه. هذه ضرورة صناعة الكواكب الأرضية المسكونة في مختلف أرجاء الكون. وهو سبحانه ‏الذي يعلم كل ما يمكن علمه ليقوم بالتوزيع الدقيق للإمكانات الطبيعية والبشرية في كواكبه البليونية. ‏
وهناك مناقشات طويلة في مركز تطوير الفقه الإسلامي وفي تجمع المودة وفي جلساتنا القرآنية ‏حول علم الله المسبق بأفعال العباد. لقد اختصرتها في مقال نشر في المركز وسوف أرفقه بهذه ‏الرقيمة المتواضعة لعله يفيدكم. ‏
‏14. ‏
مسألة التاريخ. ليس لدينا أي تاريخ مدون من أيام الرسول ولا أيام الخلفاء الراشدين. ‏أعطوني عنوان ذلك الكتاب فلعلي أرى شيئا كان خافيا علي. التاريخ الذي كتبه الطبري وابن ‏خلكان والمسعودي وابن الأثير وغيرهم وأهمها في الواقع هو تاريخ الطبري. الطبري يبدأ تاريخه من ‏خلق آدم ويتحدث عن قصص آدم وأولاده وقصص الملوك ومن كان في عهدهم. من أين أتى الطبري ‏بتاريخ آدم؟ هل كان هناك مؤرخون آنذاك أم أنه مع احترامي له ينقل لنا مفتريات اليهود. فهل يمكن ‏أن نثق بشخص يتحدث عما لا يد له فيه؟ يقول البعض بأن رسولنا نقل قصص أنبياء السلف. ‏هاتوا آية واحدة تقول بأن هناك وحيا خاصا له عليه السلام ينبؤه عن أخبار إخوانه الأنبياء. ‏
قال تعالى في سورة يوسف: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن ‏كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3). وقال سبحانه في سورة هود: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ ‏عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا ‏إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49). وقصة نوح عليه ‏السلام موجودة في التوراة ولكن الله تعالى يؤكد عدم علم الرسول وعلم قومه ومنهم اليهود بقصة نوح. ‏ذلك لأن التفاصيل المذكورة في سورة هود زائدة على التفاصيل الموجودة في التوراة الأصلية كما يبدو ‏والله يفند كلها. وقال تعالى في سورة آل عمران: ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ ‏يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44). حكاية مريم ليست قديمة جدا بل ‏حدثت قبل ستة قرون فقط والرسول لا يعلمها لأنه لم يكن موجودا. فمن أين أتى الرسول عليه ‏السلام بحكايات السابقين أم أن مؤرخينا نقلوا لنا المفتريات فقط. ‏
وأما حكاية التاريخ الإسلامي. فلدينا مرجع واحد فقط وهو غير موجود بين أيدينا. يدعي ‏مؤرخونا ومنهم الطبري بأنهم اطلعوا على ذلك المرجع المفقود من المكتبة العربية. كاتب ذلك المرجع ‏هو محمد بن إسحاق. ومن هو محمد بن إسحاق؟ إسحاق أبوه من سبي العراق ويحتملون بأنه كان ‏من اليهود الذين أسلموا أيام الخليفة عمر رضي الله عنه. خلف إسحاق ولدا معروفا بالذكاء واسمه ‏محمد. يقول بن إسحاق بأنه أدرك نهايات حكم الإمام علي عليه السلام لكنه كان صغيرا. هذا ‏الشخص كان معروفا بين الناس أيام الخليفة المجرم أبي جعفر المنصور وكان له مجالس يحضره الناس ‏ليقص عليهم قصص الماضين بمن فيها حكايات نبينا. علم به المنصور وطلب منه أن يكتب تاريخ ‏الرسول وسيرته لتثبيت ما سمعه في مكتبة بني العباس وتعهد بأن يعطيه كل مصاريفه. فهو موظف ‏السلطة العباسية المأمور بكتابة التاريخ. سوف يكتب تاريخا يفيد بني العباس طبعا كما سيكتب ‏سيرة تفيدهم ولذلك أنفقوا عليه. مات ابن إسحاق ومات المنصور ومن بعدهم وفُقد تاريخ ابن ‏إسحاق وسيرته النبوية. ‏
في القرن الرابع الهجري ادعى شخص لا أذكر اسمه وهو من نجد بأنه عثر على السيرة النبوية ‏لابن إسحاق ويمكن أن تكون السيرة التي تطبع في زماننا هي نفس السيرة التي ادعاها ذلك النجدي. ‏أما التاريخ فهو مفقود تماما. الطبري مؤرخ تاريخ آدم يدعي بأنه ينقل من ابن إسحاق. وهكذا بقية ‏المؤرخين. ومن هو ابن إسحاق هذا؟ هل يمكن الاعتماد على تاريخ كتبه شخص بعيد عن ‏الصحابة وليس من أهلهم ولا من أهل التابعين وكتابه مفقود والذي أنفق عليه المنصور الدوانيقي؟ ‏هذا هو تاريخنا وهذه هي سيرتنا المكتوبة ناهيك عن بقية الأحاديث المعنعنة. عن أي تاريخ ‏تتحدثون؟ افتحوا عيونكم واتركوا هذه الكتب المضللة وعودوا إلى كتاب ربكم. ‏
‏15. ‏
موضوع المسكين واليتيم والأسير في سورة الإنسان الذي وضحته كشاهد. تشبث الأخ ‏ماجد المولى بتفسير السلف وبأنه المعقول. قلت حينما استشهدت بالآية بأنهم نقلوا حكاية خاصة ‏تعرفونها وفي النهاية وضعوا الإمام عليا وفضة الخادمة في مقام واحد عند ربهم وهذا لا يمكن أن ‏يكون صحيحا. لكن هذا الإشكال كما يبدو لم يقنع الأخ المولى بخطإ سلفنا. فإليكم إشكالات ‏أخرى على تفسيرهم: ‏
ألف: ‏
من الواضح بأن الآيات تتحدث بصورة عامة ولا تحكي قصة خاصة لنا. هل أتى على ‏الإنسان؛ إنا خلقنا الإنسان؛ إنا هديناه السبيل؛ إنا أعتدنا للكافرين؛ إن الأبرار. فالحديث عن ‏الإنسان وبأنه بعد أن يهديه ربه إلى طريقين يختار إحداهما وليس عن أشخاص معينين. ‏
ب: ‏
لكن الذي حصل هو أن المفسرين لم يتمكنوا من تعميم آية: ويطعمون الطعام على حبه ‏مسكينا ويتيما وأسيرا. لو كانت آية عامة فعليه حسب قواعدهم النحوية أن يقول سبحانه: ‏ويطعمون الطعام على حبه المساكين والأيتام والأسرى؛ أو يقول: المسكين واليتيم والأسير. لكنه ‏سبحانه قال يطعمون مسكينا. هذا يعني بأن الحكاية ليست عامة بل هو حكاية أشخاص قاموا ‏بعمل محبوب عند الله تعالى فأنزل بشأنهم آيات أو سورة ليصيروا مثلا لغيرهم. ‏
ج: ‏
وعلى الفرض الذي افترضوه فإن عليا وفاطمة والحسنان وفضة الخادمة في درجة واحدة في ‏الجنة وهي ليست من الدرجات العليا. فهناك الذهب مقدم على الفضة والذهب غير مذكور في ‏الآيات الكريمة. ‏
د: ‏
لم يعد الله تعالى أحدا بعينه بالجنة قبل موته. ذلك يعني بأن هذا الشخص انتهى اختباره ‏وصار بقاؤه في الدنيا بغير سبب عقلاني. إن الدنيا دار مصائب فلا يناسب الرحمن أن يصيب أهل ‏الجنة في الدنيا لكنه سبحانه يقوم بالابتلاء ليمحص القلوب وليميز المحسن من المسيء وليتعين درجات ‏المتقين وكذلك درجات الفاسقين. ولقد سمعنا الكثير عن المصائب التي أصابت سبطي الرسول ‏عليهم السلام بعد وفاة جدهم. ‏
هاء: ‏
الأسير يعني المسجون في سجون الدولة باعتباره أسير حرب فكيف جاز للدولة التي يرأسها ‏رسول الله عليه السلام أن يترك الأسرى يشحذون في الشوارع طالبين الطعام من أهل الخير؟ لو كانت ‏الدولة عاجزة عن إطعام الأسرى فعليه أن تطلق سراحهم فورا. على أن سير أسير الحرب في ‏الشوارع يخرجه أصولا من الأسر. ‏
و: ‏
كيف سمح الإمام علي عليه السلام لنفسه بأن يعطي طعام طفلين صغيرين صائمين للمسكين ‏واليتيم والأسير؟ هذا عمل محرم قطعيا. كان بإمكانه أن يعطي رغيفا للمسكين مثلا ويوزع الأرغفة ‏الأربعة بينه وبين فاطمة والحسنين وفضة رضي الله عنهم جميعا. ‏
ز: ‏
تزوج الإمام علي عليه السلام في المدينة حينما كان المسلمون في حالة جيدة والحكاية التي ‏اختلقوها يجب أن نفترض حصولها في نهايات حياة الرسول حيث كانوا في حالة مالية جيدة بعد أن ‏استرجعوا أموالهم من المكيين وبعد أن كسبوا أموالا كثيرة في حروبهم الدفاعية ضد أعدائهم. ‏فكيف نتصور صهر الرسول الأمين وبعد أن أنعم الله على المسلمين بالمغانم الكثيرة وهو يحتاج إلى أن ‏يقترض من شمعون اليهودي ما يشبعه وأهله ثلاث إفطارات دون سحور؟ ‏
ح: ‏
كان عمر الحسين عليه السلام حين وفاة جده الرسول عليه السلام أربع سنوات فلو فرضنا ‏بأن الحكاية وقعت في آخر حياة الرسول فكيف جاز لأبيه أن يسمح لابنه الطفل بالصيام أصلا وبلا ‏سحور؟ ‏
ط: ‏
هل يعرف الطفل الصغير أن يقوم بنذر الصوم وهل يجوز له الصيام وهل يجوز لأبويه أن ينذرا ‏الصوم للأطفال. ‏
والخلاصة أن الحكاية التي نقلوها لا يمكن أن ننسبها إلا إلى المفتريات ونرمي بها بعيدا عن ‏تاريخ رسولنا الأمين وأهل بيته عليهم السلام. وأما ما قلته في تفسير الآية فهي السبيل الوحيد ‏للخروج من مأزق الحكاية غير الصحيحة. فكرت كثيرا في الموضوع وحاولت بأن أستعمل النصب ‏بنزع الخافض فلم أجد حلا. ليس لي إلا القول بأن المسكين واليتيم والأسير حال للمتبرع بالطعام ولو ‏خالفت بعض قواعد النحويين. أكون شاكرا لمن يحل لي المشكلة ويهديني إلى تفسير أصح مما ظننته؛ ‏إلا أن تفسير المفسرين خطأ دون ريب. بالطبع أنني اختصرت الموضوع الذي أخذ مني قسما كبيراً ‏من محاضرة علمية غير قصيرة. وأما ظنون أخي المولى حفظه الله تعالى وإيانا فهي غير دقيقة مع ‏الأسف. ‏
‏17. ‏
وأما ما كتبه أخونا محسن الفهد فهو كلام صحيح وإشكاله في محله. أنا لا أؤمن إطلاقا بأن ‏الله تعالى عين لنا 12 إماما. وأعتبر حديث الثقلين إخبارا بالغيب لو فسرناه بالأئمة؛ والرسولُ عليه ‏السلام لا يعلم الغيب. ولو اعتبرنا الثقلين هما الكتاب والسنة فهو ضلال أيضا كما انتبه الأخ الكريم. ‏ذلك لأن كتاب الله تعالى موجود ومصان ولكن أين السنة المكتوبة فهي مثل العترة المزعومة؟ ‏مشكلتنا أخي الكريم بأننا لا نجد أي مؤرخ أو محدث يدعي بأن هناك كتابا خلفه الرسول عليه ‏السلام أو الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم. حتى النسل الأول من التابعين من بعد الصحابة ‏لم يخلفوا كتبا. ‏
أنا أعتبر الشيعة والسنة حزبين اجتماعيين لا بأس بهما لو أبعدناهما عن شريعة الرحمن عز ‏اسمه. على الشيعة والسنة أن يتركوا كل كتبهم التي كتبها سلفهم ويعودوا جميعا إلى كتاب الله تعالى ‏الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لعلهم يفوزوا برضوان ربهم. لقد حرم الله ‏تعالى علينا التحزب في الدين في سورة الروم: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ ‏أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ ‏لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا ‏تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32). ‏
فأنا شيعي جغرافي ولست شيعيا مؤمنا بالإمامة الإلهية التي ما أنزل الله بها من سلطان. ‏الأئمة الأحد عشر أناس عاديون عاشوا حياة لا بأس بها وليس لهم أي دور في تثقيفي عدا قليلا مما ‏ورثناه من بعضهم من حكم طيبة. أما الإمام الثاني عشر فهو مجرد وهم لا وجود له وقد تفرغ أخي ‏الكريم الشيخ أحمد الكاتب حفظه الله تعالى بدراسة الموضوع تاريخيا وهو مستعد ليرد على كل من ‏يستشكل عليه. والقرآن الكريم لم يذكر أي شيء عن الأئمة أو عن الإمام المهدي أو عن أن الله تعالى ‏يسبق يوم القيامة في الدنيا بأن يفرض الهدى على الناس عن طريق المهدي. ‏
قال تعالى في سورة الأنبياء: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ ‏مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47). وجدير بأن نقرأ مجموعة الآيات كاملة لنعلم ‏منها مسائل أخرى وهي: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ (45) وَلَئِن ‏مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا ‏تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ ‏الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ ‏مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (50). نعلم منها بأن وحي السماء لنا هو هذا القرآن وهو ذكر ‏مبارك، وبأن رسولنا أنذر قومه بهذا القرآن فلا نشعر بفقدان الرسول إلا عاطفيا. الرسول بقوله ‏موجود بيننا وهو الكتاب الذي أنذر به عليه السلام. ولعل سر البركة أو الزيادة هو ما نراه في القرآن ‏من دلائل واضحة على تشريعاته وهي التي قلما نجد مثلها في التوراة التي بين يدينا بغض النظر عن أن ‏اليهود ولعل بعض النصارى حرفوا الكلم عن مواضعه. وأظن بأن القرآن هو الرسول الحي الموجود ‏بيننا باعتبار الدلائل الموجودة بين صفحاته لأننا أكثر تطورا من سلفنا الذين سبقوا رسولنا البشري، ‏وكذلك الذين عاشوا في زمن الرسالة المجيدة. ‏
‏18. ‏
علم النحو العربي: ولا تنسوا إخواني بأن النحو منسوب في أساسه إلى الإمام علي بن أبي ‏طالب عليه السلام الذي قال كما نقلوا لنا والعهدة عليهم: الكلام كله ثلاثة أشياء اسم وفعل ‏وحرف؛ كل فاعل وما شابهه مرفوع وكل مفعول وما شابهه منصوب وما دونهما مجرور. ويقول ‏البعض بأنه عليه السلام تحدث عن المعرفة والنكرة وعن وجوه الإعراب بأنها الرفع والنصب والجر ‏والجزم. وكما يقولون بأنه قالها لأبي الأسود وأمره بأن يضع قواعد النحو حماية للغة القرآن من ‏الضياع. وتلاهما مجموعة كبيرة من كبار علماء المسلمين الذين أكملوا النحو في مدرسة البصرة ‏الكبرى وقسما منها في الكوفة. ويقول البعض بأن علم النحو بدأ من عهد الخليفة الراشد عمر ‏رضي الله عنه وهو الذي أوصى أبا الأسود ولكن عليا عليه السلام ساعده بوضع الأسس. وغير ‏ذلك من الأخبار التي تدل على أن النحو هو أول علم عربي في مدارس المسلمين. فليس من السهل ‏تجاهل النحو لمن يريد أن يعرف القرآن الكريم. ‏
‏19. ‏
وأخيرا نأتي إلى ما كتبه أخي الفاضل أحمد الكاتب. وبغض النظر عن أنني أعتبره من ‏أصدق إخواني فإني بدون ملاحظة الصداقة والصدق استمتعت بما كتبه فضيلته. لعل لدي ‏ملاحظات بسيطة أكره أن أذكرها هنا. لقد كتب الموضوع بدقة فاحصة فله الشكر على ما كتب. ‏
وجدير بالذكر أنني لا أعرف شخصيات الذين شاركوني في الكتابة عدا الشيخ الكاتب فأنا ‏أعتذر من كل من ظن بأنني ما اتفقت معه. أنا لا أتحدث عن الأشخاص فكلهم محترمون عندي ‏ولكنني أناقش المواضيع فقط. ‏
وهكذا نأتي إلى ختام هذه الرسالة الطويلة. ولا أدري كيف نجمعها في كتيب بسيط ‏وننشرها لتفيد الباحثين. والمجال طبعا مفتوح للإخوة المشاركين الذين ذكرتهم بالاسم أو نسيت أن ‏أذكرهم ليستمروا في المناقشة ولا سيما الرد علي كما يشاؤون لعلنا نصل في النهاية إلى بعض ‏التوافق. لكنني أوصي الإخوة بألا يكرروا ما قالوه لو كنت قد علقت عليها بالرد؛ إلا إن كان لديهم ‏دليل واضح على خطأي حتى لا يذهب وقتنا سدى. ‏
هدانا الله جميعا إلى طريق الصواب ورحم الله تعالى سلفنا وغفر لهم ولنا. رمضان كريم ‏وكل عام وأنتم بخير. ‏
أحمد المُهري ‏
‏12/5/2019 ‏

 #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

Advertisements

المؤمنة كاترين 19- جلسة الاثنين ( الحجاب والربا )


المؤمنة كاترين

المقطع التاسع عشر

جلسة الإثنين (1)

خرجت كاترين بعد ظهر الأحد إلى الجمعية التعاونية لشراء بعض المواد لتحضير عشاء بسيط ليوم غد كما اتفقوا عليه. رأت في الطريق صديقتها الفرنسية الجديدة ماري. لكن ماري تفاجأت بحجاب كاترين.

ماري:

أهلا كاترين. هل اتفقت مع علوي؟

كاترين:

أهلا ماري. أريد أن أشتري بعض مستلزمات العشاء البسيط كما طلبتم وأكون شاكرا لو تساعديني على الانتخاب.

ماري:

هيا، أنا معكِ، لكنك لم تردي على سؤالي.

كاترين:

ألم نتفق معا أن نلتقي في بيتنا مساء غد؟ فالاتفاق تم في حضورك وفي حضور العم محمود.

ماري:

سؤالي عن اتفاق آخر بينكما وحدكما وليس عما اتفقنا عليه جميعا.

كاترين:

ماري، من الخير لنا أن نترك المسائل لله تعالى فلو كان هناك نصيب فإنه سبحانه سوف يقدر ذلك وإلا فنحن مطيعون لربنا.

ماري:

علينا السعي يا كاترين والله تعالى يوفق الذين يسعون ولا أظن بأنه يوفق الذين يكتفون بما في قلوبهم.

كاترين:

نحن نحب أن نساعد علوي وأنا أحبه من كل قلبي ولكن يجب أن نترك الأمر له ليطلب وليس لي.

ماري:

إذن أنا الذي سوف أصرح واترك الأمر لي.

كاترين:

أنت حرة.

اختار الفتاتان بعض الخبز وقليلا من الجبن والفلافل والحمص والخضروات وعادا إلى بيت كاترين بعد أن دعت كاترين صديقتها لتتعشى معها.

جاء يوم الإثنين واجتمع الجميع في الساعة التي حددوها في شقة كاترين. لم يتفاجأ العم محمود بحجاب كاترين ولكن ماري لم تلزم الصمت.

ماري:

يا عم محمود، هل أوجب الله تعالى الحجاب على النساء؟

محمود:

 كلا.

تفاجأ علوي وكاترين وماري بالجواب الغريب للعم محمود. ثم نظروا جميعا إلى ماري لتكمل استفساراتها فهي لا تخجل من السؤال.

ماري:

يا عم محمود، إذن فما هذه الضجة الكبيرة لدى المسلمين بوجوب الحجاب وهذا التسابق الغريب على اختيار ما ازداد غطاء وسترا من الحجب؟ حتى أن نساء السعودية المعروفة بالعقيدة الوهابية وكذلك نساء اليمن وأفغانستان وبعض نساء الشيعة وغيرهم يظنون بأن الحجاب دليل الإسلام وبأن من لا تتحجب فهي فاسقة.

محمود:

هذا أيضا مثل تسابقهم على تنجيس كل شيء بحيث أنهم كتبوا كتبا مفصلة عن النجاسات وكتبا أقل تفصيلا عن المطهرات. القرآن هو كتابهم الذي لا يتحدث أبدا عن النجاسات. والواقع أن الحجاب وخاصة حجاب الوجه جاءنا من اليهود وليس من الإسلام في شيء.

كاترين:

فما قولكم في الآية التالية من سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل ِلأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59).

محمود:

يا ليتك قرأت لنا الآية مع آية قبلها حيث يقول سبحانه: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58). هناك حديث دار بين الصحابة الكرام حول إحدى المؤمنات في حكاية معروفة بينهم باسم حديث الإفك والحديث مأخوذ من سورة النور. ولعل هناك قضايا مشابهة فأراد ربنا أن يعلم الرسول نصيحة مفيدة للمؤمنات ليأمن تعرضهن للتهم. والجلباب لباس زينة لا زال معروفا بين عرب الخليج بأسماء أخرى. فمثلا في الكويت يسمونه الدراعة. هي لباس زينة كانت النساء يلبسنه وله ذيول مما يرفع ثمنه. نرى حكاية الجلباب أو الخمار أو المِرط بكثرة في أشعار العرب. وحتى نعرف معنى يدنين عليهن حري بنا أن نقرأ آية أخرى تشرح الموضوع.

قال تعالى في سورة النور: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31).

لهذه الآية شقان منفصلان في الواقع فلنفصل بينهما.

الشق الأول: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. هذه هي آية الحجاب في الواقع. فبعد أن أمر الله تعالى المؤمنين قبلها ليغضوا من أبصارهم فإنه سبحانه أمر المؤمنات أيضا ولكنه أضاف: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. وقبل أن نشرح المقطع الكريم يطيب لي أن أنبه جميع الحاضرين والغائبين بأنه سبحانه لم يعين أي عقاب دنيوي أو أخروي لترك الحجاب. فلا سبيل على من لا تلبس الحجاب قطعا. عدم إبداء الزينة مشروح بعدها بتفصيل فليختصر بحثنا حول: وليضربن بخمرهن على جيوبهن. الجيب تعني فتحة القميص. فيوم نزل القرآن الكريم لم يكن هناك أزرار ولا نايلونات مطاطة. وكانت النساء مهتمات بالضفائر وبتصفيف الشعر. ولذلك كن يوسعن فتحات القمصان حتى لا تتأثر ديكورات الشعر لديهن. لكن المشكلة أن الجيوب الكبيرة كانت لا تغطي الصدر فيبرز مفاتنهن بصورة جلية للناظرين. فعلَّمهم ربهم بأن يغطين صدورهن بذيل من ذيول خمرهن أو جلابيبهن. ذلك خير لهن حتى لا يُدعون إلى الفاحشة من قبل ضعاف النفوس أو الشباب الطائش.

ليس هناك أي ذكر لتغطية الشعر في القرآن الكريم. ثم إن الآية التي قرأتها كاترين تأمر الرسول الأمين بأن يقول لأزواجه وبناته. ألا تعني ذلك بأن بعض أزواجه وابنته الوحيدة فاطمة ما كن ملتزمات بالحجاب قبل نزول الآية الكريمة؟ لو كن ملتزمات به لكان أمر الله تعالى غير مناسب والعياذ بالله. هل يجوز لأحد أن ينصح من عطر بدنه بأن يعطر بدنه؟ أو ينصح من طهر وجهه أن يطهر وجهه؟ أو أن ينصح من يلبس الحجاب أن يلبس الحجاب؟

ثم نأتي للمقطع الثاني من الآية الكريمة: …وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31). لنبدأ بفهم معنى الزينة المذكورة ثلاث مرات في آية واحدة. يقولون بأن الزينة تعني الوجه والشعر باعتبار محاسن الوجه وجمال الشعر. لكنه سبحانه قد وضح الزينة في آخر الآية الكريمة بقوله الكريم: … وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ…. كلهم يعلمون ويقولون بأن المقصود من هذا المقطع هو الحجل أو الخلخال التي تتخذها النساء كزينة لسيقانهن. فأمرهن الله تعالى ألا يضربن بأرجلهن لئلا يعلم أحد بأنهن لابسات الخلخال. تعني نهاية الآية الكريمة بأن على المرأة التي غطت سيقانها بالملابس الطويلة ألا تضرب برجليها على الأرض ليعلم الغير ما أخفته من زينتها. فالمقصود من الزينة هو ما أضيفت إلى البدن وليس البدن نفسه.

وإذا كانت الآية تتحدث عن الحجاب فما معنى أن يأمر التي غطت زينتها ألا تضرب برجلها على الأرض. إذن هناك مسألة أخرى غير الحجاب. ثم إنه سبحانه ذكر محارم المرأة ولم يذكر الأخوال والأعمام وهم من محارمها. ثم إنه تعالى سمح للتابعين وهم رجال غرباء يخدمونها بأن تبدي زينتها أمامهم. وسمح لنسائهن أيضا. وهل هناك منع للنساء ألا يرين زينة أمثالهن من النساء حتى يسمح سبحانه فقط لنسائهن. إذن هذا المقطع من الآية لا تتحدث عن الحجاب إطلاقا.

على هذا الأساس أرى من الضروري أن نقرأ آية بعدها لنرى المقصود من آية منع المرأة من إظهار الزينة: وَأَنكِحُوا الأيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32). فالحديث في واقعه عن النكاح وليس عن الحجاب. وعدم إبداء الزينة لحماية الفتاة الغنية من إمكاناتها المالية ومجوهراتها حتى لا يطمع اللصوص. أما السبب في عدم ذكر الأعمام والأخوال الذين هم محارم لها فهو باعتبار أن الفتاة لو كانت صاحبة ثروة فقد يكون عمها أو خالها فقيرا ولكنه يطمع أن يناسب ابنة أخيه ويطلبها لابنه. فإظهار زينتها قد يؤلم العم أو الخال الفقير أولا. ثم إن الفقر لا يجب أن يحول دون أن تتزوج المؤمنة مع من يناسبها في غير المال. وأما التابعون فهم يخدمونها وعلى علم بكل إمكاناتها، وكذلك صديقاتها من النساء اللاتي يعلمن كل شيء عنها فلا بأس بأن تظهر أمامهن بزينتها.

نعود مرة أخرى إلى بداية الآية الكريمة لنقرأ أول بيان للزينة حيث أننا علمنا بأن الزينة مذكورة ثلاث مرات في الآية: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ…. قلنا بأن المقطع الأول يوضح الحجاب طبعا ويوضح قبل بيان حدود الحجاب الموصى به أمرا إرشاديا بعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها. قالوا أيضا بأن ما ظهر منها يعني الوجه والكفين بلا دليل من الآية نفسها لكنهم استندوا إلى أحاديثهم التي كتبوها بأيديهم ونسبوها إلى رسول الله عليه السلام. فلو اتبعنا فهمهم فنحن متبعون إياهم ولسنا مؤتمرين بأمر الله تعالى في التنزيل القويم. يسمح الله تعالى ظهور الزينة من الحلي والمجوهرات والمشروحة في آخر الآية الكريمة حد ما يظهر منها عادة. هو بعض الزينة الخفيفة على الوجه والأذنين ولعل القليل من الأسورة. لكن الزينة الثقيلة التي يقيدن بها أقدامهن فهي غير مسموح للظهور خوفا عليها من طمع اللصوص. هناك مقدار كبير من الذهب مستعمل في الخلخال يتجاوز عدة أضعاف ما تزين به المرأة وجهها وأذنيها بل مع يديها أيضا. هذا ما نفهمه من آيات الله تعالى.

لكنني أصارحكم بأن من خير المسلمات أن يلبسن الحجاب الخفيف المتعارف على رؤوسهن باعتبار العرف لا باعتبار الشرع. جرى العرف بينهن في كل الكرة الأرضية بأن المسلمة الملتزمة تغطي شعرها فمن صالحها أن تحافظ على ما ترغبه بقية أخواتها المؤمنات إرضاء لهن وطلبا لصداقتهن فقط.

كاترين:

إذن لا أحتاج إلى الالتزام بالحجاب فأخلعه هنا ولو شئت سألبس الحجاب في أي مكان خفت على نفسي من الأذى.

محمود:

صحيح تماما.

خلعت كاترين حجابها في المجلس ولا سيما أنها لا تريد أن تحرم علوي من النظر إلى شعرها استكمالا لجمالها وبهائها. كما أنها لا تريد أن تحرج ماري التي بقيت بلا حجاب حتى تلك اللحظة.

ماري:

يا عم محمود أرى بأن الكثير من المسلمين يتحاشون أن يأكل الذكور والإناث معا على مائدة واحدة. فهل هناك وصايا قرآنية بذلك؟

محمود:

هناك وصية قرآنية بعكس ذلك. قال تعالى في سورة النور: لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (61). تنطوي الآية الكريمة على إذن للأكل في بيوت الأصدقاء. ثم تختتم الآية بعدم وجود مانع ليأكلوا جميعا أو أشتاتا. فهناك تفضيل للأكل جميعا باعتبار أن الله قدم ذلك على الأكل أشتاتا. والأشتات تعني بأن يأكل الذكور معا والإناث معا دون الجمع كما يبدو. إنها مسموحة فقط وليست واجبة.

كاترين:

أين المسلمون من قرآنهم؟ هذا القرآن لم يمنع الناس من مسايرة الطبيعة. ولنكمل جلستنا السابقة حول الربا لو تسمحون.

الجمع: 

موافقون.

كاترين:

كنت طوال الأيام الماضية أفكر فيما قاله العم محمود التمار وفي اقتراح علوي بنشر الموضوع. ولكن بحكم عملي أرى بأن العالم المعاصر غير مستعد للمثاليات فيجب إيجاد حلول أخرى. ولذلك اسمحوا لي بأن أسأل العم محمود عن حكم الربا في القرآن الكريم.

محمود:

المشكلة أن هناك دعاية قوية بين الناس ضد ما يسمونه بالفوائد حيث أدخلوا في عقول الناس بأن الفوائد يعني الربا والربا محرم. لعل البنوك الغربية كانت وراء القصة لأن المسلمين وقبل ظهور البنوك المعروفة بالبنوك اللاربوية كانوا يودعون بعض أموالهم في البنوك الأجنبية معتبرين الأجانب كفارا غير ذميين فيجوز أن يأخذوا من أموالهم! كانوا فرحين بذلك وكانت البنوك الغربية تستفيد من تلك الإيداعات مقابل فوائد بسيطة تقدمها للزبائن. في الواقع كانوا يساعدون الغرب بأموالهم ولا يساعدون أنفسهم بذلك.

لم يحرم الله تعالى الربا بصورة مطلقة بل حرمه إذا طالب صاحب المال أضعافا مضاعفة. قال تعالى في سورة البقرة: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275). وقال سبحانه بعدها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279).

وقال تعالى في سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130).

فحينما نقرأ الآيات أعلاه معا نفهم منها بأن الله تعالى:

1. حرم الربا الزائد على قيمة رأس المال. بمعنى أن لكل شخص الحق في الحفاظ على القيمة الشرائية للنقدية التي بحوزته. فيجوز له أن يضيف سعر التضخم على ما قدمه من دين للمدينين حتى يحتفظ بالقيمة الشرائية لأمواله. أليس ظلما أن تقدم مالا لأحد يتجر فيه يوم كنت قادرا على أن تشتري كيلو اللحم بعشرة جنيهات وبعد سنة تسترجع نفس المال دون أية إضافة في حين أن كيلو اللحم قد أصبح 11 جنيها. سوف تخسر حقيقة 10 بالمائة من قيمة النقدية التي كانت بحوزتك.

2. هذه الإضافة هي الربا المسموح ولذلك حرم الله تعالى الربا أضعافا مضاعفة. بمعنى أنه تعالى حرم على الدائن أن يطالب المدين بربا أكثر من سعر التضخم الذي كان من حقه ليحتفظ برأسماله. هذا هو الحرام.

3. يحق لكل مؤسسة أو شخص يقدم خدمات للناس أن يُطالبهم بأجرة على عمله. هناك مؤسسات تبيع الخدمات على الناس مقابل أجور ومن حقهم ذلك. فلو كان هناك بنك متوسط بين صاحب المال وبين المقترض فمن حق البنك أن يطلب نسبة معقولة تضاف إلى سعر التضخم ليغطي بها مصاريفه وليحقق بعض الربح لمؤسسته المصرفية. لكن على النظام أو الحكومة أن تمنع من الربا الفاحش لأنه يدمر الناس ويسوق النقدية إلى جيوب فئة قليلةٍ ظالمةً عامةَ أهل السوق.

أعني بأن البنوك الربوية في حقيقتها أكثر إنصافا من البنوك اللاربوية التي تجني أرباحا إجرامية من الناس باسم الإسلام. في حالة البنوك العادية فإن المستدين مدين بقيمة السلفة مضافا إليها سعر التضخم مع نسبة بسيطة لتغطية مصاريف البنك مع ربح معقول. البنوك المركزية تتحكم في نسبة الفائدة ولا يمكن للبنوك أن تتجاوز ذلك السعر ولو فعلوا فإن من حق المدينين أن يلجؤوا إلى القضاء ويستعيدوا الفرق منهن. لكن البنوك اللا ربوية فهي تبيع وتشتري ولا يمكن للقضاء أن يتدخل في شؤونهم. ثم إن البيع الذي يتحدثون عنه لم يتحصل شرعا. ذلك لأن البيع يعني أن تبيع مما تملكه ولا معنى لبيع ما لا تملكه. لم يذهب البنك الإسلامي لشراء البيت أو الأرض أو البضاعة إلا بعد أن يبيع ذلك على طالب القرض ثم يتعامل مع صاحب المال ليشتريه منه. هذا حرام قطعا لأنه ليس بيعا بل هو الربا الفاحش بعينه.

كاترين:

يعني بأننا في البنوك العادية أقل ظلما من البنوك اللاربوية الإسلامية؟

محمود:

بالطبع.

كاترين:

حقا بأن القرآن يدعو إلى دين قويم يساير طبيعة الحياة الإنسانية ولا يخالفها إلا عند الضرورة القصوى.

محمود:

بل لا يخالفها أبدا. الشريعة السماوية هي شريعة الطبيعة لأنها صادرة ممن هو مالك حقيقي لكل ما في الطبيعة من موجودات، كما أنه سبحانه خلق الكون على أساس القوانين الطبيعية. قال تعالى في سورة الحجر: وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ (19). وقال سبحانه في سورة الرحمن: وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7). وحينما نمد الطرف إلى أية زاوية من زوايا الكون نراها مبنية على أسس وقواعد محسوبة بدقة ولذلك فإننا قادرون على أن نحسب الحركات الفلكية بدقة الجزء من الثانية ونفهم زمان بعض الحركات الكونية المتعارفة مثل الخسوف والكسوف وحركات الفصول والشروق والغروب بدقة الجزء من الثانية. هذا يعني بأن كل قوانين الطبيعة محسوبة حين الخلق.

يتبع: جلسة الإثنين (2)

أحمد المُهري

11/5/2019

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

داعش وشيوخ الاسلام…القرني نموذجا!


داعش وشيوخ الاسلام…القرني نموذجا!
………………………..
لم تأت داعش من المريخ.
وليس فكرها معزولا او مجهولا و بلا جذور. بل هو فكر متجذر في الموروث الفقهي وواسع الانتشار.
استنكر الناس قيام داعش بقتل الاسرى وسبي الفتيات واعادة اسواق النخاسة والعبيد. لكن ما قامت به داعش يستند على فتاوى المذاهب المتطرفة في الاسلام وعلى نصوص لا زال رجال الدين يصرون على صحتها وعلى مزاج ديني دموي ينشره دعاة التطرف منذ عقود.
ساذكر لكم مثالا واحدا من داعية يضعه الكثيرون تحت خانة الاعتدال هو “عايض القرني” . 
ألف القرني كتابا اسمه “فقه الدليل” اعتبره مرشدا للمسلم المعاصر لاحكام الاسلام. 
في باب الجهاد (ص 277-289 ) يقدم القرني الارشادات التالية للمسلمين المعاصرين:
1- جواز قتل الأسرى: بحجة ان الرسول قتل رجال بني قريظة وقتل اثنين من اسرى بدر وقتل اسيرا في غزوة أحد!
2- النساء والاطفال الأسرى يتحولون الى سبايا وعبيد.
3- إذا قتلت كافرا يحق لك الاستيلاء على أمواله واملاكه وسلاحه.
4- لا يكف القتال عن أهل الكتاب إلا إذا اسلموا او دفعوا الجزية
5- يجب ان يستمر المسلمون في إذلال اهل الكتاب في اخذ الجزية (وهم صاغرون) ، ويفرض عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين يوما وليلة، ولا يجوز إلقاء السلام عليهم، ويجب ايذاؤهم في الطريق وحصرهم ودفعهم الى اتخاذ الطرق الضيقة!
القرني نفسه هو احد مشعلي الفتنة الطائفية وهو من أفتى ان الجهاد ضد بشار الاسد اوجب من الجهاد ضد اسرائيل. وأفتى ان الجهاد في سوريا هو جهاد ضد الشيعة “الروافض” و “النصيرية” وليس جهادا وطنيا ضد الاستبداد، كما لا زال يصر ان المعركة في اليمن هي معركة اهل السنة انتصارا للصحابة ضد “المجوس” والفرس” و”الروافض” وهذه نفس وجهة النظر التي تحمله داعش والسفية الجهادية التي ترى ان المعركة دينية بين كفر وايمان وسنة وشيعة.
لا يقتصر التكفير والتفسيق والتبديع عند القرني على الشيعة فقط، فهو يمد عصا التفسيق والشرك والتبديع الى الصوفية والشافعية والمالكية وكل المذاهب الاخرى باستثناء المذهب الحنبلي- التيمي- الوهابي.
عندما نتسائل عن سبب انتشار الفكر المتطرف والمساند للارهاب يجب ان نتذكر ان القرني له 22 مليون متابع على الفيس بوك!
يقدم القرني خطابا مزدوجا برفع شعارات التسامح والتعايش ظاهرا لكنه مليء بالغام العنف والتكفير والذبح والإقصاء. 
والقرني ليس إلا نموذجا من نماذج كثيرة سيتم التطرق لها لاحقا.
………………………..
ملحوظة: المنشور قديم من عام 2016

حسين الوادعي

 #تطوير_الفقه_الاسلامي https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

لاتغضبوا ولا تجزعوا من الأسئلة الكثيرة وغير المعتادة عن الصيام وعن رمضان.


لاتغضبوا ولا تجزعوا من الأسئلة الكثيرة وغير المعتادة عن الصيام وعن رمضان.

نحن نعيش جوا فكريا حيويا مختلفا، وما كان مستحيلا الحديث عنه بالأمس صار الحديث اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي اليوم.قد يكون مستفزا ومخيفا، للمؤمن الصادق، أن يتساءل الناس عن مشروعية الصيام وهدفه وساعاته وأثره على الصحة. لكنها تساؤلات مشروعة من حقها الحصول على جواب يحترم عقل السائل وضمير المجيب.من بين أسئلة الصيام المتجولة بلا إجابة في الفضاء الالكتروني:- هل الصيام اختياري أم إجباري خاصة أن الآية القرآنية “وعلى الذين يطيقونه فدية” تشير إلى إمكانية الإختيار بين الصيام والفدية؟- وماذا عن صيام الساعات الطويلة التي تتجاوز العشرين ساعة أحيانا. ما البديل؟ وهل يسقط عنهم الصيام أم لا بد لهم من الفدية والإطعام؟- واذا كان الامتناع عن الأكل مفيدا للصحة لانه يساعد على تنظيف الجسم من السموم، فماذا عن الامتناع عن الشرب ساعات طويلة بضرره الواضح على الصحة؟ وهل يكون الصيام صياما عن الأكل فقط دون الشرب؟- وما السن المناسب للاطفال آخذين في الحسبان ام النضوج النفسي والجسدي لا يكون قبل سن الثامنة عشرة؟- واذا كنا نتحدث عن مراعاة نفسية الصائم، أليس من العدالة ايضا مراعاة نفسية المفطر وحقوقه وعدم إجباره على التخفي؟- وماذا عن أتباع الديانات الأخرى في رمضان؟ أليس من حقهم ممارسة حياتهم العادية دون حاجة للمجاراة والنفاق خوفا من الأذى؟- وما هو عدد أيام الصيام الفعليه خاصة أن الآية القرآنية تتحدث عن “أيام معدودات” دون تحديد؟- وماذا عن مشكلة “النسيء” والشك في اننا نصوم رمضان في غير موعده الحقيقي بسبب التوقف عن إضافة شهر النسيء الذي كان يساعد على ضبط أيام السنة القمرية؟- وماذا عن تحديد موعد الهلال خاصة وأن علم الفلك يؤكد استحالة رؤية الهلال بالعين المجردة أو التلسكوب في أغلب الحالات، وأن الطريقة الوحيدة اليقينية لتحديد موعد بداية الشهر هو الحساب الفلكي؟أقول إن من حق السائلين الحصول على إجابات مقنعة. اما اذا كان الجواب الوحيد هو المطالبة بالإيمان الأعمى، وأن “هذا هو الإسلام اما تأخذه كله أو تتركه كله” ، فالنتيجة ستكون مزيدا من الأسئلة التي تتجاوز حدود الرغبة في المعرفة إلى ما هو أبعد.ورمضان كريم…وصوما مقبولا وذنبا مفغورا….آمين..
حسين الوادعي

 #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

يسرني في هذا الصدد أن أخبرك بألا تسأل عمن قال وإنما عما قيل


يسرني في هذا الصدد أن أخبرك بألا تسأل عمن قال وإنما عما قيل

تعليقًا على رسالة “ليس على المسلم حرج”, أرسل إلينا سيادة الأستاذ ضياء الجبالي رسالة تناول فيها عددًا من النقاط:

·       يتساءل سيادته عما إذا كنا  مسلمون حقا, و  

·       يخبرنا أننا نخوض بغباء أو بمكر في موضوعات أقرب ما تكون إلى الكفر الصريح البين, و

·       أننا نزعم وندعي في نفس الوقت أننا مسلمون, و 

·       يتساءل عن هذه الازدواجية وهذا الفصام الذي ننشره, و 

·       كيف يتباهى حمقنا مثلاً في أن نقول “ليس على المسلم حرج” والآية تقول *لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ* وصدق العزيز الحكيم, و

·       أن قولنا هذا يعني أننا نصف المسلم بأنه أعمى, أو أعرج, أو مريض, و 

·       أن الأولى طبعًا أن نتحدث عن أنفسنا فقط وأن نصف أنفسنا بأنه ليس علينا حرج, و 

·       يتساءل عمن أفتى لنا بأن كتب شرح القرآن أو شرح الدين هي منزلة من عند الله, و 

·       أننا نكذب الكذبة, ثم نناقشها, ثم نفرح أننا انتصرنا بخيالنا المريض على الهبل الذي نناقشه تمامًا كمن يحارب طواحين الهواء ثم يدعي الحكمة وأنه انتصر على الرياح, و

·       أننا جميعًا ندعي الحكمة, والفلسفة, والعلم رغم جنوننا, وحمقنا, وجهلنا, وهبلنا المدقع المؤكد, و

·       أن كل منا يقارن نفسه بأئمة كتب الأحاديث والتفسير ويزعم بجنون العظمة ونزعات الترللّي أنه أفضل من جميع من سبقوه من العلماء, و 

·       أننا لم نقنع أي أحد ولا حتى أنفسنا بفكرنا الأجوف وديننا الجديد اللهم إلا من وافق هواهم, وشطحاتهم, وفكرهم, فكرنا المريض, و

·       يسر سيادته في هذا الصدد أن يؤكد لعنايتنا أننا لسنا أكثر من مرضى بجنون العظمة, وفساد الفكر, والعقيدة, والمنهج.

خالص الشكر والتقدير لسيادة الأستاذ ضياء الجبالي على كريم رسالته.  ولي تعليق.

أمل أن تساعد القائمة أعلاه سيادته على إدراك أن النقاط التي عرض لها في رسالته الكريمة تتعلق جميعها – باستثناء نقطة “ليس على المسلم حرج” – بـ”شخصية” من يكتبون في هذا المركز وليس بما يكتبونه.  كما سبق أن بينا, لا يهتم أحد هنا بشخصية أي أحد هنا.  عندما نكتب إلى الأستاذ ضياء الجبالي عن موضوع ما فإن كل ما نكتب عنه لا يخرج عن موضوع ما نكتب عنه.  كذلك نتوقع ممن يكتب إلينا أن يحدثنا فقط عما نكتب عنه وليس عن شخصياتنا.  كلنا هنا مقتنعون تمامًا بأن ما نكتب عنه أهم ملايين المرات من شخصياتنا.   حقيقة الأمر, الحديث عن الشخصيات تضييع وقت.  ولا تسأل عمن قال وإنما عما قيل.

أدعو الله أن يستمر سيادة الأستاذ ضياء الجبالي في الكتابة إلينا.  نقدر تمام التقدير اهتمام سيادته بما نكتبه, إلا أننا نرجو ألا يكتب سيادته عنا وإنما عما نكتبه.  أن يوضح لنا أين أصبنا – لا بد أن نكون قد أصبنا في نقطة هنا أو نقطة هناك.  لا يمكن أن نكون قد أخطأنا في كل كلمة كتبناها – وأين أخطأنا.   أؤكد لسيادته أن الحق حصحاص وأن الناس ليسوا أغبياء.  أي أنهم يستطيعون تمييز الصواب من الخطأ حتى لو أخذ ذلك بعض الوقت.  وكما يقول المثل “يمكنك أن تخدع كل الناس بعض الوقت, كما يمكنك أن تخدع بعض الناس كل الوقت, إلا أنك لا يمكنك أن تخدع كل الناس كل الوقت”.  

استطاع الفقه السني القديم أن يخدع كل المسلمين من ساعة أن ظهر إلى يوم الله هذا – ما زال الأزهر الشريف يدرّس البخاريّ, والطبريّ, والواحديّ, والطحاويّ, ومئات غيرهم من أهل العلم والنظر من أهل السنة والجماعة, رضي الله جل ثناؤه عنهم وأرضاهم أجمعين – إلا أنه لن يخدع كل المسلمين كل ساعة إلى ساعة أن تقوم الساعة.  ولسوف يأتي اليوم الذي يدرك فيه المسلمون أن الفقه الاسلامي القديم ما هو إلا منتج ثقافي تم إنتاجه بواسطة نظام إدراك بدائي أنتجته ثقافة بدائية على خلفية أوضاع اجتماعية شديدة التردي والانحطاط.  ولسوف يأتي اليوم الذي يزيل فيه الفقه الإسلامي الجديد الصدأ والتراب الذي أهاله الفقه السني القديم على كتاب الله.  عندها, بإذن الله, سوف تظهر الألماسة التي أرسلها الله إلى محمّد بن عبد الله لتضيء الكون كله.

يقول الأستاذ ضياء الجبالي:

“سؤال بسيط ؟ هل أنتم  مسلمون حقاً ؟؟

أراكم تخوضون بغباء أو بمكر ؟ في موضوعات هي أقرب ما تكون إلى الكفر الصريح البين ؟

ثم أراكم وفي نفس الوقت تدعون وتزعمون أنكم مسلمون ؟؟ فما هذه الإزدواجية ؟ وما هذا الفصام ؟ الذي تنشرونه ؟؟

كيف يتباهى حمقكم مثلاً في أن تقولوا : ليس على المسلم حرج ؟؟

والآية تقول : لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ؛؛ وصدق العزيز الحكيم ؛؛

قولكم هذا يعني انكم تصفون المسلم بأنه : أعمى أو أعرج أو مريض ؟؟

الأولى طبعاً والأجدر أن تتحدذوا عن أنفسكم فقط ؛ تصفوا أنفسكم فقط بأنه ليس عليكم حرجاً ؟؟

ثم من الذي أفتى لكم بأن كتب شرح القرآن أو شرح الدين هي منزلة من عند الله ؟

أنتم تكذبون الكذبة ؟ ثم تناقشونها ؟ ثم تفرحون أنكم انتصرتم بخيالكم المريض على الهبل الذي تناقشونه !؟

تماماً كمن يحارب طواحين الهواء ؟ ثم يدعي الحكمة وأنه انتصر على الرياح ؟؟

والمضحك أنكم جميعاً تدعون الحكمة والفلسفة والعلم !؟ رغم جنونكم وحمقكم وجهلكم وهبلكم المدقع المؤكد !؟

وكل منكم يقارن نفسه بأئمة كتب الأحاديث والتفسير ؟ ليس هذا فقط بل كل منكم يزعم بجنون العظمة ؟ ونزعات الترللي ؟ أنه أفضل من جميع من سبقوه من العلماء ؟ رغم أنكم لم تقنعوا أي أحد ٍ؟ ولا حتى أنفسكم !؟ بفكركم الأجوف ؟ وبدينكم الجديد ؟ اللهم إلا من وافق هواهم وشطحاتهم وفكرهم ؛ فكركم المريض ؟؟


ويسرني في هذا الصدد أن أؤكد لعنايتكم ؛ أنكم لستم أكثر من مرضى بجنون العظمة وبفساد الفكر والعقيدة والمنهج 

ولذلك فبالفعل وكما قلتم : فليس عليكم حرج”   انتهى 

وإن الحمد لله, والشكر لله, على ما آتانا وما لم يؤتِنا, وما أعطانا وما لم يعطِنا.  ولقد أعطانا فأفاض العطاء.

كمال شاهين

25 مارس 2017

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

يوسف أيها الصديق ح 20 – الدين القيم والصراط المستقيم


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 20 – الدين القيم والصراط المستقيم

وحتى يعطي يوسف لصاحبيه المعنى الدقيق لأسباب الخضوع الاختياري فإنه أردف قائلا:

ذلك الدين القيم.

وحتى نعرف المعنى الدقيق للدين القيم فإننا سنحاول معرفة صفة القيم بداية فنمر على كل الآيات التي ذكر الله تعالى فيها تلك الصفة وهي ثمان آيات مع هذه الآية. هي الأنعام 161 والتوبة 36 والكهف 2 والروم 30، 43 والبينة 3 و5.وسنجد ان ملخص المعنى الذي تدور حوله عبارة “الدين القيم” هو الدين التوحيدي الخالص من الشرك .24 

إذن يمكننا أن نوضح معنى كلام يوسف بأن عدم الشرك بأي شكل هو الدين القيم الموصل إلى الله تعالى والذي ينهج من يسير فيه طريقا مستقيما لا عوج فيه. ولنحلل كلام يوسف على ضوء ما عرفنا من معنى تقريبي للدين القيم. تقول الآية من سورة يوسف:

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40).

عدم الخضوع لغير الله تعالى هو الدين القيم ولازمه الخضوع لله تعالى. فلا نكتفي بعدم عبادة الغير بل نعبده لأنه سبحانه جدير بأن يُعبد وعبادته دليل على سلامة نفوسنا وبيان لانصياعنا النفسي للحقيقة المطلقة.

فالدين هنا هو الأصل الأساسي الذي يجب أن نراعيه في كل مناهجنا وهو عدم الشرك بالله تعالى والخضوع له. فكل مناهجنا توضع على أساس اتباع قوانين الألوهية التي لا مناص منها حقيقة ومن يخالفها يخسر الدنيا كما يخسر الآخرة.

( هامش 24:   عند تحليل هذه القضية نجد التالي:

آيتا سورة الروم وردتا بعد ذكر دقة الله تعالى في صناعة مخلوقاته فأمر نبيه باعتباره أسوة حسنة لصحابته أن يوجه وجهه طرف نظام الكون الدقيق والخالي من العيوب ساعيا لاستعمال قوة الإرادة عنده في مسايرة كل النظام الشمولي الدقيق فلا يخالف نظام الألوهية وينجو من المساءلة يوم الحساب.

ذلك ليعلمنا بأن الإسلام هو دين الطبيعة المرشد لنا نحو كيفية السير مع بقية الكائنات التي هي خاضعة بطبيعتها لربها لنخضع بإرادتنا للذات القدسية فنكسب رضاه سبحانه. وهما:

 فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43).

وقد منعنا الله تعالى في الآيات الوسطى أن نكون من أتباع المذاهب الدينية واعتبر من ابتدعوها مشركين لأنهم فرقوا دين الله تعالى وهو واحد لا يمكن تفريقه لأنه منبثق من الواحد الذي خلق الكون المهيب ليستمر في الحياة والبقاء والعطاء طيلة بلايين السنين دون أن ينهار  إلا ضمن شروط نظامه وقوانينه الطبيعية.

وأمره في كلتا الآيتين للنبي باعتباره أقدر من غيره على أن يكون أسوة حسنة لصحابته والآيات الاستدلالية موجهة لجميع الناس. وقد ضرب الله تعالى بالربا مثلا ليذكرنا بأننا لا نملك ما بأيدينا، فعلينا أن نطيع ربنا المالك إن أردنا كسب رضوانه. وإلا فنحن الخاسرون.

وفي كل الآيات يمنع من إشراك أي مخلوق في الخضوع له باعتبار أن الخلق عاجز وجاهل بحقائق الأشياء كائنا من كانوا. فلا يستحق أحد أن يُخضَع له حبا وشكرا وطاعة غير القدوس وحده. وطاعة رسوله عبادة له في الواقع باعتبار أن الرسول ساعي بريد لا يملك شيئا ولا يدعو لنفسه أبدا بل هو قانت لربه. عليه وعلى جميع رسل ربنا الصلاة والسلام.

وعلى أساس ما تقدم فان الله تعالى لا يفوض من صلاحياته شيئا إلى بعض عباده إطلاقا إذ لا ولاية تكوينية لأحد في هذا الكون إلا لله وحده.

وهناك آيتان تتحدثان عن القرآن الكريم وأنه هو أو سوره كتب قيمة. الأولى ما افتتح به سورة الكهف:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2).

 فـ (القيم) هناك وصف للقرآن باعتباره نذيراً ومن شأن النذير أن يكون دقيقا وواضحا حتى يتمكن المنذَرون من اتباعه لينجوا من تبعات الإنذار من ربهم. إذ أن (القيم) في مستهل الآية الثانية يعني المستقيم الخالي من أي اعوجاج. والثانية في سورة البينة هكذا:

 لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4).

فالبينة في الآيات الأربعة تدل على كتب السماء وتفرق أهل الكتاب ليس نتيجة لنزول البينة ولكن الله تعالى بصدد بيان المسؤولية التي تكون بعد استلام الإنذار، لا سيما الإنذار الكتابي.

وإن تفرقهم بعد نزول الكتب إثم واضح سيُسألون عنه. فالله تعالى يريد أن يبلغنا بأن كتبه واضحة تدعو إلى صراط مستقيم غير ذي عوج لتكون حجة علينا يوم الحساب العظيم أمام وجهه الكريم. والقرآن هو رسالة من الله تعالى.

ثم نفكر في آية سورة التوبة:

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36).

إنها تعتبر نظام الأشهر الاثني عشر لتكميل السنة أو تقسيمها مسألة طبيعية تتناسب مع خلق السماوات والأرض. إن الله تعالى وضع هذه الحقيقة في برنامج الخلق يوم بدأ التكوين الأساسي لخلق الكرات الغازية المهيمنة والممتدة وخلق الكرات الصلبة المعدة لاستضافة خلقه.

كما أنه اعتبر في نظامه حاجة كل إنسان إلى أربعة أشهر من الراحة عن كل حرب وخصام حتى لا يفقد توازنه بين النفس والجسم. وأوصى الصحابة ألا يبدأوا بقتال المشركين ويميزوا بينهم فيقاتلوا الذين يقاتلونهم دون غيرهم. ذلك طلبا للمزيد من السلام وابتعادا عن الحروب جهد الإمكان.

هكذا يستقيم دينهم ويتخلص من تدخل الأهواء والرغبات الشخصية والانتقامية ليكون كل شيء خالصا لوجه الله تعالى. بقيت آيتان هما آية الأنعام:

قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165) 

وهي أول آية في القرآن انطوت على مفهوم الدين القيم مشروحا بكل وضوح، والآية تعقب الأمثال الطيبة لتلك الحقيقة القرآنية. والآية التالية وهي في سورة البينة وهي تمثل آخر آية تتحدث عن الدين القيم:

وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5).

ونلاحظ أن الحديث تكميل لما سبق ونقلناه وقرأناه معا عن أهل الكتاب فهم أُمروا بالعبادة المخلصة لله تعالى. أمروا بأن يخلصوا دينهم لله وحده ولا يلتفتوا إلى الناس أبدا وهو معنى الحنيف الذي يميل عن الناس. فكل إنسان يجب أن يشق طريقه بنفسه إلى الله تعالى بما يتناسب مع إمكاناته ومعلوماته تاركا أمته وتراثه والخلق أجمعين وراء ظهره.

لقد أرسل الله تعالى كتبا إلى الناس لئلا يكون لهم حجة بعد أن جاءتهم رسلهم بكتبهم من ربهم. وأما إضافة الدين إلى (القيمة) فهي تحتاج فعلا إلى موضوع لتكون وصفا له. فلا يمكن أن تكون (القيمة) وصفا للدين لأن الصفة من التوابع ولم تتكامل شروط التبعية في الجملة. وقد ظن البعض أن الحديث في الآيات عن الأمة الإسلامية فهي المقصودة ويصير المعنى كما قالوا: دين الأمة القيمة.

ولا أدري كيف تكون الأمة قيمة على دينها؟. وفي نظري أن (القيمة) هنا تعود إلى الكتب المذكورة في الآية الثالثة وهي كتب القرآن. فالقرآن يمثل مجموعة من الكتب التي تدل كل منها على الاستقامة وعدم الاعوجاج في كتاب السماء. فهي تعني دين الكتب القيمة. فكل الكتب القديمة والحديثة تأمر الناس بأن يتركوا الشرك ويعودوا إلى ربهم ويخلصوا عملهم له ولا يشركوا بربهم أحدا من خلقه سواء كانوا رسلا وأنبياء أو ملائكة أو غيرهم.

وملة إبراهيم هي الملة التي يعود إليها كل من جاء بعده من الأنبياء والناس لأنه ضرب أعلى مثل للاستعداد للتضحية في سبيل ربه فترك كل شيء لأجل الله تعالى. ولذلك فهو متبوع كل الأنبياء وكلهم بمن فيهم نبينا يفتخرون بأنهم أتباع إبراهيم.

من هذا البحث المختصر يمكننا معرفة الدين القيم بأنه هو عين الصراط المستقيم من حيث المصداق وانهما يختلفان من حيث المفهوم فقط. فالصراط المستقيم التشريعي للخلق يشير إلى السبيل الموصل حقيقة إلى الله تعالى ليقع المؤمن ضمن الحركة العامة الجبرية للممكنات ولكن باختياره ليكسب الجزاء ويستحق الرضوان. ولكن المفهوم مختلف، حيث أن الدين هو القانون الثابت الذي لا يتغير، والطريق أو الصراط هو المنهج وهو ثابت لا تتغير أصوله باعتبار استقامته أيضا. فالمنهج أو الطريق الصحيح يجب أن يكون موصلا للهدف الذي ينشده الدين أو الدستور الأساسي. فدين المؤمنين هو ألا يشركوا في أهدافهم إضافة إلى تطلعاتهم، وطريقُهم هو العبادة المخلصة لربهم وعدم الشرك به في كل أفعالهم وأفكارهم.

إن ملة إبراهيم هو التفسير الفعلي لمنهج العبادة التي توصلنا إلى الرضوان. فالكون يسير ضمن نظام قيم لا خلل فيه ولا عوج والكتب السماوية أنزلها ربها متناسبة ومتناسقة مع كل الكون ليساعدنا على اتباع قوانينه الطبيعية في الطبيعة، والدين القيم هو التشريع الذي يوصل متبعيه حتما إلى مسايرة كل النظام الكوني الذي نسميه نظام الألوهية الشامل حتى لا يخسروا ولا يضيعوا ولا يدخلوا النار.     نهاية الهامش 24.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

الانتساب إلى الله تعالى


لا دلالة على اي انتساب عدا العبودية ،

الانتساب إلى الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

نص المحاضرة التي ألقيتها مساء الجمعة 5/10/2018 في بيت أخينا الكريم الدكتور حازم العبيدي في شمال لندن.

هذا الموضوع نشرحه على أساس الفصول التالية:

النسبة الطبيعية بيننا وبين الخالق عز اسمه وفهمها عقليا ثم قرآنيا.

درجات الانتساب بيننا وبين الله تعالى.

علم الرسل والمرتبطين بوحي السماء.

عود إلى النسبة بيننا وبين خالقنا.

هل لنا بأن ندعو أنفسنا أولياء الله تعالى؟

أمثلة على ما ننسبه إلى الله تعالى دون إذن:

منح نسب كبرى للأنبياء المكرمين.

بعض الحقائق عن موسى وعيسى عليهما السلام.

خلاصة الجلسة.

آيات مؤيدة ومساعدة.

رد بعض الأسئلة.

النسبة الطبيعية بيننا وبين الخالق عز اسمه وفهمها عقليا ثم قرآنيا.

نرى في حياتنا الدينية غالبية إخواننا وأخواتنا من أتباع الديانات السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلامية ينسبون إلى الله تعالى ما لم يأذن به. بالطبع أن قلة قليلة من علماء الأديان كانوا منتبهين لخطورة هذا العمل وكانوا يتوقون ذلك. أذكر لكم منهم المرحوم العلامة الطباطبائي مؤلف تفسير الميزان. إنه لم يرض بأن يُقال له حجة الإسلام أو آية الله واتخذ لنفسه عنوان العلامة فقط. عتابي عليه رحمه الله تعالى بأنه لم يوضح للناس خطورة الانتساب إلى الله. لقد قرأت في تفسيره جملة يحرم بها الانتساب إلى الله تعالى من دون أن يصرح الله به أو يأذن به. لا أتذكر الآية التي ذكر ذلك فيها ولكني فيما بعد عرفت بأنه كان يعرف خطورة هذا العمل.

دعنا نتعرف على معنى الانتساب بداية ثم نوظف ذلك المعنى لربط الكائنات بخالق الكائنات جل جلاله. النسب هو أصل الانتساب الذي نتداوله كثيرا اليوم. لكن العرب الأوائل كانوا يكتفون بالجذر الأصلي فيستعملون نسب بمعنى انتسب أيضا. والنسب يعني اتصال شيء بشيء آخر كما يقول أرباب اللغة، فهو إما نسب طبيعي مثل الاتصال المشهود بين الأقارب من الدرجة الأولى. فهناك علاقة مشتركة بينهم نسميها علاقة الأبوة والبنوة أو الأمومة أو الأخوة. ويلحق بها علاقة الزوجية التي هي علاقة انتساب حسب تعبيرنا ولكنه صار نسبا قويا نظرا لقوة الارتباط بين الزوجين.

كل المنتسبين محتاجون لبعضهم البعض. كل الأقارب من أية درجة كانوا يساعدون بعضهم البعض فكلها اتصال حاجة وفقر في الواقع لكننا عادة ما لا نعترف بها. كل العلاقات البشرية بما فيها علاقات الأنبياء بأقوامهم وعلاقات الملوك بشعوبهم وعلاقات كبار الضباط بجنودهم وعلاقات أصحاب المصانع والمتاجر بعمالهم ووو، كلها بلا استثناء علاقات حاجة ولو لم يعترفوا بها.

هناك تداول بالقوة والمال بين الناس جميعا فنرى الملك يموت أو يُقضى عليه ويحل آخر مكانه والابن يأخذ مركز الأب ويسكن بيت الأب والعامل أحيانا يشتري متجر رب العمل وهلم جرا. وقبل أن نعرف حدود الانتساب والاتصال بيننا وبين ربنا يجدر معرفة بأن لا توجد إطلاقا أي اتصال متداول بين أي كائن وربه. فلا يمكن أن يحل أحد محل الله تعالى كما لا يمكن أن يفقد الله تعالى شيئا من ملكه وسلطانه وعلمه وكل ما يملكه وما هو من معاني ذاته جل جلاله. نحن نفقد أبصارنا وأسماعنا وبقية أجهزتنا وحياتنا ولكنه سبحانه لا يمكن أن يفقد أي شيء. كما أننا نتغير من الأحسن إلى الأسوأ أو من الأسوأ إلى الأحسن ولكنه سبحانه لن يتغير أبدا. هو هو دائما وأبدا كما أننا نتأثر بالكثير من المؤثرات ولكنه سبحانه لن يتأثر إطلاقا بأي شيء لا سلبا ولا إيجابا. كل هذه المسائل يمكن بحثها علميا لتستقر في صدورنا كعلم ثابت ولكننا اليوم بصدد بحث آخر.

فنحن البشر والجن والملائكة والكواكب والفضاء والحيوانات والنباتات وكل شيء معرضون للتغيير والموت وهو الأمر الذي يفصلنا عن الحي القيوم الذي لا يتغير ولا يتحرك ولا يموت.

لكننا نشعر بأن هناك علاقة بيننا وبين القدوس ونريد أن نتعرف على طبيعة تلك العلاقة لنحدد تلك العلاقة فلا نتجاوزها ولا نتجاهلها. بمعنى أن الله تعالى لا يرضى لعبيده أن يتجاهلوا ارتباطهم الوثيق بربهم بدون أية واسطة كما لا يرضى أن نمس كبرياءه وننسب إليه ما ليس من حقنا. بالطبع أننا نحتاج أن نعرف حدود علاقاتنا ببعضنا البعض أيضا لنتعرف على حقوقنا فلا نظلم ولا ننظلم.

لنبدأ بدراسة علاقاتنا مع بعضنا البعض كمقدمة. إن كل إنسان بنفسه وبدون أي قيد يُعتبر مخلوقا لله تعالى وعبدا له. أظن بأننا كمسلمين لا نختلف على ذلك. كما نشعر بأن الخالق العظيم عز اسمه خلقنا بعد أن خلق آباءنا وبعد أن جعل الأرض مهدا وأخرج منها ماءها ومرعاها وبعد أن خلق النباتات والأنعام ثم أتى بنا. كما نعلم بأن المراحل التمهيدية التي سبقت ارتباط آبائنا بأمهاتنا طالت بلايين السنين والله تعالى يساعد الأرض لتتحرك تحركا تنتهي إلى ما نراه اليوم من وجه بهيج وبديع ومليء بالحيوية. فنسبة ما فعله الله تعالى إلى نسبة ما فعله آباؤنا أكبر من أن نحددها بالرياضيات. ثم إن كل مجموعة منا يؤمن برسول من رسل الله تعالى وهم أيضا مثل آبائنا أمضوا فترة قصيرة في الأرض لينشروا بين جدودنا وحي ربهم ثم ماتوا.

من هذه المقدمة البسيطة يمكننا أن نفكر بكل عمق فيما فعله الله تعالى لنا ثم نقارن بينها وبين ما فعله آباؤنا وملوكنا وأصدقاؤنا وأقاربنا وأنبياؤنا وعلماؤنا لنعرف بأن النسب الرياضية عاجزة عن تعيين تلك النسبة. ثم نفكر في قدرة الله تعالى وسعة علمه وحكمته ومعرفته بكل شيء وبحقائق قلوبنا وقدراتنا الإدراكية ونحاول أن نقارن بين كل تلك القدرات لدى كل الطيبين الذين أورثونا ثمرات أعمالهم الطيبة وبين قدرة الله تعالى لنرى بأن كل مواريثنا لا تحقق نسبة رياضية مع ما يمكن أن نستفيده من الله تعالى القوي القاهر والرحمن الرحيم وأرحم الراحمين دائما وأبدا.

فهمنا بصورة جزئية عدم وجود نسبة قابلة للعرض بين الله تعالى وبين عبيده بصورة جمعية متعاونين متكاتفين. لا نريد الحديث هنا عما يفرضه العقل علينا من خضوع للخالق العظيم ولكننا نريد أن نتحدث عن علاقات الخلق مع الخالق فقط. مخلوقات قوية فيما بينها ولكنها لا شيء أمام الخالق العظيم بديع السماوات والأرض جل جلاله. وبالتأكيد أن هناك علاقة واتصالا بيننا وبين الخالق. ولما أقول بيننا فأنا أقصد بيننا جميعا كمخلوقات سواء كنا بشرا وأقارب أو أنبياء ورسلا وملوكا أو ملائكة أو كواكب ومجرات. هناك نسب يوصل الخلق بالخالق.

يكفينا معرفة بأن كل الخلق لا يتجاوز كونها ممكنات أمام واجب لا يمكن الاستغناء عنه. الممكنات تعني بأن كل واحد منا مثلا يمكن أن يكون أو لا يكون. يمكن أن يكون محمد وعيسى وموسى وإبراهيم ونوح عليهم السلام وكل الرسل ويمكن ألا يكونوا. ولكن لا يمكن ألا يكون الله تعالى. يكون في هذه الجمل بمعنى الفعل الكامل وليس فعلا ناقصا.

إذن كل الكائنات ممكنة وفقيرة ومحتاجة إلى الموجد سبحانه. ولذلك نجد القرآن الكريم يقول في سورة مريم: إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93). أو يقول في سورة النمل:وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاّ مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87). لقد عرفنا من بحثنا البسيط غير المعقد بأن الآيتين الكريمتين تتحدثان عن نتيجة طبيعية لا يمكن تجاهلها. هي أن العبودية والدخر أو الذل هما صفتان طبيعيتان لكل موجود مدرك أمام الرحمن عز وجل.

درجات الانتساب بيننا وبين الله تعالى: 

لننتقل الآن إلى علاقة الله تعالى بالبشر في كوكبنا. إنه سبحانه خلقنا جميعا فنحن كلنا ننتسب إليه باعتبار أننا خلقه وهو خالقنا. تلك نسبة مشتركة طبعا. فلولاه لما كنا موجودين ولولانا لما كان هو سبحانه خالقا لنا. من هذا المثال البسيط نعرف بأن النسبة بين شخصين ترتفع إذا فُقد أحدهما.

لهذه النسبة درجات طبعا. فمثلا الابن الذي يساعد أباه غير الابن الذي يترك أباه وينساه. والابن الذي رأى أباه واستفاد من علمه وخبرته وماله وتربيته يختلف عن الابن الذي ولد ولم ير أباه أصلا. فالنسبة بينهما نسبة متدرجة. بمعنى أن البنوة تكون بسيطة إذا ما نظرنا فقط إلى أن أباه اجتمع مع أمه؛ أو ثقيلة بمعنى أنه أشعر نفسه بأنه ابن لأبيه ولأبيه حق عليه وهكذا الأب بالنسبة لابنه فكلما ازداد التعاون بينهما أو ازداد مساعدة أحدهما للآخر فإن النسبة تكسب درجات أكبر.

وهناك نسب غير متدرجة. فمثلا نسبة أي موجود إلى الوجود نفسه نسبة لا ترتبط أبدا بالدرجات. إن كل شيء إما موجود أو غير موجود. لا توجد درجات للوجود. نسبة الذكورية للذكر نسبة غير متدرجة فكل شخص إما ذكر وإما أنثى. لا يمكن القول بأن شخصا ذكر بنسبة 50 بالمائة وأنثى بنفس النسبة. قد تكون النسبة غير واضحة ولكن لا يمكن أن يكون شخص ذكرا وأنثى معا أو يكون شخص ذكرا بنسبة معينة. وهكذا النسبة بيننا وبين ربنا فهي من حيث العبودية واحدة ولكن من حيث العمل بمقتضيات العبودية فهي نسبة تتعرض للشدة والضعف أو الكبر والصغر.

ولذلك نرى القرآن الكريم مثلا يتحدث عن النسبة بين الله تعالى وبين عبيده الطيبين ويسميهم أولياء الله تعالى والله ولي لهم. ذلك لأن الولي هو القريب الذي يساعدك فالله تعالى قريب منا يساعدنا ونحن نستلم المساعدة منه. الفرق بيننا كمؤمنين لو كنا مؤمنين طبعا وبين الله تعالى مغاير للفرق بين الله تعالى وبين الفاسقين أو الناكرين لوجوده سبحانه. وهكذا فإن الفرق بيننا حينما كنا أطفالا جاهلين وبين الله تعالى مغاير للفرق بيننا بعد أن كبرنا وشغلنا عقولنا وبين الله تعالى من حيث النسبة إليه سبحانه. الأطفال مؤمنون بالقوة وليسوا مؤمنين بالفعل والكبار قد يكونوا مؤمنين بالفعل وقد يكونوا كافرين جاحدين بالفعل وقد يكونوا كالأنعام لا يدرون ولا يسعون للمعرفة. نكتفي بهذا العرض البسيط وننتقل إلى القرآن لنراه كيف يوضح هذه العلاقات بكل دقة وتفصيل. لكنني منعا للإطناب سوف أنقل بعض المفاهيم ونترك البقية للمستقبل. نحن مهتمون بمعرفة نسبة الولاية بين الله تعالى وعبيده لنلاحظ حدودها فننسب من ننسب إلى الله تعالى غير متجاوزين حدود الحق والعدل والصدق لنتجنب الإثم والبغي. ولا ننس بأن نسبة الولاية لا تغطي كل أنواع النسب بين الخالق والمخلوق لكننا نأخذ هذه النسبة كمثال فقط.

1. قال تعالى في سورة الجاثية: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19).

بنو إسرائيل من أيام إسرائيل لم يكونوا جميعا أناسا طيبين كما قرأنا في قصة يوسف. لكن الله تعالى لم يتركهم بل ساعدهم ومنحهم الحكم والنبوة ورزقهم من الطيبات. فهناك نسبة بينه سبحانه وبينهم وهي نسبة المنعم على المنعَم عليه. لكنهم لم يكونوا جميعا شاكرين. ومع كل ذلك فإن الله تعالى آتاهم وأوصل إليهم آيات بينات تريهم الحق حقا والباطل باطلا. كان عليهم أن يؤمنوا بما آتاهم الله تعالى بعد أن علموا الحقيقة فيكونوا جميعا مسلمين لله تعالى.  كمقدِّمة ليعتبرهم الله تعالى أولياء له. لكنهم اختلفوا من بعد أن علموا. تلك هي نسبة المعلم إلى التلميذ ولكن التلاميذ لم يتجاوبوا مع العلم الذين أنزل إليهم بشكل واحد.

كان بنو إسرائيل يفخرون على غيرهم بالعلم الذي آتاهم الله تعالى حتى رأوا بأن شخصا غير إسرائيلي هو رسولنا عليه السلام فاجأ أهل مكة بعلم يفوق علم بني إسرائيل.

علم الرسل والمرتبطين بوحي السماء:

واسمحوا لي أن أبدد ما يمكن أن يجول في الخواطر من أن الرسول مُنح علما لدُنِّيا كما أشهروه بيننا. هذا ضلال فالله تعالى لا يمكن أن يزق أحدا العلم زقا. ولو فعل ذلك فتلك معلومات وليس علما. العلم يعني تمكن النفس من الإحاطة ببعض المسائل وتكوين كليات في قرارة النفس بحيث يمكنها بها أن توظف الكليات للتعرف على حقائق لم تعهد بها من قبل. والعلم قد يكون ابتكاريا إبداعيا وقد يكون إتقانيا. وأكثر العلماء متقنون وليسوا مبتكرين. حتى العلم الإتقاني لا يسمى علما بالنسبة لأحد إلا إذا تمكن من توظيف ذلك العلم للتعرف على معلومات جديدة لم تكن مخزونة في صدره النفسي كمعلومات. أرجو أن نعرف جميعا بأن المعلومات لا تعني العلم. ألا ترون أن الكثيرين يتحدثون عن معلومات مكتسبة ولكنهم يعجزون عن الدفاع عن أي منها. فهم ليسوا علماء بل هم يتحدثون عن معلومات مخزونة في ذاكرتهم.

فمثلا لو تعلم أحد الحساب لدى المعلم وأعطاه المعلم مجموعة من المسائل وحلها له. هناك ينتظر المعلم من التلميذ أن يقوم بحل مسائل أخرى غير التي خزنها في صدره النفسي كمعلومات. فلو تمكن التلميذ من حل مسائل أخرى على أساس الأمثلة التي تعلمها فهذا يعني بأنه تمكن فعلا من تكوين كلية علمية في قلبه بحيث يمكنه تطبيق تلك الكلية على جزئيات كثيرة. هناك يكون التلميذ قد كسب علما.

رأى علماء بني إسرائيل في مكة بأن محمدا عليه السلام يعرف ما يقول ويتحدث عن فهم دقيق لما أنزل عليه. قال تعالى في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُاللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43).

الحكم في الآيات ليس حكما قضائيا بل هو حكم علمي يساعد المرء للتعرف على الكليات العلمية. ولما رأى بنو إسرائيل بأن الرسالة التي يتحدث عنها رسول الله بعلم ودراية ويفسرها للناس انهاروا أمام أتباعهم. شعروا بأنهم سيخسرون مراكزهم العلمية في المجتمع ولذلك سعوا لتحريف معاني القرآن الكريم بما يتناسب مع أفكارهم. إنهم رأوا بأن التنزيل أعظم بكثير من التوراة لأنه ينطوي على حكم ودلائل. لكن التوراة تنطوي على حكم الله تعالى بدون دلائل. بمعنى أن من يتبع التوراة يحتاج إلى أن يستيقن بأنه كتاب الله تعالى ليعمل به ولكن من يتبع القرآن فإن القرآن الكريم يمده بكل ما يحتاجه للتعرف على الكلية العلمية.

أعود فأكرر بأن كل ذلك لن يتأتى لأحد دون أن يسعى وكان رسولنا عليه السلام يسعى وقد بهر علماء بني إسرائيل بفهمه وإدراكه لأعماق المسائل العلمية في القرآن بما يتناسب مع زمانه ومكانه طبعا. ولو ندقق النظر في القرآن سنرى بأن الملائكة أيضا يتعلمون بعد أن يفكروا ويخطئون أحيانا في التطبيق فيساعدهم ربهم بإراءتهم المزيد من الشواهد حتى يتعلموا. والعلم عند المولى.

عود إلى النسبة بيننا وبين خالقنا:

نعود إلى النسبة بين الخالق وبيننا، ونعود إلى آيات الجاثية حيث قال سبحانه في نهايتها: إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19). نشعر بأن الله تعالى يسمي النسبة بينه وبين المتقين نسبة الولاية كما يسمي النسبة بين الظالمين أنفسهم نسبة الولاية أيضا. نريد أن نعرف لماذا يعتبر الله تعالى نفسه ولي الذين آمنوا ويعتبرهم أولياءه ولا يسمي نفسه ولي الذين كفروا ولكنهم يتعلمون ويدرسون في كتابه وكتابُه موجه إليهم أيضا.

كل النسب الأخرى موجودة بين الله تعالى وبين كل الناس. فهو الخالق وهو المربي وهو الرازق وهو المعلم لكنه هو لا يفرض ولايته على أحد في الدنيا. تلك الولاية ليست جبرا على أحد كما أنها ليست خاصة بأحد. إنها ترتبط بتجاوب الإنسان وكل مكلف آخر مثل الجن مع رزق الله تعالى. دعنا ننظر إلى أنفسنا فنحن ندعو الله سبحانه ونستغفره ونطلب منه المزيد ونطيعه ونشكره ونحبه. لكننا لم نطلب من الله تعالى أن يخلقنا إذ لم نكن موجودين لنطلب ذلك. فهل يمكن لنا أن نقول بأننا كنا أولياء الله تعالى يوم خلقنا؟ الولاية تدل على التجاوب بمعنى أنني مثلا شكر ت ربي أو أطعته أو أحببته فأصبحت له وليا بعد أن تقبل مني ذلك ورزقني المزيد من فضله فصار لي وليا. هذه النسبة حادثة حصلت بين كل فرد وربه بإرادة منه ومن ربه ولا يمكن أن تكون نسبة قديمة. فالولاية لن تتحقق إلا بتبادل الإرادة على الأقل. فالله ولي الذين آمنوا ولم يقل سبحانه بأن الله ولي الذين لم يؤمنوا أو ولي الذين كانوا يجهلون أو ولي الأطفال. إنه سبحانه يعين الأب مثلا وليا للطفل الصغير فتلك ولاية بالوكالة عن الله تعالى. بمعنى أن الله تعالى يقبل تلك الولاية باعتباره مالك ذلك الطفل. لكننا لا نجد في القرآن الكريم أي إشارة إلى أن الله تعالى هو ولي الأطفال لعدم إمكانية حصول التبادل بينهما. هذا ما أظن والعلم عند المولى عز اسمه.

هل لنا بأن ندعو أنفسنا أولياء الله تعالى؟

والآن لنعرف متى يسمح الله تعالى لنا بأن نقول نحن فعلا أولياؤه. لا يوجد أي إذن في القرآن الكريم بأن ندعي ذلك. كل ما هو مسموح لنا عقلا وأخلاقا أن نسعى لنكون أولياء الله تعالى. فشهادة أن أحدا ولي الله تعالى تحتاج إلى إثبات من القرآن الكريم ولا تكفي قناعاتنا النفسية فقد تكون خاطئة. النسبة الوحيدة المسموحة لنا أن نذكره والتي سمح لنا القدوس بصورة عامة هي نسبة العبودية والذل فقط. بمعنى أننا يمكن أن نتحدث عن أي شخص في الكون بأنه عبد الله لقوله تعالى في سورة مريم: إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93). وبالنسبة لمن جاؤوا قبل القرآن فإن الأنبياء علموهم بأنهم عبيد الرحمن بدون شك.

والآن لنعرف المزيد عن درجة العبودية لله تعالى. قال تعالى في سورة النمل: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاّ مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87). الكل هنا يشمل الذين فزعوا كما يشمل الذين شاء الله تعالى لهم ألا يفزعوا أو يتبدد فزعهم. ولنتعرف عليهم. قال تعالى في سورة الأنبياء: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104). هؤلاء الذين يساعدهم الملائكة بإخبارهم بأن ما يرونه من فزع ليس متوجها إليهم فلا داعي للفزع. كل المؤمنين وكل الطيبين مشمولون بمن يساعدهم الملائكة. بمعنى أن كل الرسل وكل الصالحين يحتاجون إلى أن تتلقاهم الملائكة ليخرجوا الفزع من قلوبهم.

فالكل في الواقع مهما بلغوا من الإيمان والمعرفة بالله تعالى ومهما فعلوا وخضعوا لربهم فهم أولياء بالذل. لكن الله تعالى وحده ولي لمن هو ولي له بدون ذل. قال تعالى في نهاية سورة الإسراء: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111). فهو سبحانه الأحد الذي لا يحتاج أبدا والكل محتاجون إليه. هذه هي النسبة الوحيدة التي يمكن للمؤمنين الصالحين جنا وإنسا أن يصلوا إليها بأعمالهم وبخضوعهم الحقيقي لرب العالمين. وتبقى هذه النسبة بينهم وبين ربهم خفيا حتى عليهم أنفسهم. لنقرأ آيات من نهاية الإسراء قبل الآية أعلاه: وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106) قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (110).

لماذا يبكون ولماذا يخافون من وعد ربهم؟ أليس المؤمنون موعودين بأن تتلقاهم الملائكة يوم الفزع الأكبر. ذلك لأن الإيمان بحقيقته خاف على كل أحد حتى الأنبياء في هذه الحياة. بمعنى أنهم مثلنا يسعون ولا يدرون موقفهم أمام ربهم. قال تعالى في سورة الأحقاف: قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (9). هذا هو رسولنا خاتم النبيين يأمره ربه بأن يصرح للناس بأنه لا يدري ما يُفعل به. سوف يعلمون بأنهم أولياء الله تعالى بعد الموت وليس قبل الموت ولذلك تتلقاهم الملائكة يوم الفزع الأكبر. لكن غير الأنبياء وغير صحابة الأنبياء فلن يعرفوا شيئا عن أحوالهم حتى بعد الموت إلا في حدود أن ينجيهم الله تعالى من الفزع الأكبر احتمالا. كل ظني بأنهم هناك يعلمون بأنهم من أهل الجنة.

نحن نريد من تجمعنا اليوم أن نعرف هل من حقنا أن نوزع الجنة والنار على من لم نسمع عنهم شيئا في القرآن السماوي الكريم؟ وهل من حقنا أن نوزع الألقاب المنتسبة إلى الله تعالى كما نشاء بدون أن يكون لنا تصريح قرآني أم لا يجوز لنا ذلك؟ عرفنا بأن الكل عبيد للرحمن فمن حقنا أن نقول عن أي شخص طيب أو غير طيب أو نسمي أولادنا بعبد الرحمن وعبد الله وعبد العزيز وما شابه ذلك. لكن لا يجوز لنا أن نسمي أولادنا ولي الله. لأننا لا نعلم أبدا بأنهم أولياء الله بل نتمنى ذلك فقط. لاحظوا كم نتجرأ على الله تعالى عن جهل وضلال.

أمثلة على ما ننسبه إلى الله تعالى دون إذن:

أنا شخصيا أحمل قناعة كاملة في قرارة نفسي بأن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إنسان مميز عن غيره وهو شديد العلاقة بالله تعالى إضافة إلى ما اكتسبه من علم غزير باعتبار أن مربيه الأول هو رسول الله عليه السلام. ولنعم ما وصف هو تلك العلاقة هكذا: “وكنت من رسول الله كالضوء من الضوء والذراع من العضد”. لكننا إذ نريد أن ننسب أمرا إلى الله تعالى فيجب أن نعرف بأن ذلك حق خاص لله تعالى ونحتاج إلى إذن منه سبحانه.

فما نسمعه من أهلنا الذين يقولون بكل صراحة: أشهد أن عليا ولي الله؛ أشهد أن عليا حجة الله؛ أشهد أن عليا وأولاده المعصومين حجج الله. ليس بيدنا أي إذن بذلك. كل ما نقوله من هذا القبيل فسوف نُسأل عنه دون أن يكون لنا جواب أمام الديان العظيم يوم الدين. أعتذر من صراحتي ولكنه الواقع مع الأسف. نقول بكل سهولة وكأنه حق عام مسموح للجميع: حجة الإسلام والمسلمين فلان. آية الله فلان. آية الله العظمى فلان. إخواني: لا يجوز أن نقول محمد حجة الإسلام ولا أن نقول بأنه عليه السلام آية الله وأكبر خطر بأن نقول عن أحد بأنه آية الله العظمى. أين قال الله تعالى بأن نبينا حجة علينا أو حجة على المسلمين؟

نعود إلى القرآن لنتعلم المزيد في هذا الصدد. قال تعالى في سورة الأنعام حول إبراهيم عليه السلام: وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83).

لم يقل سبحانه بأن إبراهيم حجة على قومه بل ما آتاه الله تعالى من علم حجة له على قومه. لاحظوا بأن حجة قومه أقل بكثير من حجة الإسلام والمسلمين. قومه مسلمون وغير مسلمين. فهو ليس حجة على المسلمين من قومه ولا على غير المسلمين من قومه ولكن علمه الذي منحه الله تعالى حجة عليهم. ولنعرف من هو إبراهيم؟ قال تعالى في سورة آل عمران: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68). لاحظوا كم هو أهم من ابنه محمد نبينا عليهما السلام. إن نبينا من أتباع إبراهيم ويفتخر بأنه من أتباعه. إبراهيم هذا ليس حجة على أحد فكيف نسمي من نشاء حجة على الناس. حجة الإسلام تعني حجة الإسلام على الناس طبعا.

أما آية الله. قال تعالى في سورة المؤمنون: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50). فهل يجوز لنا باعتبار هذه الآية أن نقول: آية الله مريم أو آية الله المسيح بن مريم؟ لو قلنا ذلك فإن فرعون أيضا آية الله. قال تعالى في سورة يونس مخاطبا فرعون لحظة الغرق حيث آمن بما آمنت به بنو إسرائيل: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92). والواقع أن ما فعله الله تعالى بالمسيح وأمه هو آية وما فعله بفرعون هو آية وليس المسيح بنفسه ولا أمه ولا فرعون آيات الله تعالى.

وأما آية الله العظمى. قال تعالى في سورة الواقعة: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76). مواقع النجوم كما اظن هي المجرات التي منها مجرتنا؛ ومنظومتنا الشمسية واحدة من مئات البلايين من المنظومات التي تعيش تحت ظلال مجرة درب اللبانة وهي واحدة من مئات البلايين من المجرات في ملك الله تعالى (أقصد بالبليون ألف مليون). هناك البلايين مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وكذلك نوح وغيرهم من النبيين الكرام في مجرة درب اللبانة. فهل يمكن القول بأن مجرة درب اللبانة آية الله، استنادا إلى آية سورة الواقعة؟ لاحظوا لم يقل الله تعالى بأن درب اللبانة عظيم بل قال بأن مواقع النجوم ومنها درب اللبانة مواقع لو أقسم بها الله تعالى فيكون ذلك القسم عظيما. القسم عظيم لأن الله تعالى أقسم به وليس لأن المجرة آية عظمى ولا المجرات بمجموعها آية عظمى.

وهناك انتسابات أخرى نسمعها أحيانا وكلها غير صحيحة. فمثلا قول أحد بأن فلانا هو الموهبة الإلهية الفريدة؛ عصمة الله؛ رحمة الله؛ نعمة الله؛ موضع الرسالة؛ مختلف الملائكة؛ عيبة علم الله؛ معدن علم الله؛ معدن حكمة الله؛ سيف الله المسلول؛ خيل الله؛ شيخ الإسلام؛ حجة الإسلام والمسلمين؛

كلها ادعاءات غير مشفوعة بالدليل وبما أنها منسوبة إلى الله تعالى أو إلى رسالته فسوف تؤدي إلى مساءلة خطيرة يوم القيامة فهل لدينا جواب إذا سُئلنا؟ قال تعالى في سورة النحل: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (116). وقال سبحانه في سورة يونس: قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (69). وقال سبحانه في سورة يونس أيضا: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ (59). وقال سبحانه في سورة الأعراف: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33).

منح نسب كبرى للأنبياء المكرمين.

يقولون: إبراهيم خليل الله

موسى كليم الله

عيسى روح الله

محمد حبيب الله.

هل قال الله ذلك؟ كلا.

لعلهم يقولوا بأن الله تعالى قال في سورة النساء: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّن أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (125). لقد ترك إبراهيم أهله بعد أن سعوا ليقتلوه حرقا ولعله كان في العراق وأخذ طريقه إلى فلسطين ولعل إلى المجهول برفقة شخص واحد وهو لوط احتمالا. كان أبوه قريبا من المَلِك كما نظن فكانت حياته هنيئة ولكنه أصبح غريبا في ظلمات الأرض ليبتعد عن أهله. هذا الشخص ترك أهله وكل شيء من أجل الله تعالى ولذلك أمر الله نبينا محمدا أن يتبعه. اتخذه الله تعالى خليلا حين وحدته كما أظن حتى لا يشعر بالوحدة الخانقة. هذا لا يعني بأنه خليل أو صديق الله تعالى. لا يجوز لنا أن ننسبه إلى الله بغير نسبة العبودية كغيره من الرسل الكرام. إنه نبي الله تعالى حتى نهاية عمره ورسول الله حينما كان في بلده وبين قومه.

وأما موسى فهو ليس كليم الله بل كلمه الله تعالى مرتين. كليم الله يعني بأنه مرتبط بخط مباشر مع الله تعالى يتحدث مع ربه متى ما شاء. ليس الأمر كذلك. هرب موسى من فرعون الذي تبناه خوفا من أن يقتله واتخذ طريقه إلى المجهول أيضا. وقد سمعتم قصته حتى يوم عودته. هناك أراد الله تعالى أن يقوي قلبه حينما أراد أن يكلفه بخوض مجلس فرعون فكلمه ليمنحه الثقة بالنفس كما أظن. هناك تكليم آخر مرة أخرى بعد أن تمكن من دعوة بني عمومته إلى الله تعالى. ولننظر تشريفات التكليم الثاني. قال تعالى في سورة الأعراف: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143).

وقال سبحانه في سورة طه: وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85). وقال سبحانه في الأعراف أيضا: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150).

فهل موسى هو فعلا كليم الله أم أن الله تعالى لغرض رسالي كلمه مرتين؟

وأما حكاية المسيح عليه السلام.

قال تعالى في سورة النساء: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (171). فهل المسيح هو روح الله. لننظر ما الذي حصل؟ وقبل ذلك لنقرأ قصة آدم أبينا جميعا.

قال سبحانه في سورة ص: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72). وقال في سورة التحريم: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12). فالمسيح وآدم كلاهما بنفسيهما خلقا من النور أو الطاقة المباشرة من الله تعالى وهو ما سماه الله تعالى روحه. كل الكون مصنوع من طاقة الله تعالى ولكن النور المباشر الذي صدر يوم الانفجار الكوني العظيم وخلق بحرا من الكيماويات احتمالا ومنها خلق الله السماوات والأرض؛ فإن نور الله تعالى مر بمجموعة عمليات معقدة أفقدت الكائنات تلك الخاصية الخلاقة الموجودة في النور المباشر من الله تعالى كما أظن. ولولا ذلك لكانت السماوات والأرض منعمة بالحياة كما عليه نحن البشر. لكن آدم استلم النور مباشرة فهو أول إنسان وهكذا المسيح استلمه مباشرة لأنه ليس من جنسنا بالكامل. ولو لم يخلق الله تعالى النفس الإنسانية من ذلك النور لما كان لنا أن ندرك. إنه ذلك النور وبتقدير من الله تعالى يدور بين البشر دون أن ينقص لأن الله تعالى يريد له أن يبقى بقوته كما يبدو.

وأما رسولنا فإنهم اخترعوا له صفة الحبيب ولم أر في القرآن أية إشارة إلى ذلك. بالله عليكم هل هذا صحيح؟ ولعلهم يقولوا بأن محمداً يحب الله تعالى وقد قال ربه بشأنه كما في سورة آل عمران:قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31). فبما أن الله تعالى يحب من اتبع رسولنا الذي أرسل إلينا فهو أيضا حبيب الله. إذا اتبعه قومه يحببهم الله لا تعني بأنه حبيب الله ولا تعني بأن المؤمنين به أحباب الله. لا يوجد لله أحباب بل هو سبحانه يعامل بعض المؤمنين معاملة الشخص الذي يحب شخصا آخر. لو كان لله أحباب فهو إذن ليس أحدا فردا صمدا. إنه سبحانه أخطر وجود في الوجود كله. تصوروا بأن كل هذا الكون المهيب يمثل تجليات نور الله تعالى فهو ليس في متناول يد الناس. لكنه من عظمته وسعة رحمته يسمح لنا بأن ندعوه كما نشاء متى ما شعرنا بالحاجة إلى مساعدة ربنا. إنه حتى بهذا الإذن يختبرنا.

بعض الحقائق عن موسى وعيسى عليهما السلام:

أظن بأن أمتنا الكريمة بحاجة إلى أن يعرف من هو الله تعالى. يتحدثون هم وأحاديثهم التي نسبوها إلى رسول الله وهم لا يعلمون ما يقولون. بالأمس كنت أستمع عند الغداء إلى شخص يتلو زيارة موجهة للإمام السجاد عليه السلام. كان يخاطبه وهو ميت طبعا قائلا: أشهد أن الله اختارك لنفسه وما على غرارها من جمل مسجعة. يظنون بأن من حقهم أن ينسبوا إلى الأئمة كلما ميز الله تعالى به بعض رسله. هذا الشخص يخلط بين موضوعين يخص موسى لينسبهما معا إلى علي بن الحسين. هما ما قاله سبحانه في سورة طه: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13). وقوله تعالى بعدها في نفس السورة: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41).

اختار الله تعالى موسى ليستلم رسالة ربه ويذهب بها إلى فرعون وقومه. لكنه لم يختر الإمام علي بن الحسين لاستلام رسالة أو لأية مهمة أخرى. فهو افتراء على الله. وأما مسألة اصطنعتك لنفسي. فإن موسى كان بحاجة إلى أن يحمل قوة خارقة أمام فرعون ليذهل فرعون لعله يتذكر أو يخشى. تلك القوة مستمدة من نور الله تعالى المباشر ليحمل قبسا من نور ربه في كيانه. وقد أبلاه الله تعالى بلاء طيلة عدة سنوات في مدين كما أبلاه في طفولته في مصر. كل ذلك لتتقوى بنيته البدنية مع كيانه النفسي فيتمكن من الاقتراب من تجليات نور الله تعالى في طور سيناء تلك التجليات المهيبة التي أفقد موسى قدرته على التحكم في نفسه فترك أهله وأطفاله الصغار في وسط الجبل في ظلام الليل ذاهبا حسب ظنه ليأتي إليهم بجذوة من النار.

هناك في تلك النار الخطيرة يقول ربنا في سورة مريم: وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52). يريد ربنا لموسى أن يحمل شيئا بسيطا من تلك النار في كيانه ليتمكن من الإتيان بالمعجزات. تلك نار خطيرة تحرق الحجر والمدر، ولكن الله تعالى قربه من زاوية أقل خطرا عليه. ذلك نور الله تعالى ولذلك قال له اصطنعتك لنفسي لأنه سيحمل نور الله تعالى.

وأما المسيح فإنه استلم النور المباشر من الله أيضا. ذلك النور هو الذي منحه نفسا جديدة لا ترتبط بنفوس بقية البشر. ذلك الروح يمثل النور المباشر الذي نقله الروح القدس إلى رحم أمه. لولا ذلك لما كان المسيح قادرا على أن يبرئ الأكمه والأبرص ويقوم بأعماله الإعجازية. وهل قرأتم في القرآن أن أي بشر آخر غير موسى وعيسى عليهما السلام قام بمعجزة خارقة؟ هذه حكاية هذين الرسولين الكريمين والعلم عند سيدنا المتعالي.

ولنضرب مثالا سهلا لنتعرف على كيفية منح الصفات. أخي الكريم الأستاذ ناهض الهندي يلقي محاضرات في هذا المجلس المبارك. إنه محاضر هذه الجلسات. لكن العبد الفقير إلى الله تعالى جاء بعد عدة سنوات ليلقي محاضرة واحدة ثم يعود أدراج الرياح. فهل يجوز تسميتي بمحاضر جلسات ومبلي القرآنية؟ كلا طبعا. الأخ ناهض برمج نفسه ليجعل مساء الجمعات فارغة ليحضر أمامكم ويلقي محاضراته عليكم. لكنني أنا لم أفعل ذلك. هذه هي حالة موسى مع الله تعالى حين التكليم. لا يوجد ارتباط هاتفي بين موسى وربه. إنه كأي إنسان آخر يمكنه أن يدعو ربه وكأي نبي آخر قد يستلم الوحي من الملائكة لكن ليس له أن يكلم الله تعالى متى ما شاء وأراد. فهو تشرف مرتين بأن يكلمه الله تعالى فقط فهو ليس كليم الله بل هو قد تكلم مرتين مع الله بعد المرور على مجموعة استعدادات خاصة. حالته مع ربه مشابه لحالي معكم بالنسبة لمحاضرة الليلة. لا يبعث موسى عليه السلام إيميلات إلى الله تعالى ولا حتى برقيات ولا يرفع التلفون ليتحدث مع الله سبحانه وليس له أن يتكلم متى ما شاء وأراد فهو ليس كليم الله في الواقع ولكنه تكلم مرتين مع الله فقط.

كم نحن جاهلون وكم علماؤنا أيضا جاهلون مع الأسف؟ الكثير منهم أناس طيبون ولكنهم يجهلون كتابهم السماوي. أليست هذه مصيبة فإلى من نشتكي؟

خلاصة الجلسة:

لا يجوز أن ننسب أي شيء إلى الله تعالى دون أن نرى إذنا بذلك في القرآن الكريم.

يجب السعي لإزالة ثقافة الانتساب إلى الله تعالى فيما عدا العبودية لكل المدركين إضافة إلى الرسالة والنبوة للأنبياء والمرسلين والمقربين للملائكة والأرواح القدسية والقدوس لله وحده والمقدس لطور سيناء وبيت المقدس كما ذكرهما الله تعالى والمحرم لمكة. وأما بقية الأماكن في الأرض فنصفها بأوصاف أخرى بعيدة عن القدس والطهارة.

نخاطب رجال الدين بدرجاتهم العلمية مثل العلامة؛ الفهامة؛ المجتهد؛ الشيخ؛ عالم ديني؛ أستاذ؛ طالب الفقه؛ فقيه؛ مرجع علمي وما شابه ذلك.

وبعد أن عرفنا بأن رجال الدين يجهلون المسائل القرآنية ويجهلون بأن اتخاذ الألقاب المنسوبة إلى الله تعالى غير مؤدب وغير أخلاقي ويمكن وصفها بالمحرم؛ فإننا نسعى لنفهم بأنفسنا مسائلنا الدينية ونتعلم منهم مسائل النحو والصرف واللغة والبيان وما على غرار ذلك فقط. لنعلم بألا تزر وازرة وزر أخرى أمام الله تعالى فنتوقى الاتكال على رجل الدين ولا نقول: ضعه برقبة العالم واطلع سالم. إنه لغة السفهاء والمسلمون يجب أن يبتعدوا عن السفاهة.

آيات تؤيد وتساعد فهمنا للموضوع:

قال تعالى في سورة الزمر: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (60). فلن ننسب ما شئنا من علاقات خطيرة إليه سبحانه فهو كذب لأنه لم يقل ذلك وسيكون مصيرنا الغضب. ويعتبرنا الله تعالى متكبرين لأننا نتدخل في شؤون تخص الله تعالى ولا يجوز مسها.

وقال سبحانه في سورة النساء: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (50). يعتبر الله تعالى من يزكي نفسه مفتريا على الله تعالى إذ لا أحد يعرف نفسه بأنه مزكى أم لا. إن الله تعالى وحده يزكي من يشاء ضمن نظام المشيئة ولسنا نحن الذين نزكي أنفسنا. نحن نسعى فقط ونجهل النتيجة. وحتى يسهل عليكم التطبيق فإن كل الذين يتبرك الناس بهم وهم لا يرفضون فهم يزكون أنفسهم وكل الذين يرضون بل يشجعون مريديهم لتضخيم أنفسهم وجعلها مقربة من القدوس فهم يزكون أنفسهم وكل من احترمتموه وجعلتموه واسطة بينكم وبين ربكم ليغفر الله لكم ذنوبكم فأنتم زكيتموهم دون حق وظننتم بأنكم كسبتم التزكية دون حق أيضا.

وقال تعالى في سورة النور: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (38). فلو لا إذن الله تعالى لنا لما جاز لنا أبدا أن نقيم المساجد لنذكر فيها اسم الله تعالى. ولا ننس بأن المساجد ليست بيوت الله تعالى ونحن نخطئ حينما نسمي المسجد بيت الله. المكان الوحيد الذي نسبه الله تعالى إلى نفسه وقال إنها بيته هي مكة المكرمة فقط لا غيرها. هي بيت الله تعالى لأنه سبحانه قام بعمليتين تطويريتين كبيرتين طالت كل منهما مئات الملايين من السنين. هما صناعة الأنعام الثلاثة البقر والغنم والمعز والعملية الثانية صناعة الإنسان الأول في مكة المكرمة.

حتى الدعوة إلى الله تعالى فلا نجد في القرآن إذنا لنا بذلك. تلك خاصة بالرسول وحده. ذلك لأن الدعوة إلى الله تعالى يجوز لمن يكون متفوقا على الناس في معرفة الغيب وليس أحد من الناس معروفا بالتفوق. لكن الرسول يتفوق باعتبار الوحي. قال تعالى في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46). وقال سبحانه في سورة النحل: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125). وقال سبحانه في سورة الحج:لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67). وقال سبحانه في سورة القصص: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87). كلها خطابات فردية إلى الرسول لا إلى غيره. لاحظت أكثر من مرة أن بعض الإخوة الباكستانيين الملتحين في التكاسي في بريطانيا وغير بريطانيا يصفون أنفسهم بأنهم دعاة إلى الله ويدعونني إلى الله. أسألهم أسئلة قرآنية لا يمكنهم الإجابة عليها فأقول له أخي يجب أن تكون مطلعا أكثر ممن تدعوه حتى تدعوه إلى الله فالدعوة ليست من حقك. إنه حق الرسول وحده. فأرجو أن تنحصر سعيكم لهداية الغير إلى بيان فهمكم لكتاب الله تعالى وترك الأمر له ليفكر. أنتم لستم رسول الله فلا تلبسوا جلبابا خطيرا خاصا بقامة الرسول الأمين عليه السلام. والسنة الواجبة اتباعها هي سنته عليه السلام وقد أورثنا الله تعالى كل سننه العملية وصانها ولم يذكر الله تعالى بأن لرسولنا سنن قولية ولم يصن سبحانه كتابا لنا كتبه رسولنا أو أمر عليه السلام بكتابته.

هناك مشكلة كبيرة تتحكم فينا مع الأسف وهي نتيجة عدم القيام بالتفكير الصحيح في كل ما ورثناه دون استثناء لعل الله تعالى أن يساعدنا ويعلمنا الحق والطريق المستقيم إلى الحق. فعدم التفكر أوجد لنا مشكلة الجهل بالمفاهيم القرآنية فنتدخل في شؤون الربوبية أحيانا وفي شؤون الألوهية أحيانا أخرى دون علم مع الأسف. ويظن بعضنا بأننا يمكن أن نستند إلى الذين ذهبوا ودرسوا العلوم الدينية فحملوا لقب رجل الدين. يخلو القرآن الكريم من هذه الصفة لأن الله تعالى يأمر جميع الناس بأن يسعوا لفهم دينهم. هناك آية واحدة تتحدث عن الذين نسميهم رجال الدين بصورة سلبية، كما أظن.

قال تعالى في سورة الحج: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِّلْعَبِيدِ (10). إخواننا الذين نسميهم رجال الدين لا زالوا يجهلون بأنهم ليسوا حججا للإسلام ولا شيوخا للإسلام ولا آيات عظام ولا يحق لهم الفتوى الملزمة. الفتوى الملزمة من حق الله تعالى وليس لرسوله أن يفتي فتوى ملزما. ليس أحد يملك مفاتيح الجنة والنار فكيف يمنحون صكوك الغفران للناس ويقنعون الجاهلين بأن يقتلوا الأبرياء ليدخلوا جنات النعيم؟ إنهم جميعا مبتلون بداء الجهل فعلينا أن نجادلهم دائما لعلهم يتورعوا ويسعوا لفهم الحقائق من القرآن الكريم ويتخلوا عن مواريث السلف الذين هم أكثر جهلا من هؤلاء.

رد بعض الأسئلة المهمة بعد المحاضرة:

1. لماذا قال الله تعالى: اتخذ الله إبراهيمَ خليلا ولم يقل بأن إبراهيم طلب الخلة من الله تعالى؟

الجواب: لا يجوز لأحد أن يدق باب القدوس العظيم ملك الكون المهيب دون إذنه. فهو سبحانه أذن لنا بالدعاء فندعوه وإلا كنا غير مؤدبين أمام ربنا. وأما اتخاذ الله تعالى إياه خليلا هو كما أظن بأن إبراهيم بعد أن خرج من منزله إلى عراء الأرض شعر بالوحشة الشديدة وهو لا يدري ما يفعل ولا يجرؤ أن يناجي ربه بدون إذنه. هناك أوحى الله تعالى إليه بأن يناجي ربه ليشعر بالطمأنينة والأمان. بمعنى أن الله تعالى أذن له بذلك واعتبر الله إذنه بمثابة اتخاذه إبراهيم خليلا. الخلة عملية مشتركة بين الخليل والخليل ولم أجد بأنه سبحانه سمح لأحد غير إبراهيم بأن ينحى هذا المنحى الكريم في علاقته مع الله تعالى. فهي عملية مؤقتة لنجاة إبراهيم من هيبة التحرك في الظلام وإلى المجهول والعلم عند مولانا عز اسمه.

2. سأل أحد الإخوة الكرام عن مخاطر الانتساب إلى الله تعالى بغير النسب التي ذكرها هو بنفسه. وقال بأنه يرى بألا مانع ولا ضرر في أن نقول موسى كليم الله أو نقول بأن شخصا ما غيره ولي الله حسب رأينا.

وأظن بأن جواب أخي الكريم الدكتور محمد الصحاف كان شافيا ولذلك أكتفي بجوابه. قال بأن المسألة أخطر مما نظن وتمثل بمسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة بعد رسول الله عليه السلام. فهل يمكن القول بأن هذا رأيه بأنه رسول الله؟ لو قلنا ذلك فإن التبعات خطيرة جدا كما تعلمون. شكرا لأخي الصحاف على مساعدته.

هناك أسئلة أخرى لم تسجل مع الأسف وذاكرتي ما ساعدتني

تحياتي ودعواتي للجميع

أحمد المُهري

6/10/2018

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/