اشكالات القبنجي- 14 الحقائق واحدة والطريق المستقيم إلى الله تعالى واحد:


اشكالات القبنجي- 14

الحقائق واحدة والطريق المستقيم إلى الله تعالى واحد:

هناك جدل لدى بعض الأوساط بأن الحقائق ليست في ماهياتها واحدة بل أراد الله تعالى لها أن تكون كذلك. ولقد ناقشني ابني وهو يعرف الرياضيات ذات مرة بأن 2+2= 4 لأن الله تعالى أراد ذلك. قلت له وهل يمكن أن يكون الناتج 5 أو 3 لو أراد الله تعالى ذلك. قال وما ضير ذلك؟ قلت يعني بأننا دمى لا يمكننا أن ندرك شيئا إلا بالتلقين. فالله يلقننا بأن الناتج 4 فنتقبلها ولو لقننا بأنه عدد آخر قبلناه. وإلا فإن الناتج في الحقيقة لا يمكن أن يتغير أبدا.

والواقع أننا بشر مدركون يمكننا تمييز الخطأ من الصواب ولا يمكن لأحد أن يخدعنا لو استعملنا عقولنا وتركنا التقليد. وربنا الكريم يعرف بأنه لا يفارق الحقيقة ولا يقول غير الحق ولذلك وبكل حرية يدعو محبيه من عبيده أن يقرؤوا ويطلعوا على كل قول فيتبعوا أحسنه. قال تعالى في سورة الزمر:

وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (18).

وحينما يقول سبحانه بأن القرآن هو أحسن الحديث فهو ليس من باب التعالي والكبرياء ولكن من باب الحقيقة الممكن لنا فهمها واكتشافها. نحن نسعى لأن نكتشف ونتصيد الخطأ في القرآن فلم نفلح فعلا وليس من منطلق حبنا لربنا العظيم ولا من جراء خوفنا منه سبحانه. إنه لا يحب الذين يقبلون كلامه خوفا دون أن يطمئنوا إلى صحته بعقولهم. ولذلك يأمرنا بالتدبر والتعقل وبالاستماع إلى الغير ثم اختيار الصحيح بعقولنا.

والذين يظنون بأن الطرق إلى الله تعالى في حقيقتها متغايرة وهناك مجموعة من الطرق وكل منها صراط مستقيم لنفسها كما يدعيه أخونا الفاضل الدكتور سروش فهو غير مستدل برأيي. أظن بأن سروش والكثير من كبار علماء الأديان والفلسفة لم يعرفوا الله تعالى إلا قليلا. حينما أقرأ كتب الفلسفة وتقارير الشيخ المطهري لفلسفة الطباطبائي مفسر الميزان أشعر بأنه على دراية كبيرة في التحليلات الفلسفية. ولكني حينما أقرأ بيانه للمعراج وهو فرية لا أساس لها فعلا أتراجع إلى الوراء. فهل لله مكان يُزار فيه؟ أم هل الله يصلي كما نقله الطباطبائي دون أن يرد عليه ودون أن يعتبره كلاماً في غاية الحمق والجهل؟ إنه فوق ذلك يعتبر للبشر تدخلا في شؤون الربوبية ويدا في التقديرات أو التحولات الكونية. معاذ الله.

أليس هذا دليلا واضحا على أن الطباطبائي ومن اتبعه من تلاميذه لا يؤمنون بأن الله تعالى نور السماوات والأرض أو لا يعرفون معنى الجملة العظيمة؟ إنه – رحمه الله – كان يجهل فعلا بأن الله تعالى يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده. وحينما نقرأ تحليل الطباطبائي لعصا موسى التي تحولت إلى ثعبان عدة مرات وبلعت أجساما أكبر منها بكثير، يصيبنا الإحباط في أن يأتي يومٌ يتعلم فيه الإخوة معنى الألوهية.

إنه يظن بأن الله تعالى أوقف الزمان في عودة العصا إلى إصالتها النباتية ثم أخذ مسيرة أخرى نحو الحيوانية والسير في طريق الثعابين. فكأنها مرت بكل المراحل التطورية الرجعية ثم التقدمية التي تحتاج إلى مئات الملايين من السنين في لمح البصر. إنه فعلا يجهل بأن الزمان جزء لا يمكن فكه عن الأبعاد الثلاثة أبدا. حتى الملائكة تحتاج إلى الزمان. والله تعالى قادر على كل شيء ممكن ولكن المستحيل بطبيعته مستحيل وليس ممكنا في ذاته حتى ننسب الضعف إلى الله تعالى في عدم حصول التغيير في ذات ذلك الشيء. معاذ الله.

إن قصة العصا بسيطة جدا وهي أن موسى قد حمل في كيانه طاقة إلهية حينما دخل في طور سيناء لحظات تشعشع تجليات الله تعالى فغُمر بتلك الطاقة بتقدير رب العالمين بصورة جزئية بسيطة طبعا. وقد أرى – فعل ماض من رأى والفاعل له هو موسى- فرعونَ ذلك حينما أخرج يده من جيبه فرآها فرعون ومَلأُهُ بيضاءَ من غير سوء بعكس حالتها الأولى. فعل موسى ذلك ليقول لفرعون أن الذي يقوم بالحركات هو موسى بكيانه الشخصي وليس للعصا أي دور عدا ما يرونها بعيونهم. هكذا تراءى لهم ولكن موسى هو الذي أحرق كل ما صنعته السحرة بأمر الله تعالى وبالطاقة المهيبة التي كان منطويا عليها وليس بأفعى حيواني كما تراءى للطباطبائي.

وقد ناقش صديق بريطاني مسيحي ذات يوم في نهايات الألفية الثانية بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض فعلا في ستة أيام من أيامنا. قلت له هل أنت مصر على هذا الرأي؟ قال ولم لا. إن الله قادر على ما يريد. قلت له بأنك تعلم بأن الأجسام لو سارت بسرعة الضوء فإنها تفقد خاصيتها المادية وتتحول إلى طاقة وطول الكون اليوم يتأرجح بين 10 إلى 12 ألف مليون (بليون) سنة ضوئية. فكيف توفق بين هذه الحقائق وبين الأيام الستة التي لا تتجاوز 124 ساعة؟ نحن لا ننكر قدرة الله تعالى ولكن ننكر قدرة المادة أن تتجاوب مع إرادة الله تعالى في أن تصل إلى ما وصلت إليه خلال 124 ساعة. تلك أيام باعتبار آخر وليس أياما مثل أيامنا. وأطوال تلك الأيام بلايين السنين وليست كلها متماثلة من حيث الزمان.

إن الإخوة لا يقرؤون ما بين السطور فعلا ولكنهم ينظرون إلى النتائج ويسعون لفهم الأبعاد كلها من النتائج وهو عمل غير علمي أو أنه على الأقل غير موصل للحقيقة.

نعم إن النتائج  تمثل حافزا قويا للتفكير والتدبير وليست بظاهرها دليلا يتضمن كل مراحل الصناعة والتطوير. فلو ننظر إلى الإنسان مليون سنة فإن فهمَنا عنه لا يتجاوز صفاته الظاهرية وأعماله التي يأتي بها. ولكننا لو أردنا معرفة مراحله التطورية فإن الطريق مختلفة.

قال تعالى في سورة العنكبوت:

أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20).

فلا يمكن للإنسان أن يتعرف على الحالات التطورية قبل أن يسير في الأرض فيطلع على آثار التطور في البر والبحر وتحت التراب وفي أعماق المحيطات. هذا ما فعله الغربيون ونساه المسلمون فعرفوا التطور وهو أهم مسألة لكشف لغز الكون ولغز بداية الخلق في الواقع. ومنه يمكننا أن نعرف قليلا عن كيفية النشأة الثانية بأمر الله تعالى.

فليس هناك إمكانية نفي الزمان والله تعالى يؤكد عليه في العنكبوت ولكن عليه بأن يترك تراثه ويفكر في تطور الخلق ماديا ليعرف الأسرار. فالإخوة في الواقع لم يدركوا حقيقة الألوهية إلا قليلا جدا لا يكفي ليدرؤوا عن عقولهم الأساطير ويميزوا بين الإفك والصدق.

إن الطرق الكثيرة ليست طرقا مستقيمة بمعنى خلوها من الزوائد ولكنها موصلة بعد جهد وتعب إلى الحقيقة إلا أنها ليست كافية للتمتع بكل ما يمكن للسالك من مزايا الحقيقة. إنه يصرف وقتا أكثر من وقت التطورات ليصل إلى الحق فيصل إليه وقد حان موعد فهمٍ أكبرَ له. دعنا نتصور الذين أرادوا معرفة الله تعالى قبل 15 قرنا ففكروا بأن البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام تدل على المسير فلا يمكن تصور الكون بلا إله ونحن نرى الكون كوجود فعلي.

والواقع أن الكون يحتاج إلى تفجير كبير لإدراك بدايته ولو لم نصل إلى التفجير لا يمكن لنا الوصول إلى الله تعالى. إن نظرة البدوي نظرة سطحية بسيطة لا تلائم تطور الإنسان وتقدمه الفكري ويمكن الرد عليه ولكنك لو وصلت للتفجير المناسب لصنع الكون فإنك تغلق أبواب الرد عليك. ذلك لأن التفجير الضخم المهيب يمكنه أن يصنع كل ما نراه قبل أن يزول الوقت وتفقد المادة حرارتها وقدرتها على التفاعل مع نفسها. قال تعالى في سورة إبراهيم:

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (10).

وفاطر السماوات يعني مفجرها والتفجير في الحقيقة لا يمكن أن يتم في مادة مهما كانت صغيرة بل في شيء آخر لا مجال لذكره هنا في الواقع. لا نريد أن نخرج من الموضوع.

إن الله تعالى هو الذي يمد الكائنات بالطاقة وأنت عليك بأن تخلص نفسك وتتحرك باتجاه تلك الطاقة الوحيدة التي تمدك بكل شيء وهو قريب منك ولكنك أنت بعيد عنه بشوائبك واضطرابك النفسي وكثرة جهلك. فعليك بأن تخلص نفسك بتعقل وباتجاه ذلك النور لا باتجاه المخلوقات حتى تصل إلى ذلك النور المُمدّ فتتمسك بالصراط المستقيم الواحد غير المتعدد. هناك يقصر الطريق إلى الحق ولذلك يسمى تلك الطريق مستقيما. لكن بقية الطرق ليست قصيرة لأنها ليست مستقيمة بل تنطوي على اعوجاجات كثيرة تبعدك عن الحقيقة وقد لا توصلك إليها.

لكن المعروفين بأنهم أهل العلم يخلطون بين الطريق والوسيلة. وإذا تخلصوا من هذا المأزق فإنهم يخلطون بين الطريق المستقيم الموصل إلى الحق وبين الطرق البعيدة الملتوية التي قد توصلك إلى الحقيقة نسبيا ولكن بجهد وعناء كبيرين. ولا يمكن أن تأمن العثرات إن لم تسلك الطريق أو الصراط المستقيم.

وأظن بأن الكثير من الإخوة لا يدركون الهدف من سلوك الصراط المستقيم. أقول ذلك لأني أرى كثيرا منهم أو أغلب مشاهير العلم في الأديان الثلاثة يظنون بأن لله تعالى مكانا يزار فيه مثل فرية المعراج الحمقاء أو فرية البنوة لله تعالى. معاذ الله. فيظنون بأن المرء يجب أن يسير في طريق فيزيائي نحو الله تعالى. ولذلك فإنهم يتخذون الطرق الفيزيائية الأقل وعورة مثل الطرق إلى البَشر ولو إلى قبورهم. إنهم لا يدركون بأن مجرد التوجه إلى البشر في طريقك إلى الله تعالى يبعدك تماما عن الله مهما كان الذين تلتفت إليهم طيبين مؤمنين أو أنبياء مرسلين أو ملائكة مقربين. ولعل الكثيرين يجهلون معنى الذهاب إلى الله تعالى أو العودة والرجوع إليه. هذه مسائل عميقة لا يمكن بحثها هنا ولكني باختصار شديد أقول لهم ما يلي:

1.   المقصود من السلوك إلى الله تعالى هو معرفته في حدود الإمكان ولا شيء غيره. حتى الملائكة لا يطمعون في غير المزيد من التعرف على القدوس العظيم جلّ شأنه. ليس بمقدور أي ممكن أن يعرف الله تماما إذ أن المعرفة الكاملة تحتاج إلى الإحاطة بالشيء ولو علميا أو فكريا ويتعذر ذلك للمخلوقين بالنسبة للواجب الأحد. فالحقيقة بأن الأنبياء والملائكة والأرواح القدسية لم ولن يعرفوا حقيقة الله تعالى ولكنهم جميعا يسلكون سبيل المعرفة. والله تعالى حقيقة مجردة عن التركيب فكيف نسلك إليه طرقا متعددة. إنه مثل أصل الحساب وهو الجمع والطرح، بأنك لو أخطأت خطأ بسيطا في طريقه فإن النتيجة لا يمكن أن تكون صحيحة. وهو أدق بكثير من الحساب في الواقع فأشبه شيء به هو الطاقة أو النور حسب تعبيره سبحانه. ولكنه نور في غاية الرقة فهو أرق من أي إشعاع نتصوره ولذلك فهو بنوره مع كل شيء ويرى كل شيء ويسمع كل صوت ويشعر بكل همسة قلبية أو ما هو أخفى من الهمسة. لا فرق في ذلك بين ما نراه طيبا طاهرا أو مكروها قذرا. إنه سبحانه نور رقيق لا يمكن أن يتأثر بأي شيء غيره. وكل ما يريده الله تعالى من الخلق المدرك هو أن يُعرف جل وعلا ولو قليلا.

2.   وأما المقصود من العودة إليه فباعتبار أنه خلقنا بيده، بمعنى النور المباشر أو الطاقة المباشرة منه تعالى والتي أرسلها الله تعالى عن طريق الروح القدس إلى أم آدم ليخلق له نفسا بشرية. فحواء ونحن جميعا فيما عدا المسيح مخلوقون من تلك الطاقة. ثم أرسلنا سبحانه إلى عالم الحرية ليختبرنا ثم يعيدنا إليه بأن يسلب منا الإرادة فنصير عمليا غير مختارين كالملائكة. ولكننا باعتبار مرورنا بالاختبار وعدم توفقنا للانفراد بعبادته فإننا نكون غير خالصين. وحينما نعود إليه بمعنى فقداننا للإرادة فإننا سنكون تاركين كل وسائل التعديل والتصحيح في حياتنا الإختبارية فلا يمكننا بأية حيلة أن نصحح أخطاءنا. ليس لنا آنذاك إلا أن ننتظر حكم الله تعالى وحده فينا فإما العذاب وإما المغفرة إن كنا نستحق المغفرة.

3.   الطاقة الربوبية تجذب سالكيها ولا يمكن أن يكون هناك مجموعة مختلفة من الطرق وكلها متصفة بالصراط المستقيم كما صرح به الأخ الفاضل سروش. إن كل شيء وقع في طريق معرفة الله تعالى فهو يتأثر شيئا فشيئا بنور الله تعالى وينجذب باتجاهه ولا يمكن أن ينجذب لشيء آخر إلا إذا لم يستوف شروط السير إلى القدوس جل وعلا.

4.   إن كل كائن مدرك يتخذ لنفسه وسيلة للوصول إلى الله تعالى فالوسائل مختلفة ومتباينة ولكن الطريق المستقيم واحد. ذلك حسب تعبيرنا الدارج سيارات مختلفة بسرعات متباينة تسير في شارع واحد.

5.   إن تباين المذاهب والأديان لا يؤثر في الصراط المستقيم ولا يعدده. الله الذي أنزل أحسن الحديث يرفض مختلف المذاهب فعلا. قال تعالى في سورة الروم: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(32). فحقيقة الدعوة إلى الله تعالى هو الدعوة إلى دين واحد هو التسليم لله وحده، بغض النظر عن وسائل النقل. ويحدد الله تعالى وحدة دينه مشيرا إلى توجه المحتاج حين الشدة، فهو لا يتوجه إلى غير الله تعالى. هذه هي الطريق الطبيعية، فيكمل الله الآيات المذكورة هكذا: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34)فالصراط المختار هو الطريق الوحيدة إلى الله تعالى وهو نفس الطريق التي تسلكها عند الاضطرار وعندما تقفل عليك كل أبواب النجاة. هناك تعرف الله تعالى فاعرفه واسْعَ لمعرفته حينما تكون آمنا (غير مضطر) لتعرفه سبحانه معرفة علمية. فنحن مع الأخ سروش حينما يرفض قول أصحاب وأتباع المذاهب بإبطال غيرهم وتثبيت أنفسهم. نحن أيضا نرفض قولهم ولكن ذلك لا يعني بأن كل الطرق موصلة. أو أن الحقيقة أكثر من واحدة إن كنا نقصد الله تعالى حينما نطلق كلمة الحقيقة.

6.   عندما يأمر الله تعالى الناس بمن فيهم الأنبياء أنفسهم أن يتأسوا بهدى الأنبياء عامة فهو يقصد فعلا الصراط المستقيم ويوضحه. ذلك هو طريق التوحيد الحقيقي وطريق الدعوة إلى الله تعالى وحده لا إلى أي ممكن بمن فيهم الدعوة إلى أشخاص الأنبياء. لنقرأ بدقة هذه الآيات من سورة الجن:وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22). فالذي يقول أحيوا أمرنا فهو ليس من الله في شيء ولا يدعو إلى الله تعالى. لا يمكن أن يجتمع الله تعالى مع أي شيء آخر. وحينما يأمرنا الله تعالى بأن نطيع الله ورسوله فإن ذلك باعتبار أن طاعة الرسول هي طاعة لله تعالى وليست طاعة لشخص النبي. ذلك لأن الله تعالى يحيط بالنبي ويهيمن على قوله سالبا منه الإرادة حينما يريد إبلاغ رسالة ربه فيكون حينها رسولا. سيكون الله تعالى في تلك الحالة حائلا بين شخص النبي وقلبه. هي حالة خاصة للأنبياء وحدهم دون غيرهم. ولو كانت مشتركة بين خاتم النبيين مثلا وبين أشخاص بقوا بعد وفاته فهو يعني بأن النبوة لم تنته. هذا كما قال الفاضل سروش رفضٌ صارخٌ للخاتمية. هو كلام صحيح فعلا. جزى الله تعالى أخينا سروش خيرا على مقولته تلك.

7.   فطريق الأنبياء التي يأمرنا الله تعالى باتباعها لا تمثل أعمال الأنبياء ولا نسكهم. إنها تمثل التوجه القلبي للأنبياء نحو الرحمان وحده لا شريك له فقط. نقلدهم فيها باعتبار ألا طريق غيرها إلى الأحد الصمد. تلك الطريق تُنسيك شخصيتك وأبوتك وبنوتك وصداقتك مع غير الله تعالى وتُعلِّمك كيف تركز كل اهتمامك على القدوس وحده لا شريك له. هي ليست طريق الأديان والمذاهب وليست طريق العلماء بل هي طريق الرسالات السماوية. إن الرسل جميعا كانوا يسعون لتخليص قومهم من شوائب الشرك بالله فقط ولذلك لم نجد أي رسول أرسله الله تعالى إلى قوم لا يؤمنون بالله تعالى. إنما أرسلهم إلى أقوام يخضعون لغير الله تعالى في عباداتهم. سواء منهم قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح أو قوم شعيب أو قوم موسى. حتى قوم لوط وإبراهيم – حينما كان في العراق- فهم كانوا جميعا مؤمنين بالله. فالأنبياء جاؤوا ليقولوا للمؤمنين بالله تعالى: أليس الله بكاف عبده؟ فلماذا تخافون من دونه؟ هذا هو الصراط المستقيم وهو طريق واحدة.

8.   إن الكثيرين يتحدثون عن النسك ووسائل الانتقال إلى الله تعالى أو إلى معرفة الله تعالى ويظنون بأنها هي الصراط المستقيم. وهي متعددة بالطبع ولكنها ليست المقصودة بالصراط المستقيم. ولذلك يحدد الله تعالى الصراط في سورة الحمد بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم وهم الأنبياء في الواقع الذين أكرمهم بالعلم والمعرفة. ويتبعهم الصديقون والشهداء والصالحون من غير الأنبياء بعد أن تعلموا من النبيين أو ساروا في طريقهم التوحيدي.

9.   استدل البعض بالآية التالية من سورة المؤمنون: وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74). ليقول بأن الله تعالى لم يقل الصراط المستقيم بل استعمل لفظ النكرة. لكنه سبحانه في الآية التالية اعتبره طريقا واحدا حينما قال بأن نتيجة عدم الإيمان بالآخرة هي الانحراف عن الصراط. كان عليه أن يقول للنبي: عن صراطك لناكبون، حتى يصح كلام الأخ سروش.

لذلك أرجو من الإخوة إعادة النظر في أفكارهم تلك إن رأوا في حديثي رشدا.

.. يتبع ….

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

الإعلانات

يوسف أيها الصديق ح 26 – مصر والسبع العجاف


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 26 – مصر والسبع العجاف

أوحى يوسف إلى الساقي بأنه يتقن كل عمل يعمله دون الاهتمام بعوائده لشخصه. إنه صاحب رسالة لا يمكن أن يستهين بما يقوله أو يفرط في ما يتحدث به مع الناس. إنه معلم مخلص بغض النظر عن حاجاته ومصالحه الشخصية. قال يوسف رادا على صاحبه القديم في السجن كما وصف الله تعالى الموقف:

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴿47﴾

ظن المفسرون الكرام بأن دأبا هنا تدل على أنهم سيزرعون سبع سنين متواليات باعتبار معنى كلمة دأب. و أن الفعل أمر بصورة الخبر باعتبار “فذروه في سنبله”. فقد قال الزمخشري في الكشاف:

تَزرَعُونَ: خبر في معنى الأمر كقوله: تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون. الصف: 11 . وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب إيجاد المأمور به فيجعل كأنه يوجد فهو يخبر عنه. والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: فَذَرُوُه فِي سُنبُلِهِ. دأباً: بسكون الهمزة وتحريكها وهما مصدرا: دأب في العمل وهو حال من المأمورين أي دائبين: إما على تدأبون دأباً وإما على إيقاع المصدر حالاً بمعنى: ذوي دأب. انتهى.

أنا اختلف مع الزمخشري . فلو كان المقصود الاستمرار أو الجد في العمل لقال سبحانه: تزرعون سبع سنين دائبة أو دائبين. بالطبع أن قول الزمخشري: دأبا حال من المأمورين، لا يخالف قوانين الحال برأيي ولكن وضع المصدر مكان الحال لغير ضرورة ودون قصد خاص غير مقبول. حاشا كتاب الله تعالى من هذه التأليفات الغريبة.

وليس في مفكرتي معنى للدأب ولكنني مضطر بأن أقول بأن الدأب معنى من معاني الحبوب أو القمح بالذات أو نوع من البر ولعل الكلمة قبطية معربة. أو لعل المصريين القدماء كانوا يستعملون تعبيرا خاصا للحبوب التي يعيشون عليها كتعبيرنا نحن لها بالعيش.

فنرى الشعوب التي تعيش على القمح تسميه عيشا والشعوب التي تعيش على الرز تسمي الرز عيشا. فلعلهم يسمون الحب الذي يعيشون عليه دأبا. ولعلهم كانوا يستعملون كلمة تدل على العادة اليومية في الأكل ففسرها الله تعالى بالدأب بمعنى العادة. لكن الكلمة على أي حال لا يمكن أن تدل على غير الحبوب الزراعية ولا يمكن أن تكون صفة بالطبع كما لا يمكن أن تكون حالا كما قاله الزمخشري.

وقال الطباطبائي في الميزان: فالمعنى تزرعون سبع سنين زراعة متوالية مستمرة، و قيل: هو من دأب بمعنى التعب أي تزرعون بجد و اجتهاد، و يمكن أن يكون حالا أي تزرعون دائبين مستمرين أو مجدين مجتهدين فيه. انتهى.

وهو تفسير غير دقيق برأيي. لا أدري كيف توصل الطباطبائي إلى معنى: تزرعون سبع سنين متوالية؟ وما الفائدة من إضافة متوالية؟ لنفترض أن يوسف قال: تزرعون سبع سنين، ولم يضف دأبا، فهل تعني تزرعون سبع سنين غير متوالية؟ بالطبع لا، فما الحاجة إلى إضافة كلمة متوالية؟ كل الناس يعرفون بأن زراعة حبوب العيش سنوية بالنسبة لكل الحبوب بلا استثناء فلا حاجة لإضافة كلمة: متوالية أو ما في معناها.

إذن قال يوسف لرسول الملك: هناك سبع سنوات خير وزرع بانتظار المصريين. فلا تغتروا بها وحاولوا أن تحصنوا من حصادكم ما زاد عن مأكلكم. ولو تتركوا الحبوب في سنابلها قبل تحصينها حتى لا تفسد وتبقى محفوظة في السنابل لاستقبال سني الجدب.

كما أن يوسف أوصاهم بأن لا يسرفوا في الحبوب فيكتفوا بالأكل منها حتى لا يجوعوا في سني الجدب المقبلة لا محالة. هذه مسائل علمية دقيقة تفوه بها يوسف من منطلق علمه وعقله قبل أكثر من أربعين قرنا.

والواقع أن الأنبياء كانوا علماء ومهندسين وأطباء أكثر من كونهم أصحاب معاجز ومخبرين بالغيب كما يتصورهم الكثيرون. وقد لاحظت بأن أكثر آثار الأنبياء التي نعرفها من القرآن تنبئ عن علم وإدراك لحقائق الطبيعة ومساعدة للناس في الحياة الأفضل وفي العيش بسلام وأمان.

يوسف استعمل فهمه للأعراف المصرية وكيفية تأويلهم للأحاديث ليتعرف على تفسير رؤيا الملك.

فالله تعالى يخاطب الناس بالطرق التي يفهمونها. هذا الملك يدير مجتمعا متقدما في الزراعة قبل أن يكون متقدما في العمران. والواقع أنهم كانوا يعيشون على الزراعة ولكن العمران وما تبعه هي من آثار تفننهم في الحياة واستفادتهم من فائض دخلهم لبناء الأهرام والاشكال الهندسية الرائعة على قبورهم إرضاء لملوكهم حتى يطمئنوا بأنهم سيحيون ملوكا في الحياة الآخرة.

والله تعالى يريد أن يخبره بأن مملكته تواجه خطر الجدب ويريد أن يعلمه كيف يستعد لها ويدفع عن شعبه المجاعة حد الإمكان.

بالطبع أن الله تعالى يقوم بتحقيق مجموعة من الأهداف حينما يقوم بعمل فلا ننس أهداف صناعة بني إسرائيل أيضا ضمن قصة المنام مثلا .33 

بعد أن أوضحنا السبع الخضر دعنا نوضح السبع الشداد. لقد اختصر الله تعالى بقية شرح يوسف تعبيرا لمنام ملك مصر كما يلي:

ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴿48﴾ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿49﴾.

رأينا بأن يوسف وضح بكل إخلاص معنى منام الملك وبين لصاحبه الحلول التي يراها مناسبة لمواجهة المشكلة وكأنه يقول له: يهمني أن لا تجوع الأمة ولا يهمني أن أنجو من السجن أو أجد الحظوة عند الملك.

ثم أردف يشرح لساقي الملك بقية المنام مبينا سني الجدب. وصف يوسف تلك السنين الجُدب بالشداد.

والشد يعني تقوية عقد الوثاق فيعطي معنى القوة للفاعل ومعنى الضعف وغاية الانفعال بالنسبة للمفعول. فالسبع الشداد يعني بأن الله تعالى شد رباطها بقوة كبيرة وهي انفعلت خاضعة أمام تلك القوة الرهيبة التي سيطرت عليها بالكامل.

وهكذا السني الشداد تعني بأن الله تعالى الفاعل قد شد الوثاق على أرزاق الناس فتحطمت إرادتهم أمام تلك القوة الرهيبة وباتوا ضعفاء لا يجدون حيلة تنجيهم من تبعاتها إلا قليلا مما يحصنون من الحبوب.

وقد وضح له معنى الشدة بأن الجفاف سوف يأكل الحبوب بدل أن ينميها. ذلك لأنها لا يمكن أن تنمو بلا ماء بالطبع. والمزارع ينشر البذور في الأرض بانتظار الري فإن لم يصل الماء إليها فإن ديدان الأرض وهوامها تأكلها وتقضي عليها.

استدل يوسف بهذا الاحتمال الخطير على وجوب التحصن لمواجهة المجاعة الكبرى. ولو ننظر إلى القارة الأفريقية برمتها فإنها تتعرض للمجاعة حتى في عصر التطور الفعلي. مما يعني بأن مياه الأمطار بالنسبة لهذه القارة غير مضمونة وغير مستمرة.

لا أظن بان هذا الكتاب هو الموضع المناسب لمناقشة الآراء التي ترى أماكن وبلدان أخرى مسرحا لقصة يوسف ولكني أعتقد بأن ما ذكرناه أعلاه ودراسة عامة عن ظروف المناطق الأخرى الجغرافية وعدم وجود إشارات إلى جفاف توالي سبع سنين في تلك المناطق يمكن ان يكون دليلا يعضد ربط القصة بأسرها بمصر . 34

ولا يمكن للبشر أن يتعلم إلا إذا واجه مشكلة. ألا نرى بأن غالبية الناس هم أبناء يومهم وهم لا يستعدون للغد إلا قليلا منهم. هذه عادة غير مقبولة عند الذي يدير هذا الكون المهيب ويدير هذه الأرض الغريبة في أطوارها سبحانه وتعالى.

ومن كرمه تعالى أنه يسعى لتعليم عبيده ويعتبر البلاء بالمرض والقحط من ضرورات الاختبار في الدنيا. وهو واقع ضمن منظومة الهدى العام الذي يكرم الله تعالى به الإنسان. فهناك طريقان للخلاص من البلاء، إما أن يتعلم الناس ويتحقق الهدف الغائي منه أو تنتهي مدة البلاء. وكان يوسف على علم بأن البلاء لا يمكن أن يبقى إلى الأبد. إن ذلك يتناقض مع سماحة رب العالمين واتصافه بالرحمة بحق، سبحانه وتعالى. وعلى هذا الأساس أعطاهم البشرى بعام الغيث والعصر. والعلم عند الله تعالى.

أمعن يوسف كثيرا ببيان سني الجدب والشدة. وكان دقيقا جدا في بيان ذلك، فلم يقل بأن على الدولة أن تمنع الناس من الزراعة وانتظار المطر في سني الجدب السبعة.

إن ذلك يخالف نظام السماء. على الإنسان أن يكون دائما في حال الترقب لرحمة ربه ولكن عليه أيضا أن يكون مستعداً لكل بلاء بموجب نظام الخوف من شدة تعامل الله تعالى المؤقت مع عبيده.

إنه من رحمته يبلي الأمة بالقحط والزلازل والحواصب وبقية الظواهر الطبيعية الكبرى. إنه سبحانه وضع في أراضي الدنيا قوانين تسبب الشدة والبلاء لتكون هذه الأسباب متواجدة حينما يريد الله تعالى أن يذكر الناس بأنه موجود وبأنهم لم يشكروا خالقهم وبأنهم أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا.

ذلك هو برنامج الحياة الدنيا حتى يتعلم الناس بأنهم مضطرون للتفكير في الحق لإثبات سلامة عقولهم وتشغيل هذه العقول ولتقديم الشكر له لإثبات سلامة نفوسهم. ولولا ذلك تعذر التمييز بين الخبيث والطيب وهو سر هذه النشأة.

لم يمنع يوسف الشعب المصري من أن يقدموا قسما من طعامهم الذي يعيشون عليه للأرض حتى يبقوا دائما في حال الأمل لرحمة ربهم. إنه يعرف بأن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت وليس عند أحد أي علم بحقيقة التقدير غير الله تعالى نفسه فهو عنده أم الكتاب.

كما أنه لم يأت بأي خبر غيبي حينما بشرهم بعام الخير التالي لأعوام الشدة. ولقد وضح لصاحبيه في السجن بأن الله تعالى علمه حقائق الألوهية كعلم لا كإخبار بما سيحدث.

وقد علمه ذلك لأنه توقى بكل عناية الشرك وابتعد عن كل معالم الشرك المشين اتباعا لسنة إبراهيم شيخ الأنبياء والمرسلين. فكما أمر الله تعالى نبينا وهو خاتم النبيين ، في القرآن أن يقتدي بإبراهيم فإنه قد أمر دون شك من سبقه من الأنبياء أن يقتدوا بإبراهيم .

كان يوسف على علم بحقيقة قرآنية نعرفها نحن اليوم بفضل القرآن وعرفها أبناء يوسف فيما بعد بفضل التوراة ولكنه هو بنفسه عرفها بفضل إيمانه الخالص بالله تعالى.

فالله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور سواء أكرمهم بالكتب السماوية أم لم يكرمهم بها. قال تعالى في سورة الشرح:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8).

إن الله تعالى يوقف استمرار البلاء بصورة طبيعية ليدعو عبيده إلى العودة إليه. إنه هو يوقف استمرار الأوزار لأنه يريد أن يعلم عبيده ولا يريد أن يعذبهم في الدنيا. إن لازمة الكرم والرحمة والعطاء أن يتوقف البلاء حتى لو لم يعد الناس إلى ربهم.

( هامش 33 :   البعض من الإخوة الباحثين يظنون بأن قصة يوسف وكذلك موسى قد حدثتا في منطقة أخرى غير مصر المعروفة. ويقول بعضهم أنهما حصلتا في منطقة عسير في الجزيرة العربية. بالطبع أنني لست بصدد الرد عليهم بقدر ما أنا بصدد الرد على إشكالاتهم الأساسية في وقوع الحوادث بمصر الفعلية.

1.      يقولون بأن مصر لم تكن معروفة بهذا الاسم قديما. فمصر إذا يمكن أن يكون بمعنى البلد. إن الله تعالى يذكر اسم مصر في قصتي يوسف وموسى باسم العَلَم فهو علم لمصر الفعلية وليست علما لمكان آخر في عسير برأيي.

2.      يقولون بأنهم لم يجدوا آثاراً ليوسف أو موسى أو سليمان في فلسطين ومصر الفعليتين. والواقع أن الرجال الثلاثة بالإضافة إلى داوود كانوا من المؤمنين الطيبين الذين لا يبنون القصور ولا يقتنون أساسيات الحياة الثمينة جدا حتى تبقى إلى اليوم. ثم إن عدم عثورهم على الآثار لا يدل على عدم وجود الآثار. أغلب الظن أن الإسرائيليين يبحثون عن الآثار من واقع الخرائط التي رسموها على أساس التاريخ اليهودي. وأنا شخصيا أشك كثيرا في صحة ذلك التاريخ. مثله مثل سائر السير التاريخية التي أنفق عليها الملوك أصحاب المصالح ففندوا الحوادث لتنطبق مع مصالحهم في الملك والسيطرة على الرقاب. إنني قارنت قصص التاريخ التي كتبها المسلمون مع النزر اليسير من القضايا التاريخية التي نفهمها من القرآن فلم أجد قصة واحدة تنطبق مع آي الذكر الحكيم مع الأسف. ولذلك فأجد من المعقول أن نعتبر التاريخ الإسلامي والتاريخ اليهودي من قبل، يعبران عن مجموعة من القصص والأساطير المفبركة وليس عن الحوادث كما حصلت. ولم نر بعد آثارا مماثلة في عسير. ولا ندري هل سنكتشف شيئا لو سمحت الحكومة السعودية بمثل هذه التنقيبات أو لا؟ وأغلب الظن أننا سوف لن نكتشف شيئا هناك.

3.      يقول المسلمون منهم بأن هناك في عسير أسماء قريبة من الأسماء الموجودة في فلسطين ومصر. وأقول لهم بأن هناك في كندا وأمريكا أسماء قريبة أو مشابهة تماما لأسماء المدن البريطانية والبرتغالية والإسبانية. ذلك لأن الذين هاجروا من هذه البلدان إلى القارة الجديدة وضعوا أسماء مدنهم أو بإضافة وصف الجديد على المدن الجديدة. مثل نيو يورك مقابل يورك ونوفا سكوجيا بمعنى سكوتلندا الجديدة. وهكذا أسس اليهود المهاجرون إلى عسير فيما بعد مدنا ووضعوا عليها أسماء مدنهم الأصلية احتمالا.

4.      وأقول لغير المسلمين ولغير المؤمنين بالله تعالى، بأن إنكار أصل موسى وسليمان مثل إنكار العصر الجاهلي والعصر الأموي والعباسي. وإن كلما ما نراه من آثار أموية مثل المسجد الأموي ومسجد القبة مثلا لو صحت بأنها من مباني بني أمية فهي تدل على الإسلام أكثر من دلالتها على بني أمية. فكما لا يمكننا إنكار محمد بن عبد الله فكذلك لا يمكننا إنكار موسى وهارون وحتى يوسف ويعقوب. إن هناك أمة كبيرة منتشرة في الأرض تُدعى بني يعقوب أو بني إسرائيل كما أن هناك اليهود والنصارى الذين يملئون الأرض فكيف يمكن إنكار أنبيائهم؟ يمكن إنكار الحوادث التاريخية باعتبار أن المؤرخين عادة ما يكذبون إرضاء لمن يدفع لهم من أجر يعيشون عليه ولكن لا يمكن إنكار أصل وجود إبراهيم وموسى وعيسى ويعقوب وسليمان ومحمد.

5.      يقولون بأن أهل مصر يعيشون على النيل ولا يعتمدون في زراعتهم على مياه الأمطار. لقد نسي الإخوة بأن النيل يعيش على الأمطار.    نهاية الهامش 33.)

(هامش 34 : كلمة سبعة في القرآن وفي الكتابات القديمة كلها لا تعني فعلية العدد بل تدل على كمال العدد. فالسنوات كانت سبعة على الأقل وليست على الكمال والتمام. وأنا شخصيا لا أظن بأنها كانت أكثر من سبعة فعلية لأنها ستكون مميتة حينئذ وبعيدة عن كرم الله تعالى.

وأما احتمال أن أيا من نوعي سني الرخاء والشدة كانت أقل من سبعة فعلية فهو غير بعيد أيضا برأيي. ذلك لأننا نرى الله تعالى يستعمل هذا العدد للسماوات مثلا. فهي أكثر من أن تعد وتحصى ولا يمكن وضع عدد يقل عن البلايين لها.

فالسبعة بالنسبة للسماوات تعني البلايين وبالنسبة لسني الخير والقحط قد تعني أقل من العدد الفعلي أيضا. إنها تمثل كمال الخير وكمال الجدب والعدد الحقيقي عند الله تعالى.

وأنا أظن بأن الله تعالى أراد للناس أن يتعلموا التحصن والادخار للمستقبل ويتجنبوا الإسراف حتى عند كثرة الحبوب، بغض النظر عن فعلية السنوات السبعة.     نهاية  الهامش 34.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

عدة الأرملة


بسم الله الرحمن الرحيم
عدة الأرملة


هناك بعض المقالات تُنشر في مركزنا وفي بعض المراكز التي أزورها وأنا أراها دون أن أتلوها على مسمعي. ولي ثقة كبيرة بفهم أخي المهندس الفاضل عزت هلال فقلما أقرأ مقالاته البديعة. لكن الموضوع الذي نشر في مركز تطوير الفقه الإسلامي حول عدة الأرملة واهتمام إحدى أخواتنا المكرمات بها وإعادة النشر من قبل أخي الدكتور أحمد مبارك بشير أثار انتباهي فقرأتها. بالطبع أن أخي عزت لم يكن موفقا في فهم العدة وقد تجاوز على حكم الله تعالى دون أن يقصد ولذلك أعتذر منه وأبدي رأيي المتواضع لعلنا نناقش الموضوع في المركز مناقشة علنية. وسوف أرقم إشكالاتي المتواضعة على سيادته لتسهيل الرجوع إليها لمن يروم المشاركة معنا. وسأذكر رسالة سيادته في نهاية المقال.
أولا: بيانه لإثبات عدم صلاحية الحكم القرآني لكل العصور.
ادعاء غير مستدل إطلاقا وإهانة للقرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى ليحل محل الرسل الذين اقتضت عدالته سبحانه أن يوقف بعثهم بعد رسولنا عليه وعليهم السلام. القرآن لو لم يكن صالحا لكل العصور فما قيمته لنا نحن اليوم؟ هل المسلمون بحاجة إلى أخي عزت ليتبينوا الصالح من غير الصالح من كتاب ربنا الذي خلقنا؟ ما شأن سيادته وما شأن كل أمم السماوات والأراضي في تثبيت صلاحية القرآن أو عدمه؟
قد نحتاج إلى سيادته لفهم ما يستعصي على العامة من مفاهيم الآية على أن يكون دقيقا ومحتاطا وتاركا الفهم الشاذ لآية كريمة استعصى فهمها على سلفنا. لكن ذلك لا يعني بأن القرآن ليس صالحا لكل العصور.
وقد تكون حياة زمان أو مكان خالية من مصاديق للآية الكريمة. مثل الآية التي ذكرها سيادته من سورة البقرة حول القصاص في القتلى. نحن اليوم ليس بيننا من يصدق عليه المفهوم ولو وجد فستكون الآية واجبة التنفيذ. لنفهم مصاديق الآية.
قال تعالى في سورة البقرة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178).

لحن الآية يدل على أن مصاديق الآية كانت موجودة آنذاك وهم الذين آمنوا بالرسالة الجديدة وكان بينهم دماء مطلوبة. فسيادته على حق في هذه الجزئية. لكن الآية ممكنة التحقق في زمان آخر.
دعنا نفترض اليوم وفي ظل التوسع الإعلامي بأن الشعب الرواندي شعروا بأن الإسلام كدين يحميهم من تكرار المجازر فاعتنق جميعهم أو أكثرهم الإسلام، تماما كما حصل يوم نزول القرآن الكريم. نحن نعرف بأن هناك الكثير من الدماء التي سالت في تلك المنطقة المنكوبة بين الروانديين أنفسهم. صاروا مسلمين وعليهم المؤاخاة وتناسي مطالبات الدم. هناك سوف تحيا الآية الكريمة مرة أخرى لتحميهم من تكرار القتل. فماذا نفهم من الآية القرآنية؟

فهم آية القصاص :


ألف:
إذا كان قد قتل حر حرا فمن حق أهل المقتول أن يقتلوه. ولكن لو قتل عبد حرا أو قتلت امرأة رجلا فلا يجوز قتل القاتل.
ب:
إذا كان قد قتل عبد حرا سواء ذكرا أو أنثى فلا يعاقَب بالقتل. ولكنه لو قتل عبدا فيُقتل.
ج:
إذا كانت امرأة قد قتلت رجلا فلا تُقتل؛ إلا أنها لو أنها قتلت امرأة فتُقتل.
لكن المفسرين الكرام لم يراعوا الآية الكريمة بدقة كما فعل أخي عزت فقال بعضهم: لا يُمكن أن نعفى قاتلةً من قتلِها رجلا فالآية بينت بعض الحالات وليس كلها. هذا يعني بأن الله تعالى والعياذ به نسي كل الحالات أو تركها للسادة المفسرين ليوضحوها لنا. وعاش أكثرهم في أزمان وأماكن لم تكن فيها مصاديق للحكم السماوي. واستدل بعضهم على أن الرجل أفضل من المرأة والحر أفضل من العبد بصورة واضحة. هذا فهم المفسر الذي يجهل بأن نسبتنا إلى الله تعالى الذي يصدر التشريعات متساوية. نحن جميعا نساء ورجالا، أنبياء وأتباع أنبياء، مملوكين أو أحرارا، فنحن عبيد لله تعالى متساوون أمامه في العبودية والرق بل الذل.
د.
يعرف القدوس جل جلاله بأن الذي سوف يطبق الآية قد يجول في خاطره غرابة الحكم. كيف لا نقتل عبدا مملوكا قليل القيمة في المجتمع جزاء قتله رجلا حرا كامل الشخصية في المجتمع؟ ولذلك أعقب سبحانه الحكم هكذا: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ. الكل إخوان عند ربنا. فالرجل أخ المرأة والحر أخ العبد. لا فرق بين الحر والعبد ولا بين الذكر والأنثى في منطق الرحمن جل جلاله. لا يمكن لنا القول بأن المقطع خاص بالرجال. إنه سبحانه ذكر الرجال والنساء والعبيد والأحرار في بداية الآية. فكيف يقول بأنهم جميعا إخوان؟ وحق الأخ على أخيه أن يعفو عنه. نعرف من المقطع الكريم بأن الله تعالى يحبذ العفو وترك القصاص لربهم يوم القيامة. هكذا أراد القدوس أن يوقف أخذ الثأر ويوقف التفريق بين عبيد رب واحد. إنه تعالى لم يوقف المعروف بين الناس عدا الدم مقابل الدم. اتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان. على القاتل وكذلك الحكومة أن لا ينسوا أهل القتيل ليساعدوهم لو كانوا محتاجين فهو عرف إنساني لا يمكن تجاهله وعليهم فوق ذلك أن يحسنوا إليهم أكثر من غيرهم لأنهم لم يفقدوا معيلا فقط بل فقدوا عزيزا عليهم.
هاء.
ثم أراد ربنا أن يعيد كل المسألة إلى نفسه فهو أكرم من أن ينسى تنازلات عبيده من أجله. ولذلك قال سبحانه في نهاية الآية: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ. تعني الجملة الكريمة بأن الحكم يمثل تخفيفا من ربهم. لم يقل سبحانه تخفيف من الله تعالى. لأن الله اسم خطير له سبحانه يدل على نظام الألوهية الذي لا ينسى أي حق. فالله تعالى سوف يتعامل مع تلك القضايا يوم الحساب. لكنه سبحانه نسب الأمر إلى ربوبيته التي تعني التساهل مع عبيده ومع كل الكائنات ليتجاوبوا مع أمر ربهم بما يسع لهم. فهو رب السماوات؛ والسماوات تتجاوب معه بما تتسنى لها. وهو ربنا؛ ونحن نتجاوب معه بما يتسنى لنا.
واو.
وأما معنى المقطع الأخير من الآية الكريمة: فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ. يقول ربنا بأن الحالة التي عاشها المسلمون بعد أن تقبلوا دين الله تعالى هي حالة شاذة ليست معتادة ولذلك هددهم سبحانه بأن هذا الحكم الخاص لا يمكن أن يشملهم بعد ذلك اليوم.
ز.
الحكم تشريع لحالة شاذة قد يتكرر كما قلت فلو تكرر فحكمه تماما ما قاله تعالى. لولا ذلك إخواني وأخواتي الأكارم لا يمكن إيقاف الثأر بين الناس حينما يقووا عليه. أتمنى أن يقتنع سيادة الأخ الكريم بتفسيري المتواضع أو يمن علي بتصحيح ما قلته باستدلال أكثر عقلانية. وأما ما ذكره سيادته من عادات الجاهلية فأنى له ولغيره إثبات ذلك؟ ولو تمكنا من إثباتها تاريخيا فكيف نتعرف على سياسة الله تعالى في تشريعاته؟


ثانيا: بناء على تصوره الشخصي حكم حكما آخر غير صحيح أيضا في آية أخرى.


تلك هي الآية التالية من سورة البقرة:


وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234).


فبناء على فهم سيادته الخاطئ في آية الثأر فإنه أباح لنفسه أن يوقف حكم الله تعالى ولم يكتف بذلك بل فسر الجملة الكريمة التالية تفسيرا شاذا من عنده: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
قال أخي عزت: والمعنى الا يخرجن من بيوتهن اربعة أشهر وعشرة ايام. وهذا معنى يتربصن. انتهى النقل.
فسر سيادته التربص بعدم الخروج من البيت! من أين أتى بهذا التفسير للكلمة العربية التي استعملها القرآن الكريم في عدة سور كريمة؟ التربص في كل الكتب اللغوية المعروفة تعني الانتظار سواء بقصد طيب أو بنية فاسدة. وما رأيت مفسرا للقرآن يفسر كلمة ربص بالمعنى الشاذ الذي دونه سيادة الأخ العزيز عزت هلال في مقالته الكريمة.
نعم هناك عدة للوفاة قال فيها سبحانه في سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234).
وقد ذكر سيادته الآية الكريمة للاستشهاد وخلط في فهمها خلطا غريبا يدل على أنه وهو كاتب محقق ودقيق؛ يدل على أنه استعجل حتى لم يفهم معنى كلمة الزوج هناك.

ودعنا نفصل ما تفضل به في مراحل:


ألف:
استشهد بالآية التالية من سورة البقرة لبيان الفرق بين العدة حين الوفاة والعدة حين الطلاق: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً ِلأزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240). ظن بأن كلمة الأزواج في بداية الآية تدل على الرجال الذين ماتوا. فلينتبه الإخوة والأخوات بأن كلمة الزوجة غير موجودة في القرآن إطلاقا وكذلك الزوجات. لا يفرق الله تعالى بين الزوج والزوجة. نحن نعرف المقصود من الضمائر أحيانا. فقال سبحانه في الآية أعلاه: أزواجهم. نعرف منها بأن سبحانه يقصد زوجات الذين توفوا من الرجال. لأن “هم” تشير إلى الذكور مقابل “هن” التي تشير إلى الإناث. إذن الآية تقول بأنه سبحانه أوصى لصالح زوجة المتوفى أن تتمتع بمصروف الإقامة حتى سنة كاملة دون أن تُخرج من البيت حتى لو كان المقصود تقسيم الميراث مثلا.
هذه الوصية خاصة بالزوجة ولا تخص الزوج الذي توفت زوجته إطلاقا. وليعلم الذين استمعوا إلى نظريات فقهاء الفريقين الشيعة والسنة البائسة بأن القرآن الكريم يعطي حقوقا كثيرة للنساء دون الرجال لكن الفقهاء الكرام لم يدركوا عمق الآيات القرآنية أو اتبع بعضهم أهواءهم لا سمح الله. ولا ننس بأنه تعالى خصص سورة للنساء بصورة عامة ولم يخصص سورة للرجال.
وحينما يقول سبحانه التالي في سورة البقرة فإنه يريد تخصيص حكم لهن ولا يروم النيل من كرامة المرأة:
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ (228).
لسان حال الآية بأن هناك درجة من الراحة وعدم المسؤولية للرجال على النساء فهم لا يحملون والنساء يحملن وهم لا يرون الدم والنساء مبتليات بالدم. ولا تعني الآية بأن الرجل أفضل من المرأة، معاذ الله.
والوصية التي ذكرها الله تعالى في الآية 240 أعلاه هي لصالح المرأة وتثبت حقا من حقوقها ولا تفرض عليها أمراً آخر. وفي الآية 228 أعلاه أكد سبحانه بأن حقوقهن متساوية مع مسؤولياتهن وهو أمر إداري مهم لمن يعرف العلوم الإدارية. تلك هي الجملة الكريمة: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف.


ثالثا: تصور سيادته أمرا خطيرا آخر وهو نسخ القرآن لنفسه.


ماكنت أتوقع من سيادته أن يؤمن بنسخ القرآن نفسَه. فلو أن القرآن الكريم عجز عن أن يستقر 23 عاما، واحتاج إلى تصحيح فكيف يمكن العمل به بعد أكثر من 14 قرنا؟ آية النسخ في القرآن جاءت لتجويز نسخ حكم توراتي لله تعالى فقط. وقد ذكر سبحانه بأن المسيح نسخ حكم تحريم شحوم الأنعام بأمر ربه طبعا، باعتبار أنه لم يكن حكما تشريعيا بل كان حكما عقابيا. ولو نفكر قليلا بأن الحكم العقابي لله تعالى استمر حوالي ألف عام، هناك نعرف أهمية أحكام الله تعالى!


رابعا: إشكال سيادته على أمر الله تعالى حول تخصيص عدة الوفاة للمرأة دون الرجل.


لنبدأ بالطلاق.


قال تعالى في سورة الطلاق: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6).


ما معنى لا تضاروهن؟ ألا تعني الجملة بأن لا يأتي الزوج بضرة لزوجته المطلقة قبل أن تتم عدة الطلاق؟ والمسألة المهمة فيها بأن على الزوج أن يخرج من المسكن المشترك بينهما وتسكن الزوجة من حيث سكنا معا! أليس ذلك لأن هناك أحكاما قاسية على المرأة باعتبار طبيعة الحياة فهي تحمل وتلد وتتحمل كل تبعات الحمل تتلوها تبعات الرضاعة؟ إذا حَكَم الفقهاء بغير ما أنزل الله تعالى واتبع الناس فقهاءهم ولم يسعوا لفهم كتاب ربهم فالمقصر هم وليس القرآن الكريم. ومعالجات الإخوة مثل أخي عزت ليست صائبة دائما.
ثم مسألة وفاة أحد الزوجين.
ليس للرجل بصورة طبيعية أية مشكلة لو تزوج مباشرة بعد وفاة زوجته من حيث الاستبراء والحمل. لكن المشكلة لدى المرأة. وأما إشكال أخي عزت وهو في محله طبعا هو لماذا فرق الله تعالى بين نوعي الاستبراء للمطلقة والمتوفى زوجها؛ ثم لماذا لم يمنع الزوج من الزواج إذا ماتت زوجته كما منع سبحانه الزوجة؟ نحن في واقع الأمر نجهل سياسة ربنا كما نجهل الطبيعة إلا قليلا. هناك أمراض نفسية مثل الكآبة وأنا وأخي عزت نعلم عنها قليلا كما يبدو. يقول المختصون بأن الزوج يمكن أن يُصاب بالكآبة إذا حملت زوجته! ومن يدري لعله يُصاب بالكآبة إذا ماتت زوجته ولا يمكن علاجه إلا بإلهائه بزوجة أخرى. من حق أخي عزت أن يعترض على هذا الحل الضعيف بأن هناك من تزوج بأكثر من واحدة بصورة شرعية وهي قليلة طبعا فقد يكون في عهدة الزوج امرأة أخرى حتى لا يُصاب بالكآبة.
أما التي مات عنها زوجها فهي أكثر عرضة للكآبة من الزوج الذي فقد زوجته كما أحتمل. ذلك لأنها تعلم بأنها فقدت شخصا مهما في حياتها وليس سهلا أن تحصل على زوج آخر بسرعة. تبدو المسألة في ظاهرها غير منصفة للمرأة. لكن المشكلة هي أن البشرية تعلم القليل جدا من الأمراض النفسية التي قد تصيب أحد الزوجين عند فقده للآخر. رأيت قبل سنوات رجلا متزوجا من زوجتين وقد مرضت زوجته الأولى. سعى بكل إخلاص في علاجها وأنفق عليها مالا كثيرا نسبيا دون جدوى. ماتت زوجته فنقل لي أهله بأنه بكى كثيرا مما يدل على شدة الألم لديه. بالطبع أنه لم يتزوج بأخرى وبقي مع زوجته الثانية ولا زال منذ عشرين عاما.
أشعر فعلا بالجهل في حكمة أمر الله تعالى وليس بمقدوري اليوم أن أجد السبب المحتمل لعدم منع الزوج من الزواج أسوة بزوجته. لكن ما يتفضل به أخي عزت ليس صحيحا إذا أردنا أن نطيع ربنا من واقع فهمنا للقرآن الكريم. هناك سبب طبيعي على الأغلب ولكن الله تعالى لم يوضحه للذين أنزل عليهم القرآن الكريم أو لم أهتد إليه. أما أن نفعل ما نراه صحيحا بعقولنا ولو خالفنا القرآن فهذا يعني إبطال القرآن وتثبيت آراء غير الله تعالى في الدين. إن الذي يسألنا ويغفر لنا يوم الدين ويكافئنا أو يعذبنا هو الله تعالى وليس الفقهاء ولا أخي عزت هلال الذي تقمص جلباب الفقهاء هذه الأيام. أسأل الله تعالى له ولي الهداية وفهم الصراط المستقيم إليه سبحانه.
خامسا: فهم سيادته غير الدقيق بأن الله تعالى نسخ آية في الموضوع مكان آية.
بالطبع أعوذ بالله تعالى من أن ينسخ آية قرآنية بآية أخرى كما وضحت. قال فضيلة الأخ العزيز بأن الآية 240 من سورة البقرة قد نسخت الآية 234 منها. هذا غير ممكن وغير صحيح دون أي شك عندي.

وليسمح لي القارئ الكريم أن أضع الآيتين بجوار بعضهما لنرى صحة احتمال أخي عزت من عدمه.


قال تعالى في سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234).
وقال سبحانه فيها: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً ِلأزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240).
مرة أخرى يعود الأخ العزيز إلى فهمه غير العربي لكلمة تربص إضافة إلى الفرق بين لأزواجهم المذكورة فعلا وبين على أزواجهن التي ظن سيادته ليستعين بفرية نسخ القرآن الكريم، معاذ الله. الآية الأولى تأمرهن بعدم الزواج إلا بعد عدة الوفاة وهي 130 يوما. والآية الثانية تعطيهن الحق أن يبقين في بيت الزوجية سنة كاملة دون إخراج. وإذا خرجت من تلقاء نفسها لتتزوج أو تفعل بنفسها معروفا آخر كالعمل في بلد آخر مثلا فهي حرة في ذلك. تان مسألتان مختلفتان ولا يوجد نسخ أخي العزيز. نسخ القرآن فرية افتراها الحكام عن طريق مفسريهم المأجورين احتمالا ليلعبوا في القرآن الكريم، واتبعهم المفسرون فيما بعد كالببغاوات مع الأسف دون أن يحتملوا بطلان ما وصلتهم من تفسيرات.
أتحدى أي إنسان يقوى على أن يثبت لي جملة منسوخة في القرآن الكريم. سوف أرد عليه بإذن الله تعالى وأوضح للناس بأنه ومن قال بالنسخ إما مخطئون أو مغرضون.
أعود إلى حكم المتوفى زوجها وأمره سبحانه بأن تتربص بنفسها 130 يوما في مقابل حكم المطلقة التي تتربص بنفسها ثلاثة قروء فقط؛ فنحن ليس في مقدورنا اليوم وبقدر معلوماتي القليلة أن نعرف عمق الحكم السماوي. لدي احتمالات أفضل ألا أبوح بها خوفا من أن أكون مخطئا ثم يظن بعض الإخوة الكرام صحةَ ما أقوله. فمما لا شك فيه بأن مدة القروء الثلاثة حتى لو طالت سوف لا تتجاوز 82 يوما كما نفهمه من الأطباء. ومما لا ريب فيه بأن الله تعالى لا يصدر حكما تشريعيا إلا على أساس قانون الطبيعة وهو قانونه تعالى. لكننا نفهم القليل اليسير من قوانين الطبيعة مع الأسف. فمن الخير لنا أن نعمل بالحكم القرآني بناء على أمره تعالى ولا نخرص تخريصات غير صحيحة من عندنا.
أخي العزيز عزت وضع نفسه موضع الله تعالى حينما قال بأن “براءة الرحم ليس لها مكان في ظل العلم الحديث”. فهل قال سبحانه بأن المقصود من عدة الوفاة هو براءة الرحم؟ فكيف بمن لا تحيض أصلا أو لا تلد أو التي أزيل رحمها صحيا؟ حكمها في شريعة عزت هلال أن تتزوج في اليوم التالي لوفاة زوجها!!!


وختاما

أعتذر من أخي عزت هلال حفظه الله تعالى لنا ذخرا، ومن كل من يطلع على رقيمتي هذه وأقدم لي ولهم آيات من سورة فصلت لعلنا نتعرف على خطورة التفسير على أساس أفكارنا الشخصية:
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43).
والآية الأخيرة تؤكد بأن حكم الله تعالى لن يتغير أبدا، فكل ما قيل لرسولنا هو ما قيل لمن قبله من الرسل.
ليس من حق أي كائن في الكون أن يقول بأن حكم القرآن كان لزمان غير زماننا. ذلك من حقوق الله تعالى وحده لا شريك له. ولمن يريد المزيد فإن الله تعالى هو مالك كل ما في الطبيعة وأحكامه طبيعية تناسب طبيعة الكائنات ولذلك لا يمكن أن تتغير أبدا. أما الأحكام المؤقتة فإنه سبحانه يوضح لمن يقرأ القرآن بأنها مؤقتة. مثال ذلك حكم القتال وحكم تعدد الزوجات الذي اختص بخاتم النبيين. القتال محرم دون ريب إلا دفاعا. يحرم القتال من أجل نشر الدين فالناس أحرار في أديانهم كما أن حكم تعدد الزوجات خاصة بالرسول محمد عليه السلام. هناك مسألة تخص زمانه وسوف أشرحها حينما يتسنى لي ذلك. أما تعدد الزوجات لغير الرسول فهو لعلاج مشكلة اجتماعية وتحتاج إلى موافقة الزوجة الموجودة كما وضحت سابقا، وليس لمجرد الوناسة.
أكتفي بهذا الحد ومن أراد المزيد فليكتب لي لعلي أتمكن من أن أرد على طلبه.

أحمد المُهري

28/6/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي


نص ما كتبه الأخ العزيز المهندس عزت هلال:


عدة الأرملة
جاء الخطاب في القرآن الكريم الى الذين آمنوا اكثر من 200 مرة. وقد جاء عن المؤمنين الذين اتبعوا آخر الأنبياء وجاء الى كل المؤمنين في كل عصر وفي كل مكان. فمثلا الآية التالية تخص المؤمنون في عصر الرسول وقد تستمر بعض الوقت ولكنها لا تستمر في عصر الدولة الحديثة. الآية تقول:
《يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. [البقرة: ١٧٨]》
اولا الخطاب موجه للناس وليس ولي الأمر (القاضي الذي يبت في القصاص والسلطة التنفيذية التي تنفذ القصاص وليس كل الناس)
ثانيا لم يعد الآن عبيد وقد كان في عصر النبي يقدم العبد مكان الحر للقصاص منه. وسمي ذلك بالنكايل فكان يقاس دم الحر بإثنين او ثلاثة او اكثر من العبيد ليقتل عن المقتول الحر حتى وإن لم يقتله عبد. وكذلك الأنثى فقد جرت عادتهم الا يعتد بجريمة الأنثى واعتبارها غير مؤاخذة بجريمتها. وكان الآية قصد بها ابطال حكم الجاهلية وابداله بالمساواة بين الأصناف. هذه الآيات الخاصة بعصر الرسول لنا أن نأخذ منها ما يصلح لعصرنا ونترك ما لا يناسبها. ومن الآيات التي جاءت لكل المؤمنون في كل العصور والأماكن قوله تعالى:
《يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين. [البقرة: ١٥٣]》
فهي أمر عام يصلح لكل زمان وكل مكان. في ظل هذا التصور تأتي عدة الأرملة.
يقول تعالى:
《والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا. فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير. [البقرة: ٢٣٤]》
والمعنى الا يخرجن من بيوتهن اربعة أشهر وعشرة ايام. وهذا معنى يتربصن. وفي ظل هذا الحكم لا يمكن للأرملة أن تظل في منزلها كل هذا الوقت فعملها لا يسمح لها بذلك. فليس المقصود ألا تتزوج خلال هذه المدة. وقد اتفقوا في العصر الحديث أن يكتفوا بعدم الزواج فقط. و براءة الرحم لم يعد لها مكان في ظل العلم الحديث. وإعالة المرأة في بيت زوجها المفروض أن تنتهي ويكون للزوجة عمل او نفقة على حساب الدولة فليس الزوج هو الوصي على زوجته. وقد نسخت هذه الآية قوله تعالى:
《والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج. فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم. [البقرة: ٢٤٠]》
اي على الزوج المتوفى (او أهله ) النفقة على الأرملة لمدة عام. فما الحكمة لجعلها اربعة أشهر وعشرة ايام بدلا من سنة كاملة. ونسخ الانفاق عليها بحق الميراث بالربع والثمن. وهذا التحول في الأحكام ناتج عن تحرك المجتمع لحالة افضل فلم يعد الحكم السابق له جدوى فيأتي حكم جديد. فما بالك والحكم قد تغير خلال 23 سنة هي فترة الرسالة فماذا نحن فاعلون بعد مرور قرون. الا نتغير ويتغير معنا مجتمعاتنا. وتأتي مدة أخرى للمطلقات والأرامل بقوله تعالى:
《وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن. [الطلاق: ٤]》.
اذا كانت عدة المرأة تحمل الوفاء لعشرة الزوج المتوفي فلماذا لا يكون هناك عدة للرجل الذي توفت عنه زوجته. مما لا شك فيه فهناك تفريق بين الرجل والمرأة وهذا لا يجوز في شرع دائم الا اذا كان حلا مؤقتا في بيئة جاهلية كانت تورث زوجة الأب لابنه.
عزت هلال

19 شوال 144022

يونيو 2019

سبعة وجوه للإسلام الآن


سبعة وجوه للإسلام الآن                                                                            …………………فكرت أن أتأمل في الإسلام و المسلمين من زاويه عالية جدا تنظر إلي حال المليار والثمانمائة مليون مسلم في عمومها، دون التركيز على بلد محدد، ووجدت الحقائق التاليه التي أظن معظمها صادما للنرجسيه الإسلاميه العميقه.                                                                         ……………………. الوجه الأول: الإسلام آسيوي: رغم أن الإسلام ظهر عربيا وكتبت نصوصه المقدسه باللغه العربيه و نشره الفتح والاستعمار العربي، الا أن الآسيويين يشكلون 75% من اجمالي عدد المسلمين في العالم. حتى التطورات و الصراعات الاسلاميه الحديثه مثل البنوك الاسلاميه والازياء الاسلاميه والنشيد الاسلامي والاقتصاد الاسلامي يسيطر عليها شركات وملاك اسيويون مسلمون وليس مسلمون عرب.                                                                      ……………………. الوجه الثاني: الإسلام فقير: مقارنة ببقية الاديان المسلمون هم الأفقر بنسبة 50% من فقراء العالم مع انهم لا يشكلون الا 24% من سكان الأرض. في الهند على سبيل المثال تمكن اغلب الهندوس من الخروج من حلقه الفقر خلال الأربعين السنه الماضيه، لكن اكثر من نصف الهنود المسلمين لا يزالون فقراء. هناك أسباب كثيره للفقر الاسلامي من ضمنها عدم الإهتمام بالتعليم و نسبه التسرب العالية من المدارس التي لازالت متفشيه في اوساط المسلمين اكثر من غيرهم، بالاضافه إلى تهميش دور المرأه في الحياة العامه والإقتصاد و حصرها في الاعمال المنزلية.يكتسي الفقر وجه امرأة كما تقول أدبيات التنمية لكنها امرأة مسلمة في أغلب الحالات.لكن هناك ايضا عامل آخر هو ارتفاع نسبه الإنجاب بين المسلمين.                                                                     …………………….  الوجه الثالث: المسلمون الأعلى خصوبه وانجابا: هذا هو سبب النمو السريع للاسلام بحيث في سنه 2050 سيصبح الدين الأول في العالم متجاوزا المسيحية. المرأة المسلمة هي الأعلى خصوبة، والانجاب المتسارع و العشوائي هو السبب الرئيسي لزيادة نسبة المسلمين في العالم. بينما سبب النمو السريع في المسيحيه هو المتحولين الجدد اليها وخاصه في افريقيا و شرق آسيا.ورغم ان 10مليون مسلم تركوا الإسلام في القرن الحادي والعشرين ، إلا أن ذلك لم يؤثر على النمو الصاروخي للاسلام.لكن هذا النمو عامل تحد وضعف وليس عامل قوة.                                                                   …………………….الوجه الرابع: المسلمون أصغر سنا وعالة على الأكبر سنا.الهرم السكاني الاسلامي مختل، فحوالي نصف المسلمين اطفال تحت سن 15، وثلاثة ارباعهم تحت سن 25.هذا يعني نسبة عالية للإعالة وبالتالي نسبة فقر عالية واضطراب مجتمعي ونمو سريع لظواهر التطرف والغلو في مجتمع ثلاثة ارباعه تقريبا خارج قوة العمل.                                                                     …………………….الوجه الخامس: الإسلام أمّي:اكثر من نصف المسلمين أميون (65% من المسلمات أميّات) مما يساهم في نمو الخرافة والتضليل الديني وضعف حركات الاصلاح والتحديث وانتشار الفقر وظروف الحياة غير الصحية.                                                                      …………………….الوجه السادس:الإسلام غير ديمقراطي:  من بين اكثر من 50 دولة إسلاميه لا يوجد إلا أربع دول فيها ديمقراطيات جزئيه، و هذا أقل عدد من الدول الديمقراطيه مقارنه ببقيه الأديان.هذا العجز الديمقراطي يعود الى أسباب كثيرة اهمها سيطره الاسلام السياسي وضعف الاجتهاد في النظريه السياسيه الاسلاميه، لكنه ايضا يعود إلى سيطره الأنظمة العسكريه والقوميه الشمولية وعرقلتها لاي تحول ديمقراطي طوال  الستين عاما الماضية.                                                                      …………………….الوجه السابع:الإسلام لاجيء:لا تزيد نسبة المسلمين المهاجرين في أوروبا عن 8% من عدد السكان الا انهم يشكلون حوالي 40% من اللاجئين في أوروبا.نسبه اللجوء العاليه بين المسلمين حقيقه مؤلمه لأن اغلب الدول الاسلاميه تمر باضطرابات سياسية وتعثرات اقتصاديه وتدهور في مستوى الحياه والحريات تدفع المزيد و المزيد من المسلمين الى الهجره. بعد التطورات الأخيره للربيع العربي يكاد يكتسي اللجوء وجها اسلاميا، نصف لاجئي العالم كله مسلمين، وتكاد تكون الصورة النمطية للاجئة هي صورة المرأة المسلمة المحجبة الهاربة من جحيم الحرب في بلدها المسلم إلى مهجرها الأوروبي الجديد.هذه سبعة وجوه للإسلام تقتضي منا نقدا ذاتيا عميقا وعنيفا لواقعنا وأسباب تعثرنا بعيدا عن الإجابات الجاهزة وجنون العظمة الديني المضلل.                                                                            …………………حسين الوادعي

يونيو 2018

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

المؤمنة كاترين 25- زواج بغير المسلمين


المؤمنة كاترين

المقطع الخامس والعشرون

زواج غير مرتقب

وفي اليوم التالي دعت كاترين بعض زميلاتها وزملائها إلى منزلها لحضور حفلة مختصرة لعقد القران. فوجئوا جميعا بالخبر لكنها مفاجأة سارة في حقيقتها.

ساترين:

منذ مدة طويلة أشعر بأن هناك شيئا ما يدور في الخفاء بين علوي وكاترين. وحاولت مرارا أن أستكشف الخبر ولكن كاترين في كل مرة تتحدث عن مسائل أخرى وكأنها تكره الحديث عن العلاقات الغرامية بينها وبين رئيسها.

توم:

قلت لكم بأن كاترين أسلمت حينما لبست الحجاب وذلك إكراما لعلوي.

فريجا:

كنت أظن بأن الظاهر يكشف عن الباطن. ولكنني كنت مخطئة. وكنت أظن بأنني متفرسة قادرة على كشف الحقيقة من النظر إلى الوجوه والاستماع إلى أحاديث الناس ولكن ما أراه اليوم غير ما كنت أفكر فيه. على كل حال فأنا فرحانة جدا بهذا الخبر السار وأتمنى لكاترين وعلوي مستقبلا مشرقا مليئا بالحبور.

سارا:

أكمل فريجا؛ وأتمنى لنفسي ما تمنيته لزميلتي!

ضحك الحاضرون والحاضرات وابتهجوا وتمنوا للعروسين كل خير.

كاترين:

هل تعلمون بأنني فكرت في الحب قبل أيام فقط. وأن مسألة الزواج عرضتها صديقتي الجديدة ماري التي جاءت قبل أسابيع من فرنسا للسياحة في الكويت والسباحة في البحار الحارة. لا أنا ولا علوي تحدثنا عن هذا الأمر قبل الليلة الماضية. لعلكم لا تقبلون ذلك، ولكنكم سترون ماري الليلة وتطلعون على قدرتها الغريبة على فهم نفسيات الآخرين وشجاعتها الفائقة على الربط بين الفتيان والفتيات وبكل يسر. كما ستشعرون بطيب نفسها وواقعية ما تفعله وحبها العميق للإنسان وأخيرا إنسانيتها الفواحة العبقة. كل ما تسمعونه اليوم عني هو فعل ساعة من ساعات ماري التي تحب أن تجلب السعادة للآخرين وكأنها تستمتع بأن ترى البشر في نعيم. إنها تؤمن بأن الحياة الطيبة هي أن تشاهد نفسك عضوا في مجتمع كبير اسمه مجتمع الإنسانية وليست الأنانية المفرطة إلا ضربا من الجنون التي تؤدي أخيرا إلى انهيار الرباط البشري الذي شرعه الله تعالى بين أبناء آدم.

تعجب الحاضرون من ماري ومن حقيقة الزواج الجديد أكثر من تعجبهم من الحب بين علوي وكاترين. كل منهم أعد نفسه ووعدها بأن ترى ماري وتطلع على تلك اللباقة والكياسة والمحبة الإنسانية التي سمعوها عنها من زميلتهم كاترين.

ثم جاء علوي وذهبوا جميعا لتقديم التحية والتبريكات والتمنيات بمناسبة ارتباطه الزوجي المرتقب مع زميلتهم كاترين. لم يروا من علوي إلا الخجل والحياء ممزوجا بقليل من التبسم وشكر خافت لهم جميعا.

خرجت كاترين من البنك متفقة مع ماري لإعداد طعام للمدعوين وتم ذلك وحضر الضيوف تباعا في الموعد. وبعد الاستقرار في مقاعدهم داخل شقة كاترين بدأت ساترين بتوجيه السؤال التالي إلى كاترين.

ساترين:

عزيزتي كاترين أرجوك أن تسمحي لي بتوجيه هذا السؤال المحرج قليلا إليك لأنني أحب أن أزداد معرفة بزملائي وزميلاتي لأتعلم فقط.

كاترين:

أنت حرة وكذلك الباقون أحرار في الاستفسار عن كل ما تريدونه حولي وبدون أي شعور بالانحراج.

ساترين:

شكرا والسؤال هو هل أنت لا زلت مسيحية وتتزوجين مع مسلم أم أنك أسلمت يوم أن لبستِ الحجاب.

كاترين:

طبعا ليس للحجاب أي علاقة بديني. فأنا حتى هذه اللحظة لا أؤمن بالحجاب ولكنني ألبسه لأحمل إشارة “كلا” لمن تسول له نفسه التحرش بي فقط. وأما اعتناق الدين الإسلامي فأنا منذ مدة طويلة أشعر بأن المسيحية الحقيقية هي عين الدين الإسلامي وأن الرسول محمدا هو مكمل لشريعة المسيح كما كان المسيح مكملا لشريعة موسى عليهم جميعا سلام ربنا. ولذلك شعرت ذات يوم بأنني قد أكون مقصرا مع ربي إن بقيت رافضة لذكر محدث أنزله علينا بعد وفاة المسيح بعدة قرون فقط والقرآن بيننا منذ أكثر من 14 قرنا. ولذلك أسلمت شاعرة بأنني لا زلت مسيحية وبأن المسيح لو كان حاضرا لكان هو من السابقين في الإسلام.

والإسلام لا يعني التسليم لبشر إطلاقا بل يعني التسليم لله تعالى وهو روح الشريعة المسيحية الحقة.

ساترين:

في أي مسجد شهدت الشهادتين؟

كاترين:

الإسلام وكل الأديان ولا سيما الأديان السماوية الثلاث المعروفة تمثل علاقة كل إنسان بربه وليس لأحد أي دخل في علاقتي مع ربي. لو كان الرسول محمد حاضرا لذهبت إليه لإعلان إسلامي لعلي أضيف على أنصار الإسلام يوم ضعفه شخصا واحدا وليس ليكون ديني مقبولا. أما الذين يذهبون إلى المساجد ليسلموا ويظنون بأن الشهادة أمام شخص معروف برجل الدين ضروري لإشهار الإسلام فهم يجهلون حقيقة دين الله تعالى مع الأسف. وكان ذلك قبل أن أفكر في أي ارتباط عاطفي مع علوي. لكنني كنت أخفي إسلامي إكراما لأسرتي حتى يحين وقته. وهكذا ماري مسلمة منذ أمد وكانت تخفي التزامها الجديد بدين محمد عليه السلام ولكنها اضطرت لإظهار إسلامها قبل أيام لأخينا الكريم محمود التمار.

ساترين:

يهمني أن أعرف بأن الزواج بين المسلم والمسيحي ذكرا أو أنثى جائز في دين الإسلام وهل هناك فرق بين الجنسين في هذا الخصوص. بمعنى أن هل هناك سماح للرجال بالزواج من المسيحيات وعدم سماح للمسيحيين بالزواج من المسلمات كما نسمع من بعض رجال الدين؟

كاترين:

أظن بأن العم محمود هو خير من يمكنه الرد على استفهامك بكل تفصيل وأتمنى بأن يكون راضيا للرد؛ وبما أن البحث قد يطول فاسمحي لي بأن أستأذن من الحاضرين أيضا رأيهم بهذا الخصوص.

الجمع:

موضوع مهم قد يفيدنا جميعا.

محمود:

بكل سرور. دعونا نناقش الموضوع عمليا ثم قرآنيا. ذلك لأنني أرى بأن تشريعات السماء جاءت لتعلمنا كيفية التجاوب مع ما خلقه الله تعالى في الطبيعة فمن الضروري أن يراعي التشريع ضروراتنا الاجتماعية والأسرية في نفس الوقت. أنتم جميعا تعملون في دائرة بنكية واحدة فلو تفكرون في مناقشاتكم مع بعض من حيث المواضيع والآداب والرفض والقبول وتقارنوا بينها وبين محاوراتكم مع من لا يعمل معكم لتروا فرقا كبيرا بين ما يدور بينكم في الحالتين. فأنتم هنا لا تتحدثون عن الاعتمادات المستندية بصورة تخصصية لأن هناك شخصا غير متخصص بينكم ولو اضطررتم للحديث فأنتم ستسعون إلى عدم استعمال المصطلحات البنكية المرتبطة بعملكم. فلو أنكم لم تراعوا هذه المسألة فسأكون مضطرا لأخرج أو أقوم بعمل آخر مثل قراءة جريدة. فالتوافق اللغوي والتقارب المهني ضروري بين الذين يريدون بناء حياة مشتركة متداخلة بالضرورة.

ثم نلاحظ الالتزام بالتشريعات. فالإنسان الذي لا يؤمن بتشريع أو لا يلتزم به فهو بالطبع غير جدير بأن يوثق به ثقة كاملة. لا يمكن للوجدان وحده أن يردع الإنسان من عمل السوء ومن الظلم عند الحاجة بل يعوزه الإيمان برصد غيبي يراه ويراقبه حتى يتقوى نفسيا ويتشجع لإظهار تمسكه بمعتقداته وتمسكه بالعمل بها بدقة. وكيف يمكن للمرء أن يلتزم بفكرة لا يؤمن بها؟ وكيف يمكن لشخصين يؤمنان بفكرتين مختلفتين ليعيشا بوئام كامل؟ كيف يمكن لك أن تعيش مع شريك يؤمن بأن رسولك كذاب افترى على الله تعالى وادعى رسالة لا يحملها؟ إنه في قلبه يلعن الكذابين والمفترين فهو أو هي قد يلعن من تؤمن برسالته ليقنع نفسه بأنه على حق. لولا ذلك لعاش مع ضمير يؤنبه لأنه يؤمن برسالة جديدة دون أن يلتزم بها. لو أن اليهودي تقبَّل المسيح عليه السلام ولم يتهمه بالكذب فعليه بأن يتنصر ويترك دينه وإلا فهو مخالف لوجدانه ولا يمكن الاعتماد عليه. وهكذا المسلم والمسيحي. يمكن لهما أن يحملا علاقة تجارية أو صداقة أو سفرا أو مرحا أو زمالة مهنية مشتركة باعتبار أن كل ذلك موقوت يوميا وفصليا. فقد ينفصلان في أية لحظة ولا توجد أية مشكلة.

لكن الزوجين الصادقين يعلمان بأن الزواج رباط وثيق في غاية الأهمية وهناك نتاج مشترك في غالب الأحيان والنتاج يعتمد على أفكار وعقائد الأبوين ليبني لنفسه مستقبلا يعتمد على الصدق والصحة والأمان. المسلم يؤمن برسالة المسيح ولكنه ممنوع من أن يخالط المسيحيين في كل شيء. فلا يجوز له أن يأكل من بعض أكلات المسيحيين ويجب عليه أن يطمئن بأن ما يأكله من اللحوم مباحة عند ربه وإلا فهو آثم.

وأما قرآنيا.

قال تعالى في سورة البقرة: وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221). قد يقول أحد بأن المقصود من المشركين هم الذين كانوا متواجدين في بدايات الإسلام وهم لم يكونوا مؤمنين بالرسل البشريين وكانوا يعبدون الأصنام باعتبارها تقربهم إلى الله تعالى. لكنه سبحانه وضح سبب المنع في آخر الآية الكريمة بأن المشركين يدعون إلى النار ولذلك منع من الزواج معهم. قال تعالى في سورة التوبة: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31). فاعتبر المسيحيين واليهود مشركين عمليا لأنهم يعبدون غير الله تعالى مع الله فيخضعون لأحبارهم ورهبانهم ورسلهم وهو شرك بالله تعالى.

وقال سبحانه في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51). بالطبع أننا ندعو إلى التسامح وكسب الأصدقاء واحترام كل الناس بأنهم بشر مثلنا ولكننا لا يجوز أن نتخذ من غير ديننا أولياء. فما معنى نتخذهم أولياء؟ قال تعالى في سورة الممتحنة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (1). ليس اليهود والنصارى أعداء للمسلمين ولكنهم أعداء لله تعالى إن كانوا فعلا على علم برسالات السماء. آية الممتحنة تتناول الذين حضروا رسالة خاتم النبيين وجحدوا بها فاعتبرهم الله تعالى أعداء له. ذلك لأنهم علموا بأن محمدا يحمل رسالة السماء ثم جحدوا برسالة الله تعالى فهم رفضوا الله في الواقع. والعداوة مع الله تعالى ليست مشابهة للعداوات التي نسمع عنها هنا وهناك. العداوة مع الله تعالى تعني رفض دعوة الله تعالى لك إن علمت به. هناك تُعتبر عدوا لله تعالى لأنك قابلت نعمته بالكفر بدلا من الخضوع والشكر. فعلى المؤمن ألا يوالي عدو الله تعالى.

لنجمع هذه الآية مع آيات أخرى في نفس سورة الممتحنة: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10). فالتعامل معهم في حدود التجارة ومصادقتهم والسلام عليهم واحترامهم وإكرامهم مكارم إنسانية طيبة يجب أن يتحلى بها المسلمون ولكن الحديث فعلا عن الزواج مع الذين كفروا. والذين كفروا كما عرفنا من بداية سورة الممتحنة هم الذين رفضوا القرآن وجحدوا به (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ).

فإن لم يكونوا في حرب معنا فنحن نحسن إليهم ونحترمهم ولكن الزواج معهم لا يجوز. الزواج هو أجلى أنواع الولاية. قال تعالى في سورة الأنفال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71). لنعلم بأن الزواج عند الله مسألة مهمة جدا وميثاقه ميثاق غليظ بينهما. وقال سبحانه في سورة الروم: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21). فالإنسان ذكرا أو أنثى يسكن ويرتاح نفسيا إلى زوجه بإذن الله تعالى والله تعالى جعل بينهم المودة والرحمة. فالمودة بين الزوجين تتعارض مع أن يعتقد أحدهما بأن الرسول الذي يدين به زوجه كذاب مفتر على الله تعالى. فلو كان غير المسلم ذكرا أو أنثى ملتزما بدينه فسوف يشمئز من صاحبه وهو يخاطب المسيح عليه السلام بالرب والمخلص. كما أن الآخر يشمئز من أن يسمع صاحبه يشهد كل يوم عدة مرات بأن محمدا رسول الله في حين أنه يعتبر ذلك أمرا باطلا!!

ماري:

وما تقول يا عم محمود في الآية التالية من سورة المائدة: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5).

محمود:

وهل أحكام الله تعالى وتشريعاته التي أنزلها على رسوله محمد مختلف مع ما أنزله على من سبق؟ قال تعالى في سورة فصلت: مَا يُقَالُ لَكَ إِلاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43). تشريعات السماء طبيعية تلائم الطبيعة فلا يمكن أن تكون مختلفة مع بعضها البعض. فمثلا لا يمكن أن يحرم الله ارتباط المثليين للمسلمين ويحلها على من سبق. فلماذا يقول سبحانه: اليوم أحل لكم الطيبات؟ الطيبات كانت وستبقى حلالا إلى يوم القيامة.

ومن جانب آخر فإن الله تعالى حرم الخنزير في نفس سورة المائدة وفي آيتين قبلها ثم يأتي ويقول بأن طعام أهل الكتاب حل لنا والمسيحيون منهم يأكلون لحم الخنزير!! فهل يجوز للمسلم بناء على الآية الكريمة أن يأكل لحم الخنزير في بيوت المسيحيين باعتبار أنه تعالى يصرح في الآية بأن طعامهم حل لصحابة الرسول؟ ثم ما معنى قوله تعالى فيها: وطعامكم حل لهم؟ فهل اليهود بعد هذه الآية أكلوا لحم الجمل مثلا؟

ماري:

فعلا غريب أمر هذه الآية!! كنت أستدل بها على جواز الزواج بين المسلم وبين المسيحي واليهودي وما انتبهت إلى الطعام فهو فعلا غير ممكن وهو جزء من الآية! لو قلنا ذلك فنحن نعني بأن القرآن الكريم يناقض نفسه؛ فما معنى الآية إذن يا عم؟

محمود:

الآية لا تتحدث عن تشريع فلن تجد مشرعا يبدأ قانونه بكلمة: اليوم. اللهم إلا القوانين المؤقتة مثل قوانين الحروب في الإسلام مثلا. فالإسلام لا يجيز إشعال أي حرب بدون إذن مسبق من الله تعالى وينتهي الإذن بانتهاء الحرب. أو حكم تحريم شحوم الأنعام على اليهود حيث يصرح سبحانه بأن الحكم كان عقابيا مؤقتا. لكن تشريع الزواج لا يمكن أن يكون مؤقتا. ولو نلاحظ الجملة الكريمة الأولى: اليوم أحل لكم الطيبات؛ فهل الطيبات كانت محرمة عليهم قبل ذلك اليوم؟

ولو نمد طرفنا إلى الآية السابقة لها حيث يقول سبحانه: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4). فقد وضح سبحانه بأن الطيبات أحلت لهم فلماذا يكرر في الآية التي تليها نفس الكلام. إنه تكرار غير ضروري. ولذلك نقول بأن الآية التالية لها والتي استندت عليها ماري ليست آية تشريعية وإنما هي آية تبين ما منَّ الله تعالى به على الذين آمنوا من أهل مكة من الذين سبق لهم الشرك بأنهم في ذلك اليوم بفضل الإسلام أصبحوا إخوانا للمسلمين الذين سبق لهم أن كانوا أهل كتاب سماوي وهم اليهود والنصارى. ولا ننس بأن إطلاق صفة “أهل الكتاب” على الذين آمنوا بالله وبرسله قبل المشركين يمثل تشريفا وتكريما لأهل الكتاب. لقد سبق لهم الإيمان الكامل بالله تعالى ولا سيما أتباع المسيح منهم حيث تقبلوا الدين السماوي المحدث فمن حقهم أن يفتخروا بما كانوا عليه.

لكن الإسلام الذي بدأ بالمشركين باعتبار أن الرسول كان منهم نَسبيا فهو الذي وحد صفوفهم وجعل المشركين إخوانا مع أهل الكتاب بعد أن كانوا دون مستواهم. كان أهل الكتاب يبتعدون عن أكل ذبائح المشركين لأنهم كانوا يذبحون على النصب ولا يهتمون بذكر اسم الله عليها كما كانوا لا يتزوجون من المشركين لأنهم مشركون رافضون للأديان السماوية. لكنهم اليوم أصبحوا إخوانا باعتبار أن أهل الكتاب بصورة عامة آمنوا بالإسلام. فالمسيحيون من أهل الكتاب الذين آمنوا تركوا أكل لحم الخنزير كما أن اليهود من أهل الكتاب لم يحرموا الجمل بعد أن أسلموا. هكذا أصبحوا إخوانا يتزوجون مع بعض ويأكلون من طعام بعضهم البعض.

فالتحليل في الآية أمر غير تشريعي مشابه لقوله تعالى قبل الآيتين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2). فشعائر الله تعالى يجب أن تبقى محرمة ولا يجوز حلها. بمعنى يجب أن يبقى احترامها محفوظا لدى الناس فعليهم ألا يستهينوا بها. فلو قلنا بأن لا تحلوا هو بمعنى الحلال والحرام فيجب أن يكون نفيه إثباتا. بمعنى أن على الناس أن يحرموا شعائر الله تعالى. فيعني قولهم بأن الإتيان بالشعائر محرم عليهم. ولكن المقصود غير ذلك. إن عليهم أن يحافظوا على شعائر الله فالاستهانة بها وعدم الإتيان بها عند الضرورة محرم. وهكذا آية تحليل الطيبات المقيدة باليوم فهي تعني بأن الطيبات أصبحت متاحة لهم في ذلك اليوم كما أن الزواج مع أهل الكتاب الذين أسلموا أصبح متاحا.

وأما الذين بقوا رافضين الدخول في الإسلام فهم لم يكونوا ليأكلوا الجمل ولم يكونوا ليأكلوا ذبائح أهل مكة من غير دينهم. فاليهود لا زالوا كذلك. لكننا لو نفسر الآية بأنها غير تشريعية بل يمنُّ الله بها على من كانوا مشركين فالمقصود من أهل الكتاب هم الذين آمنوا بالإسلام منهم لكانت المعاني صحيحة. لقد تغيرت عقائد الذين كانوا يهوداً وأصبحوا يأكلون من ذبائحهم ويتزاوجون معهم. هذا معنى الآية بإذن الله تعالى.

ماري:

شكرا يا عم محمود. لقد كنت في ضلال إثر قبولي للمعنى الشائع دون أن أفكر فيها بنفسي.

محمود:

كلامك صحيح يا ماري. على كل إنسان أن يرفض تقليد غيره ولا سيما الذين سبقونا من الطيبين. إنهم دون مستوانا ونحن بفضل الله تعالى أكثر تطورا منهم فعلمنا أوسع من علمهم وعلينا أن نفكر بأنفسنا. قال تعالى في بداية سورة الأعراف: المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3). القرآن منزل على رسولنا عليه السلام ولكنه ليس له لوحده بل له ولمن آمن برسالته. على الذين آمنوا أن يتبعوا القرآن الكريم ولا يتبعوا الأشخاص. لا يتبعون محمدا عليه السلام إلا في رسالته ولذلك لم يقم المسلمون الأوائل بكتابة أحاديث الرسول ويُقال بأنه عليه السلام منع من تدوين أحاديثه. إنها فهم بشري لا يفيد من بعده. ولعله لا يفيد المؤمنين الذين كانوا يعيشون أيام الرسول في الصين مثلا.

وقال تعالى في سورة محمد: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24). قاله سبحانه لمن حضروا رسالة السماء بأن من واجبهم أن يتدبروا القرآن بأنفسهم ولم يقل بأن من واجبهم بأن يتبعوا فهم أخيهم محمد عليه السلام. بالطبع أننا نتبع فهم نبينا للصلاة كما أنه هو عليه السلام كان يتبع فهم إبراهيم عليه السلام للصلاة. الصلاة بأصلها تشريع ولكنها في طريقة الإتيان بها سنة عملية إبراهيمية. إنها سنة بدأت بإبراهيم ولا نجد في دعوات الأنبياء السابقين على إبراهيم أي أمر بالصلاة. ولذلك لا نرى أي تعارض أو تناقض في قوله تعالى التالي في سورة فصلت مع أن فريضة الصلاة لم تكن معروفة بين من سبق: مَا يُقَالُ لَكَ إِلاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43).

أصل الصلاة واجب على كل من سبق ولكن صلواتنا التقليدية لم تكن معلومة من قبل ولذلك لم يذكر الله تعالى لنا كيفيتها في القرآن. والعلم عند المولى.

يتبع: زواج مرفوض

أحمد المُهري

29/6/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

التاريخ المادي يجهل الخليفتين أبا بكر وعمر


كتب الاتساذ رشيد ايلال مرة اخرى في بحثه عن حقيقة شخصيتي الخليفتين الراشدين 
ابوبكر وعمر ، وهذه الفرضية التي يقدمها الاستاذ رشيد تعتمد منهجية التحقق في 
البحث العلمي إلا ان التاريخ كما نعلم فعليا يعتمد على روايات مفترضة اي ما لا 
ما يمكن اثباته بالوسائل العلمية ، ما يجعلنا نقبل الرواية التاريخية حدوث 
الحدث ذاته ، وهناك متغيرات كبرى حدثت ابرزها سقوط المدائن ، فإن سلمنا بصحة 
فرضية الاستاذ رشيد فستبرز اسئلة اخرى : 
– هل هناك زوجة للرسول اسمها عائشة ومن ابوها ؟ 
– هل حدثت حروب الردة ؟ 
– هل ظهر مدعٍ للنبوة اسمه مسيلمة ؟ 
– هل هناك معركة القادسية ؟ 
– هل هناك من فتح مصر اسمه ؟ 
– هل هناك خلفاء بعد الرسول ؟ 
– اذن لم يكن هناك خلاف بين الانصار والمهاجرين حول الخلافة. 
– ربما من تولى بعد الرسول هو الامام علي وليس غيره ولم يكن هناك خليفة آخر 
حتى جاء معاوية ؟ 
…….
هناك احداث انا انها حدثت او انها لم تحدث ، فالم تحدث فاين ذهبت عقود من 
السنوات قبل ظهور حكم بني بني امية وبني العباس .

ليس لدينا اجابة الآن الا اننا قد نعرف لاحقا من الاستاذ رشيد نترككم مع 
المقال :

التاريخ المادي يجهل الخليفتين أبا بكر وعمر
بقلم: رشيد أيلال
تربينا في مجتمعاتنا المسلمة على استعمال العاطفة في كل ما يتعلق بتاريخنا، 
وعلاقاتنا وديننا، فلا نكاد نستوعب منطق العلم، الذي يؤمن بالدليل الملموس ولا 
شيء غيره، فكلما طالعتنا فكرة تختلف ولو بشكل بسيط عما تجرعناه من غير مشورة 
منا فألفناه ليصبح مسلمة تشكل موروثنا الثقافي، إلا وارتفعت عقيرة الكثير منا 
بالصياح وإقحام الدين في صراعنا مع الأفكار المتجددة، والمبنية على حقائق 
علمية قوية، يعتبر إنكارها من قبيل المعاندة والمكابرة والانتصار للذات.
وهذا ما وقع معي حينما نشرت تدوينة صغيرة على صفحتي الفيسبوكية أنبه فيها إلى 
أنه لا توجد أي وثيقة تاريخية ملموسة تثبت وجود شخصيتي أبي بكر وعمر، إذ أنه 
لتفنيد كلامي كان لزاما على من يدعي وجودهما أن يقدم بكل بساطة الوثيقة 
التاريخية لإثبات خطئي وتنتهي المسألة، على قاعدة “البينة على المدعي” غير أن 
رجل الدين المعاند والذي يقحم نفسه في كل شيء، فهو العالم بالفلك والنجوم، وهو 
الخبير في الطب والفيزياء، وهو الضليع في فهم التاريخ ومجاهله، لن يرضى 
بالاستسلام بسهولة سيما وأنه يقدس هذين الشخصيتين ويرفعهما إلى مكانة تتفوق 
على الأنبياء والمرسلين، فكانت الضجة التي أعرف أنها لن تنتهي بهذه السهولة، 
لأن مثيرها لا يملك من تواضع العلماء وانسياقهم مع الدليل العلمي حيث ما كان 
ووجد قطميرا.
أبو بكر الصديق.. من يكون؟ !
لا يجادل الفقيه كثيرا في أبي بكر الصديق عندما ننكر وجوده بقدر ما يجادل في 
عمر محاولا إثبات وجودهما بروايات شفاهية تناقلتها الألسن كالشائعات في زمن 
اتسعت فيه رقعة الدولة الإسلامية شرقا وغربا، في غياب وسائل التواصل السريعة 
مقارنة بعصرنا، حيث لا مجال من التأكد من الأخبار، ولا مجال من الوقوف على 
مصداقيتها، وهذا ما جعل التراثيين يحارون حتى في اسم أول خليفة من خلفاء 
الرسول-حسب زعمهم- فقد نشر الصديق الباحث سرمد رشاد بحثا على صفحات المجموعة 
الفيسبوكية تاريخ الإسلام المبكر أثبت من خلاله أن كتب التراث الإسلامي لم 
تستقر على شخصية أبي بكر من يكون؟ ولا على اسمه حيث يقول:” في هذا المقال سوف 
افند شخصية ( أبو بكر الصديق ) (( تاريخيا )) .. والذي امتلك عدة اسماء او 
القاب وهي :
عبد الله .. عتيق .. عبد الرحمن .. عبد الكعبة .. وسمي ايضا ابو بكر .. ودعي 
بالصديق . 
ونسأل هنا .. من هو ابو بكر الملقب بالصديق حسب الرواية الاسلامية المزورة 
التي وصلتنا ؟؟ هو: 
* عَبْد اللَّه .. بْن عثمان .. (( بْن عَامِر )) .. بْن عَمْرو .. بْن كعب .. 
بْن سعد بْن تيم بْن مرة بْن كعب بْن لؤي الْقُرَشِيّ التيمي، …. أَبُو 
بَكْر الصديق بْن أَبِي قُحافة ( ابي قحافة هو والده ) ، …. ( واسم أَبِي 
قحافة: عثمان)
*** نلاحظ ان والد أبو بكر هو {{ عثمان .. (( بن عامر)) .. بن عمرو }}
>> ولكن عندما نعود الى الكتب الاقدم للسيرة نلاحظ : 
من تفسير مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى (المتوفى: 150هـ):
فأخبره النبي-ص -فالتزمه أبو بكر، فقال: 
أشهد أنك صادق .. فسمي يومئذ الصديق …. واسمه : 
{{ عتيق .. ابن عثمان .. (( بن عمرو )) .. بن كعب .. بن سعد بن مرة }} اسم (( 
عامر )) ليس موجود !!!
هذه المعلومات المتضاربة والمضطربة جعلت الباحث سرمد يتعجب من أن المسلمين عبر 
التاريخ عجزوا عن تحديد نسب واحد موحد لمؤسس دولتهم العتيدة، والذي يعد أول 
خليفة في الإسلام حسب التراثيين، ليضيف في نفس المصدر:” ولكن من سيرة ابن هشام 
عن نَسَبهُ / قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: 
ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَاسْمُهُ عَتيق، 
وَاسْمُ أَبِي قحافة ( والد ابو بكر ) :
عُثمان .. بْن عَامِر .. بْنِ عَمرو .. بْنِ كَعْبِ .. بْنِ سَعْدِ بن تَيْم 
بن مُرّة بن لُؤَي بن غالب بن فِهر.)
نلاحظ الاختلاف حيث تم اضافة اسم بن عامر بعد اسم والد ابو بكر ( عثمان ) 
ومن المحزن ان القارئ العادي والمؤمن لن يلاحظ الفرق ، بينما هذا الفرق يقلب 
الحقائق بالكامل . 
*** نعود الان الى كتب الانساب وماذا تحدثت عن والد ابو بكر المعروف بعثمان .. 
ونسأل من هو عثمان بن عمرو الذي تقول الكتب الأولى انه والد أبو بكر الصديق:
* من كتاب المحبر .. أجواد الجاهلية :
>> ومن بنى تيم بن مرة: (شارب الذهب) وهو عثمان بن ((عمرو)) بن كعب بن سعد بن 
تيم بن مرة.)
* ومن أنساب الأشراف للبلاذري :
>> (عُثْمَان بْن (عَمْرِو) بْنِ كعب بْن سَعْد ابْن مرة،
ويقال لعثمان: شارب الذهب، وذاك أنه دق لؤلؤات فشربهن، ويقال: بل كَانَ يبذل 
الدنانير فِي الخمر فقيل إنما يشرب الخمر بالذهب، وقيل كَانَ سخيا فقيل هُوَ 
يشرب الذهب شربا لكثرة نفقته.
** اما اولاد عُثْمَان ( والد ابو بكر الصديق ) .. فهم :
معمر بْن عُثْمَان .. وعمرو بْن عُثْمَان .. وعمير بْن عُثْمَان .. وزهرة بْن 
عُثْمَان .. و{{ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عُثْمَان }} 
وَكَانَ يقال لَهُ: ابْن شارب الذهب، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: دخلنا مَعَ رَسُول 
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عمرة القضية فسلك فيما بين 
الصخرتين اللتين فِي المروة مصعدا فِيهَا.)
* وفي التوضيح لشرح الجامع الصحيح يتحدث الكاتب مستندا الى ابن اسحق عن أبو 
بكر الصديق
((وذكر ابن إسحاق: وكان أبوه يلقب شارب الذهب لكثرة نفقاته.))
**** اذن والد أبو بكر الصديق كان يلقب شارب الذهب !!
وكما يذكر الطبري .. ان أحد أسماء أبو بكر ((( هو عبد الرحمن بن عثمان )))
وعبد الرحمن بن عثمان كما قال البلاذري هو ابن شارب الذهب، وهذا ما يؤكد ما 
قاله الطبري ان أبو بكر هو عبد الرحمن بن عثمان.
حيث قام كُتاب السيرة بعد ذلك بإطلاق تسمية شارب الذهب على عبد الرحمن بن 
عثمان .
{{{ وهنا تأتي المفاجئة الكبرى }}}
* في كتاب الحيوان للجاحظ 
>> عبد الرحمن بن عثمان التيمي: نسبه إلى تيم بن مرة، 
(( قتل مع ابن الزبير بمكة سنة 73 هـ )) ( وكان يلقب شارب الذهب ) !!!
** وفي تهذيب الكمال في أسماء الرجال 
>> (عَبْد الرَّحْمَن بْن عثمان التَّيْمِيّ، ويُقال له: شارب الذهب !
وَقَال عثمان بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عثمان التَّيْمِيّ: قتل أَبِي مع عَبد 
اللَّه بْن الزبير بالحزورة.) !!!
الأمر إذن ازداد تعقيدا فحتى مصادر التراثيين تنسف حقيقة الخليفة الأول 
للمسلمين، فهذا أبو بكر الذي ليس إلا عبد الرحمن بن عثمان الملقب بشارب الذهب، 
قد توفي مقتولا إلى جانب عبد الله بن الزبير في مكة في معركته ضد الأمويين 
سنة73 هجرية، وهو في الحقيقة حسب نفس المصادر التراثية ليس إلا جنديا في صفوف 
عبد الله بن الزبير والذي من المفترض أن يكون حفيدا من جهة الأم لأبي بكر “عبد 
الرحمن بن عثمان” !!!
إن الروايات الشفاهية لم تستقر على شيء ولم تتفق على قصة ولا اسم ولا رواية، 
فحتى كتب الحديث تناقضت رواياتها “الصحيحة” في من كان مع الرسول في الهجرة هل 
هو أبو بكر أم شخص آخر؟ حيث نجد روايات تقول بأن من كان معه في هجرته هو أبو 
بكر، غير أن روايات أخرى تقول أن عبد الله بن أريقط هو من كان معه !! وبهذا 
تضيع الحقيقة، في غياب أي وثيقة تاريخية أو أثر ولو كان ضئيلا يؤرخ لهذه 
الشخصية “العظيمة” كما تصورها كتب التراث.
عمر بن الخطاب؟؟ من يكون؟ !
لا تكاد تعثر على خيال وثيقة مادية واحدة تثبت وجود عمر بن الخطاب أحد أعظم 
الخلفاء الراشدين والذي حكم حسب الروايات التراثية، إمبراطورية عظيمة امتدت من 
شرق آسيا إلى غرب إفريقيا، تم تقسيمها في العصر الحالي إلى 14 دولة مترامية 
الأطراف، غير أن التاريخ لم يحتفظ لنا بوثيقة ولو كانت يتيمة تؤرخ لهذا 
الإمبراطور العظيم، في حين احتفظ لنا التاريخ بالعملة التي سكها عبد الله بن 
الزبير الذي حكم رقعة صغيرة وهي مكة، وفي فترة قصيرة، كانت مضطربة وانتهت 
بقتله على يد الحجاج بن يوسف الثقفي.
فبالتنقيب في الوثائق التاريخية لا نجد إلا وثيقتين تؤرخان لشخصيتين كانتا 
تحملان اسم عمر بن الخطاب، الأولى عبارة عن وثيقة سريانية تتحدث عن الأسقف مار 
جبرائيل الذي عينه البطريارك على منطقة ܐܘܪܗܝ الرها والمتوفى سنة 631 ميلادية، 
تشير إلى أن عمر بن الخطاب كان قائدا بسيطا على منطقة توجد بين تركيا وسوريا 
وقد لجأ إلى الأسقف من أجل الصلاة له حتى ينجو هو وقبيلته من القحط الذي تسبب 
في جوعهم، وقطعا هذا ليس هو عمر بن الخطاب الامبراطور العظيم الذي قهر الروم 
والفرس، وحكم مصر العظيمة والتي تحتفظ ببرديات ونقوش ورسائل ورسوم وأيقونات 
تؤرخ لما يزيد عن أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، لكنها لم تحتفظ لعمر بن الخطاب 
بأدنى دليل يثبت وجوده، و التاريخ على العموم لم يسجل عن عمر أي شيء ولم يعترف 
له بأدنى دليل يوثق لإنجازاته العظيمة، يا للحرج !!
والثانية عبارة عن بردية باللغة العربية، تعود إلى القرن التاسع الميلادي، 
مسجلة بجامعة شيكاغو تحت رقم علمي E17861 تعود لما بين 815- 835م بحسب الأستاذ 
Fred Donner، وهي لشخص يدعى ابن سليم الحضرمي بعث بمبلغ من المال يقدر بستة 
وعشرين دينارًا مع شخص اسمه صفوان إلى مجموعة من معارفه الذين يبرهم بإحسان 
ومن بينهم شخص اسمه عمر بن الخطاب وحصته دينارًا واحدًا فقط! 
فهل يكون هذا هو عمر ابن الخطاب المنشود !!!
طبعا ليس هذا هو عمر بن الخطاب الخليفة العظيم الذي أثنت عليه كتب التراث 
فجعلته رمزا للعدل في الإسلام بل جعلته يتفوق على الرسول في الوحي، حتى أن من 
الآيات حسب الأحاديث التي يصححها شيوخ الكهنوت الديني، نطق بها عمر بن الخطاب 
قبل نزولها، أو نزلت موافقة لرأي عمر، فرغم كل تلك الأساطير إلا أن التاريخ لا 
يعرف هذين العظيمين.
العهدة العمرية ونقش زهير
يحتج علينا المعترضون والمستنكرون لقولنا هذا في أبي بكر وعمر، بالعهدة 
العمرية التي أعطاها لأهل إلياء، وأيضا نقش زهير الذي ورد فيه ” أنا زهير كتبت 
زمن وفاة عمر سنة أربع وعشرين” وتم اكتشافها سنة2012 في السعودية، والحقيقة أن 
العهدة العمرية لا يمكن الاحتجاج بها لأنها لم تكتب على أفضل تقدير إلا سنة 
250 هجرية أي بأزيد من 220 سنة على والوفاة المفترضة لعمر بن الخطاب حسب كتب 
التراث، وقد أكدت هذا جامعة آل البيت الإسلامية بالأردن، كما أن الخط الذي 
كتبت به الوثيقة بحروف المد والتنقيط يؤكد بما لا يدع مجالا للشك على أن هذه 
الوثيقة تبعد بردح من الزمان عن التاريخ الذي يدعيه التراثيون، فتنقيط الحروف 
وأيضا وضع حروف المد في الخط العربي جاء على عهد عبد الملك بن مروان، واكتمل 
هذا بشكل النهائي في العصر العباسي على يد الخليل الفراهيدي، كما يعرف الفقهاء.
أما نقش زهير فهو كذبة تاريخية مزورة، حيث أن الخط الكوفي الذي كتب به النقش 
لم يتم ابتكاره إلا في عهد عبد الملك بن مروان، كما أن النقش يثبت التنقيط 
وحروف المد بشكل واضح بالإضافة إلى أن النقش يذكر عمر وليس عمر بن الخطاب 
وكاتبه زهير لا احد يعرفه ولو كان يتحدث عن عمر بن الخطاب لقال أمير المؤمنين 
أو لقال عمر رضي الله عنه لكن لا يوجد أي شيء من هذا.
وقد أثبت خبير النقوش روبيرت كير التابع لجامعة سار بروكن الألمانية زيف نقش 
زهير بأدلة قوية على الأقل مرتين، سنة2018 في مؤتمر مركز إنارة بألمانيا 
ومؤتمر آخر بجامعة كوبنهاغن بالدنمارك.
وتجدر الإشارة في نهاية هذا المقال إلى أن كتاب تاريخ الأرمن للمؤرخ الأرميني 
سيبيوس يذكر في تاريخه أن من دخل إيلياء “القدس” هو النبي محمد ويوافقه في هذا 
المؤرخ دوكاترينا جاكوبي في القرن السابع، فمن يكون أبو بكر ومن يكون عمر بن 
الخطاب؟ لا جواب في التاريخ عن هذا السؤال !!!


Rachid Aylal

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

مسائل القبلة ان غادرنا الارض ، ونقل الدم ، والاسلحة النووية ، واطفال الانابيب وغيرها



استكمالا لرسالة الأخ ابو الزهراء العبودي نلخص بيان الشيخ المُهري حول تلك المسائل ويلي النص الكامل: 

تساءل فيها العبودي عن الحياة التي تعقدت وتحتاج الى تشريعات السماء ، وجاءت الرسالة بمسائل منها خروج البشر من الكوكب الارضي ، واتجاه القبلة ان غادر الناس الى الفضاء ، وعمليات نقل الدم ، والاسلحة النووية ، وغيرها ….  

اولا : ان وصل البشر الى الكواكب قد تكون نعمة من الله تعالى الذهاب اليها لاعمارها لا لتدميرها لان تدميرها قد يؤدي لكوارث اكبر . 

ثانيا : عن اتجاه القبلة خارج الارض ، القدس مقدسة واهم من مكة المحرمة ، والتوجه للكعبة لتوحيد التوجه ، فيمكن ان يتم التوجه لاي اتجاه و الوجهة لله تعالى. 

ثالثا : لم يمنع الله تعالى نقل الدم او الاعضاء ، وما يمنعه احد لا يلزم لنا ولا حجة علينا . 

رابعا : استخدام اي شيء في منفعة الناس خير ، منها تفكيك الذرة لتوليد الطاقة ، والاسلحة النووية العقل يحرمها الا ان  الدفاع مسألة عقلية ايضا ، وآيات القتال جميعها خاصة بالرسول ، ولا جهاد الا في حدود الدفاع ولابد من الاعداد والقوة . 

خامسا : استخدام النفط والغاز الذي تشكل منذ ملايين السنين في خدمة الانسان وما يحرمه الله هو الاسراف فيه واهلاك ما تستحقه الاجيال القادمة ، وهذا الاسراف يهلك الارض ويدمرها والتي قد تبدأ فيها الحياة بالافول بعد 3500 سنة . 

سادسا :  عن تلويث الكوكب ، لا يمكن تحريم كل شيء لاننا نراه سلبيا ، فكل نظام مفيد قد يضر. لكن تقنين كل شيء ضروري ويقوم بها البشر.

سابعا :   أطفال الأنابيب لا يناقض القرآن إطلاقا.

ثامنا :  مسألة حمل الرجال بدل النساء.فهل هو رجل طبيعي ، ام خلل وراثي ، وان كان لا ندري هل ستنجح العملية في المستقبل أم لا؟ وفي الظن هذا محرم  فتغيير خلق الله محرم . 

تاسعا : عملية صناعة إنسان كامل  العلم لم يصل إلى ذلك بعد وليس هناك أمل في المنظور القريب بقدر علمي المتواضع.

عاشرا : مسألة إنتاج بشر بدون تلقيح فهل تقصد إنتاج إنسان بالاستنساخ؟  على كل حال لا داعي لأن نبحث عن صحة هذا المشروع دينيا من واقع القرآن الكريم قبل أن تتم تجربة واحدة على الأقل لنرى . أما استنساخ الأعضاء لعلاج المرضى فلا أظن بأن هناك أي إشكال في ذلك قرآنيا. 

حادي عشرة : لا أرى في استخدام الكحول أي تحريم. ذلك لأن الله تعالى حرم الخمر باعتبار السكر ولم يقل بأن قليله حرام أيضا. 

ثاني عشرة : الأطعمة المعدلة وراثيا قد تضر بالناس  هناك سوف تمنعها الأنظمة .

ثالث عشرة : الجملة الكريمة (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) تمثل مسألة عقلية في واقعها. فالعاقل لا يجوز له أن يؤذي نفسه أذى كبيرا قد تعجل له الموت أو تنقص من عمره. 

رابع عشر : موضوع سجن الحيوانات أخلاقي أكثر من أن يكون دينيا. ولعلهم يصدرون قانونا مستقبلا.

ختاما : على كل حال، فإن الموضوع أخلاقي وعلينا ألا ننتظر من التشريع السماوي أن يتدخل في كل صغيرة وكبيرة عندنا. 

مسائل الاخ ابو زهراء العبودي : 

 حياة البشر تعقدت ظهرت فيها امور غير مالوفة لاسلافهم تحتاج الى تشريعات سماوية

خروج البشر من كوكب الارض الى الكواكب الاخرى هل هو حلال ام حرام ؟ وكيف لبشر ان ينقطع عن الارض…مثلا كيف يصلي المسلم على القمر والمريخ وهو ملزم بالصلاة على التراب …كيف يحج ؟ كيف يجاهد مثلا؟ كيف يصلي الى القبلة؟
عمليات نقل الدم ونقل الاعضاء…كيف لامراة تجري في عروقها دماء رجل وكيف لشخص ان يعيش بجسد غيره…طبعا شهود يهوه وهم فرقة دينية مسيودية اي مسيحية يهودية يحرمون نقل الدم ونقل الاعضاء
الاسلحة النووية حلال ام حرام؟
تعليب الاطعمة حلال ام حرام؟
تفكيك الذرة حلال ام حرام؟
استخراج الفحم والنفط والغاز حلال ام حرام؟ وكيف لنا ان نعرف ان من حق الانسان او ليس من حقة بعثرة باطن الارض واكل احشاءها بظرف 300 سنة بينما احتاجت مليارات السنين لتتكون؟
ماذا عن النفايات النووية والعادية وتلويث الكوكب ؟
نظام ال جي بي اس والانترنت ومواقع التواصل والاعلام ماهو حكمها وقد تحولت الى ادوات للتجسس وانتهاك خصوصية البشر
اطفال الانابيب
حمل الرجال بدل النساء 
انتاج بشر بدون تلقيح 
استخدام الكحول في الادوية 
الاطعمة المعدلة وراثيا
سجن الحيوانات في المزارع للبيض واللحوم 
ملايين الاسئلة عن اشياء استجدت في حياة البشر لم تكن على عهد الديانات القديمة
عندما ننظر الى الصراعات الدينية والى تعدد شراح الديانات والى تضارب اراؤهم وتناقضها داخل الديانة الواحدة نعرف ان البشر اليوم احوج منه للانبياء والرسل من اي زمن ماضي
ماهي ثروة ابو لهب مثلا مقابل الدخل الفردي اليوم فكيف بالثروات المليونية والمليارية وماحكمها 
هل فكرت بمصدر الكوبالت والليثيوم الذي يبنى منه هاتفك المحمول ؟
هاتفك المحمول لم يكن ليظهر لولا الاطفال الذين يموتون بحفر التعدين عن الكوبالت 
كل اصبع موز تاكله مقابله راس او اصبع طفل افريقي
هل ثم غضب الهي على فساد البشر؟

أبو زهراء العبودي

……..

اجابه الشيخ أحمد المُهري بالبيان التالي : 

بعض المسائل المعلقة برأي الأخ الكاتب.

أسعى فيما يلي أن أبحث عن حل للمسائل التي أوردها الأخ الكريم في مقالته:

1.

خروج البشر من كوكب الارض الى الكواكب الاخرى هل هو حلال ام حرام؟.

قال تعالى في سورة الرحمن: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ (35). اعتبر الله تعالى النفوذ في أقطار السماوات والأرض نعمة من الله تعالى ولكنه في الآية التالية أخبرنا بأننا كبشر وكذلك الجن لن ننتصر على الكواكب والأقطار السماوية. ذلك لأن بواطنها مليئة بالنار والنحاس المذاب ولا يمكن النفوذ منها. فهو أجاز لنا ولكنه أخبرنا بعدم إمكانية النفوذ. ونحن في الواقع نسعى للذهاب إلى سطوح الكواكب ولم يسع أحد حتى اليوم للدخول في أعماقها ولا لتدميرها. يعلم الجميع تقريبا بأن تدمير أي كوكب قد يؤثر في الحياة الإنسانية في الأرض.

2.

وكيف لبشر ان ينقطع عن الارض…مثلا كيف يصلي المسلم على القمر والمريخ وهو ملزم بالصلاة على التراب …كيف يحج؟ كيف يجاهد مثلا؟ كيف يصلي الى القبلة؟.

قال تعالى في سورة البقرة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (143) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144). كانت القبلة باتجاه القدس حينما وصل الرسول عليه السلام إلى المدينة. ولعلكم تعلمون بأن القدس في القرآن أهم من مكة كثيرا. وحتى لا تقعوا في ريب فإن الله تعالى اعتبر مكة محرمة أو البلد الحرام بمعنى أنها مسجلة عند الله تعالى بأن تبقى ولا تزال معالمها فهي محرمة. مكة في واقعها متحف قديم خلق الله تعالى فيها الإنسان الأول والأنعام الأربعة فلا يجوز مسها إلا في حدود السكن والحج. فهي مدينة مسجلة كمتحف. وأما القدس أو الأرض المقدسة فقد تجلى فيها نور الله تعالى ولذلك سماها الله قدسا باعتبار قدسيته والكعبة ليست مقدسة بل هي محرمة فقط. فرضي الله تعالى بأن يتركوا التوجه نحو القدس ويتجهوا إلى مكة. تدل ذلك على أن التوجه إلى مكان معين ليس مهما عند الله تعالى ولكن توحيد التوجه مهم جدا حتى يتجه الناس جميعا جهة واحدة إرضاء لربهم. قال تعالى في سورة البقرة: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115).

فلا داعي للتوجه إلى القبلة إذا سافر المسلم في الكواكب الأخرى بل إلى أية جهة يتوجه المصلي ويقصد بها وجه الله تعالى احتياطا كما أظن.

أما الصلاة على التراب فلم يأمرنا ربنا بذلك. لا توجد آية في القرآن تأمرنا به.

3.

عمليات نقل الدم ونقل الاعضاء…كيف لامرأة تجري في عروقها دماء رجل وكيف لشخص ان يعيش بجسد غيره…طبعا شهود يهوه وهم فرقة دينية مسيودية اي مسيحية يهودية يحرمون نقل الدم ونقل الاعضاء.

لم يمنع الله تعالى نقل الدم ولم يمنع نقل الأعضاء ولا تأثير في نقل دم رجل إلى امرأة أو العكس. والواقع أن جسد الإنسان يتمثل في رأسه ولا يمكن تبديل الرأس ولا سيما المخ. وما يفعل شهداء اليهوه ليست ملزمة لأحد. ناقشتهم في عدة مواضيع ومنها هذا الموضوع قبل فترة طويلة ولا أتذكر جوابهم بالكامل لكن ادعاءاتهم ليست منطقية. إنهم يحللون ويحرمون حسب مزاجهم وحسب فهمهم ولديهم بعض الأحكام الطيبة كما أنهم يؤمنون ببعض التشريعات الفاسدة. فمثلا لا يجيزون الدخول في الانتخابات لأي سبب كان. قلت لأحدهم لو فرضنا بأن الحكومة أعلنت الانتخابات للرئاسة وكان الرئيسان المقترحان أحدهما هيتلر السفاك والآخر رجل مسالم فما تفعل؟ قال لا أدخل الانتخابات. قلت له لو أخبروك بأن الشخص الأقل خطورة من هيتلر يحتاج إلى صوت واحد ليتغلب على هيتلر فهل يجوز لك أن لا تمنحه صوتك؟ قال: ما علي من ذلك؛ أنا لا أنتخب لأن الانتخابات غير شرعي. قلت استعمل عقلك لترى بأنك بعملك هذا قد تأتي بهتلر جديد يحكم بلدك فهل عقلك يقبل ذلك؟ والخلاصة بأنه بقي متزمتا في رأيه. فلا عبرة بآرائهم. وهم ليسوا فرقة مسيحية يهودية برأيي ولكنهم يعتقدون بوجوب العمل بكل الكتاب المقدس فهم في هذه الجزئية أكثر تدينا من غيرهم فقط.

4.

الاسلحة النووية حلال ام حرام؟
تعليب الاطعمة حلال ام حرام؟
تفكيك الذرة حلال ام حرام.

العقل يحرم أسلحة الدمار الشامل ولكن لو حصل عدوك عليه فمن واجبك أن تسعى لتحصل عليه. قال تعالى في سورة الأنفال: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (60) وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62). هذا هو حكم القرآن الكريم وهو حكم الله تعالى طبعا. علينا بأن نتجهز ضد عدونا وهذا لا يعني بأن نستعمل قدراتنا ضده. لو أن اليابان كانت تملك القنبلة النووية لما تجرأت أمريكا من الهجوم عليها؛ تماما مثل كوريا الشمالية التي تملك ذلك فتخاف منها الولايات المتحدة الأمريكية مع كل هيبتها.

لكن المعاهدات الدولية الجديدة تحول دون تمكن دولة من استعمال القدرات النووية. على هذا الأساس يمكن للبرلمان أن تشرع عدم امتلاك القدرات النووية. المهم أن الأمر يعود إلى البرلمان برأيي. فالله تعالى لم يمنع من التزود بالسلاح ولكن في حدود إرهاب الأعداء. لم يأمر الله تعالى أحدا بخوض الحروب عدا الدفاع. لا يوجد في القرآن أي إذن بفتح البلدان فكل الفتوحات التي قام بها المسلمون غير شرعية. لا يوجد أي إذن لأي شخص بمن فيه الرسول نفسه عليه السلام بإعلان الحرب. إنما الدفاع مسألة عقلية لم يمنعها القرآن الكريم. ولو نقرأ آيات القتال في القرآن نجد بأنها جميعا شخصية خاصة بالرسول وكلها دفاعية. حتى فتح مكة أذن بها الله تعالى ليستعيد أهل مكة أموالهم ويساعدوا الذين طلبوا من ربهم أن يقويهم ضد الذين استضعفوهم. ولا يوجد أي إذن لأي شخص في الوجود بأن يعلن الحرب ضد أحد. فلا جهاد في الإسلام إلا في حدود الدفاع الذي يتفق مع العقل.

أما تعليب الأطعمة وتفكيك الذرة فالقرآن لم يمنع منهما وما المانع من ذلك إن لم يكن فيهما ضرر على البشرية أو على ممتلكاته وخاصة طعامه وشرابه؟

5.

استخراج الفحم والنفط والغاز حلال ام حرام؟ وكيف لنا ان نعرف ان من حق الانسان او ليس من حقة بعثرة باطن الارض واكل احشاءها بظرف 300 سنة بينما احتاجت مليارات السنين لتتكون؟.

قال تعالى في سورة الأعلى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى (5).

نظرة أولية إلى الآيات تشعرنا بأن الله تعالى بصدد بيان ما فعله لنا قبل أن نتواجد في الأرض فنسبحه لما فعله سواء في خلقنا وفي منحنا النفس الإنسانية مستوية مع أبداننا أو في تقديراته الأخرى. هناك عصر نباتي قديم في الأرض وقد انقرض ذلك العصر بالكامل كما يظنون. فهناك الديناصورات وكذلك الأعشاب المناسبة لهم والأشجار الضخمة وكلها احترقت بأمر الله تعالى وتحولت إلى غثاء أسود. تلك هي النفط والفحم الحجري اللتين ورثناهما وهما مصنوعتان لمن يحتاج طبعا. ولو لم نسرف فيهما فلا وجه لتحريمهما. يحتمل البعض بأنها اندثرت بفعل النيازك وهناك آراء أخرى لكن الجميع يقبلون بأنها هي التي تحولت إلى الوقود الطيب المفيد لنا. بالطبع علينا أن نستعمل عقولنا اليوم فنستفيد من النفط للبتروكيماويات ونسعى لاستخلاص الطاقة من الشمس والشلالات والرياح وغيرها من الطاقة النظيفة إضافة إلى الغاز. فالأمر عائد إلينا وإلى عقولنا.

وأما تساؤلكم عن جواز بعثرة ما في باطن الأرض التي استمرت صناعتها مليارات السنين ونحن نستهلكها أو نسرف فيها خلال عدة قرون فقط؟ إنه تساؤل طيب وفي محله في الواقع لكننا نعود إلى كتاب ربنا لنرى السبب في خلقها. قال تعالى في سورة البقرة: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29). فكل ما في الأرض مخلوقة للإنسان في واقعها ولذلك نرى ربنا يذكر بعدها مباشرة السبب في خلق الإنسان بقوله الكريم: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30). وبملاحظة آية أخرى نعرف بأن الإسراف محرم. قال تعالى في سورة الأعراف: يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32). فهو سبحانه أخرج لنا كبشر بجميعنا كل الطيبات من الرزق مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا وكل شيء بما فيها الزينة. لكنها كلها متاحة في الآخرة فقط لذين آمنوا في الحياة الدنيا. فكلها لنا والإسراف فقط حرام.  

ذلك يعني بأن البشرية مأمورة بدراسة كل شيء ليضمن عدم الإسراف كما أن عليه بأن يسعى لعدم الفساد والتدمير في الأرض فهو محرم أيضا. قال تعالى في سورة المائدة: إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33). فهو سبحانه يقر بأشد العذاب ضد الذين يفسدون في الأرض وهم الذين يدمرون الأرض فيظلمون الموجودين ومن سيأتي بعدهم.

ولا ننس بأن عمر البشرية في الأرض قد ينتهي بصورة طبيعية بعد حوالي 3500 سنة حيث تبدأ الحياة بالأفول شيئا فشيئا كما أظن. والعلم عند الله طبعا. ونحن نزداد علما يوما فيوما فنتعلم كيفية الاقتصاد في الثروة التي مضى على إعدادها ملايين بل بلايين السنين. لكن المجرمين والفاسدين يشعلون الحروب المدمرة فيدمرون البشر والحجر وعلى الإنسانية إيقافهم عند حدهم ليتوقف الفساد في الأرض بإذن الله تعالى.

القول بأن البشر قد يستفيد أكثر من حقه ليس صائبا كثيرا إلا إذا قلنا بأنه قد يفسد في الأرض. لنستحضر ما فعله سلفنا قبل مئات السنين. كانوا يذبحون بقرة ليطعموا أنفسهم ولو كان عددهم قليلا؛ يأكلون من لحمها ما قووا ثم يرمون بالباقي للطيور الجارحة مثلا لتعذر إمكانيات الحفظ لديهم. فهل يمكن اعتبارهم مسرفين مثلا؟ كلا؛ ليسوا مسرفين إلا إذا دمروا وتعمدوا الإسراف ولكنهم لم يتعرفوا على طرق الحفظ والصيانة مثل التبريد والتثليج والتعليب والتيبيس وغير ذلك من أساليب الاحتفاظ بالمأكولات. هناك الكمبوست مثلا وهو مشار إليه في القرآن أيضا وهو من اختراع المسيح عليه السلام كما أظن؛ كما أن هناك السماد العضوي وهو من اكتشافات سليمان عليه السلام في القرآن. كل ذلك طرق علم الله تعالى إياها خلقه ليستفيدوا من الأرض وما فيها خيرَ استفادة. لكنه هناك إسراف لا مفر منه أحيانا. مثال ذلك هو الأمطار التي قد يذهب كثير منها سدى في ظاهره. والخلاصة بأن من واجبنا أن نسعى والله تعالى سيعلمنا المزيد تباعا تبعا لنظامه. قال تعالى في سورة طه: قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50).

ولنعد قليلا إلى مسألة تفكيك الذرة وصناعة الأسلحة النووية. لو كان تفكيك الذرة بغية استخراج القوة الهائلة فيها وتحويلها إلى الكهرباء مثلا فما ضير ذلك؟ ولكن لو كان الهدف تدمير البشر وما يملك فهو بالتأكيد محرم حتى في القوانين الإنسانية ولا سيما القوانين الدولية. تفكيك الذرة لا يضر بالأرض إصالة ولكنه قد يضر باعتبار نوع التفاعل الذي يوظفونه. القاعدة أن كلما يفسد الأرض أو يؤثر في حياة الناس فهو محرم طبعا.

6.

ماذا عن النفايات النووية والعادية وتلويث الكوكب؟

نظام ال جي بي اس والانترنت ومواقع التواصل والاعلام ماهو حكمها وقد تحولت الى ادوات للتجسس وانتهاك خصوصية البشر.

لقد تحولت الإنسانية برمتها إلى أسرة واحدة لها برلمان دولي واحد وهم يفكرون في كل هذه المسائل ويسعون لنشر وتعميم الحلول لكل مشكلة. كل نظام مفيد قد يضر. أبسط مثال لها هو السكين فهو ضروري للإنسان ولكن المجرمين يستعملونها لقتل البشر فهل يمكن أن نمنع من صناعة السكاكين مثلا؟ نظام الجي پي إس مفيد لا يمكننا اليوم أن نعيش براحة بدونه فلا يمكن تحريمه وليس لنا في كتاب ربنا أي دليل على تحريم هذه الأنظمة. لكن تقنين كل شيء ضروري ويقوم بها البشر عن طريق المنظمات الدولية التي علمنا إياها ربنا لحماية أنفسنا وممتلكاتنا. وبالمناسبة هناك إشارة جميلة إلى مسألة تغطية الكوكب بثمان نقط كما هو في الجي پي إس. قال تعالى في سورة الحاقة: وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17). تتحدث الآيتان الكريمتان عن الدمار الكوني الشامل وكيف تتجمع كل الكواكب في مجموعة واحدة وهي فاقدة الجاذبية من أطرافها لتحمي نفسها. هناك ثمان مجموعات من الملائكة أو ما يشابه الملائكة مسؤولون عن مد التجمع الكروي الجديد بالجاذبية من ثمانية جوانب للكرة بحيث تغطي كل الكرة. ونظام التموضع الدولي يقوم بافتراض ثمانية زوايا حول الأرض فتنصب في كل زاوية ثلاثة أقمار تتحرك في زاويتها لتغطي مجموعها كامل الكرة الأرضية. والإضافات التي تمت فيما بعد حيث أضافوا 6 أقمار أخرى ليبلغ العدد 30 قمرا فإنها أقمار احتياطية في الواقع. بالطبع أن مهندسي التموضع لم يستفيدوا من القرآن ولم ينتبهوا إليه لكننا المؤمنون بالقرآن نرى بأن القرآن تحدث عن زوايا التموضع بالإشارة طبعا. هناك إشارة أخرى بأن العرش وهو يعني كل الكواكب الغازية وكل الكواكب الصلبة معا محمولةٌ طاقويا في جوانب الكون. هناك قبة سماوية تحيط بكل الكون وهي تتبادل الجاذبية مع الكواكب الجانبية ولكنها هي بنفسها تحتاج إلى جاذبية من خارجها حيث لا كون ولا هم يحزنون. هناك تقوم كائنات أخرى غير مادية بحماية الكون ونحن لقلة علمنا نسميها ملائكة طبعا. قال تعالى في سورة غافر: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7). ذلك هو نظام التموضع الكوني جل خالقها وحاميها وسبحانه وتعالى.

والله تعالى حرم التجسس ولكن البشرية تخالف حكم الله بمن فيهم المسلمون والذين يقيمون الحكومات الدينية أيضا. قال تعالى في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12). ألا يعني ذلك بأن التجسس حرام وبأن نظام الكون الذي يديره الله تعالى كاف لحمايتنا فلا نتدخل في خصوصيات الأفراد.

7.

اطفال الانابيب

حمل الرجال بدل النساء

انتاج بشر بدون تلقيح.

أطفال الأنابيب لا يناقض القرآن إطلاقا. إنه وسيلة جيدة لحماية الحيمن الضعيف من الموت قبل أن يتم عملية صناعة الخلية الأولى داخل بويضة الأم. فالإنسان في الأنابيب يعود إلى رحم أمه و الحيمن المنتقل إليه هو حيمن أبيه. لكن الإشكال الكبير في الذين يأتون بـ حيمن من غير أبيه. هناك يكون الابن لمن هو مالك ذلك الحيمن وليس زوج أمه. ذلك الطفل لا يرث أباه ولو كانت أنثى فهو ليس محرما معه طبعا. علينا أن نعرف بأن الله تعالى هو مالك الطبيعة وله نظام طبيعي لإدارة الكون ونحن نعرف القليل من ذلك النظام المتقن. فالولد آنذاك ليس ابن ذلك الزوج طبيعيا فالزوج ليس أبا لذلك الطفل.

نأتي إلى مسألة الفاحشة. ليس سهلا أن نفهم حقيقة ما فعلته الأم في نفسها حيث حملت خلايا أحادية من غير زوجها. إنها لم تأت بفاحشة طبعا حيث لم يكن هناك تلاق جنسي بينها وبين صاحب ذك الحيمن المولد. أنا في الوقت الحاضر يصعب علي فهم الحكم الشرعي بالنسبة للأم فقط. قد يكون هناك من هو أعلم مني فيتحدث عن الحكم الشرعي من واقع القرآن الذي نؤمن به. لا عبرة بإخواننا أصحاب الفتاوى فهم ليسوا وكلاء عن الله تعالى لنتقبل أحكامهم وفتاواهم البائسة.

أما مسألة حمل الرجال بدل النساء. فالرجال في الأصل فاقدون لجهاز صناعة الطفل. كما أن هرموناتهم غير متشابهة فالمتحولون جنسيا قد لا ينجبوا إطلاقا وهناك خطورة الموت كما يقوله بعض الأطباء. هناك أحاديث كثيرة يتناولها الأطباء حول الموضوع ولا ندري هل ستنجح العملية في المستقبل أم لا؟ ولو نريد أن نعرف فتوى القرآن الكريم فهو كما أظن محرم لقوله تعالى في سورة النساء:إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (116) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا (117) لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ َلأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119). فتغيير خلق الله محرم لأنه من وعد الشيطان الرجيم الذي لعنه الله ذاكرا وعوده المرفوضة شرعا.

وأما عملية صناعة إنسان كامل بنفسه من غير طريق الأرحام فهو مستحيل قرآنيا بقدر علمي المتواضع. قال تعالى في سورة يس: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36). فهناك بدن مصنوع من الأرض وهناك نفس مصنوعة من نفس إنسان آخر وهناك أمر آخر لا نعلم عنه شيئا. والحديث في الآية هو عن الأزواج البشرية وليس عن كل الأزواج الحيوانية والنباتية لأنه سبحانه استعمل الضمير هم (أنفسهم) فهو ضمير خاص بالمدركين. ولا أظن بأن الأرحام المزروعة للذين غيروا جنسهم يمكن أن تؤدي إلى نفس النتيجة. على كل حال فالعلم لم يصل إلى ذلك بعد وليس هناك أمل في المنظور القريب بقدر معلوماتي البسيطة.

وأما مسألة إنتاج بشر بدون تلقيح فما عرفت المعنى بالضبط. هل تقصد إنتاج إنسان بالاستنساخ؟ لو أردت ذلك فهو ليس متاحا بظني. ولا أظن بأن العلم يمكن أن يصل إلى استنساخ إنسان كامل في المستقبل بغض النظر عن المسائل الأخلاقية التي يستند إليها الذين يمنعون من تجارب الاستنساخ. على كل حال فلا داعي لأن نبحث عن صحة هذا المشروع دينيا من واقع القرآن الكريم قبل أن تتم تجربة واحدة على الأقل لنرى كيفية ذلك. أما استنساخ الأعضاء لعلاج المرضى فلا أظن بأن هناك أي إشكال في ذلك قرآنيا. إنه ليس داخلا ضمن عملية تغيير الخلق المحرمة في القرآن بقدر علمي القليل.

8.

استخدام الكحول في الادوية 
الاطعمة المعدلة وراثيا
سجن الحيوانات في المزارع للبيض واللحوم.

لا أرى في استخدام الكحول أي تحريم. ذلك لأن الله تعالى حرم الخمر باعتبار السكر ولم يقل بأن قليله حرام أيضا. نحن بالطبع لا نشرب حتى قطرة من الخمر احتياطا ولكن استعمال أي كحل بما فيها المسكرات في الدواء ضرورة يصعب تفاديها فهو علاجي وليس الدواء مع القدر القليل من الكحول داخل ضمن المسكرات دون ريب.

الأطعمة المعدلة وراثيا قد تضر بالناس فإذا ثبت ضررها يوما ما حد تعجيل الموت مثلا فقد تدخل ضمن الآية التالية من سورة البقرة: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195). موضوع الآية هو المنع من عدم الإنفاق التي قد تؤدي إلى انتشار السرقة والقتل من قبل الجائعين طبعا. لكن الجملة الكريمة (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) تمثل مسألة عقلية في واقعها. فالعاقل لا يجوز له أن يؤذي نفسه أذى كبيرا قد تعجل له الموت أو تنقص من عمره. والقرآن يحرض على حماية الإنسان نفسه فبهذا الاعتبار لا يجوز له القيام بأي عمل يؤدي إلى الموت في النهاية. لكن الموضوع قد يكون غير وارد ضمن المهلكات والعلم عند الله تعالى. ولذلك فنحن نأكل من تلك الأطعمة حتى يتبين أنها في غاية الضرر. هناك سوف تمنعها الأنظمة الحكومية بل قد تمنعها الأمم المتحدة.

وموضوع سجن الحيوانات أخلاقي أكثر من أن يكون دينيا. والواقع بأن البشر منذ القدم كانوا يحصرون الدجاج في بيوتهم خوفا من الضياع أو السرقة. لكن التجار اليوم يحصرونها في قاعات غير أخلاقية في الواقع لأن الحيوان بحاجة إلى التفسح إلا أننا من الصعب أن نقول بأن ذلك حرام شرعا. وقد بدأ بعض المؤسسات بتشجيع بيع البيض من غير طيور الأقفاص ولعلهم يصدرون قانونا مستقبلا. على كل حال، فإن الموضوع أخلاقي وعلينا ألا ننتظر من التشريع السماوي أن يتدخل في كل صغيرة وكبيرة عندنا. وختاما أشكر الأخ الكريم أن شجعني على مناقشة كل المسائل التي مر على خاطره وأتمنى أن تكون أجوبتي مقنعة له ولغيره. وأنا دائما بانتظار من يصحح أخطائي. تحياتي له ولمن يطلع على هذه المقالة ومعذرة من التطويل.

أحمد المُهري

21/6/2019ِ

#تطوير_الفقه_الاسلامي