أبونا الأول واحد اسمه آدم


أبونا الأول واحد اسمه آدم

لاحظت بأن أحد الإخوة المكرمين في جلساتنا القرآنية مصر على أن آدم ونوحا ليسا شخصين معلومين بل آدم اسم جنس ونوح اسم جنس أيضا. بالطبع أنه يقصد به المهنة وليس الجنس. أنا لا أعرف الشخص الذي أوهم هذا الوهم لبعض الإخوة الكرام. كما أنني أشعر بأن الموضوع لا يستحق أي بحث فآدم ونوح شخصان معلومان في القرآن وليس في التاريخ البشري أية معلومة عنهما. إن كل من تحدث عن الشخصين الكريمين من المؤرخين فهو كذاب ومفتر إلا الله تعالى الذي حضر كل مشاهد الكون برمته. ونحن كمسلمين لا نؤمن بأي كتاب كامل غير منقوص ولا مدسوس من السماء عدا القرآن الكريم. نؤمن بالتوراة والإنجيل ولكننا لا نملك نسخة سماوية منهما. كل ما بيدنا تمثل كتابات بشرية سعى أصحابها ليجاروا الكتابين السماويين المقدسين.

وعلى أي حال فإنهما بمختلف نسخهما إضافة إلى القرآن الكريم لا تتحدث عن مهنة اسمها نوح ومهنة أخرى اسمها آدم؛ بل تتحدث عن شخصين معلومين. ولكن في البداية اسمحوا لأوضح معنى اسم الجنس الذي يتكرر كثيرا على الأفواه ويبدو بأن هناك ضرورة لمعرفة هذه الجزئية من القواعد العربية. اسم الجنس في اللغة يعني الاسم الذي يصدق على مجوعة متشابهة مثل أفراد البشر وأفراد العقارب وأفراد النعام وأفراد الكلاب وأفراد الأراضي وأفراد المزارع. لكننا لو تحدثنا عن المهندسين والأطباء والكلاب الحارسة والقطط الأليفة فإن الطبيب والمهندس والحارس والأليف لسن أسماء أجناس. إنها مهن وصفات وليست أجناس.

ولا يوجد فرق كبير بين معنى الجنس في علم اللغة ومعنى الجنس في علم المنطق من حيث التعريف ولكن هناك فرق بينهما من حيث التطبيق. فالإنسان ليس جنسا في المنطق بل هو نوع ولكن الإنسان من جنس الحيوان منطقيا. وهكذا الكلاب والقطط فهن لسن أجناس بل أنواع أو فصول عند المناطقة. ولذلك قلت بأن مقصود القائل من اسم الجنس كما أحتمل هو اسم المهنة. نحن نعرف بأن مهنة نوح المعروفة بيننا هي صناعة السفن فهل كل صانعي السفن أنواح. بمعنى أن نوح اسم لكل من صنع السفينة مثل أم عريط التي تعتبر اسما للعقرب أو أسامة التي تعتبر اسما للأسد. فكل عقرب أم عريط وكل أسد أسامة وهذان المثالان هما من أمثلة المرحوم ابن مالك رحمه الله تعالى عند بيان الأعلام الجنسية. فكما قلت بأن كل نوع من أنواع الحيوان يُعتبر جنسا في اللغة العربية ولذلك فالعقرب والغنم والإبل أجناس.

وإذا قلنا بأن نوحا وآدم مهنتان بشريتان فما هي المهنة الآدمية وما هي المهنة النوحية؟ على من يدعي ذلك أن يعين مهنة آدمية ومهنة نوحية ثم نبحث على أساسه على من امتهنوا المهنتين. إنه لم يفعل ذلك حتى الآن بقدر سماعي ولذلك فقول القائل ناقص من عدة حيثيات. ولا نحتاج لرفض ذلك الادعاء الناقص إلى أي تعليق أو رد إذ لا تعريف لديه لنعلق عليه. لكننا من منطلق حبنا لإخواننا نسعى لبيان أن آدم ونوح شخصان معلومان في القرآن ولا ثاني لأي منهما.

ولنبدأ بآدم.

آدم في القرآن الكريم اسم على مسمى للإنسان في الواقع باعتبار أن بدنه مصنوع من أديم الأرض. لكن الله تعالى عين ذلك الاسم علما لأبينا آدم. ومن هو أبونا آدم؟

1.

قال تعالى في بداية سورة النساء: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1). الناس هم نحن مع آدم وزوجها التي نسميها نحن البشر حواء. فحينما يقول ربنا الناس فهو يقصد كل أفراد البشر. لكنه تعالى حينما يخاطب فهو عادة ما يخاطب الذين لم يموتوا أو لم يأتوا بعد. فقوله الكريم يا أيها الناس، يعني به الرسول محمدا عليه السلام وكل صحابته وكل من حضر من البشر حتى يوم القيامة. وخطاب ربنا في سورة النساء كما يبدو أوسع مما قلت فهو يتحدث في خطابه الكريم عن آدم وزوجه وكل البشر احتمالا في تلك الآية. ونترك بيان الآية فهو لا يخص بحثنا هذا.

يوضح سبحانه تلك النفس الواحدة التي هي نفس شخص معلوم وقد خلق ربنا نفس زوجته من نفسه وبث منهما رجالا كثيرا ونساء. يقصد به نفوس رجال كثيرين ونساء كثيرات وليس أبدانهم طبعا. يمكن للقائل أن يقول لما ذا لم يقل ربنا: وبث منهما كلَّ الرجال وكل النساء؟

قال تعالى في سورة الجن: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6). فرجال الجن ليسوا من أبناء آدم ولكن رجال الإنس من أبنائه وكلهم رجال. وأغلب الظن بأن الرجال في بعض الآيات لا تعني الذكور من البشر أو الجن بل الرجال البشريون هم كل البشر والرجال الجنيون هم كل الجن والعلم عند المولى عز اسمه.

وبالمناسبة فإني رأيت قبل أيام أخا كتب في الفيس بوك بأن الناس تعني الجن والإنس واستشهد بقوله تعالى في سورة الناس: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاس (6). ظن الأخ العزيز بأن الجنة والناس وصفان للمفعول السابق “الناس”. هذا خطأ طبعا لأنه تعالى صرح بأن الوسواس الخناس يوسوس في صدور الناس فكيف يكون الناس جنة وناسا؟ والواقع أن الآية الأخيرة بيان للوسواس الخناس (الفاعل وليس المفعول) فالذين يوسوسون بعضهم من الجنة وبعضهم من الناس. قال تعالى في سورة السجدة: وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي َلأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13). فالجنة غير الناس لأنها معطوفة على الناس.

2.

قال تعالى في سورة البقرة: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ(40).

تعلَّمَ الشخص المعروف آدم كيفية التسمية، بمعنى أنه بتعليم طبيعي من الله تعالى وضع أسماء لكل ما ومن يحيط به بمن فيهم هو وزوجته التي نسميها نحن حواء. هذه خصوصية بشرية غير مشتركة مع الجن والملائكة. ولذلك عجزت الملائكة عن منح أسماء لآدم وزوجه وبقية الأشياء. ذلك لأن الملائكة والجن لا يملكون السمع ولا اللسان الناطق. نحن بالطبع نجهل الاسم الذي وضعه آدم ليشير به إلى نفسه كما نجهل الاسم الذي وضعه لزوجه. ولعل من الصحيح القول بأن الاسمين ما كانا آدم وحواء.

وكان للقائل الكريم إشكال آخر هو قوله تعالى في الآية أعلاه: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37). قال لما ذا فتاب عليه وليس فتاب عليهما؟ إنهما آدم وزوجه معا. والواقع أن الذنب كان ذنب آدم بداية ولكن حواء اتبعته وكان عليها ألا تتبعه. ولذلك نراه سبحانه في سورة البقرة تحدث عن شخصين إلا حين الحديث عن التوبة فإنه انتقل من الإشارة إلى الاثنين إلى الإشارة إلى واحد. ولكنه سبحانه في سورة الأعراف ذكر استغفارهما معا هكذا: قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23).

ولنتعرف على تبعات مخالفتهما للرحمن عز اسمه. قال لهما ربهما معا ألا يأكلا من تلك الشجرة التي أظن بأنها شجرة الزيتون وسمح لهما بأن يأكلا من شجرة التين مع بقية الفواكه كما أحتمل. كان هدف الرحمن كما يبدو ألا يتحرك لديهما القوة الجنسية وهما لا زالا صغيرين يحتاجان إلى مزيد من العناية كما أن الجنس يؤدي إلى الإنجاب ومن الأفضل للزوجة أن تصل حدا يمكنها من تحمل أعباء الحمل والرضاعة وما يتبعهما. ولم يكذب عليهما الشيطان بل خدعهما بدون أن يكذب حيث قال لهما بأن عدم الأكل من تلك الشجرة سوف يؤدي إلى أن تكونا ملكين من حيث العفة أو تعيشا إلى الأبد على الحالة التي أنتما عليها الآن من دون أن تتغيرا كما تتغير الكائنات.

وقد أشار سبحانه إلى تبعات ذلك التحرك الجنسي قبل أوانه في سورة النساء كما أحتمل: يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا (28). فخُلق النتاج الأول ضعيفا باعتبار الإسراع في الإنجاب كما أحتمل والعلم عند مولانا جل وعلا.

وأما موقف الشيطان فقد وضحه سبحانه هكذا في سورة الأعراف: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20). كانا يظنان بأن وظيفة جهازي التبول المختلفين لديهما هو إخراج السوائل القذرة فقط ولم يعلما بأن هناك عملية أخرى مناطة بهما. تلك هي ما ووري عنهما من سوءاتهما. وهناك احتمال آخر بأن الله تعالى ما كان يريد لهما أصلا أن يتعلما الجنس ولا مجال لبحث ذلك الاحتمال هنا.

التحرك الجنسي بصورة فاعلية هو عمل أبينا آدم وبصورة قابلية هو رضا أمنا حواء. ولا دليل بأن حواء هي التي شجعت آدم على الارتباط الجنسي بل كل الظن بأن آدم هو الذي قام بالعملية ولعله أقنع زوجته على تقبل العملية التي نواها. ذلك لأننا نرى الجنس النسائي أكثر حياء من الجنس الذكوري إلا ما ندر. فآدم هو العاصي وحواء هي الراضي بالمعصية فذنب آدم أكبر بكثير من ذنب حواء. ويمكننا ملاحظة الفرق بين آية البقرة التي تخص ندم آدم وآية الأعراف التي تدل على ندمهما معا؛ بأن آية البقرة تفهمنا بأن آدم كان بحاجة إلى عناية خاصة من ربه ليتوب توبة مناسبة. أخبرنا تعالى بأن أبانا تلقى من ربه كلمات فتاب عليه ربه ولم يقل ذلك بشأن حواء.

3.

قال تعالى في سورة طه: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123).

بداية نريد أن نحلل الآيات الكريمة من حيثية واحدة فقط. تلك هي وجه الخطاب الربوبي لآدم دون زوجه. هناك نوعان من الخطاب الربوبي في الآيات الكريمة ما قبل الأخيرة. خطاب فردي وخطاب جمعي ولا يوجد خطاب ثنائي. الخطاب الفردي هو موجه مباشرة لآدم هكذا:

فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120). واضح بأن الله تعالى يخاطب شخصا مفردا في الآيات الكريمة وبأن الشيطان أيضا وسوس في صدره وأقنعه بأن يخالف ربه. لكنه سبحانه حين خطابه لآدم فإنه تعالى يستنتج بأن اتباعه للشيطان سوف يُنتج إخراجهما من الجنة فيشقى آدم. فإذا كان آدم اسم جنس لمجموعة من الناس فلماذا لم يقل سبحانه: فلا يُخرجنك من الجنة فتشقى؟ إذن المذنب بالدرجة الأولى هو آدم ولكن زوجه اتبعته في ذنبه فلم تكن هي البادئة. فآدم أخطأ وحواء اتبعته فخطأها أقل من خطئه ولكن المشقة خاصة بآدم ولم يقل سبحانه فتشقيا ليشمل كليهما. ولعل المشقة الدنيوية هي أن على آدم أن يسعى لإحضار ما تحتاج إليه زوجته وأولاده في حين أنهما في الجنة لم يكونا محتاجين لشيء ولم يكن لهما أولاد. كان يأكلان من الثمار ولم يشعرا بالحاجة إلى الملابس فكانا عاريين بالطبع.

وكل الأفعال الخطابية بعدها مفردة لإقناع آدم بأن لا يأكل من الشجرة وبأن الأكل من الشجرة سوف يكون بإرادة أولية منه دون حواء. فهل هي حكاية نوع من الناس أم حكاية شخص معين معلوم تشترك معه إنسانة أخرى في بعض الأمور بدون إرادة جازمة وتنفصل عنه في أمور أخرى؟ فمن الجهل الواضح القول بأن آدم اسم جنس حسب تعبيرهم غير العلمي لنوع من البشر. اللوم موجه لآدم والحديث عن النتائج مشترك بين آدم وزوجه.

وأما الآية الأولى وهي: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115). لو قلنا بأن آدم في الآية اسم جنس حسب تعبيرهم فهو يعني بأن كل البشر فاقدوا العزيمة فلا يمكن اختيار رسول من بينهم. وإذا قلنا بأن آدم اسم جنس حسب تعبيرهم لمجموعة بدائية من شكل واحد، بمعنى آدم صيني وآدم أوروبي وآدم آري وآدم أفريقي وو؛ فإن جملة “فنسي ولم نجد له” خاصة بفرد واحد عربيا ولا يمكن تعميمها لأنها بصيغة الغائب للفعل الماضي الدالة على أمر جازم حاصل. والواقع أن كل الجملة هكذا من بدايتها ولا سيما أنها تبدأ بـ “قد” التحقيقية. لو كان جنس آدم هكذا لشمَلَنا ولوكان جنس الأوادم الأولين المفترضين هكذا لقاله الله تعالى بلفظ المضارع. المضارع يعني المشابه للاسم وهو الفعل الذي نستعمله لبيان الحقائق العلمية. بمعنى أن كل خلق آدمي من بدايته سوف ينقض العهد وهو غير صحيح بالضرورة. لو كان كل جنس آدمي هكذا من بدايته فهو إما طبيعي فلا معنى لإلقاء اللوم عليهم ولو كانوا بحاجة إلى التطور فهم ليسوا مقصرين ولكن هناك لوم من الله تعالى وتثبيت للعصيان. هذا يعني بأن المسألة مسألة خاصة بفردٍ عصى وليس بجنسٍ عصى.

وأما الآيات التي تلتها: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123).

اهتم الشيطان بأن يوسوس في صدر شخص معلوم ومشار إليه بالهاء: إليه. مقولة القول: يا آدم. حرف نداء قبل اسم آدم. فهو يعني نداء لشخص اسمه آدم. سؤال مقدم من الشيطان لنفس الشخص: هل أدلك؟

تمت عملية الوسواس في صدر آدم واستعد آدم ليعمل بأمر الشيطان. أكل هو وزوجته من الشجرة: فأكلا منها. صيغة مثنى غائب تشير إلى شخصين معينين يسبقها حرف الفاء لنعلم بأن العملية كانت نتيجة للوسواس السابق الذكر.

فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة. حكاية شخصين قاما بعمل فعرفا بسببه بأن السوأتين ليستا خاصتين بالتبول بل هناك أعمال أخرى مناطة بهما؛ بمعنى أنهما ليسا عضوين عاديين بل هما سوأتان يقومان بعمل معيب لا يجوز إبداؤه لعامة الناظرين. ولعل من يقول لماذا لم يقل ربنا: سوأتاهما بل قال سوآتهما. والجواب بأنهما بعد تحرك الجنس لديهما شعرا بكل الأعضاء المثيرة جنسيا مما تسبق القيام بالعملية وتثير الشهوة لديهما.

ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى. اجتبى الله تعالى آدم وليس حواء. لأن الخطيئة أساسا في ذمة آدم فتاب عليه الله تعالى وهداه. ليس هناك شخص مع آدم وليس هناك جنس آدمي بل هناك شخص معين عاص. ونعرف جميعا بأن العصيان عند الله تعالى فردي من كل شخص على حدة. فلو فرضنا مجموعة قاموا مع بعض بفسق محرم عند الله تعالى كأن ينظروا جميعا إلى فتاة عارية نظرة شهوانية. فإن الله تعالى سوف يعاملهم معاملة فردية. بمعنى أن كل واحد منهم بقدر ما أوتي من علم وإمكانات سيكسب قسطا من الإثم وليسوا مثل بعض. هناك فإن ربنا لو أراد أن يحكي لنا قصتهم فسوف يتحدث عن كل شخص بعينه ويجعل له صفة تناسبه ولا يمكن أن يتحدث عنهم بجملة واحدة لأن المعاصي فردية. ولا سيما عند الله تعالى. ألا نرى بأنه سبحانه عذب كل قوم صالح على أساس شخص واحد منهم قام بعقر الناقة ورضي بذلك أفرادهم. هكذا يكون الأمر عند الله تعالى ولكن لو أنه سبحانه أمر صالح بأن يقوم بالعقاب فكان يقوم النبي بعقاب عاقر الناقة فقد على العمل الذي ظهر منه دون ما جال في خواطر الآخرين. هكذا يتعامل ربنا مع القضايا.

وأما الآية الأخيرة: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123). هما يهبطان من القيادة الربانية الكاملة إلى الحرية واختيار الهدى كما يشاءان. لكنهما الآن أصبحا ثلاثة أو أكثر. فهناك نفس واحدة أخرى على الأقل داخل رحم الزوجة. وذلك الشخص الجديد هو السبب في أن يعادي بعضهم البعض بصورة طبيعية. ذلك باعتبار أنه مقدمة للتكاثر ومن نتائج التكاثر أن يموت الأكبر فيخلفه الأصغر. على هذا الأساس يكون الأبناء أعداء الآباء عمليا وليس فكريا وإراديا.

4.

قال تعالى في سورة آل عمران: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35). من هو آدم؟ هل هو جنس الإنسان فهل نوح جنس آخر؟ والواقع أن الله تعالى اصطفى آدم ليكون أول إنسان ثم اصطفى نوحا ليكون أول نبي ثم اصطفى آل إبراهيم ليكونوا في معرض اختبارات سماوية خاصة كما اصطفى آل عمران لنفس الغرض كما أحتمل. نحن نريد أن نعرف الآن آدم ونوحاً وإبراهيم وعمران. هل هم أفراد من البشر أم هم سلالات؟ والكل يعلم بأن نوحاً من أبناء آدم وبأن إبراهيم من أبناء نوح؛ وعمران كما نحتمل من أبناء إبراهيم.

قال تعالى في سورة مريم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58). أليس آدم شخصا له ذرية ومثله إبراهيم وإسرائيل أيضا شخصان لهما ذرية؟

5.

قال تعالى في سورة الأعراف: يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27). يعترف القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة بأننا جميعا أبناء آدم وبأن لنا أبوان. ويحكي لنا قصة أبوينا الذين أخرجهما الشيطان من الجنة. وسورة الأعراف تتحدث عن صحابة الرسل طبعا ولكن الخطاب لكل البشر في بداية السورة: اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3).

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26).

إنها حكاية شخص معلوم اسمه آدم وليس حكاية مجموعة من البشر. الحديث عن فرد مع ضمير مفرد وأحيانا شخصين مع ضمير المثنى.

6.

قال تعالى في سورة الكهف: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ِلآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (50). تعلمون بأن اللام على رأس آدم هي حرف جر تجر الاسم الذي يليها. لكنها في الآية أعلاه لم تجر آدم. بمعنى أنه تعالى لم يقل لآدمٍ بل قال لآدمَ. يقول النحويون بأن الفتحة هي علامة جر لغير المنصرف وآدم غير منصرف لأنه اسم علم يُطلق على فرد معين. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته:

وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ مَا لاَ يَنْصَرِفْ             مَا لَمْ يُضَفْ أَوْ يَكُ بَعْدَ أَلْ رَدِفْ

وآدم غير منصرف لأنه عَلَم مضافا إلى أنه اسم أعجمي؛ وكل اسم اجتمع فيه اثنان من علامات عدم الصرف فهو غير منصرف بالضرورة.

نعرف من الآية الكريمة بأن عدم سجود إبليس لأبينا آدم دليل على عداوته لنا جميعا. هذا يعني بأن السجود لم يكن سجود عبادة وخضوع كما ظن البعض. فسجود العبادة والخضوع محرمة لغير الله تعالى بل هو سجود رحمة ومساعدة. بمعنى أن مرور الشيطان على أبينا في حال من أحواله على الأقل كان يشكل خطرا عليه ولذلك أمر الله تعالى كل الكائنات الطاقوية بأن تكمش نفسها عند المرور على آدم حتى لا يتأثر آدم بإشعاعات الملائكة والشياطين. ولننظر الآن إلى زمان سريان الأمر الرباني. قال تعالى في سورة الأعراف:

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11). هناك خلق لآدم وهو ارتباط الحيمن بالبويضة ثم هناك تصوير له بعد الخلق وهو تنشيط الجينات داخل الخلية التي خلق فيها آدم. هناك وبعد التنشيط حينما كان آدم في الخلية الأولى أمر ربنا تلك الكائنات لتسجد لآدم. والسجود كما قلت فيزيائي وليس خضوعا. لكن المهم بأنه تعالى اعتبر خلق آدم وتصويره خلقا لنا جميعا فقال خلقناكم، ثم صورناكم. ألا يعني ذلك بأننا جميعا من آدم أبينا الطبيعي رحمه الله تعالى؟ فنعرف بأنه تعالى اعتبر عدم سجود إبليس لأبينا آدم دليلا على عداوته لنا جميعا لأننا أبناؤه؟

وأما نوح:

1.

قال تعالى في سورة نوح: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (15). الحديث خبري جاء بالفعل الماضي الذي يدل على أن أمرا ما تحقق وحصل فعلا وهو بصيغة المفرد الغائب. كما أن مدة بقاء نوح عليه السلام بين قومه موضح أيضا وقد أنجاه الله تعالى ومن كانوا في سفينته. فأين الحديث عن أكثر من نوح واحد؟

وبما أنني أرى بأن الحديث بدأ من أشخاص لا يجيدون القواعد النحوية الدقيقة كما أظن فدعني أوضح مسألة انصراف الكلمة. نوح اسم علم لشخص معين ولكنه ليس أعجميا مثل آدم وإبراهيم بل هو اسم عربي مثل هود ولذلك فهو منصرف فنقول عند الجر: مررت بنوحٍ ولا نقول مررت بنوحَ كما فعلنا في آدم. وإليكم هذا المثال من القرآن الكريم من سورة النساء: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163). كل الأنبياء في الآية مجرورون بحرف الجر ولكننا نرى بوضوح أنه تعالى أظهر الكسرة تحت نوح والأسباط واعتبر الباقين الظاهرة علاماتهم كلها أسماء غير عربية وهن: إبراهيم، إسماعيل، إسحق، يعقوب، أيوب، يونس، هارون. وأما سليمان فباعتبار العلمية والألف والنون في آخر الاسم. وهناك شعران يوضحان موانع صرف الاسم حيث لو وجد اثنان منها في كلمة فهي ممنوعة من الصرف والشعران هما:

موانع صرف الاسم تسع فعجمة

و جمع و تأنيث و عدل و معرفة

و زائدتا فعلان ثمّ تركّب‌

كذلك وزن الفعل و التاسع الصفة

ولا يخفى بأن العلمية علة باعتبار أنها معرفة. ومعذرة من الحديث عن النحو في مقالة غير نحوية.

2.

قال تعالى في سورة التحريم: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10). فهل يمكن القول بأن كل نساء كل الأنواح التي يدعونها خائنة؟!! فهناك نوح واحد وليس أكثر من نوح كما أن هناك لوط واحد وليس أكثر من لوط.

3.

قال تعالى في سورة هود: وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46). فهل كل نوح في الأرض يجب أن يكون لديه ابن كافر وأن تكون امرأته غير نظيفة لتأتي له بولد من عمل غير صالح؟

وأخيرا فإننا لا نرى في القرآن الكريم إشارة إلى أكثر من آدم واحد ونوح واحد فعلى الذين يدعون بأن هناك عدد من الأوادم والأنواح أن يأتوا بآية تدل على ادعائهم وإلا فهم يتحدثون بلا علم ولا منطق مع الأسف.

تحياتي للجميع

أحمد المُهري

12/7/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

الإعلانات

المؤمنة كاترين -27 – مفاجأة ماري والمسارات الفكرية


المؤمنة كاترين

المقطع السابع والعشرون

مفاجأة لماري

وفي المساء بينما كانت ماري تعد حقيبتها للسفر فإذا بالتلفون يرن وتتحدث معه أخته من فرنسا:

الأخت ميشيل:

ماري؛ إن رئيس عملك المسيو دوجاردن يبحث عنك. فاتصلي معه فورا.

اتصلت ماري بـ دو جاردن:

ماري:

إيمانيويل؛ أنا ماري.

دو جاردن:

أريد أن أسافر إلى الكويت يوم الخميس وأريدك هناك لأنك الوحيدة التي تجيد العربية في دائرتي.

شعرت ماري بأن الله تعالى هيأ لها أن تحضر زواج كاترين مع علوي.

ماري:

إيمانيويل، أنا الآن في الكويت وقد حجزت للسفر غدا فما العمل؟

دي جاردن:

أجلي سفرك واطلبي غرفتين أخريين لي وللمسيو لا فرانس فنحن سنكون هناك. ومن الآن سيكون مصاريف سفرك على حساب الشركة. نحن بانتظار التوقيع على عقد مبايعة كبيرة وسنبقى أسبوعا في الكويت.

ماري:

سأفعل وأبعث لك بفاكس تؤكد الحجز.

دي جاردن:

 a bientôt ,merciشكرا، إلى أن نلتقي.

ماري:

je vous empri  (أرجوك أو عفوا) a bientôt(إلى أن نلتقي قريبا).

اتصلت ماري بكاترين وأبلغتها المفاجأة السارة ففرحت كاترين كثيرا.

كاترين:

الحمد لله على نعمائه. أنت يا ماري أكثر من صديقة لي فأنا بعيدة عن أقاربي وأنت عوضتيني هذه الأيام. لن أنساك وأتمنى أن تبقى علاقاتنا الودية قائمة إلى الأبد.

ماري:

أنا فرحانة أكثر منك لأنني سوف أحضر كل حفلاتك. الحمد لله تعالى.

ذهبت ماري إلى طاولة استقبال المسافرين في الفندق وطلبت غرفتين لأسبوع ابتداء من يوم الخميس القادم كما طلبت تمديد إقامتها حتى عودة القادمين الجديدين من الكويت. تمت الموافقة على طلبها ووقعت على تعهد الدفع باعتبار بطاقتها المصرفية الموجودة تفاصيلها في إدارة الفندق. أبلغت دي جاردن بالفاكس. ثم اتصلت مرة أخرى بكاترين لتتفق معها على جلسة مقبلة مع الجماعة. لكن كاترين أصرت أن تأتي إلى بيتها لتتحدث إليها لأنها مشتاقة جدا لرؤيتها. وافقت ماري واتجهت نحو بيت كاترين. استقبلتها كاترين وكأنها لم ترها فترة طويلة.

ماري:

أنا ما جئت من الخارج بل لا زلت مقيما عندكم.

كاترين:

لكنني أشعر بالكثير من المنة لله تعالى بأن استجاب دعائي لتبقي بيننا أياما أخر.

ماري قبَّلت كاترين بكل حرارة قائلة:

لا أدري أينا أكثر سرورا. لكنني أعرف نفسي في غاية السرور بأن الله تعالى وفقني لأرافقك في أجمل أيامك دون أن أنفق شيئا من جيبي الذي يبدو غير قادر على دفع النفقات الباهضة للفندق طيلة هذا الوقت.

كاترين:

كنت أفكر كثيرا في أن الله تعالى كريم فلو دعوته بما لا يخالف حكمته وسياسته وأراد أن يستجيب فإنه يغمرك بما لم تفكر فيه من النعيم. وها هو ربي غمرني بنعمة لم أكن لأفكر فيها. لا أنا ولا أنت فكرنا في هذه المفاجأة الطيبة لإقامتك المجانية في الكويت. حقا إنه سبحانه ذو فضل على العالمين وحقا أنه يعطيك أكثر مما تطلب ودون حساب ودون أن تعرف مصدر نعمه. فهو وحده يستحق الحمد وهو وحده يستحق أن نخضع له حبا وطاعة وشكرا.

ماري:

سوف نقوم بالتجهيزات ليوم الفرح معا ولكنني متعطشة للمزيد من الجلسات. ألا ليتك توافقين على أن نجتمع في أقرب وقت مع علوي والعم محمود.

كاترين:

على الرحب والسعة. سوف أدعوهما غدا للعشاء في بيتي.

ماري:

بيتك طبعا خير من بيتي ولكني أنا الذي أدعوهم.

كاترين:

أنت ضيفتنا وعلينا أن نخدمك بكل حب وود. وكما قالوا:

يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا      نحن الضيوف وأنت رب المنزل

ماري:

يهمني أن أراكم وأجلس معكم لأستفيد من إقامتي المجانية في الكويت. أنا اعتبرتها بركات من السماء أتتني فعلي أن أستغلها لكسب العلم ولخدمة خلق الرحمن.

وفي اليوم التالي دعت كاترين حبيبها علوي وأستاذها العم محمود التمار للعشاء في بيتها وبحضور ماري. تعجب علوي من أن ماري لا زالت في الكويت ولكنه فرح كثيرا حينما سمع حكايتها من كاترين. صرح لكاترين بأنه كان يتمنى من كل قلبه أن تبقى ماري أياما أخر في الكويت فهي لبقة وطيبة ومؤمنة صالحة ويمكنها أن تساعدنا في الكثير من المسائل كما أننا نستفيد من علمها وخبرتها.

كاترين:

كانت لك ما تريد. أتمنى لك كل ما تريد وأن أكون ممن تريد.

علوي:

أنتِ فعلا منتهى أملي وأتمنى أن أكون وفيا معك وأن يمنحنا الله تعالى كل ما نصبو إليه في الحياة المشتركة. وأظن بأن زيد ولبيد سوف يكونان فرحين مبتهجين حينما نكون معا.

كاترين:

شكرا حبيبي. وهل ترى من الصالح أن ندعو بقية الأصدقاء في البنك؟

علوي:

شيء جميل ولكن لكل منهم ظروفه وارتباطاته فأظن بأن من الخير أن نختصر الجلسة وندعوهم في مناسبة أخرى.

كاترين:

كما تشاء.

اتفق كاترين مع ماري أن يتواجدا ساعة عودة كاترين من العمل ليعدا الأكل. لكن كاترين رأت بأن ماري جاءت أيضا محملة بأكياس المشتريات.

كاترين:

كان الاتفاق على أن نذهب سوية إلى السوق.

ماري:

أنا ليس لي عمل وأنت تعبانة ولذلك فكرت بأن أخلصك من بعض المسؤولية.

دخلتا المنزل وأعدتا العشاء بانتظار الضيوف: العم محمود وعلوي وزيد ولبيد.

اجتمع الطيبون في منزل كاترين

ماري:

طبعا أنا الذي أبدأ لأنني أكثركم كلاما وأقلكم علما وأحوجكم للمزيد من المعلومات.

علوي:

لا أظن بأنكِ أقلنا علما ولكن ابدئي فنحن نحب أن نسمع منك كما نحب أن نسمع إجابات العم محمود التمار رعاكما الله تعالى.

ماري:

أولا أحمد الله تعالى أن هيأ لي لأكون معكم عشرة أيام أخر تقريبا فهي فرصة ذهبية لي وأستبعد أن يكون هناك في فرنسا تجمع مشابه ألتحق به لأستزيد من المعلومات القرآنية. واسمحوا لي بأن أدعوكم للاستمرار في مثل هذه الجلسات ولو بشكل شهري أو أسبوعي وبدون تكاليف كبيرة لعلكم توضحوا لغيركم حقائق كتاب السماء لعلهم يتفكرون. لقد أورثكم جدودكم مفاهيم خاطئة عن هذا الدين القويم مما يجعل كل مسلم متفتح الذهن مسؤولا أمام ربه وأمام قومه وأهله ليكتشف أخطاء التراث المنحرف ويبين لغيره. ألا تشعرون بأن هذه رسالتكم وأنتم على اطلاع واسع بحقائق القرآن الكريم؟

محمود:

أنت يا ماري عملاقة في تحريك الفكر ونشر الثقافة والعلم فلقد فتحت علي أفقا أوسع مما كنت عليه. كنت أظن بأن أفكر لنفسي ولا فائدة في التحدث إلى الغير. كنت أتخيل بأنني وحيد بين قومي ولا أحد يسمع لي فلِم السعي والجد لبيان ما أعلم لمن لا يريد أن يعلم. لكني اليوم مع كبر سني أشعر بالنشاط للمزيد من التفكير وللمزيد من النشر والتوزيع لألا تبقى تحقيقاتي حكرا علي ولأصححها وأعثر على ما خفي علي بالمشاركة الفكرية مع أناس يستعملون عقلهم مثلي بل أكثر مني. فمثلا ما كنت أدري بأن كاترين الحبيبة تعرف القرآن لهذا الحد وما كنت أفكر بأن فتاة فرنسية مثل ماري العزيزة تهتم بديني وبكتابي بل وبربي. أشعر اليوم بأن هناك الكثير ممن يحبون الله تعالى ويحبون تصحيح المفاهيم التي ورثوها ولكن علينا أن نبحث عنهم ونستعين بهم ليساعدونا في تغيير الفهم العام لدى أمتنا. حتى زملاء علوي وكاترين في البنك على اطلاع جيد بالتراث وعلى استعداد لتصحيح تلك المفاهيم التي تنطوي على أسس صحيحة ولكن بتفاسير باطلة. قد يكونوا متأثرين بأفكار علوي وكاترين وقد يكونوا بأنفسهم شاعرين بخطأ التراث ولا فرق بين المسلم وغير المسلم منهم.

نحن لا نتحدث عن إيمان الناس ولا معنى لذلك. إن كل فرد يبني علاقاته مع ربه بالطريقة التي يراها مناسبة له وإن ربه هو الذي يساعده فليس صحيحا أن نتجسس على ما في قلوب الناس. لكن رسالتنا كما أظن أن ننشر العلم والمعرفة بالقدر المتاح لنا حتى لا يسألنا ربنا عن تقاعسنا في نشر ما علَّمنا من فضله. لقد ملأ المتخلفون فكريا أوقات أهلنا بالكثير من الأعمال غير المجدية. يكفيك أن تدخل مساجد المسلمين أو كنائس المسيحيين واليهود لتراهم مشغولين بتكرار جمل ومقاطع قديمة لا جدوى منها. هناك الأدعية الصغيرة والمتوسطة والطويلة وهناك الترانيم والأشعار والتعابير التي تملأ أوقات الناس فلا يبقى لهم وقت للتفكير. إخواننا من رجال الدين في كل الطوائف الدينية السماوية وغير السماوية يكررون ما قاله سلفهم وكأن الله تعالى أغلق عليهم أبواب التطور الفكري.

أظن بأن الشياطين يتطورون معنا فكريا والفرق بينهم وبيننا أن أباهم وزعيمهم إبليس لا زال حيا وقد وعده الله تعالى أن يبقيه حيا حتى يوم الوقت المعلوم. ولذلك فهو يعلم أفكار من سبق ويمهد لتضليل من حضر ومن لحق. والله تعالى خوفنا كثيرا منه لأنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم. وليس لنا إلا أن نحاربهم بالفكر والعقل وبنشر مفاهيم الفضيلة.

علوي:

لننتقل من الإعلام إلى المفاهيم فأنا بانتظار أسئلة ماري الموحية والعميقة.

كاترين:

وأنا كذلك.

ماري:

أنا كامرأة أشعر بأن هناك فرقا كبيرا بين المسارات الفكرية للرجال والمسارات الفكرية للنساء. أشعر وتشعرون معي بأن هناك فروقا فسيولوجية ضرورية ليقوم كل من الجنسين بواجبات تخص كلا منهما حتى يتكاثر الناس ويبقى النسل البشري ولكنني أراهم في النهاية مكلفين بتكاليف سماوية مشابهة فما السبب في مغايرة المسارات الفكرية لدى كل جنس؟

محمود:

هناك بالطبع مسارات فكرية متعددة بين البشر ولكنني لا أظن بأن هناك مسارات فكرية متغايرة بين الرجل والمرأة. المسارات الفكرية تؤثر كثيرا في الحياة الاجتماعية فلو كان هناك تغاير طبيعي بين الجنسين لما تمكنا من التعايش مع بعض. نرى مثلا بأن الذي يؤمن بالله تعالى فهو لو أراد التمسك بعقيدته فهو غير قادر على التعايش مع الملحد. ولكن المرأة المهندسة تعيش بكل سهولة مع الرجل الطبيب؛ والرجل التاجر يعيش بكل سهولة مع المرأة السياسية أو معلمة الفيزياء. ذلك لأن المسارات الفكرية بينهما لا ترتبط بالجنس ولا بالمهنة ولا بالقيمة المتعارفة للعمل. فلطالما عاشت امرأة تكسب ضعف زوجها معه وبكل سهولة وتشاركا في المصروفات دون الشعور بالحرج. قد يكون زوجها أكثر منها علما من حيث القيمة العلمية ولكنها امتهنت مهنة تدر عوائد أكبر من زوجها.

فلو لم يكن لديكم تعليق على هذه المقدمة فاسمحوا لي بأن نتحدث عن المسارات الفكرية عامة بين البشر.

ماري:

بالنسبة لي من الصعب أن أعلق على ما تفضلتم به لأنني لا زلت أفكر في المغايرة بين مساري الرجل والمرأة ولذلك أفضل أن تتحدثوا عن المسارات الفكرية العامة بين البشر لعلي أصل إلى حل لما في ذهني وبانتظار رأي كاترين وعلوي.

كاترين وعلوي:

استمرا في نقاشكما ونحن نستمع الآن.

محمود:

المسار الفكري تابع للتطور العام ولنوع ارتباط كل فرد بالتطور العام برأيي المتواضع. بمعنى أن الله تعالى بتحريكه البشرية إلى الأمام هو الذي يعين المسارات الفكرية. ونحن لو نساير التطور العام فنحن بمختلف المهن والأفكار والديانات التي نؤمن بها سوف نسير صاعدين سلم التطور في مساراتها المختلفة. فالذي يحدد المسار الفكري ليس هو الجنس ولا المهنة بل هو التطور الفكري العام بين البشرية جمعاء. فليس بمقدور الصحابي الذي عاش مع رسول الله أن يعيش مع أي منا في عصرنا هذا. ذلك لأن مساره الفكري متأخر عنا خمسة عشر قرنا.

وأما المسارات الفكرية التابعة للجنس أو للمهن أو للعقائد أو لأنماط الحياة فهي متكافئة نوعا ما لو أن السائرين فيها أرادوا مسايرة بعضهم البعض ولم يروموا التكبر والتعالي والظلم. يمكن للياباني أو الصيني أن يعيش مع الآري أو العربي كما يمكن للقوي بدنيا أن يعيش مع الضعيف بدنيا وكما يمكن للذي ورث مالا كبيرا مع الذي يعيش على كسبه اليومي. كلما يحتاجونه لتسهيل المعاشرة هو الثقافة العامة أو ما يسمى بالعَلمانية. العَلمانية هي أساس التعايش بين الأفراد في كل دورة زمنية بغض النظر عن الجنس أو اللون أو القوة البدنية أو حتى العلم والمعرفة والدين. بمعنى أن كل إنسان عليه أن ينظر إلى التطور المعرفي العام بين البشر ويواطن نفسه عليها. فنحن اليوم نفكر في السيارات والطائرات وما على غرارهما للتنقل وللنقل وكنا من قبل نفكر في الجمال والحصن والحمير. فلو أراد أحد أن يفرض على نفسه أو على غيره ركوب الخيل والبغال والحمير في عصر البواخر والسيارات والصواريخ فهو غير مساير للعلمانية وسيعيش حياة شاذة غير مسايرة للتطور. تعلمون بأن الإنسان يجب أن يصعد بصورة مستمرة لأن الكائنات في حال صعود مستمر. العَلمانية بمعناها العام تفرض علينا أن ننظر إلى الحياة من واقعها الفعلي والحالي لنسايرها ونواطن أنفسنا ونربي أولادنا عليها. ولذلك فهي تنطوي على أسلم أساليب الحكم والمشاركة الشعبية في الحكم.

ثم نأتي إلى مسألة الأديان والعقائد. فلو كان الدين عبارة عن علاقة بين المرء وربه فقط دون التعرض لأساليب الحياة فإن تلك العلاقة لا تحتاج إلى مسايرة التطور كثيرا وهي علاقة بائسة شاذة برأيي المتواضع. لكن الدين ولا سيما الدين الإسلامي ينطوي على أعمال اجتماعية كبيرة مثل صلاة الجماعة والحج وإظهار العقيدة والتربية والتعليم والكثير من الواجبات التي نراها مدونة في القرآن الكريم؛ فإن مثل هذا الدين لا ينحصر في علاقة الإنسان بربه بل يتعدى ذلك إلى تعامل كل فرد مع غيره بل تعامله مع نفسه أيضا. فالله تعالى يأمر بالتفكير والتعقل في القرآن فلا يجوز للمسلم أن يقتنع باستنتاجات غيره بل عليه بنفسه أن يفكر.

قال تعالى في سورة محمد: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24). يقول سبحانه ذلك لمن حضر رسالة رسولنا عليه السلام ورسولُنا حاضر بينهم. لا يقول لهم ربهم بأن يتبعوا فهم رسولهم بل بأن يتدبروا بأنفسهم. هذا أمر سماوي بالتفكر الشخصي. فلو فكر الناس في كل شيء فإنهم سوف لن يتخلفوا عن ركب الحضارة والرقي الذي يتولاه ربنا جل جلاله. وأما التقاعس عن التفكير فلن ينتج إلا الخسارة والخذلان في الدنيا ولعل في الآخرة أيضا. فاتباع الدين بحاجة إلى التدبر والتفكر وذلك يعني بأن الفهم العام يتطور مع تطور الإنسان ولا يجوز البقاء على فهم الغير ولا التبعية للسلف.

وأرجو أن نفرق بين العلم والثقافة والحضارة وبين الخلوص والاستعداد للتضحية. فنحن لا يسعنا أن نطيع نوحا وإبراهيم وموسى في علمهم أو ثقافتهم وحضارتهم ولكن بإمكاننا أن نتبعهم في إخلاصهم واستعدادهم للتضحية في سبيل الحقيقة وفي سبيل كشف الحقيقة ودراستها بما يتناسب مع قوة الفهم العام وقوة العقل العام لدينا.

ومما يدل دلالة واضحة بأن مساراتنا الفكرية ليست تابعة للجنس ولا للوطن ولا للغة ولا للقومية هو جلساتنا التي بدأناها قبل أسبوع أو أكثر قليلا ولا زلنا نسعى لأن نستمر عليها ونحن مجموعة مؤلفة من عدد صغير من الأشخاص من عدة مستويات علمية ومن مختلف الأعمار ومن عدة أوطان ومن الجنسين الذكر والأنثى. الزمان يؤثر في المسارات باعتبار سلم التطور العام وليس باعتبار الزمان نفسه. فسلم التطور قبل ألف عام كان مغايرا لنفس السلم اليوم. كان ممكنا أن يتواجد نفس الفكرة المعاصرة قبل آلاف السنين ولكنها ما وجدت؛ ليس باعتبار الزمان بل باعتبار حاجة الإنسان إلى المزيد من التجارب ليتمكن من استيعاب المدركات الدقيقة والعميقة. تجربة ابن سينا لم تكن كافية لاستيعاب الحركات الإلكترونية وتجربة أبي بكر لم تكن كافية لاستيعاب التجارة الدولية وتجربة سليمان لم تكن كافية لاستيعاب صناعة الصواريخ. لكننا نرى نوحا باعتبار عمره الطويل تمكن من استيعاب مسألة التطور وهي أعظم مسألة في المدرسة الفكرية العامة. لقد تحدث نوح عن التطور وتحدث عن الإعلام وكأنه من مواليد قرننا. كل ذلك بفضل العمر الطويل والاستمرار في التفكير الذي وفقه الله تعالى فيه.

نستخلص من هذا البحث المختصر بأن الجنس لا يؤثر في المسارات الفكرية ولكن الخبرة والتجارب ومسايرة الحركة التطورية تؤثر في المسار الفكري إضافة إلى نوع المدرسة التي يهتم بها الفرد. فالفيزيائي له مسار فكري مغاير قليلا للطبيب وهما مغايران للمهندس وهم مغايرون للعامل العادي.

ماري:

هناك بحث جدي بين بعض المحققين حول المدارس العلمية والفلسفية كما أن بعضهم فرق بين المدرسة الكلامية والمدرسة الفلسفية فظن ذلك البعض بأن لكل منهما مدرسته الخاصة ولذلك ظنوا بأن المسارات الفكرية ترتبط بالعلم والفلسفة والكلام. أنا لست موافقا معهم كثيرا لأن المسار الفكري يتأثر بعدة عوامل من أهمها حاجة المجتمع والفرد وكذلك انتفاع الفرد والمجتمع من المسار. فنرى بأن المجتمع الزراعي يفكر دائما في توسيع الزراعة كما يفكر في وسائل الرعي وتكاثر الحيوان لأن ذلك المجتمع يعيش على الزراعة ولكن نفس المجتمع يسير في المعرفة الدينية سيرا مشابها لسير المجتمع الصناعي والتجاري والخدَمي. ولا فرق بين ذكورهم وإناثهم ولذلك فإن أعضاء المجتمع الزراعي زراعيون ذكورا وإناثا شبابا وشيوخا بل وأطفالا. بالتأكيد أن هناك مسارا فكريا أثر فيهم فاختاروا الزراعة وتوابعها على أي عمل آخر. لكن ذلك المسار لا يمنع الغير من اتباعهم ومسايرتهم كما لا يمنعهم من الانتقال إلى مسار فكري آخر.

إلا أنني أرى بأن نساءهم ليسوا مثل رجالهم تماما في سيرهم داخل مساراتهم المختلفة. فأرى بأن المرأة التي تعمل بالزراعة غير الرجل المزارع. فالمرأة المزارعة تهتم بالأناقة وبالزهور والرجل يهتم بزراعة الحبوب وبالغلة التي يجنيها في نهاية الفصل الزراعي. وهكذا التي تعمل في حقل الفلسفة فإن الرجل الفيلسوف يفكر غالبا في كيفية الكسب المادي من علمه والمرأة تفكر في كيفية التعمق في ذلك العلم.

محمود:

لكن الرجل الذي لا يعيل أحدا فهو مشابه للمرأة في الاهتمام بالتعمق والأنثى التي تربي أيتاما إذا ما فقدت زوجها فهي تهتم بما يدر عليها علمها من مال. فالاختلاف ليس في المسار ولا في الذي يسير في كل مسار ولا في جنسه ولكن الاختلاف في الشعور بالحاجة والمسؤولية لدى كل منهم. وإن شئنا قلنا بأن الاختلاف تابع للحالة التي تلح على الفرد بأن يعالجها وليس تابعا لشيء آخر كما أظن.

ماري:

قد تكون مصيبا، لكنني أحتاج إلى أن أعمل فكري أكثر من هذه اللحظات.

اتفق الجمع بأن يتفرقوا بانتظار يوم آخر تدعوهم فيها كاترين بالتوافق مع الجميع.

يتبع: المسارات الفكرية.

أحمد المُهري

13/7/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

رسالة الى محمد خلاوي واكذوبة الحجاب


كتب شيخنا السيد احمد المُهري رسالة الى كاتب كتاب اكذوبة الحجاب جاء فيها :

الأستاذ الفاضل الدكتور محمد خلاوي المحترم

أما بعد السلام

فإني اطلعت على رسالتكم القيمة حول الحجاب أرسلها إلي أخي الأستاذ الدكتور أحمد مبارك بشير من اليمن. لست بصدد الرد على الآراء فلكل إنسان الحق الطبيعي ليرى ما يشاء من أفكار وليحكم كما يشاء على التاريخ. كما أن لكل إنسان الحق في أن يتبنى لغة خاصة بنفسه ويسميها كما يشاء ثم يكتب كتبا على أساس اللغة التي وضعها لنفسه ولكن عليه أن يشير في بداية كتابه إلى أن اللغة المتعارفة لو كانت عربية فهي غيرُ مرعية في ذلك الكتاب وعلى من يريد فهم الموضوع أن يدرس اللغة التي وضعها المؤلف لنفسه. حاله حال الذين يختارون بعض الكلمات من لغة من اللغات لوضعها على مفاهيم أكبر من الكلمة فتكون الكلمة حينئذ كودا تشير إلى تلك المفاهيم. تماما مثل كلمة الديمقراطية التي أضيفت أخيرا إلى اللغة العربية ولكنها مفهوم واسع لا يمكن إدراكه بمحض إلقاء اللفظ. وقد يكون مفهوم الديمقراطية مختلفة عند كل فرد أو مجموعة ولا ضير في ذلك ولكن يجب التنبيه إلى الأمر.

سيادتكم تستندون إلى أصوات الحروف وهي برأيي وبرأي الكثير من أهل الفضل الذين سبقونا من يوم اختراع هذا الفن هو فن خاطئ لا يمكن أن يُستند إليه إطلاقا. ولقد قام الأستاذ الدكتور كمال شاهين رحمه الله تعالى ببيان الكثير من الآراء حول أصوات الحروف في كتابه القيم: نظرية النحو العربي القديم ص 129 فما بعد تحت عنوان: الدراسات اللغوية الحديثة. هذا الكتاب مطبوع طبعة واحدة فقط مع الأسف عام 2002 بواسطة دار الفكر العربي في القاهرة. سترون هناك بعض الآراء الحديثة والقديمة حول أصوات الحروف. بالطبع أن الأستاذ كمال سألني ذات يوم عن رأيي فقلت له بأنه فن مستهجن لو كان لأصوات الحروف معاني طبيعية لكانت هناك لغة واحدة في كل الكوكب في حين أن اللغات في حدود 70000 واللغات الأصلية في حدود 10 لغات. اللغة المندرينية هي الأولى في الأرض ويتحدث بها حوالي بليون شخص (ألف مليون). والعربية لغة رسمية لما يقرب من 300 مليون شخصا فقط.

قال لي رحمه الله تعالى ما يقولونه حول أصوات الحروف كلام فاضي. هذا تعبيره في مكالمة أخوية غير رسمية طبعا. والمشكلة أن سيادتكم تريدون تفسير آيات من القرآن الكريم على أساس فهم خاص لكم للمفاهيم اللغوية. ما تفعلونه ظلم كبير وافتراء على الله تعالى. أين قال ربنا بأنه أنزل كتابه على أساس أصوات الحروف؟ إنه قال بأنه أنزله على لسان النبي محمد عليه السلام ولسان قومه. قال تعالى في سورة مريم: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (97). فعليك بأن تبحث عن فهم الرسول عليه السلام لتلك الكلمات. ولو تعذر ذلك فتبحث عن فهم الذين عاشوا معه في تلك الفترة الخاصة وفي أم القرى في الواقع. لا أقصد فهم القرآن بل أقصد فهم الكلمات اللغوية المستعملة في القرآن.

أما أن تنشئ لنفسك قاموسا خاصا على أساس غير واقعي ثم تفسر كلام الله تعالى فهو فعلا غير صحيح. هذا الفن يعود تاريخه كما يظن البعض إلى أفلاطون ثم في العصور الإسلامية الأولى إلى ابن جني وآخرين. ومحاولة صاحب مقاييس اللغة هي بمثابة عمل مرادف لما قالوه ولكنها على أساس الاستعمالات وليس على أساس أصوات الحروف غير السليمة. أراد المرحوم الرازي إثبات بعض القواعد القياسية على أساس السماع ليرد بها على الذين يظنون بأصوات الحروف. ولعلكم تعلمون بأن الرازي وابن جني معاصران ولكن الرازي يعتبر اللغة العربية وحيا ولذلك لا يمكنه قبول رأي ابن جني. والواقع أن كلاهما ما كانا صائبين.

ليست اللغة العربية وحيا بل هي ما تحدث به الأقدمون للتفاهم مع بعض كما تحدث غيرهم باللغات الصينية بمختلف إيقاعاتها وكذلك بقية فروع اللغة الألفبائية مثل اللغات اللاتينية وكذلك أخوات العربية مثل التركية والكردية والفارسية. استعمل القرآن لغة الناس ليفهموه ولم يستعمل لغة خاصة بالله تعالى. إنه سبحانه لا يحمل لغة خاصة به ويتحدث مع الملائكة بلا لغة وهكذا مع بقية الكائنات. إنما الأسماء اللغوية خاصة بالبشر ولذلك أنزل الكتابين السابقين بغير العربية. أما قول ابن جني فمع أنه أستاذ كبير في علم اللغات والنحو العربي لكنه كما يبدو لم يتفطن لبقية أهل الأرض الذين يتحدثون بلغات غير عربية ليرى بأن صوت الحرف لا يمكن أن يدل على المعنى.

على كل حال فإن الله تعالى يصرح بأنه ينزل الكتب على أساس لسان الأقوام ولعلكم انتبهتم بأنه سبحانه لا يستعمل كلمة اللغة بل يقول اللسان فقط. قال تعالى في سورة إبراهيم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4). ولو كنتم مصرين على أصوات الحروف فأرجو منكم أن تقوموا بتفسير القرآن كاملة على أساس قاموسكم الشخصي كما أرجو أن تسبقوا التفسير بيان فهمكم الكامل لأصوات الحروف وللكلمات القرآنية على أساسها. هناك ستجدون بلا شك عندي بأنكم لن تقدروا على تفسير كامل القرآن على أساس أصوات الحروف. حتى تفسير جزء كامل قد يكون مستحيلا.

وأما قولكم في جواب من يسألكم عن مبدأ فهمكم الذي أسميتموه بالمعنى الفيزيائي للكلمة بأن الموضوع طويل وقد كتبته في الكتاب الفلاني فهو تعليق على شيء غير سهل الوصول. ردكم مشابه لردود الإخوة الفقهاء على من يطلب منهم الدليل. أنت تزور اللغة العربية وتقول لنا بأن علينا أن نراجع كتابا آخر وهل هكذا يقوم أصحاب الفكر برفض المعروف بين الناس أخي الفاضل؟ لقد صرفت الكثير من وقتك لقراءة أبحاث اللغويين التي نفهمها جميعا؛ فكنت قادرا بدلا عن ذلك أن تحدثنا عن معناك الفيزيائي الذي تدعيه. وكل مرة تكتب لنا الصفحة والطبعة للكتب اللغوية. نحن نراجع الكتب اللغوية على أساس الكلمات ولا نحتاج إلى الصفحة والطبعة.

بالطبع أنني لست من أنصار فرض الحجاب ولا أعتقد بأن عدم لبس الحجاب إثم يقتضي عقابا عند الله تعالى لأنه سبحانه لم يقل بذلك. لكن سيادتكم أردتم إثبات نفي الوجوب قرآنيا وروائيا. البحث في الروايات لم يكن كافيا وهو بحث تحتاج معه إلى كتاب أكبر بكثير مما كتبتموه. الروايات كثيرة ومتناقضة ويجب ذكر كلها إذا أردتم بحثا روائيا. وأما فهمكم للمحارم فاسمح لي بأن أسألك سؤالا: أليس العم والخال من المحارم فلماذا لم يذكرهما الله تعالى في آية النور؟

وأما تقسيمكم للجيوب من بدن المرأة فهو تقسيم لا دليل عليه من القرآن الكريم بغض النظر عن أن التقسيم غير سليم. فهل يجوز للفتاة أن تأتي أمام أخيها وأبيها بصدر مفتوح لأنك سمحت لهما برؤية ما بين الثديين وما تحتهما؟

الزينة أخي الكريم ليست في بدن المرأة والله تعالى قد وضح الزينة في نفس الآية الكريمة بأنها الحلي حينما قال تعالى: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن. فبما أنه سبحانه حدد معنى الزينة في نفس الآية فلا داعي لأن نبحث في بدن المرأة ونعتبرها زينة. المعنى الأولي للزينة هو الحلي وليس شيئا آخر. فلو أردنا تغيير المعنى الأولي فعلينا بأن نأتي بتصريح قرآني ولا تكفي التخرصات واللعب بالكلمات العربية وأصوات الحروف وغيرها.

هناك الكثير من الملاحظات ولكنني أريد أن أكون عونا للمحققين وأكره أن أكون ناقدا لهم. ولذلك أبعث مع هذا مقالة تختصر محاضرة قديمة لي حول اللباس والطعام في الإسلام ردا على زميلي الفاضل قصي الموسوي بعد ما أبدى تفسيرا غير صحيح برأيي لوجوب ذكر اسم الله تعالى على الحيوان قبل إراقة دمه للأكل. سأبعث المقالة إلى أخي الدكتور أحمد مبارك بشير لينشره في فيسبوك المركز فلو شئتم تراجعونه للمزيد من الاستدلالات.

تحياتي و دعواتي لكم بالتوفيق

أحمد المُهري

9/7/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

وكتب الشيخ أحمد المُهري عن الحجاب :

سنة الحجاب:

ولننظر الآن إلى سنة الحجاب المنتشرة بين المسلمين بأشكال مختلفة:

1. النقاب الكامل بحيث لا يرى أحد أي شيء من جسم المرأة أو حجم جسمها وبعض المتشددين يسعون ألا يذكروا أسماء الفتيات والنساء بل يشيرون إليها بالكنى أو يختلقون أوصافا لهن.

2. تغطية وجه الأنثى من ساعة ميلادها حتى موتها بحيث لا يراها أبوها وإخوانها وزوجها! و ليت شعري كيف تتزوجن؟؟

3. الحجاب المعروف اليوم بالحجاب الإسلامي وهو تغطية الشعر وبقية البدن عدا الوجه والكفين.

4. الحجاب الإسلامي المصغر الداعي إلى وضع لفافة على الرأس فقط وترك الوجه والرقبة واليدين وحتى الساقين أحيانا مكشوفة بارزة.

فليست هناك سنة واضحة متوارثة من أيام الرسل المكرمين في الواقع بل الأمر خلافي بكل معنى الكلمة. وكل هذه الأنواع من الحجاب موجودة لدى اليهود وبعض المسيحيين مما يدل على أنها كانت معروفة بين أصحاب الديانات السماوية برمتها وكلها مختلفة وغير متفق عليها.

لكننا كمسلمين ننظر إلى التاريخ الإسلامي على ما ينطوي عليه من مفتريات لنجد بأن الرسول عليه السلام عاش مع الصحابة الرجال والصحابيات وكلهم يروون عنه. ولم يكن للرسول سماعات ولا أجهزة تلفاز بل جلسوا معا أمامه في مجلس واحد. كان الأمر كذلك برواية المؤرخين أيام الخلافة الراشدة وأيام بني أمية ولكن بني العباس فصلوا بين الرجال والنساء في مجالسهم.

والتاريخ المسيحي يذكر بأن المسيح تحدث إلى الجنسين معا ونرى عمليا بأن مسألة صعود المسيح عليه الصلاة والسلام إلى السماء بعد دفنه منسوبة إلى امرأة وليس إلى رجل كما يعتقد به المسيحيون.

ولا يذكر اليهود المتشددون أي تاريخ لديهم بأن موسى فرق في مجالسه بين النساء والرجال بقدر معلوماتي المتواضعة.

ولننظر الآن إلى الطقوس الدينية:

إن أهمها هي الحج بالنسبة للأديان الثلاثة فنرى بأن الجميع يزورون القدس والكعبة وحائط المبكى دون تفريق بين الجنسين. المسلمون والمسلمات يختلطون تماما في الطواف والسعي والصلاة في المسجد الحرام ولا يفرقون بين الجنسين ولا يهتمون بأن تقف النساء خلف الرجال. كل المذاهب المختلقة بشريا تحرم تغطية الوجه للمرأة. وكلهم يقولون بأن أهل مكة كانوا يفرقون في الطواف بين الجنسين فيطوف الرجال في النهار وتطوف النساء في الليل ولكن الرسول منع من ذلك وأمر بأن يطوف الرجال والنساء معا ولا تغطي امرأة وجهها.

فمن أين أتى النقاب؟ ليس النقاب إسلاميا ولا مسيحيا ولا يهوديا.

إنه عادة بابلية ومجوسية للتفريق بين الحرائر والإماء ولا ارتباط لهذه العادة السيئة بالأديان السماوية.

ولننظر إلى القرآن لنختصر الطريق:

قال تعالى في سورة الأحزاب: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل ِلأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59) لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاّ قَلِيلاً (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (62)

فلننظر بدقة إلى الآيات التي سبقت ولحقت آية الحجاب لنراها تتحدث عن توجيه البهتان إلى بعض المؤمنات من قبل المنافقين وبأن حكم الحجاب نزل لحماية المؤمنات من مثل هذه التهم. لا تأمر الآية بإضافة أي لباس إلى المرأة بل تأمر بالاستفادة من جلابيبهن ليدنينها عليهن. والسبب في ذلك هو أن يُعرفن بالشرف والفضيلة فلا يتعرضن للأذى.

ثم لننظر إلى السبب الداعي إلى أن يأمر النبي وليس الرسول أزواجه وبناته بأن يدنين عليهن من جلابيبهن. ألا يعني ذلك بأن بعض أزواج النبي على الأقل وبعض بناته لم تفعلن ذلك من قبل؟ ومن هن بنات النبي؟ أنا شخصيا لم أر في القرآن أي بنات للرسول عدا فاطمة كما أنه عليه السلام لم ينجب ذكورا. قال تعالى في سورة الأحزاب: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40). ولو كانت الآية آية حجاب فإنهن لم يكن محجبات.

ثم ما معنى يدنين عليهن من جلابيبهن؟ لنقرأ آية الحجاب الثانية لعلنا نعرف المعنى:

قال سبحانه في سورة النور:

قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31).

لنمعن النظر في الآيتين:

1. هناك أمر للمؤمنين والمؤمنات معا بأن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم. فكما أن المرأة مسؤولة عن غض البصر حماية للفروج فإن الرجل مسؤول أيضا دون تفريق بينهما. الغض يعني تخفيض النظر أو الصوت. فليس هناك منع كامل من النظر ولكن هناك منع من التعمق في البصر حماية للفروج. فمعناها بأن النظر غير المؤدي إلى الشهوات مباح ولكن النظر المصاحب للشهوات محرم على المؤمن وعلى المؤمنة على السواء. والآية تأمر كلا منهما أن يغضا الطرف حماية لفرجه وليس حماية لفرج الآخر. ولم يذكر القرآن الكريم عقابا لمن يخالف هذا الأمر فهو أمر إرشادي أكثر من يكون أمرا تشريعيا.

فما معنى الفرج: الفرج كما يقولون هو الشق بين شيئين وكني بنفس الكلمة عن السوأة حسب تعبيرهم فاستعمل الله تعالى الفرج للعضوين التناسليين للذكر والأنثى.

ولكنني أظن غير ذلك. وظني لا يغير المعنى ولكنني أظن بأن كلا العضوين فرجان ولكن العضو الذكري مقفول على باطنه وهو الجزء الحساس والعضو الأنثوي مصنوع على الأصل ولذلك اكتشفوا اليوم بإمكانية تحويل الجنس إلى جنس آخر دون إيجاد عضو الإنجاب أو الرحم وكذلك مستلزمات الرضاعة لدى المرأة. فاستعمال الفرج في القرآن للعضوين قد يكون استعمالا مقصودا وابتدائيا لعلم الله تعالى بهذه الحقيقة فهو قد يكون بمثابة إعجاز قرآني في الزمن الغابر.

فيعني بأن على المؤمن ألا يسعى لتحريك شهوته بالنظر إلى المؤمنة وعلى المؤمنة مثل ذلك. فقولهم بأن على النساء ألا يحركن شهوات الرجال غير وارد في هاتين الآيتين. لكن العقل يحكم بذلك لأن تحريك شهوة الفرج مشترك بينهما لكن التأكيد على حماية النفس أكثر من التأكيد على حماية الغير. فمن حمى نفسه من طغيان الشهوة فإنه يحمي الطرف الآخر أيضا فيتحقق الحكم العقلي بهاتين الآيتين الكريمتين.

2. يضيف الله تعالى حكما آخر على حكم غض البصر للمؤمنات وهو: ولا يبدين زينتهن. فما هي الزينة أولا؟ إن الزينة مشروحة في آخر الآية الكريمة وهو: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن. والزينة الخفية التي تظهر بضرب الرجل هي الخلخال الذي يطوق الساق. نعرف من المقطع من الآية الكريمة بأن الحديث عن المؤمنة التي تخفي سيقانها فنعرف بأن إظهار السيقان غير مسموح. فليست الزينة بدنية ولكنها الحلي والمجوهرات التي تزين البدن.

3. نحن نعرف من آية سورة النساء بأن العم والخال مَحرمان للمرأة ولكنهما غير مذكورين في الآية الكريمة؛ كما نعرف بأن العبد غير محرم مع المرأة ولكنه من المسموح له بأن يتعرف على زينة مخدومته. ونعرف من سورة يوسف بأن علاقة الشهوة بين العبد ومولاته غير مصانة بل هي قابلة للظهور بقوة كما حصل من زوج العزيز بالنسبة ليوسف. مع ملاحظة هذه المسائل يضطرب موضوع الحجاب من هذا المقطع من الآية على الأقل. فبداية الآية عن الحجاب ولكن عدم إظهار الزينة ليس مرتبطا بالحجاب. والتفسير المعقول لهذا المقطع الكبير من الآية الكريمة هو أن الله تعالى يريد المحافظة على النساء من اللصوص الذين يطمعون في سرقة زينة النساء فقد تصاحب السرقة اعتداء على شرفهن أيضا. ولذلك يفقد العم والخال أهمية درايتهما بما تملك المرأة من زينة لسبب آخر وليس لبيان المحرمية. لكن الله تعالى سمح للمرأة ألا تخفي زينتها عن صديقاتها بقوله نسائهن وكذلك عن خدمها لأنهم يعرفون ما تملك سيدتهم من زينة ولا خطر عليها من ناحيتهم. وأما العم والخال فقد يكونا فقيرين ويريدان أن يطلبا يد الفتاة الغنية لأحد أولادهما فالله تعالى يحب ذلك كما يبدو لي ولكن لا يحب أن تبدي الفتاة الغنية زينتها لهما فيخجلا أو يتباطئا في طلب الزواج. بالطبع هذا مجرد احتمال.

4. وأما ما ظهر من الزينة المذكور في بداية المقطع الكبير من الآية فهي القطع الذهبية الصغيرة التي تتحلى بها النساء كالخواتم والأسورة التي لا تنطوي على المزيد من الذهب وغير ذلك.

5. والآن نعود مرة أخرى إلى المقطع الكبير من الآية بعد انتهاء الأمر بغض البصر لنراها مؤلفة من جملتين مختلفتين. فالنهي من إبداء الزينة مكررة يبدأ بموضوع كامل ثم تبدأ جملة أخرى حول عدم إبداء الزينة. الجملة الثانية اقتصادية والجملة الأولى ليست اقتصادية في الواقع. إن تلك الجملة هي التي تمثل حقيقة الحجاب الواجب وهو واجب على كل المؤمنات سواء كن حرائر أم إماء. هي هذه فلنقرأها مرة أخرى ونفكر فيها: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. هكذا فرق الله تعالى بين المؤمن والمؤمنة في وجوب حماية الفروج بإضافة هذه الجملة الكريمة في الآية المباركة. فيجوز إظهار بعض الزينة التي هي فوق الجيوب وهي الزينة المضافة إلى الوجه ولكن الجيوب غير مسموحة. فما هي الجيوب؟

الجيب والجوب متقاربان في المعنى وهو الخرق ولكنهم استعملوا الجوب لقطع الصخور ولقطع الكلام جوابا واستعملوا الجيب لخرق في القميص ليدخلوا فيه الرأس. وأما الجيوب المتعارفة بيننا فهي لم تكن مستعملة يوم نزول القرآن احتمالا. وبما أن النساء كن ولازلن مهتمات بتضخيم الشعر أحيانا كسمة من سمات الجمال وكن يستعملن الدهون والزيوت المعطرة ولذلك كن يكبرن جيوب القمصان ليدخل الرأس في القميص دون أن يمس الشعر. ولا ننس بأن الخيوط المطاطية والأزرة لم تكن متوفرة آنذاك. ولو كان الله تعالى يريد إخفاء الشعر لأمرهن بأن يقلصن من فتحات الجيوب لكنه سبحانه لم يفعل ذلك، كما أنه سبحانه لم يأمر بإضافة قماش أو منديل لتغطية الصدر بل قال: وليضربن بخمرهن على جيوبهن. بمعنى أنه سبحانه علَّمهن أن يضربن وهو مثل يرمين طرفا من أطراف خمرهن على جيوب القمصان حتى يخفين الصدور لأنها أكثر الأعضاء إثارة للجنس الآخر.

فقولهم بأن الخمار يمثل غطاء الرأس لهو قول سخيف فهل يُعقل أن نتصور بأن النساء كن يغطين شعورهن ولكنهن يفتحن صدورهن؟ لو فعلت أنثى ذلك لقلنا بأنها تدعو إلى الفاحشة وتريد أن تتنكر حتى لا يتعرف عليها أهلها وهذا الأمر غير وارد في أمة مسلمة تحتضن أعظم كتاب في الأرض وتحتضن خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام. فالخمار ليس غطاء الرأس وسبب تسميته بالخمار هو باعتبار أن الخمر يُسكر فهو لباس جميل يسكر الجنس الآخر وقد يكون هو المرط أو الجلباب أو أن يكن ملابس مشابهة لها ذيول.

والآن نرجع إلى الآية الأولى التي تركناها من سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل ِلأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59).  فالجلباب كالخمار لباس كن يلبسنه وله ذيول أيضا ولكن الجلباب احتمالا يغطي قسما من الصدر ولعلهن كن يلبسنه حينما يصنعن شعورهن على شكل ضفائر دون نفش فقال سبحانه بأن يدنين من هذا الجلباب شيئا إلى أبدانهن ولم يتحدث عن الجيوب. فالجلباب أيضا ينطوي على ذيول قد يغطي المتن وتنزيلُه باتجاه الصدر يساعد على تغطية الصدور فيختفي عضو الجاذبية في الصدر. هذا كل الحجاب في القرآن ولم يذكر الله تعالى أي عقاب لمن لا يعمل بالحجاب فكل ما يقولونه من عقاب دنيوي أو أخروي فهو كلام بشري لا ارتباط له بالقرآن الكريم ولو نسبوه إلى الله تعالى اعتبرناه فرية وكذبا على الله العظيم جل جلاله.

وفي الختام أعود فأكرر رأيي بأن تلتزم الأخوات المكرمات بالحجاب لسبب آخر وهو ليس سببا شرعيا ولا دينيا ولكنه اجتماعي. واسمحوا لي أن أشق ذلك السبب شقين:

الشق الأول: أن الحجاب أصبح علامة المرأة المسلمة الملتزمة كما أنه علامة المرأة اليهودية والمسيحية الملتزمة فكيف يروق لأخواتنا المكرمات أن يرين المسيحيات واليهوديات المؤمنات يرتدين الحجاب المعقول وهو تغطية الرأس وإظهار الوجه وقسما من اليدين ولكنهن يتمثلن بغير الملتزمات؟

الشق الثاني: هو أن الله تعالى أمر رسوله بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ومدح أهل مكة بأنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف كما قال في سورة آل عمران: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110).  والمعروف اليوم بين نساء المسلمين أن يرتدين هذا الحجاب البسيط الذي لا يخالف أمر الله تعالى بأن يتعاون الناس مع بعض وبأن يسير الجنسان جنبا إلى جنب كما هو في مركزنا الأساسي في مهبط الوحي الختامي مكة. ومن المؤكد أن النقاب وما شابهه يفصل المرأة عن الرجل وقد يكون محرما لأسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا.

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي

بقية المقال اللباس والطعام في القرآن :

https://ambmacpc.com/2019/07/12/%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b3-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b9%d8%a7%d9%85-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84/


اللباس والطعام في القرآن- عن الحجاب والطعام


بسم الله الرحمن الرحيم

حديثنا اليوم حول اللباس والطعام في الإسلام. ونبدأ باللباس. لا نقصد باللباس كل ما يلبسه الناس بمختلف أجناسهم فهي ليست شأنا قرآنيا والله تعالى خيرنا بحق في شؤوننا الشخصية والحضارية. لكنه سبحانه شرع بعض الأوامر التي تساعدنا على صيانة أنفسنا وعوائلنا وأممنا في الدنيا وتجلب لنا الرضوان في الآخرة. فليس في القرآن أي حديث عن اللحية والملابس الطويلة والقصيرة ولبس الذهب والفضة وكل توابعها والتي يتعرض لها الفقه الإسلامي وكذلك المحرفات اليهودية. لم يأمر الله تعالى أنثى بأن تلبس الجلابيب أو الخمر أو الثياب بل كانوا يلبسونها ولكن الله تعالى أمر المسلمين بأن يستفيدوا من نفس الملابس للمزيد من الصيانة والوقاية.

ثم إنني أنا لست من دعاة خلع الحجاب بل أنا من الذين يشجعون الحجاب الإسلامي للأخوات الكريمات ولكن ليس من حقي ولا من حق غيري أن نقول بأن الله تعالى أوجب شيئا لم يذكره سبحانه في القرآن بصراحة ووضوح. ولنكن واقعيين فإننا كمسلمين نؤمن برسالة نبينا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام الذي احتضن كتابا واحدا اسمه القرآن وكل المسلمين وهكذا الذين عاصروا الرسالة المجيدة من اليهود والنصارى معترفون بأن هذا القرآن هو قرآنهم. لم يخلف الرسول أي كتاب آخر ولم يكن له ولصحابته أي كتب أخرى عدا القرآن المصون الباقي والتوراة والإنجيل الذين تعرضا للتحريف. كل الأحاديث  والروايات كتبت فيما بعد ومرت جميعها على حكومات العباسيين المهتمة بالأحاديث لتوطيد كيانها. لم يتعهد الله بصيانة أي كتاب غير القرآن وليس بيدنا أي كتاب ولو ادعاء بتأليف الرسول أو أي من صحابته أو أي من الخلفاء الراشدين أو أي من التابعين.

فكلما يُنسب إلى الله تعالى خارج القرآن باطل ومردود ولا عبرة به عند المحققين من المسلمين.

لكننا في نفس الوقت نعيش على سنن غير واردة في القرآن ولا يمكننا التخلي عنها مثل:

كيفية الصلوات اليومية وبقية الصلوات الواجبة والمستحبة.

الكفن والدفن للموتى.

ذبح الحيوانات بقصد التذكية لتكون صالحة شرعا للأكل.

رمي الجمار في الحج. وبعض السنن الصغيرة مثل:

الدفن في مقابر المسلمين؛

الختان للذكور فقط؛

طقوس الزواج من الخطبة والنكاح والزفاف مع ما يصاحبها من تقديم الأكل والحلويات وغير ذلك كإعلان لتشكيل أسرة جديدة.

الوصية قبل الموت. ووو

لكن الخلافات المذهبية التي بدأت خلافات سياسية ثم اشتدت وتفاقمت وتحولت إلى نصوص دينية تفيد تقسيم المسلمين إلى شيعة وسنة وكل منها إلى مذاهب صغيرة مختلفة؛ هذه الخلافات صاحبتها أحكام وتشريعات خاصة بها لتميزها عن غيرها. هذه الخلافات مرفوضة من أساسها قرآنيا وباطلة ولا يجوز الالتزام بها إطلاقا لو كنا نعتقد بالقرآن الكريم لكنها موجودة. كل أصحاب المذاهب يسعون لأن ينسبوا تشريعاتهم الموسعة إلى الرسول أو إلى ذريته ويوصلونها إلى الله تعالى معتبرينها وحيا ثانيا خارج وحي القرآن. معاذ الله.

ولذلك لا يمكننا كمسلمين نحب الله تعالى ورسله الكرام وكتبه السماوية الشريفة أن نتبع ما يقوله أصحاب المذاهب؛ كما لا يمكننا أن ننسب السنن الموروثة إلى هذه الكتب والزبر البشرية غير المرتبطة بالوحي. فمن حقنا أن نصلح السنن لو رأيناها تخالف القرآن لنعيدها إلى أصولها.

Vector – arab family with placard, muslim people, saudi cartoon man and woman. Muslim family with sign.

سنة الحجاب:

ولننظر الآن إلى سنة الحجاب المنتشرة بين المسلمين بأشكال مختلفة:

1. النقاب الكامل بحيث لا يرى أحد أي شيء من جسم المرأة أو حجم جسمها وبعض المتشددين يسعون ألا يذكروا أسماء الفتيات والنساء بل يشيرون إليها بالكنى أو يختلقون أوصافا لهن.

2. تغطية وجه الأنثى من ساعة ميلادها حتى موتها بحيث لا يراها أبوها وإخوانها وزوجها! و ليت شعري كيف تتزوجن؟؟

3. الحجاب المعروف اليوم بالحجاب الإسلامي وهو تغطية الشعر وبقية البدن عدا الوجه والكفين.

4. الحجاب الإسلامي المصغر الداعي إلى وضع لفافة على الرأس فقط وترك الوجه والرقبة واليدين وحتى الساقين أحيانا مكشوفة بارزة.

فليست هناك سنة واضحة متوارثة من أيام الرسل المكرمين في الواقع بل الأمر خلافي بكل معنى الكلمة. وكل هذه الأنواع من الحجاب موجودة لدى اليهود وبعض المسيحيين مما يدل على أنها كانت معروفة بين أصحاب الديانات السماوية برمتها وكلها مختلفة وغير متفق عليها.

لكننا كمسلمين ننظر إلى التاريخ الإسلامي على ما ينطوي عليه من مفتريات لنجد بأن الرسول عليه السلام عاش مع الصحابة الرجال والصحابيات وكلهم يروون عنه. ولم يكن للرسول سماعات ولا أجهزة تلفاز بل جلسوا معا أمامه في مجلس واحد. كان الأمر كذلك برواية المؤرخين أيام الخلافة الراشدة وأيام بني أمية ولكن بني العباس فصلوا بين الرجال والنساء في مجالسهم.

والتاريخ المسيحي يذكر بأن المسيح تحدث إلى الجنسين معا ونرى عمليا بأن مسألة صعود المسيح عليه الصلاة والسلام إلى السماء بعد دفنه منسوبة إلى امرأة وليس إلى رجل كما يعتقد به المسيحيون.

ولا يذكر اليهود المتشددون أي تاريخ لديهم بأن موسى فرق في مجالسه بين النساء والرجال بقدر معلوماتي المتواضعة.

ولننظر الآن إلى الطقوس الدينية:

إن أهمها هي الحج بالنسبة للأديان الثلاثة فنرى بأن الجميع يزورون القدس والكعبة وحائط المبكى دون تفريق بين الجنسين. المسلمون والمسلمات يختلطون تماما في الطواف والسعي والصلاة في المسجد الحرام ولا يفرقون بين الجنسين ولا يهتمون بأن تقف النساء خلف الرجال. كل المذاهب المختلقة بشريا تحرم تغطية الوجه للمرأة. وكلهم يقولون بأن أهل مكة كانوا يفرقون في الطواف بين الجنسين فيطوف الرجال في النهار وتطوف النساء في الليل ولكن الرسول منع من ذلك وأمر بأن يطوف الرجال والنساء معا ولا تغطي امرأة وجهها.

فمن أين أتى النقاب؟ ليس النقاب إسلاميا ولا مسيحيا ولا يهوديا.

إنه عادة بابلية ومجوسية للتفريق بين الحرائر والإماء ولا ارتباط لهذه العادة السيئة بالأديان السماوية.

ولننظر إلى القرآن لنختصر الطريق:

قال تعالى في سورة الأحزاب: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل ِلأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59) لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاّ قَلِيلاً (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (62)

فلننظر بدقة إلى الآيات التي سبقت ولحقت آية الحجاب لنراها تتحدث عن توجيه البهتان إلى بعض المؤمنات من قبل المنافقين وبأن حكم الحجاب نزل لحماية المؤمنات من مثل هذه التهم. لا تأمر الآية بإضافة أي لباس إلى المرأة بل تأمر بالاستفادة من جلابيبهن ليدنينها عليهن. والسبب في ذلك هو أن يُعرفن بالشرف والفضيلة فلا يتعرضن للأذى.

ثم لننظر إلى السبب الداعي إلى أن يأمر النبي وليس الرسول أزواجه وبناته بأن يدنين عليهن من جلابيبهن. ألا يعني ذلك بأن بعض أزواج النبي على الأقل وبعض بناته لم تفعلن ذلك من قبل؟ ومن هن بنات النبي؟ أنا شخصيا لم أر في القرآن أي بنات للرسول عدا فاطمة كما أنه عليه السلام لم ينجب ذكورا. قال تعالى في سورة الأحزاب: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40). ولو كانت الآية آية حجاب فإنهن لم يكن محجبات.

ثم ما معنى يدنين عليهن من جلابيبهن؟ لنقرأ آية الحجاب الثانية لعلنا نعرف المعنى:

قال سبحانه في سورة النور:

قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31).

لنمعن النظر في الآيتين:

1. هناك أمر للمؤمنين والمؤمنات معا بأن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم. فكما أن المرأة مسؤولة عن غض البصر حماية للفروج فإن الرجل مسؤول أيضا دون تفريق بينهما. الغض يعني تخفيض النظر أو الصوت. فليس هناك منع كامل من النظر ولكن هناك منع من التعمق في البصر حماية للفروج. فمعناها بأن النظر غير المؤدي إلى الشهوات مباح ولكن النظر المصاحب للشهوات محرم على المؤمن وعلى المؤمنة على السواء. والآية تأمر كلا منهما أن يغضا الطرف حماية لفرجه وليس حماية لفرج الآخر. ولم يذكر القرآن الكريم عقابا لمن يخالف هذا الأمر فهو أمر إرشادي أكثر من يكون أمرا تشريعيا.

فما معنى الفرج: الفرج كما يقولون هو الشق بين شيئين وكني بنفس الكلمة عن السوأة حسب تعبيرهم فاستعمل الله تعالى الفرج للعضوين التناسليين للذكر والأنثى.

ولكنني أظن غير ذلك. وظني لا يغير المعنى ولكنني أظن بأن كلا العضوين فرجان ولكن العضو الذكري مقفول على باطنه وهو الجزء الحساس والعضو الأنثوي مصنوع على الأصل ولذلك اكتشفوا اليوم بإمكانية تحويل الجنس إلى جنس آخر دون إيجاد عضو الإنجاب أو الرحم وكذلك مستلزمات الرضاعة لدى المرأة. فاستعمال الفرج في القرآن للعضوين قد يكون استعمالا مقصودا وابتدائيا لعلم الله تعالى بهذه الحقيقة فهو قد يكون بمثابة إعجاز قرآني في الزمن الغابر.

فيعني بأن على المؤمن ألا يسعى لتحريك شهوته بالنظر إلى المؤمنة وعلى المؤمنة مثل ذلك. فقولهم بأن على النساء ألا يحركن شهوات الرجال غير وارد في هاتين الآيتين. لكن العقل يحكم بذلك لأن تحريك شهوة الفرج مشترك بينهما لكن التأكيد على حماية النفس أكثر من التأكيد على حماية الغير. فمن حمى نفسه من طغيان الشهوة فإنه يحمي الطرف الآخر أيضا فيتحقق الحكم العقلي بهاتين الآيتين الكريمتين.

2. يضيف الله تعالى حكما آخر على حكم غض البصر للمؤمنات وهو: ولا يبدين زينتهن. فما هي الزينة أولا؟ إن الزينة مشروحة في آخر الآية الكريمة وهو: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن. والزينة الخفية التي تظهر بضرب الرجل هي الخلخال الذي يطوق الساق. نعرف من المقطع من الآية الكريمة بأن الحديث عن المؤمنة التي تخفي سيقانها فنعرف بأن إظهار السيقان غير مسموح. فليست الزينة بدنية ولكنها الحلي والمجوهرات التي تزين البدن.

3. نحن نعرف من آية سورة النساء بأن العم والخال مَحرمان للمرأة ولكنهما غير مذكورين في الآية الكريمة؛ كما نعرف بأن العبد غير محرم مع المرأة ولكنه من المسموح له بأن يتعرف على زينة مخدومته. ونعرف من سورة يوسف بأن علاقة الشهوة بين العبد ومولاته غير مصانة بل هي قابلة للظهور بقوة كما حصل من زوج العزيز بالنسبة ليوسف. مع ملاحظة هذه المسائل يضطرب موضوع الحجاب من هذا المقطع من الآية على الأقل. فبداية الآية عن الحجاب ولكن عدم إظهار الزينة ليس مرتبطا بالحجاب. والتفسير المعقول لهذا المقطع الكبير من الآية الكريمة هو أن الله تعالى يريد المحافظة على النساء من اللصوص الذين يطمعون في سرقة زينة النساء فقد تصاحب السرقة اعتداء على شرفهن أيضا. ولذلك يفقد العم والخال أهمية درايتهما بما تملك المرأة من زينة لسبب آخر وليس لبيان المحرمية. لكن الله تعالى سمح للمرأة ألا تخفي زينتها عن صديقاتها بقوله نسائهن وكذلك عن خدمها لأنهم يعرفون ما تملك سيدتهم من زينة ولا خطر عليها من ناحيتهم. وأما العم والخال فقد يكونا فقيرين ويريدان أن يطلبا يد الفتاة الغنية لأحد أولادهما فالله تعالى يحب ذلك كما يبدو لي ولكن لا يحب أن تبدي الفتاة الغنية زينتها لهما فيخجلا أو يتباطئا في طلب الزواج. بالطبع هذا مجرد احتمال.

4. وأما ما ظهر من الزينة المذكور في بداية المقطع الكبير من الآية فهي القطع الذهبية الصغيرة التي تتحلى بها النساء كالخواتم والأسورة التي لا تنطوي على المزيد من الذهب وغير ذلك.

5. والآن نعود مرة أخرى إلى المقطع الكبير من الآية بعد انتهاء الأمر بغض البصر لنراها مؤلفة من جملتين مختلفتين. فالنهي من إبداء الزينة مكررة يبدأ بموضوع كامل ثم تبدأ جملة أخرى حول عدم إبداء الزينة. الجملة الثانية اقتصادية والجملة الأولى ليست اقتصادية في الواقع. إن تلك الجملة هي التي تمثل حقيقة الحجاب الواجب وهو واجب على كل المؤمنات سواء كن حرائر أم إماء. هي هذه فلنقرأها مرة أخرى ونفكر فيها: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. هكذا فرق الله تعالى بين المؤمن والمؤمنة في وجوب حماية الفروج بإضافة هذه الجملة الكريمة في الآية المباركة. فيجوز إظهار بعض الزينة التي هي فوق الجيوب وهي الزينة المضافة إلى الوجه ولكن الجيوب غير مسموحة. فما هي الجيوب؟

الجيب والجوب متقاربان في المعنى وهو الخرق ولكنهم استعملوا الجوب لقطع الصخور ولقطع الكلام جوابا واستعملوا الجيب لخرق في القميص ليدخلوا فيه الرأس. وأما الجيوب المتعارفة بيننا فهي لم تكن مستعملة يوم نزول القرآن احتمالا. وبما أن النساء كن ولازلن مهتمات بتضخيم الشعر أحيانا كسمة من سمات الجمال وكن يستعملن الدهون والزيوت المعطرة ولذلك كن يكبرن جيوب القمصان ليدخل الرأس في القميص دون أن يمس الشعر. ولا ننس بأن الخيوط المطاطية والأزرة لم تكن متوفرة آنذاك. ولو كان الله تعالى يريد إخفاء الشعر لأمرهن بأن يقلصن من فتحات الجيوب لكنه سبحانه لم يفعل ذلك، كما أنه سبحانه لم يأمر بإضافة قماش أو منديل لتغطية الصدر بل قال: وليضربن بخمرهن على جيوبهن. بمعنى أنه سبحانه علَّمهن أن يضربن وهو مثل يرمين طرفا من أطراف خمرهن على جيوب القمصان حتى يخفين الصدور لأنها أكثر الأعضاء إثارة للجنس الآخر.

فقولهم بأن الخمار يمثل غطاء الرأس لهو قول سخيف فهل يُعقل أن نتصور بأن النساء كن يغطين شعورهن ولكنهن يفتحن صدورهن؟ لو فعلت أنثى ذلك لقلنا بأنها تدعو إلى الفاحشة وتريد أن تتنكر حتى لا يتعرف عليها أهلها وهذا الأمر غير وارد في أمة مسلمة تحتضن أعظم كتاب في الأرض وتحتضن خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام. فالخمار ليس غطاء الرأس وسبب تسميته بالخمار هو باعتبار أن الخمر يُسكر فهو لباس جميل يسكر الجنس الآخر وقد يكون هو المرط أو الجلباب أو أن يكن ملابس مشابهة لها ذيول.

والآن نرجع إلى الآية الأولى التي تركناها من سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل ِلأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59).  فالجلباب كالخمار لباس كن يلبسنه وله ذيول أيضا ولكن الجلباب احتمالا يغطي قسما من الصدر ولعلهن كن يلبسنه حينما يصنعن شعورهن على شكل ضفائر دون نفش فقال سبحانه بأن يدنين من هذا الجلباب شيئا إلى أبدانهن ولم يتحدث عن الجيوب. فالجلباب أيضا ينطوي على ذيول قد يغطي المتن وتنزيلُه باتجاه الصدر يساعد على تغطية الصدور فيختفي عضو الجاذبية في الصدر. هذا كل الحجاب في القرآن ولم يذكر الله تعالى أي عقاب لمن لا يعمل بالحجاب فكل ما يقولونه من عقاب دنيوي أو أخروي فهو كلام بشري لا ارتباط له بالقرآن الكريم ولو نسبوه إلى الله تعالى اعتبرناه فرية وكذبا على الله العظيم جل جلاله.

وفي الختام أعود فأكرر رأيي بأن تلتزم الأخوات المكرمات بالحجاب لسبب آخر وهو ليس سببا شرعيا ولا دينيا ولكنه اجتماعي. واسمحوا لي أن أشق ذلك السبب شقين:

الشق الأول: أن الحجاب أصبح علامة المرأة المسلمة الملتزمة كما أنه علامة المرأة اليهودية والمسيحية الملتزمة فكيف يروق لأخواتنا المكرمات أن يرين المسيحيات واليهوديات المؤمنات يرتدين الحجاب المعقول وهو تغطية الرأس وإظهار الوجه وقسما من اليدين ولكنهن يتمثلن بغير الملتزمات؟

الشق الثاني: هو أن الله تعالى أمر رسوله بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ومدح أهل مكة بأنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف كما قال في سورة آل عمران: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110).  والمعروف اليوم بين نساء المسلمين أن يرتدين هذا الحجاب البسيط الذي لا يخالف أمر الله تعالى بأن يتعاون الناس مع بعض وبأن يسير الجنسان جنبا إلى جنب كما هو في مركزنا الأساسي في مهبط الوحي الختامي مكة. ومن المؤكد أن النقاب وما شابهه يفصل المرأة عن الرجل وقد يكون محرما لأسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا.

وأما الطعام:

و مقصودنا من الطعام هو اللحوم المحللة وطريقة تذكيتها. سوف لا نتحدث كثيرا عن المحللات وسوف نركز على التذكية ونبين معنى أمر الله تعالى بأن نذكر اسم الله عليها بكل تفصيل بإذن الله تعالى.

وقبل البدء يجب أن نعرف قليلا عن المدلولات اللفظية لأننا نعرف القرآن أو مفاهيم القرآن عن طريق اللغة والألفاظ والجمل المستعملة لبيان الأحكام والمفاهيم التي يريد الله تعالى أن يوصلها إلينا.

فالقرآن يصرح بأنه منزل بلسان الرسول الأمين وأهله. قال تعالى بالنسبة لكل الرسل في سورة إبراهيم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4).

وقال سبحانه في سورة مريم بالنسبة لرسولنا الكريم: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (97).

وقال سبحانه في سورة الزخرف بأن القرآن له ولقومه: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44). كما أكد سبحانه في الآية الكريمة بأن رسولنا وقومه سوف يُسألون عن هذا القرآن وعن استمساكهم بالقرآن. والذي نلمسه مما وصل إلينا هو أن المسلمين لم يخلفوا كتابا غير هذا القرآن وبأن كل ما كتب بعد الرسول يعود تاريخها إلى ما بعد وفاة آخر صحابي ممن عاشوا مع رسول الله. فالوحي هو هذا القرآن وليس غيره وهو ثابت لدى جميع المسلمين ولدى جميع المؤرخين من غير المسلمين أيضا.

وأما اللسان فهو ما نطق به الذين احتاجوا إلى التواصل مع بعضهم البعض من قديم الزمان. كانت هذه الحاجة موجودة لدى الحيوانات والإنسان ولكنها ليست بدرجة واحدة. فالحيوانات تأكل وتشرب الموجود ولا تقوم بأية معالجة مثل الطبخ والتخمير والعصر والتبخير وغير ذلك. كما أنها لا تضحك ولا تقتني الملابس ولا تبني البيوت ولا تقيم المصانع ولا تستعمل المراكب ولا تقوم بالتسويق ولا تمارس أي نوع من أنواع المبادلات التجارية.

وأما الإنسان وباعتبار النفس الإنسانية يحمل القوة على خلق اللغة ولكنه يسعى للاستعانة بقدراته عند ظهور الحاجة. وقد ظهرت الحاجة بالتكاثر وانطلقت الألسن بما نسميه اليوم اللغات وانتهى الأمر. جاء القرآن من بعدهم واستعمل لسانا عربيا متكاملا لبيان ما يريد الله تعالى أن يبلغه لعبيده وهو لسان أهل مكة. استعمل القرآن لسانا موجودا فلا يمكن لنا أن نخترع قواعد لاستكشاف معاني سواء على أساس الأصوات أو على أساس المناهج اللفظية الأخرى. كلها مناهج جميلة وبديعة ولكنها لا يمكن أن تخدمنا لفهم كلام منزل من قبل أن نتطور في استحداث كلمات ومعاني جديدة. كلما نفعله لو وافقت عليه الأمم البشرية فهو يفيد المستقبل ولا يمكن أن يمثل الماضي.

أما بعد هذه المقدمة القصيرة نأتي إلى مفهوم التذكية الواردة في القرآن مرة واحدة فقط ونقرأ الآية الكريمة من سورة المائدة:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ِلأِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3).

ذكى يعني شعل وذكّى يعني أشعل. لم يأت أحد بشاهد عربي من شعر أو نثر ليعطي معنى آخر. لكن أرباب اللغة قالوا بأن العرب استعملوا الجذر لبيان شدة الذكاء كقولهم: فلان شعلة نار، بمعنى شديد أو حاد الذكاء. كما وصفوا الشيخ مذكيا باعتبار تجاربه ورياضاته.

وقال ابن فارس في مقاييس اللغة:

الذال والكاف والحرف المعتلّ أصلٌ واحد مطّردٌ منقاس يدلُّ على حِدَّةٍ [في] الشَّيء ونفاذٍ. يقال للشَّمس “ذُكاءُ” لأنَّها تذكو كما تذكو النّار. والصُّبح: ابنُ ذُكاءَ، لأنّه من ضوئها. ومن الباب ذكَّيتُ الذَبيحة أُذكّيها، وذكّيت النّار أذكّيها، وذَكَوْتُهَا أذْكُوها.   انتهى قول ابن فارس.

ولعمري لم يقولوا كيف صار حدة النار أو شعلة النار بمعنى ذبح الحيوان؟ لم يدروا ولا أدري. لقد استعملها العرب بمعنى شدة الرائحة فكأن العبير يشتعل لكن ليس بيدنا أي دليل على أنهم استعملوا الجذر لذبح الحيوان أو لما يقارن الذبح.

وكلي ظن بأن أول من وظف الجذر بمعنى ذبح الحيوان المعد للأكل أو ما يقارن الذبح ليصير الحيوان حلالا هو القرآن الكريم.

وجاء من بعد القرآن من أيد القرآن. ذكر ابن منظور في لسان العرب:

والذَّكاءُ في الفَهْمِ: أَن يكون فَهْماً تامّاً سريع القَبُولِ. ابن الأَنباري في ذَكاءِ الفَهْمِ والذَّبْحِ: إنه التَّمامُ، وإنّهما ممدودانِ.   انتهى قول ابن منظور.

إن ما قاله ابن الأنباري رحمه الله تعالى لا يزيدني إلا ضحكا. ذكاء الفهم وذكاء الذبح؛ إنها محاولة يائسة بائسة وليست محاولة صائبة برأيي والعلم عند المولى جل وعلا.

وقالوا بأنهم لو وصلوا إلى الحيوان المقتول بسبب آخر غير الذبح وبه رمق أو حسب تعبيرهم الخاطئ روح ثم قطعوا أوداجه صار حلالا.

لا أظن بأننا يمكن أن نستنتج هذا المعنى من شبه جملة: إلا ما ذكيتم. ولو قال أحد بأن التذكية تعني إشعال النار في الحيوان الميت لكان أصح من قول المفسرين ولكنه بالتأكيد ليس صحيحا. فليس لإشعال النار في الميتة أثرا لتحليل الحيوان؛ ولو فرضنا بأن إشعال النار في الحيوان هو لإحراق الحيوانات الميكروبية الضارة فلا فرق حينئذ بين الحيوان الذي هو في طريق الموت بسبب غير الذبح والحيوان المذبوح.

فالتذكية مرتبطة بأمر بعيد عن بدن الحيوان وهي شبيهة بالذكاء بمعنى الفطنة المشتعلة أو حدة الذهن. لا يكفي بأن ترى الحيوان في غمرات الموت ثم تقطع أوداجه برأيي ولكن يجب أن تقطع الرقبةَ والحيوانُ بكامل شعوره بمعنى أن أسباب الموت المذكورة في الآية لم تكن قد أثرت في إحساس الحيوان بالحياة وفي الدفاع عن نفسه.

وما يقوله العلماء بأن الإدراك مرتبط بالتفاعلات الكيماوية في بعض أعضاء البدن لا يزيدني إلا ضحكا أيضا. إن كل ذي وجدان يشعر بأن الحيوانات كلها حتى التي ليس لها مخ مثلنا كالحشرات فإنها تتميز عن النبات بوجود مركزية حاكمة في كيانها مما يَفقدها الأشجار والنباتات برمتها. فلا تشعر الشجرة بأننا قطعنا أغصانها ولا تدافع عن نفسها ولكن الذبابة تشعر وتدافع عن نفسها. فللذبابة شيء شبيه بالنفس ولكنه ضعيف يكفي لإشعار الذبابة بوحدة كيانها وبأن كل أعضائها تُدار بتلك الطاقة المركزية تماما كالنفس المدركة لدى الإنسان.

والتذكية برأيي تعني تحريك النفس الحيوانية الشاعرة بأمر مرتبط بذكر اسم الله تعالى عليها، فلننتقل إلى هذه المسألة.

قال سبحانه في بداية نفس الآية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ. فما معنى أُهلَّ بداية؟

أُهلَّ هو المبني للمجهول من أَهلَّ وهو في الأصل بمعنى رفع الصوت حين رؤية الهلال. ثم استعملوا الفعل لكل أمر مهم أو مفاجئ مطلوب يستقبلونه بالنداء والصوت. قال يزيد لعنه الله تعالى حينما قدموا له رأس الحسين عليه السلام في أشعاره السخيفة التي يرجو فيها أن يكون أسلافه حاضرين ليروا حفيدهم الفاسد الطاغي كيف انتقم لهم من بني هاشم:

لأهلوا واستهلوا فرحا      ثم قالوا يا يزيد لا تشل

شلت يداه في النار. وهو يعني بأنهم سوف يهلهلون بأصواتهم فرحا بالانتقام من قتلى بدر. والإهلال بالله تعالى على الحيوان يعني قول لا إله إلا الله أو ما في حكمه عليه. والعرب تستعمل هذه الكلمات المختصرة لبيان بعض الجمل المعروفة:

حوقل أو تحولق: قال لا حول ولا قوة إلا بالله.

بسمل أو تبسمل: قال بسم الله الرحمن الرحيم.

حي: قال حيهل كما نقول في حي على الصلاة وتعني حيهل على الصلاة.

أهل أو استهل: قال لا إله إلا الله.

والمقصود من الإهلال هو الاستبشار بأمر كما عرفناه من شعر يزيد. فحينما يسوقون الحيوان للذبح بقصد الأكل فإنهم يستبشرون به ويقولون أمرا يدل على الشكر أو إظهار الفرح. فالإهلال بالحيوان كان مرسوما ولكن الله تعالى منع أي إهلال لغير الله تعالى. فلا يجوز أن نهل على الحيوان حتى باسم رسول الله عليه السلام. ليس هناك في الأرض من يقوى على دفع قيمة هذه الحيوانات التي مر على تطويرها مئات الملايين من السنين ولكننا ندفع قيمة التنازل عنها فقط والمالك الحقيقي هو الله تعالى الذي طورها بقصد أن تكون غذاء لنا فعلينا بأن نشكره سبحانه ولا نذبح الحيوان باسم غير الله تعالى. وهذا برأيي غير التسمية الواجبة عند الذبح أو النحر.

قال تعالى في سورة الحج: وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28). هذا هو الإهلال بالحيوان وليس كل الحجيج يذبحون ولكنهم جميعا يذكرون اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. هناك بين الحجيج فقراء يأتون إلى الحج ليأكلوا مما يذبحه الأغنياء.

ولنعرف معنى ذكر اسم الله على ما رزقنا من بهيمة الأنعام:

لاحظت أن فقهاء الشيعة يذكرون نوعا خاصا من التكبير يوم عيد الأضحى وهذا التكبير لا علاقة له بذبح الحيوان، فيقولون: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر على ما هدانا والشكر له على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الأنعام.

أظن بأن هذا هو المقصود من آية سورة الحج لكل من يدخل مكة أو يصلي صلاة عيد الأضحى في بلده بأن يتذكر خلق الأنعام الثلاثة الصغيرة، البقر والمعز والضأن في مكة ويشكر الله تعالى عليها. ولذلك لم يقل سبحانه ليذكروا اسم الله عليها بل قال ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.

ولنعد إلى الآية الأصلية مرة أخرى لنقرأها متلوة بآيات أخرى موضحة فالأولى وهي في سورة المائدة كما ذكرت: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ِلأِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3).

وأما الآيات الموضحة لذكر اسم الله تعالى فنعود إلى سورة الحج ونقرأ كل هذه الآيات:

لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34)

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40).

لنلاحظ الآية الأخيرة فهل ذكر اسم الله في الكنائس والمساجد والبيع والصلوات تعني شيئا غير أن نأتي باسم الله تعالى فيها بصوت مسموع؟ وهل هناك من يقوم بعمل غير هذا في أماكن العبادة؟ لاحظوا بأن الآيات متتالية وهي في سورة واحدة.

والآن لنتحدث بكل صراحة عن الأمر الذي حدا بالإخوة المكرمين أن يدعونا إلى هذا البيت البديع وهذه الأسرة الكريمة لنتحدث عن موضوع الطعام. أنا شخصيا أحب كل الناس بلا استثناء بغض النظر عن الدين والمذهب ولكنني أكره القتلة وأتمنى موتهم حتى لو كانوا مسلمين أو كانوا من أقرب الناس إلي. كما أحب كل أعضاء المودة وهي الجمعية التي أسسها الإخوة وتشرفت بالعضوية فيها بلا استثناء لأنهم جميعا اجتمعوا لفهم القرآن كما أحترم آراء أفرادهم فردا فردا.

ولذلك فأنا هنا لا أنتقد شخصا بعينه ولكن من حقي بل من واجبي أن أنتقد الفكر وفي هذه المسألة بالذات فإن ذلك الأخ الكريم هو الذي انتقد كل اليهود وكل المسلمين وكل الرسل الذين أتوا مع موسى حتى خاتم النبيين وانتقدني أنا أيضا. فأنا هنا لست منتقدا ولكنني أرد على انتقاده فقط. لا يوجد في الأرض كتاب ولا قصة ولا تمثيلية قديمة أو حديثة حتى يومنا هذا ولا صور ولا قصص تقول بأن اليهود أو المسلمين قتلوا الحيوانات لأجل الأكل بدون الجهر باسم الله تعالى عليها. إنه بالنسبة لي أول من قال وبنى أساس بحثه على تفسير خاص به للألفاظ التالية فقال:

الذكر: هو استدعاء الأمر من مكان الحفظ.

الاسم: هو الرمز القادر على ربط وتفعيل العناصر المكونة للاسم حتى يكون فاعلا.

الله: هو القانون المسيِّر لهذا الكون.

وكتبت ردا مختصرا عليه وردا مفصلا. نشرت المختصر واستفسرت عن من يطلب المفصل فلم يطلب أحد ذلك فاكتفيت بالمختصر ولا زال الرد المفصل محفوظا عندي لمن شاء أن يطلبه مني فأتشرف بإرساله إليه. واسمحوا لي في أن أقرأ عليكم الرد المختصر مشفوعا ببعض البيان إن كان لدينا وقت:

الذكر: هو استدعاء الأمر من مكان الحفظ.

الاسم: هو الرمز القادر على ربط وتفعيل العناصر المكونة للاسم حتى يكون فاعلا.

الله: هو القانون المسيِّر لهذا الكون.

كيف يثبت أخي قصي بأن الله تعالى قصد هذه المعاني؟ إن الأخ قصي لم يتحدث أبدا عن إثبات هذه التعاريف من واقع القرآن ولا من واقع اللغة العربية. أو يثبت بأن ما قاله اللغويون في هذه المفردات مغاير لفهم الذين أنزل عليهم القرآن في البلد الحرام ويثرب. ثم إن كل التعاريف الثلاث مغاير لفهم الذين قرأنا عنهم من الماضين والحاضرين. هل هناك مسلم يقول بأن الله هو القانون؟ نحن المسلمون وكذلك إخواننا اليهود والمسيحيون نؤمن بأن الله تعالى هو شيء ليس كمثله شيء وهو وراء القانون وليس هو القانون. لو قلنا بأن الله هو القانون فقد نفينا وجود واجب مهيمن على كل المخلوقات بل أثبتنا بأن كل الحركات عبارة عن تفاعلات طبيعية مع بعضها البعض ضمن قانون الطبيعة مثلا. هذا التعريف الذي تفضل به الأخ قصي لله تعالى هو تعريف فلاسفة عصر التنوير في أوروبا الذين أرادوا إثبات عدم حاجة الكون إلى الله تعالى باعتبار أن قوانين الطبيعة تقي الكون وتتفاعل كل الكائنات مع بعضها البعض دون الحاجة إلى مدبر. 

ولو قلنا ذلك فما معنى اهتمام الزميل الفاضل بالقرآن وهو كتاب ينطوي على جمل ومقاطع لا يمكن أن ننسبها إلى الطبيعة بل هناك إله مهيمن وراء هذا الكتاب.

وهكذا تعريفه للذكر فهو غير منسجم مع أبسط فهم لبعض الآيات. فمثلا قوله تعالى في سورة البقرة: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ (152). فهل الله تعالى يستدعي أمرا من مكان الحفظ حينما يذكرنا وهل هناك مكان للحفظ في كيان الله تعالى؟ معاذ الله. إن كل أمر حاضر أمامه ولا يحتاج إلى أي استدعاء.

وأما بيانه للاسم؛ فإن نفس البيان يشتمل على دور باطل برأي المناطقة. لو كان للاسم عناصر مكونة غير حروفه فكيف يكون نفس الاسم قادرا على ربط وتفعيل العناصر المكونة لنفسه؟ سيكون معنى تعريف الزميل هو: الاسم رمز لتفعيل عناصر الاسم الذي هو رمز لتفعيل عناصر الاسم الذي هو رمز لتفعيل عناصر الاسم الذي هو رمز…. إلى ما لا نهاية. أو ببيان أكثر سهولة: الاسم رمز للاسم الذي هو رمز للاسم…. أليس هكذا تعلمنا حينما درسنا المنطق أم أننا نريد أن نرفض المنطق؟

وأما أصل الموضوع فإنكم تطرقتم لموضوع لا يختلف اثنان على أنه من أحكم المواضيع القرآنية. لعلك تقبل بأن آخر حكم أنزل على المسلمين هو حكم الذبائح وأن آخر حكم في التوراة هو حكم الذبائح أيضا. لعلكم لاحظتم بأن الله تعالى اعتبر بيان ذلك الحكم إكمالا للدين وإتماما للنعمة. فهل من حقنا أن نأتي بمعنى جديد للمحكمات التي سار عليها سلفنا؟ هل يجوز لنا القول بأن كل المسلمين لم يعرفوا معنى آية محكمة مثل آية الذبائح؟ هل لم يعر ف الرسول محمد عليه الصلاة والسلام معنى الآية الكريمة وهو الذي أمره ربه ليبين القرآن لقومه؟ إنه قام بالذبح وقام أهله وصحابته بالذبح مع ذكر اسم الله (بسم الله، الله أكبر أو ما يشابههما) بطريقة نرى اليوم كل المسلمين بمختلف طوائفهم يأتون بها فكيف يمكن أن نقول بأنهم جميعا أخطأوا؟

أخي الكريم: إنك تعرضت لسنة عملية سار عليها كل المؤمنين بالكتب السماوية على الأقل. سار عليه الذين هادوا قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة (ذكر اسم الله مع عملية الذبح) والذين قالوا إنا نصارى والذين آمنوا بالقرآن. ولو نمعن في الكتاب الكريم فسنرى بأن إبراهيم قام بنفس الطريقة فذِكر اسم الله تعالى باللسان هو سنة إبراهيمية وليست سنة محمدية. بمعنى أن تاريخ الذبح مع ذكر اسم الله تعالى يعود إلى حوالي أربعة آلاف وخمسمائة عام.

اسمح لي أن أوجه إليك سؤالا آخر مع مقدمة بسيطة. إنني أعرفك منذ فترة طويلة بأنك إنسان مؤمن موحد تؤمن بالله تعالى ولذلك تسعى لفهم كتاب الله وبيانه. لو لم تكن مؤمنا بالله لما اهتممت بالقرآن العظيم. ثم إنني أقبل بأن كلمة “الله” هو اسم للخالق العظيم جل جلاله باعتبار أنه أخضع كل شيء لنفسه. هذا الإخضاع ليس إخضاعا جبريا لكل كائن بل هو إخضاع باعتبار قوانين الألوهية التي تسير الكون. ولكن ليس الله هو القانون طبعا. 

فسؤالي هو: هل القوانين الصحية المرتبطة بسلامة الحيوان ومناسبته لاستهلاك البشر وما يتبعها من قواعد التخزين أو حضور المستهلكين القادرين على التمتع بأكل لحومها من قوانين الألوهية؟ قلتم بأن الله تعالى (والعياذ بالله) هو القانون المسير لهذا الكون، فما هو ارتباط قانون تسيير الكون بقواعد السلامة البشرية أو الحيوانية التي فسرتم بها ذكر اسم الله على الحيوان؟

نحن لا نعرف قوانين الألوهية ولكن يمكن لنا القول بأن قانون الجاذبية مثلا هو من قوانين الألوهية. ذلك بأن هذا القانون يُفرض على كل السيارات أن تسير في فلك معين تجنبا للاصطدام، فهو بالتأكيد يساعد الأفلاك على الخضوع لأمر الله تعالى في تسيير الكون. لكن قوانين السلامة لا ارتباط لها إطلاقا بقوانين الألوهية القاضية بإخضاع خلق الله تعالى لله.

ثم إن قوانين السلامة التي تفضلتم بها غير موضحة في القرآن كتفصيل للذكر والقرآن مفصلة بمحكماته دون شك. وقوانين السلامة مغايرة من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن أمة إلى أمة، فهل يأمر الله تعالى الناس أن ينفذوا قانونا غير واضح ويهددهم بالعذاب إن لم يفعلوا؟

وأخيرا ألستم فسرتم الذبح في محاضرتكم السابقة حول إبراهيم وإسماعيل بأنه يعني الإتعاب فكيف قلتم هنا بأن الذبح يعني إماتة الحيوان؟ سيكون جوابك كما أظن بأن فعل ذَبَحَ يعني طيفا واسعا من المعاني ابتداء من الإتعاب وانتهاء بالإماتة. هذا ما سمعناه منك سابقا، فلو كان هذا فعلا جوابك، فكيف تميز بين موارد ذكر الذبح في كتاب الله تعالى؟ هذا النوع من التعاريف يعني بأن كل شخص يمكنه أن يفسر كتاب الله تعالى كما يريد بأن ينتخب من الطيف ما يشاء من معاني ويلزقها ببعضها البعض. ولو نراجع السياق فما هو فائدة المنهج اللفظي الترتيلي الذي تدعون إليه إذن؟

أليس المنهج اللفظي يعني فيما يعني بأن نأتي بمعنى واحد لكل كلمة حتى يسهل علينا فهم القرآن كما قاله عالم النيلي الذي أحيا هذه الفكرة بعد ابن جني وابن فارس؟ لقد ذكرتم مرارا إصراركم على تبني هذا المنهج.

لا أريد الإطالة عليكم وعلى القراء الكرام وأرجو منكم التكرم بإعادة النظر في تلك المحاضرة. كما أنني أعتذر من الإخوة الذين طلبوا مني إبداء رأيي بأنني اختصرت الرد ولم أتطرق للرد على كل مقطع من مقاطع المحاضرة الجميلة. أكتفي بهذا ولو أرادوا مني التفصيل فإني على استعداد لذلك.

والسلام على أخي قصي وعلى جميع الإخوة والأخوات الذين يطلعون على هذا.

الطعام 2 :

كلمة الطعام في القرآن غير مخصصة للذبائح ولا لما نأكل وهكذا الرزق. ولكن حينما يتحدث القرآن عن الطعام الحلال والحرام فهو لا يقصد الحبوب وما ينبت من الأرض بل يقصد الحيوانات. وأما الطيور والأسماك فهي غير موضحة في القرآن الكريم ولكنها موضحة في كتاب سماوي آخر.

قال سبحانه في سورة آل عمران:

كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93).

وقال في سورة المائدة:

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5).

وقال تعالى في بداية المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1).

وقال سبحانه في سورة الأنعام:

وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (142) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ (146).

قال تعالى في سورة آل عمران على لسان المسيح:

وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50).  فمعناها بأنه عليه السلام أحل بعض ما حرم عليهم وهو شحوم الأنعام وأبقى بقية ما حرم عليهم حراما كما كان. نقول بأنها الشحوم لأن الله تعالى ذكر ما حرمه وما أحله في الآية 146 من سورة الأنعام وهي كل ذي ظفر إضافة إلى الشحوم وأردف سبحانه بأن السبب في تحريم الشحوم هو عصيانهم فهو سبب عقابي مؤقت وليس سببا طبيعيا دائما. وباعتبار الآيات التالية من سورة المائدة فإن المسلمين مأمورون بالعلم بالتوراة والإنجيل والقرآن معا.

قال سبحانه في المائدة: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ (66) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68).

فالقرآن ليس ناسخا للتوراة بل مصدق للتوراة والإنجيل ولكنه ناسخ لبعض آيات التوراة فقط. ولمن يريد المزيد فإن سفري اللاويين والعدد في التوراة الفعلية التي هي جزء من الكتاب المقدس المعروف؛ فإن ذين السفرين يذكران الطيور والأسماك المحللة بالاسم وبرأيي فإننا كمسلمين علينا العلم بما في السفرين المذكورين وترك ما كتبه المحدثون وما أفتى به الفقهاء إذ لا ضمان لصحة ما قالوا. لكننا لو عملنا بالتوراة فإننا نحتمل بأن الله تعالى قد صان بعض المسائل في التوراة التي تم تحريف بعض مقاطعها ولذلك لم يوضحهما في القرآن. لكنه سبحانه ذكر الأنعام فقط باعتبار أن اليهود قد غيروا التوراة في ذلك المقطع وحرموا الجمل لأن أباهم يعقوب كان يكره أكل لحم الجمل كما يبدو. ولا يخفى بأن كُتّابَ التوراة والإنجيل المحرفتين كلهم تقريبا من بني إسرائيل. فمنهم من آمن بالمسيح ومنهم من لم يؤمن لكن الذين حرفوا الأناجيل هم النصارى من بني إسرائيل. هناك شك في واحد منهم بأنه من أنطاكية وأظن بأنه مرقس فهو كما يظن البعض من أصل وثني وليس من أصل يهودي.

والسلام على من اطلع على هذا ورحمة الله وبركاته.

أحمد المُهري

14/6/2014

المقالة تمثل مختصر المحاضرة التي ألقيتها في بيت الدكتور محمد التويج لبيان الطعام واللباس في القرآن الكريم.

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/pg/Islamijurisprudenc

المؤمنة كاترين 26- بني اسرائيل


المؤمنة كاترين

المقطع السادس والعشرون

زواج مرفوض

أعجب الحاضرون بأخلاق ماري وعلمها وأدبها وحسن خصالها بحيث لم يتمكنوا من إخفاء مشاعرهم تجاهها. يبدو بأنهم جميعا فكروا في السعي لإبقاء ماري معهم في الكويت لإحياء الجلسات العلمية التي بدأت بها في بيت كاترين. لقد أحبوها من كل قلوبهم وشعروا بأنهم بحاجة إلى مثلها لتنشر بينهم الحب والفضيلة وكل معاني الإحسان والطيب.

ساترين:

لا أدري كيف يتيح لنا أن نبقى على صلة مع الحبيبة ماري. لقد أحببتها من كل قلبي وأشعر بأنني محتاجة إلى علمها وأدبها لأتعلم منها ولأقلدها في الفهم والعمل.

كاترين:

أظن بأنني مشتاقة أكثر منك يا ساترين. أنت رأيت جانبا من جوانبها المشرقة وأنا رأيت أكثر من جانب. لكن علينا بأن نعلم بأن لكل إنسان ظروفه واهتماماته فهل نحن لا زلنا في البيوت التي ولدنا فيها مع آبائنا الذين أحبونا وساعدونا حتى أوصلونا إلى العلم والمعرفة ثم تركناهم مضطرين لنستمر في معترك الحياة بقوة وبيسر؟

توم:

أشعر بأن جلستنا هذه تشع الخير والبركات وأشعر بأن العم محمود وزميلنا علوي وزميلتنا العزيزة كاترين إضافة إلى العزيزة ماري هم بناة هذه الجلسة الخيرة. ولكنني مع شعوري المماثل لشعور ساترين أرى بأن غياب ماري يُحدث شرخا في تجمعنا اليوم. بمعنى أننا قد نجتمع كثيرا ولكن بدون أن نستمتع بأسئلة ماري ونستعين بحسن فهمها وسعة مدركاتها.

فريجا:

منذ اللحظات الأولى هذه الليلة وأنا أفكر في أن نسعى لتزويج ماري في الكويت لأنني أحببتها منذ البداية. فبالزواج سوف نبقيها بيننا وسوف نراها كثيرا ونستمتع بمرافقتها ومحادثتها.

ماري:

أشكركم جميعا وأشعر بأنني بسفري عنكم سوف أحمل معي ذكريات لا تُنسى وصديقات وأصدقاء لا يفارقوني في خيالي وفي أعماق قلبي النفسي. وأقول للعزيزة فريجا:

ليس الزواج أن يتقدم فتى لفتاة لا يعرفها يطلب يدها لأنه معجب بها أو كلاهما معجبان ببعضهما البعض. ذلك زواج غير ناجح وغير صحيح. ما قمت بما قمت به بين علوي وكاترين إلا بعد أن اطلعت على الزمالة الطويلة في العمل بينهما وعلى احترام كل منهما للآخر وعلى الحرمات التي يهتم بها كل منهما مع صاحبه. قرأت حكاية طويلة بين علوي وكاترين خلال التحدث إليهما في لقاءات قليلة ورأيت بأن هناك نقصا بينهما يمكن تلافيه بكل سهولة ولذلك وبعد تفكير طويل وطلب الخير من الله تعالى أقدمت على تقديم كل منهما للآخر. كانت العملية ناجحة لأنها تمت بعد دراسة كافية وبعد أن أمضيت وقتا كافيا لمعرفة أسرار الحياة الخفية لدى كل منهما. فهذا بإذن الله تعالى زواج موفق؛ ولكن ما تتفضلون به لا يمكن أن نسميه زواجا.

الزواج إخواني وأخواتي لا يعني إشباع الشهوات الجنسية كما يتصورها عامة الشباب. إنه التزامات مالية وعاطفية واتفاق كبير بين نفسية كل من الزوجين واستعداد متقابل للتضحية في سبيل الشريك وعلى رأسها التقوى من الله تعالى. إن كلا منهما خلق مملوك لربنا وعلى كل واحد أن يحب خلق الرحمن ويحترمه ويضحي في سبيله. أما سمعتم عن المسيح عليه السلام كيف كان مستعدا للتضحية في سبيل البشرية وهكذا بقية رسل الله تعالى الذين أحبوا الناس جميعا وساعدوهم جميعا ولم يفرقوا بين من يتبع دعوتهم أو لا يتبع. لعل بعضكم اطلع على القرآن الكريم حيث يخاطب الرسول محمد عليه السلام في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6). باخع نفسك يعني مؤذ نفسك.

كان النبي يتألم من أن المسيحيين لا يؤمنون بالدعوة السماوية الجديدة وذلك ما سيؤدي إلى آثار خطيرة في علاقاتهم مع ربهم وفي مستقبل الحياة الأبدية بالنسبة لهم. وكان كذلك بالنسبة لكل أهل الكتاب بمن فيهم اليهود. قال تعالى في سورة الشعراء: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3). ولعلكم سمعتم اهتمامه الكبير بالمشركين.

إن رسل الله تعالى أحبوا البشر جميعا وضحوا في سبيلهم ولذلك آمنوا بهم ولولا ذلك لما آمن بهم أحد. لقد ترك أصحابهم دين آبائهم واتبعوا الرسل لأن الرسل أحبوهم وأشعروهم بقلوبهم النقية المليئة بالمحبة والصدق والخلوص لكل إنسان باعتبار إنسانيته لا باعتبار قرابته ودينه.

والله تعالى في القرآن الكريم يعبر عن مسألتين فقط بالميثاق الغليظ. هما ميثاق الله تعالى مع النبيين وميثاق المرأة مع زوجها. قال تعالى في سورة الأحزاب: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (7). وقال سبحانه في سورة النساء: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21).

العم محمود:

يا أخت ماري. أجدت وأحسنت فأنت فتاة مثالية حقا. فأرجوك ألا تعاتبيني لو أكملت الميثاق الغليظ بميثاق ثالث في الكتاب الكريم. قال تعالى في نفس سورة النساء: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (154). ذلك هو الميثاق العظيم مع بني إسرائيل وهو ميثاق معروف لدى كل أهل الكتاب وموضح في الكتاب المقدس أيضا. لكن الله تعالى كما أظن يتحدث في الآية الكريمة عن ميثاق التوراة مع بني إسرائيل والعلم عنده سبحانه.

ماري:

شكرا، يا عم بل أنا أشكرك على كل ما تعلمته منك. أنت بيننا لتصحح أخطاءنا، عفوا، أخطائي ولا سيما فيما يخص كتاب الله تعالى.

كاترين: 

نحن كلنا تلاميذ في مدرسة الحياة ومن هو أكثر علما في موضوع فإنه يفيض على غيره من علمه والعم محمود مرحب به دائما ليصحح أخطاءنا.

الحاضرون والحاضرات:

صحيح.

كاترين:

كلنا حريصون على أن نرى ماري بيننا أكثر من سفرة صدفة وكلنا نحبها ولكنني أشعر في أعماقي بأنها قد تبقى بيننا أكثر مما تظن هي بنفسها. لا أدري هل هي مسألة خيال أو مسألة حب وإكرام وعلاقة قلبية لا تقاس بمقاييسنا المعتادة. أم هي تمنيات كبيرة كبرت في قلبي حتى أصبحت أشعر بأنها حقيقة. لا أدري ولا أريد لها إلا الخير ويهمني مصالحها ولكننا سنرى مكانها خاليا بيننا لو تمكننا من التجمع. العم محمود إنسان لا يمكن أن أستغني عنه في الجلسات الدينية ولكن في الحقيقة بأن ماري هي التي تمكنت من إقناع العم محمود للمشاركة معنا.

محمود:

فعلا على الرغم من أنني أشعر بالسعادة بأن لي جارة طيبة هي كاترين. لكن لماري تأثير غريب في الإقناع وفي إخراجي من البيت وأنا في سن أحتاج معه إلى الراحة. أدعو لماري ولكم جميعا من كل قلبي أن يوفقها الله تعالى وإياكم لما فيه سعادتكم.

ماري:

هل لنا أن نختم جلستنا التي أتعبنا فيها العم محمود بسؤال أخير لتكون خاتمة جلستنا مفيدة لنا جميعا.

محمود:

بالطبع، ممكن.

ماري:

عن إذن الإخوة والأخوات فإنهم لم يسألوا ولذلك سمحت لنفسي بأن أسأل؛ سؤال أتمنى أن يلقى موافقتهم جميعا. هناك اهتمام غريب في القرآن الكريم ببني إسرائيل. الاهتمام كما أرى ليس دينيا وليس باعتبارهم أو باعتبار أكثرهم يهودا يتبعون التوراة. كما أننا لا نجد نفس الاهتمام بالمسيحيين الذين يتبعون التوراة إضافة إلى كتاب الله تعالى المحدث بعدها وهو الإنجيل. فما السبب؟

فريجا:

أظن بأن الموضوع مهم جدا بالنسبة لي أنا لأنني فلسطينية وأعاني أنا وأهلي من بطش بني إسرائيل.

محمود:

أنا لا أحب أن أتطرق كثيرا للقضية الفلسطينية من واقع القرآن الكريم. كما أظن بأن هناك حلا قرآنيا لو صدق ظني فإنه الحل الذي سوف يُفرض يوما على الفريقين المتحاربين في أرض فلسطين. يكفينا اليوم أن نقول بأن اليهود يظلمون أهلينا ومن حقهم أن يدافعوا عن أنفسهم وأن يستعيدوا الأرض التي اغتصبها منهم الإسرائيليون ظلما وعدوانا.

لكنني سوف أرد على سؤال ماري فقط. وفي البداية دعني أقول لكم بأن بني إسرائيل يجب أن يبقوا حتى نهاية الحياة في هذا الكوكب كما أحتمل. قال تعالى في سورة الأعراف: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (167). ألا تدل الآية الكريمة بأنهم باقون حتى يوم القيامة ليسوموهم سوء العذاب؟ فلو زالوا فلا معنى بأن يسلط الله تعالى على بني إسرائيل من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة. ولهذا السبب أرجو ألا يفكر أحد في رمي بني إسرائيل بالبحر.

ويقول سبحانه في سورة الإسراء: فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104). فهناك وعد لهم من يوم أن أغرق الله تعالى فرعون وقومه في اليم بأن يعودوا إلى الأرض لفائف. يعني على شكل جماعات من كل مكان. والأرض هي الأرض المقدسة وليست مصر. ذلك لأنهم كانوا في مصر ويريد فرعون أن يبقيهم في مصر ولكن موسى كان يريد أن ينتقل بهم إلى أرض أخرى قريبة من الأرض المقدسة. وهم فعلا قد عبروا البحر إلى الجانب الآخر ثم عاد البحر إلى الحالة العادية كما كان وأزيل اليبس الذي أوجدته العصا في الظاهر. وكل الحكايات بعد ذلك تتحدث عن أن المؤمنين انتقلوا مع موسى خارج مصر. الذين بقوا في مصر من بني إسرائيل هم الذين كانوا في خدمة القصور الفرعونية، وهم الذين ورثوا جنات الفراعنة لفترة طبعا. هم كما أظن يمثلون غير المؤمنين من بني إسرائيل.

وما نراه اليوم هو أنهم جاؤوا لفيفا من كل مكان وسكنوا قريبا من القدس. لو كان المسجد الأقصى هو نفس المسجد الموجود في القدس وأنا أحتمل ذلك فإن الفلسطينيين سوف يبقون في القدس الشرقية وهي القدس الأصلية حتى لو تمكن اليهود من إبعادهم اليوم. قال تعالى في نفس سورة الإسراء: إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ ِلأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (7). هذا باختصار بعض أحوالهم.

والآن نسعى لنفهم السر في اهتمام رب العالمين ببني إسرائيل. كلنا نعلم بأنها هي أقدم أسرة بشرية في الأرض عمرها أكثر من أربعة آلاف عام منذ أيام إسرائيل عليه السلام. ولننظر إلى حكاية أخرى من القرآن الكريم لنعرف بعض السر في هذه العائلة الكبيرة. قال تعالى في سورة المائدة بعد بيان حكاية ولدي آدم الذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما فقتله الأخ الآخر: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32). ما هو ارتباط بني إسرائيل بولدي آدم؟ الحقيقة أن التشريع المرسل إليهم هو أول تشريع سماوي كامل إلى الجن والإنس. وكل الحكايات من موسى ومن بعده من الأنبياء تتحدث عن بني إسرائيل باعتبارهم الأسري وليس باعتبارهم يهوداً. وللمزيد من العلم فإن هناك أمرا علميا آخر لا يسعنا بحثه وباختصار فهو أن القيامة لا تقام على أساس ما فعله الناس فقط بل على أساس ما فعلوه مع ملاحظة أحوالهم ومشاكلهم وقدراتهم التطورية وارتباطهم بالكتب السماوية كما أن الله تعالى سوف يطبقهم على بعضهم البعض ويسمي تلك العملية بالشهادة في القرآن الكريم. الشهادة هناك بمعنى النموذج في عرفنا الحديث، والعلم عند المولى عز اسمه.

السؤال ليس عن موضوع بسيط وأنا أسعى لتبسيط الجواب ما أمكن فلا تلوموني.

الحاضرون بقيادة ماري:

نحن متشوقون لمعرفة الحقيقة القرآنية ولا لوم عليكم حضرة العم.

محمود:

قال تعالى بعد بيان حقيقة بقائهم حتى يوم القيامة في سورة الأعراف: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174). لنلاحظ واو العطف قبل الآيات الكريمة فهي معطوفة على حكاية بقاء بني إسرائيل تقريبا. الحديث في هذه الآيات لبيان أن الأسر التي نراها لا ترث كل شيء من آبائها بل هناك فصل طبيعي بين الأب وابنه من البداية أي من قبل أن تتم المواقعة بين الأبوين. والسبب في ذلك ليمنع سبحانه من القول بأننا ورثنا الشرك من آبائنا.

فهناك اهتمام سماوي كبير لبيان أن الأبوة والبنوة الطبيعية الضرورية في هذا الكوكب لا تؤثران في حقيقة الإنسان. ولذلك نرى بأن الله تعالى أقام اختبارين عظيمين متشابهين في هذا الكوكب: أحدهما اختبار أسري واسع لبني إسرائيل وإنزال التوراة عليهم والآخر اختبار غير أسري على أساس القوانين والتشريعات فقط للأمة الإسلامية وإنزال القرآن عليهم بدون الاهتمام بأسرهم. هذان اختباران أسري وغير أسري لمشاهدة تأثر الأمم بالأسر والفرق بينها وبين تأثرهم بالقوانين والعقود.

أظن بأن الله تعالى سوف يثبت للأمم بأن الاختبار غير الأسري كان أكثر توفيقا من الاختبار الأسري ولذلك فإن الأبناء لم يرثوا عقائد الآباء وإنما ورثوا بعض الصفات الطيبة من آبائهم. والعلم عند المولى.

ماري:

ليس الموضوع سهلا قابلا للاستيعاب في جلسة واحدة ولكنني مقتنعة الآن بأن هناك حكمة عظيمة لتكوين الأسرة الإسرائيلية من سلالة إبراهيم وتكوين أسر من نفس إبراهيم غير مهتمة بالأسرة إلا قليلا ولكنها مهتمة بالقوانين السماوية.

يبدو بأن القيامة ليست قيامة بسيطة كما يتصورها الكثيرون فهي قيامة شديدة التعقيد ولا يشعر بها إلا الذين يفكرون في سياسات رب العالمين جل جلاله. ولكن بقي في ذهني سؤال بسيط أتمنى أني يكون جوابه بسيطا أيضا.

محمود:

تفضلي يا ماري.

ماري:

أين الذين يسومون الفلسطينيين سوء العذاب اليوم بعد حكاية الهولوكوست المؤلمة؟

محمود:

هل ترين بأنهم يعيشون الهناء وهم حريصون أشد الحرص على الحياة الدنيا وفي كل ساعة يتوقعون هجوما فلسطينيا عليهم؟ إنهم معذبون فعلا ولا يشعرون بالأمان على الرغم من أنهم يملكون الكثير من المقومات الصناعية والتجارية والزراعية والعسكرية.

ماري:

شكرا يا عم محمود.

الجميع:

شكرا يا عم محمود وشكرا يا ماري وشكرا يا كاترين ونتمنى لك ولعلوي حياة سعيدة طيبة بجوار بعضكما البعض.

يتبع: مفاجأة سارة لماري!

أحمد المُهري

6/7/2019

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/


خطبة العارف بالله سائق الاجرة


خطبة العارف بالله سائق الاجرة

أوقفت سيارة اجرة ، تفاوضت معه على الأجرة لصالحي طبعا ، جلست الى جواره ، وحيث واليوم جمعة بدأ حديثه معي بالاستفسار:

  • الم يقل الله تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ،
  • صحيح ، والعبادة لم تعط الا لمن بيده الاختيار، فهم حملة الأمانة.
  • سألني اح الأصدقاء عن هذا السؤال :الخطاب بالكامل للأنس في القرآن، نحن نؤدي النسك من صلاة وصيام وحج ، ما بال الجن من ذلك التشريع؟
  • تعرف لولا القرآن لما صدقنا بوجود الجن، و في ظني قد لا يكون السؤال محل للبحث.
  • ربما ، دعني أقول لك شيئا ، عندما خاطب الله الجن في قال لهم يا معشر الجن قال تعالى : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) وقال تعالى : ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِيوقال سبحانه : ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ) ،   
  • نعم
  • وخاطب الانس ، بكلمة الانسان ، او الانس  قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) ،
  • جميل ،
  • الم تلفتك كلمة (الناس)
  • اكيد ،
  • كلمة الناس تشير للجمع بين الانس والجن ، والآيات الدالة على ذلك كثير منها قوله تعالى في سورة الكهف : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلً) صرفنا للناس أي الجن والانس ، وكان الانسان “الانس” تحديدا اكثرهم جدلا من الجن والانس .
  • جميل ما اسمعه منك ،
  • انظر الى سورتي الفلق والناس ،الفلق سورة تستعيذ بها الله تعالى من الخلق وتحديدا شر الخلق (مِن شَرِّ مَا خَلَقَ) ، فانت لا تستعيذ من خير الخلق ، وشر الخلق مخلوقات قد نعلمها وقد لا نعلمها ، اما سورة الناس فهي عن الجن والانس : ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) والوسواس قد يكون خيرا (من الملائكة ) او شرا من الناس (جن وانس ) ، من الجنة ما هي الجنة ؟
  • كل ماخفي ,
  • نعم كل ماخفي ، الجنة جاءت من هذا المعنى ، والجن كذلك ، الا انه هنا يعني الملائكة ، دليل ذلك انظر الآية : ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) ، ونستدل ان الجنة هنا الملائكة آيات كثيرة جعلوها بنات الله ، ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَٰتِ سُبْحَٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ) ، ( وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ۚ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) ،
  • عجيب هذا المفهوم ،
  • القرآن يفسر بعضه وبنسقة ، فقط علينا ان نبحث فيه و سنفاجئ كم كنا غافلين ، اتعلم شيء آخر من المضحك مثلا تفسيرهم للصور في قوله تعالى : ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض) بانه البوق ، الصور جمع الصور ، أي الخلق والتكوين ، انظر لقوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، وقوله تعالى : ( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) ، يوم القيامة يبدأ بأمر الله تعالى تشكيلنا من (العقب) الذي يحمل جيناتنا ، فنعاد للتكوين بنشأة جديدة .
  • عجيب ،
  • حتى مثلا لا يفرقون بين القبور والاجداث ، اتعرف ما الاجداث ؟
  • لا حقيقة لم ابحث عن ذلك .
  • الاجداث لا تحمل معنى القبور ، بحثت في معنى الجدث فوجدته بمعنى المخبأ ، فقوله تعالى : ( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ) يخرجون من مخابئهم او مكامنهم ، ذلك الشيء الذي ظل بذرة تحمل جيناتنا وخصائصنا نخرج منها …
  • احسنت ،
  • يوما سألت اخ (سلفي) قلت له ما الساق في قوله تعالى : (  يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ. خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ) ، بدأ يسرد لي بقال فلان عن فلان عن … الخ ، حتى وصل لمفهوم ان الله تعالى (استغفر الله من هذا الفهم ) يكشف عن ساقه فيعجز من لم يصل في الدنيا عن السجود ، قلت له انك تتحدث عن الله تعالى ليس كمثله شيء ،
  • نعم انه خارج الزمان والمكان هو خالق الزمان والمكان سبحانه ،
  • نعم ، فقال لي ما الساق اذن ، قلت ان فهمنا الساق بهذا فبمعنى الآية في قوله تعالى : (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) ان تلف ساق الشخص بساقه الثانية ، قال ماذا يعني اذن ، من السياق نفهم انها شدة الشدة ، ذلك اليوم الشديد جدا ، من يمكنه في تلك الشدة ان يسجد لله ، من يمكنه ذلك .

كنا قد وصلنا الى وجهتي، شكرته ، وسالته عن اسمه (عارف مالك ) واضفت تلقائيا المبلغ الذي خصمته مع التفاوض ، قائلا ، لقد علمتني درسا مفيدا اشكرك .

انقل اليكم واقعة اليوم، ما عدلته هو طريقة الحوار واضفت الآيات بشكل دقيق. اما التوضيح فهو فعليا خطبة مفيدة من عارف بالله.  

احمد مبارك بشير

5/7/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

اشكالات القبنجي- 14 الحقائق واحدة والطريق المستقيم إلى الله تعالى واحد:


اشكالات القبنجي- 14

الحقائق واحدة والطريق المستقيم إلى الله تعالى واحد:

هناك جدل لدى بعض الأوساط بأن الحقائق ليست في ماهياتها واحدة بل أراد الله تعالى لها أن تكون كذلك. ولقد ناقشني ابني وهو يعرف الرياضيات ذات مرة بأن 2+2= 4 لأن الله تعالى أراد ذلك. قلت له وهل يمكن أن يكون الناتج 5 أو 3 لو أراد الله تعالى ذلك. قال وما ضير ذلك؟ قلت يعني بأننا دمى لا يمكننا أن ندرك شيئا إلا بالتلقين. فالله يلقننا بأن الناتج 4 فنتقبلها ولو لقننا بأنه عدد آخر قبلناه. وإلا فإن الناتج في الحقيقة لا يمكن أن يتغير أبدا.

والواقع أننا بشر مدركون يمكننا تمييز الخطأ من الصواب ولا يمكن لأحد أن يخدعنا لو استعملنا عقولنا وتركنا التقليد. وربنا الكريم يعرف بأنه لا يفارق الحقيقة ولا يقول غير الحق ولذلك وبكل حرية يدعو محبيه من عبيده أن يقرؤوا ويطلعوا على كل قول فيتبعوا أحسنه. قال تعالى في سورة الزمر:

وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (18).

وحينما يقول سبحانه بأن القرآن هو أحسن الحديث فهو ليس من باب التعالي والكبرياء ولكن من باب الحقيقة الممكن لنا فهمها واكتشافها. نحن نسعى لأن نكتشف ونتصيد الخطأ في القرآن فلم نفلح فعلا وليس من منطلق حبنا لربنا العظيم ولا من جراء خوفنا منه سبحانه. إنه لا يحب الذين يقبلون كلامه خوفا دون أن يطمئنوا إلى صحته بعقولهم. ولذلك يأمرنا بالتدبر والتعقل وبالاستماع إلى الغير ثم اختيار الصحيح بعقولنا.

والذين يظنون بأن الطرق إلى الله تعالى في حقيقتها متغايرة وهناك مجموعة من الطرق وكل منها صراط مستقيم لنفسها كما يدعيه أخونا الفاضل الدكتور سروش فهو غير مستدل برأيي. أظن بأن سروش والكثير من كبار علماء الأديان والفلسفة لم يعرفوا الله تعالى إلا قليلا. حينما أقرأ كتب الفلسفة وتقارير الشيخ المطهري لفلسفة الطباطبائي مفسر الميزان أشعر بأنه على دراية كبيرة في التحليلات الفلسفية. ولكني حينما أقرأ بيانه للمعراج وهو فرية لا أساس لها فعلا أتراجع إلى الوراء. فهل لله مكان يُزار فيه؟ أم هل الله يصلي كما نقله الطباطبائي دون أن يرد عليه ودون أن يعتبره كلاماً في غاية الحمق والجهل؟ إنه فوق ذلك يعتبر للبشر تدخلا في شؤون الربوبية ويدا في التقديرات أو التحولات الكونية. معاذ الله.

أليس هذا دليلا واضحا على أن الطباطبائي ومن اتبعه من تلاميذه لا يؤمنون بأن الله تعالى نور السماوات والأرض أو لا يعرفون معنى الجملة العظيمة؟ إنه – رحمه الله – كان يجهل فعلا بأن الله تعالى يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده. وحينما نقرأ تحليل الطباطبائي لعصا موسى التي تحولت إلى ثعبان عدة مرات وبلعت أجساما أكبر منها بكثير، يصيبنا الإحباط في أن يأتي يومٌ يتعلم فيه الإخوة معنى الألوهية.

إنه يظن بأن الله تعالى أوقف الزمان في عودة العصا إلى إصالتها النباتية ثم أخذ مسيرة أخرى نحو الحيوانية والسير في طريق الثعابين. فكأنها مرت بكل المراحل التطورية الرجعية ثم التقدمية التي تحتاج إلى مئات الملايين من السنين في لمح البصر. إنه فعلا يجهل بأن الزمان جزء لا يمكن فكه عن الأبعاد الثلاثة أبدا. حتى الملائكة تحتاج إلى الزمان. والله تعالى قادر على كل شيء ممكن ولكن المستحيل بطبيعته مستحيل وليس ممكنا في ذاته حتى ننسب الضعف إلى الله تعالى في عدم حصول التغيير في ذات ذلك الشيء. معاذ الله.

إن قصة العصا بسيطة جدا وهي أن موسى قد حمل في كيانه طاقة إلهية حينما دخل في طور سيناء لحظات تشعشع تجليات الله تعالى فغُمر بتلك الطاقة بتقدير رب العالمين بصورة جزئية بسيطة طبعا. وقد أرى – فعل ماض من رأى والفاعل له هو موسى- فرعونَ ذلك حينما أخرج يده من جيبه فرآها فرعون ومَلأُهُ بيضاءَ من غير سوء بعكس حالتها الأولى. فعل موسى ذلك ليقول لفرعون أن الذي يقوم بالحركات هو موسى بكيانه الشخصي وليس للعصا أي دور عدا ما يرونها بعيونهم. هكذا تراءى لهم ولكن موسى هو الذي أحرق كل ما صنعته السحرة بأمر الله تعالى وبالطاقة المهيبة التي كان منطويا عليها وليس بأفعى حيواني كما تراءى للطباطبائي.

وقد ناقش صديق بريطاني مسيحي ذات يوم في نهايات الألفية الثانية بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض فعلا في ستة أيام من أيامنا. قلت له هل أنت مصر على هذا الرأي؟ قال ولم لا. إن الله قادر على ما يريد. قلت له بأنك تعلم بأن الأجسام لو سارت بسرعة الضوء فإنها تفقد خاصيتها المادية وتتحول إلى طاقة وطول الكون اليوم يتأرجح بين 10 إلى 12 ألف مليون (بليون) سنة ضوئية. فكيف توفق بين هذه الحقائق وبين الأيام الستة التي لا تتجاوز 124 ساعة؟ نحن لا ننكر قدرة الله تعالى ولكن ننكر قدرة المادة أن تتجاوب مع إرادة الله تعالى في أن تصل إلى ما وصلت إليه خلال 124 ساعة. تلك أيام باعتبار آخر وليس أياما مثل أيامنا. وأطوال تلك الأيام بلايين السنين وليست كلها متماثلة من حيث الزمان.

إن الإخوة لا يقرؤون ما بين السطور فعلا ولكنهم ينظرون إلى النتائج ويسعون لفهم الأبعاد كلها من النتائج وهو عمل غير علمي أو أنه على الأقل غير موصل للحقيقة.

نعم إن النتائج  تمثل حافزا قويا للتفكير والتدبير وليست بظاهرها دليلا يتضمن كل مراحل الصناعة والتطوير. فلو ننظر إلى الإنسان مليون سنة فإن فهمَنا عنه لا يتجاوز صفاته الظاهرية وأعماله التي يأتي بها. ولكننا لو أردنا معرفة مراحله التطورية فإن الطريق مختلفة.

قال تعالى في سورة العنكبوت:

أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20).

فلا يمكن للإنسان أن يتعرف على الحالات التطورية قبل أن يسير في الأرض فيطلع على آثار التطور في البر والبحر وتحت التراب وفي أعماق المحيطات. هذا ما فعله الغربيون ونساه المسلمون فعرفوا التطور وهو أهم مسألة لكشف لغز الكون ولغز بداية الخلق في الواقع. ومنه يمكننا أن نعرف قليلا عن كيفية النشأة الثانية بأمر الله تعالى.

فليس هناك إمكانية نفي الزمان والله تعالى يؤكد عليه في العنكبوت ولكن عليه بأن يترك تراثه ويفكر في تطور الخلق ماديا ليعرف الأسرار. فالإخوة في الواقع لم يدركوا حقيقة الألوهية إلا قليلا جدا لا يكفي ليدرؤوا عن عقولهم الأساطير ويميزوا بين الإفك والصدق.

إن الطرق الكثيرة ليست طرقا مستقيمة بمعنى خلوها من الزوائد ولكنها موصلة بعد جهد وتعب إلى الحقيقة إلا أنها ليست كافية للتمتع بكل ما يمكن للسالك من مزايا الحقيقة. إنه يصرف وقتا أكثر من وقت التطورات ليصل إلى الحق فيصل إليه وقد حان موعد فهمٍ أكبرَ له. دعنا نتصور الذين أرادوا معرفة الله تعالى قبل 15 قرنا ففكروا بأن البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام تدل على المسير فلا يمكن تصور الكون بلا إله ونحن نرى الكون كوجود فعلي.

والواقع أن الكون يحتاج إلى تفجير كبير لإدراك بدايته ولو لم نصل إلى التفجير لا يمكن لنا الوصول إلى الله تعالى. إن نظرة البدوي نظرة سطحية بسيطة لا تلائم تطور الإنسان وتقدمه الفكري ويمكن الرد عليه ولكنك لو وصلت للتفجير المناسب لصنع الكون فإنك تغلق أبواب الرد عليك. ذلك لأن التفجير الضخم المهيب يمكنه أن يصنع كل ما نراه قبل أن يزول الوقت وتفقد المادة حرارتها وقدرتها على التفاعل مع نفسها. قال تعالى في سورة إبراهيم:

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (10).

وفاطر السماوات يعني مفجرها والتفجير في الحقيقة لا يمكن أن يتم في مادة مهما كانت صغيرة بل في شيء آخر لا مجال لذكره هنا في الواقع. لا نريد أن نخرج من الموضوع.

إن الله تعالى هو الذي يمد الكائنات بالطاقة وأنت عليك بأن تخلص نفسك وتتحرك باتجاه تلك الطاقة الوحيدة التي تمدك بكل شيء وهو قريب منك ولكنك أنت بعيد عنه بشوائبك واضطرابك النفسي وكثرة جهلك. فعليك بأن تخلص نفسك بتعقل وباتجاه ذلك النور لا باتجاه المخلوقات حتى تصل إلى ذلك النور المُمدّ فتتمسك بالصراط المستقيم الواحد غير المتعدد. هناك يقصر الطريق إلى الحق ولذلك يسمى تلك الطريق مستقيما. لكن بقية الطرق ليست قصيرة لأنها ليست مستقيمة بل تنطوي على اعوجاجات كثيرة تبعدك عن الحقيقة وقد لا توصلك إليها.

لكن المعروفين بأنهم أهل العلم يخلطون بين الطريق والوسيلة. وإذا تخلصوا من هذا المأزق فإنهم يخلطون بين الطريق المستقيم الموصل إلى الحق وبين الطرق البعيدة الملتوية التي قد توصلك إلى الحقيقة نسبيا ولكن بجهد وعناء كبيرين. ولا يمكن أن تأمن العثرات إن لم تسلك الطريق أو الصراط المستقيم.

وأظن بأن الكثير من الإخوة لا يدركون الهدف من سلوك الصراط المستقيم. أقول ذلك لأني أرى كثيرا منهم أو أغلب مشاهير العلم في الأديان الثلاثة يظنون بأن لله تعالى مكانا يزار فيه مثل فرية المعراج الحمقاء أو فرية البنوة لله تعالى. معاذ الله. فيظنون بأن المرء يجب أن يسير في طريق فيزيائي نحو الله تعالى. ولذلك فإنهم يتخذون الطرق الفيزيائية الأقل وعورة مثل الطرق إلى البَشر ولو إلى قبورهم. إنهم لا يدركون بأن مجرد التوجه إلى البشر في طريقك إلى الله تعالى يبعدك تماما عن الله مهما كان الذين تلتفت إليهم طيبين مؤمنين أو أنبياء مرسلين أو ملائكة مقربين. ولعل الكثيرين يجهلون معنى الذهاب إلى الله تعالى أو العودة والرجوع إليه. هذه مسائل عميقة لا يمكن بحثها هنا ولكني باختصار شديد أقول لهم ما يلي:

1.   المقصود من السلوك إلى الله تعالى هو معرفته في حدود الإمكان ولا شيء غيره. حتى الملائكة لا يطمعون في غير المزيد من التعرف على القدوس العظيم جلّ شأنه. ليس بمقدور أي ممكن أن يعرف الله تماما إذ أن المعرفة الكاملة تحتاج إلى الإحاطة بالشيء ولو علميا أو فكريا ويتعذر ذلك للمخلوقين بالنسبة للواجب الأحد. فالحقيقة بأن الأنبياء والملائكة والأرواح القدسية لم ولن يعرفوا حقيقة الله تعالى ولكنهم جميعا يسلكون سبيل المعرفة. والله تعالى حقيقة مجردة عن التركيب فكيف نسلك إليه طرقا متعددة. إنه مثل أصل الحساب وهو الجمع والطرح، بأنك لو أخطأت خطأ بسيطا في طريقه فإن النتيجة لا يمكن أن تكون صحيحة. وهو أدق بكثير من الحساب في الواقع فأشبه شيء به هو الطاقة أو النور حسب تعبيره سبحانه. ولكنه نور في غاية الرقة فهو أرق من أي إشعاع نتصوره ولذلك فهو بنوره مع كل شيء ويرى كل شيء ويسمع كل صوت ويشعر بكل همسة قلبية أو ما هو أخفى من الهمسة. لا فرق في ذلك بين ما نراه طيبا طاهرا أو مكروها قذرا. إنه سبحانه نور رقيق لا يمكن أن يتأثر بأي شيء غيره. وكل ما يريده الله تعالى من الخلق المدرك هو أن يُعرف جل وعلا ولو قليلا.

2.   وأما المقصود من العودة إليه فباعتبار أنه خلقنا بيده، بمعنى النور المباشر أو الطاقة المباشرة منه تعالى والتي أرسلها الله تعالى عن طريق الروح القدس إلى أم آدم ليخلق له نفسا بشرية. فحواء ونحن جميعا فيما عدا المسيح مخلوقون من تلك الطاقة. ثم أرسلنا سبحانه إلى عالم الحرية ليختبرنا ثم يعيدنا إليه بأن يسلب منا الإرادة فنصير عمليا غير مختارين كالملائكة. ولكننا باعتبار مرورنا بالاختبار وعدم توفقنا للانفراد بعبادته فإننا نكون غير خالصين. وحينما نعود إليه بمعنى فقداننا للإرادة فإننا سنكون تاركين كل وسائل التعديل والتصحيح في حياتنا الإختبارية فلا يمكننا بأية حيلة أن نصحح أخطاءنا. ليس لنا آنذاك إلا أن ننتظر حكم الله تعالى وحده فينا فإما العذاب وإما المغفرة إن كنا نستحق المغفرة.

3.   الطاقة الربوبية تجذب سالكيها ولا يمكن أن يكون هناك مجموعة مختلفة من الطرق وكلها متصفة بالصراط المستقيم كما صرح به الأخ الفاضل سروش. إن كل شيء وقع في طريق معرفة الله تعالى فهو يتأثر شيئا فشيئا بنور الله تعالى وينجذب باتجاهه ولا يمكن أن ينجذب لشيء آخر إلا إذا لم يستوف شروط السير إلى القدوس جل وعلا.

4.   إن كل كائن مدرك يتخذ لنفسه وسيلة للوصول إلى الله تعالى فالوسائل مختلفة ومتباينة ولكن الطريق المستقيم واحد. ذلك حسب تعبيرنا الدارج سيارات مختلفة بسرعات متباينة تسير في شارع واحد.

5.   إن تباين المذاهب والأديان لا يؤثر في الصراط المستقيم ولا يعدده. الله الذي أنزل أحسن الحديث يرفض مختلف المذاهب فعلا. قال تعالى في سورة الروم: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(32). فحقيقة الدعوة إلى الله تعالى هو الدعوة إلى دين واحد هو التسليم لله وحده، بغض النظر عن وسائل النقل. ويحدد الله تعالى وحدة دينه مشيرا إلى توجه المحتاج حين الشدة، فهو لا يتوجه إلى غير الله تعالى. هذه هي الطريق الطبيعية، فيكمل الله الآيات المذكورة هكذا: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34)فالصراط المختار هو الطريق الوحيدة إلى الله تعالى وهو نفس الطريق التي تسلكها عند الاضطرار وعندما تقفل عليك كل أبواب النجاة. هناك تعرف الله تعالى فاعرفه واسْعَ لمعرفته حينما تكون آمنا (غير مضطر) لتعرفه سبحانه معرفة علمية. فنحن مع الأخ سروش حينما يرفض قول أصحاب وأتباع المذاهب بإبطال غيرهم وتثبيت أنفسهم. نحن أيضا نرفض قولهم ولكن ذلك لا يعني بأن كل الطرق موصلة. أو أن الحقيقة أكثر من واحدة إن كنا نقصد الله تعالى حينما نطلق كلمة الحقيقة.

6.   عندما يأمر الله تعالى الناس بمن فيهم الأنبياء أنفسهم أن يتأسوا بهدى الأنبياء عامة فهو يقصد فعلا الصراط المستقيم ويوضحه. ذلك هو طريق التوحيد الحقيقي وطريق الدعوة إلى الله تعالى وحده لا إلى أي ممكن بمن فيهم الدعوة إلى أشخاص الأنبياء. لنقرأ بدقة هذه الآيات من سورة الجن:وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22). فالذي يقول أحيوا أمرنا فهو ليس من الله في شيء ولا يدعو إلى الله تعالى. لا يمكن أن يجتمع الله تعالى مع أي شيء آخر. وحينما يأمرنا الله تعالى بأن نطيع الله ورسوله فإن ذلك باعتبار أن طاعة الرسول هي طاعة لله تعالى وليست طاعة لشخص النبي. ذلك لأن الله تعالى يحيط بالنبي ويهيمن على قوله سالبا منه الإرادة حينما يريد إبلاغ رسالة ربه فيكون حينها رسولا. سيكون الله تعالى في تلك الحالة حائلا بين شخص النبي وقلبه. هي حالة خاصة للأنبياء وحدهم دون غيرهم. ولو كانت مشتركة بين خاتم النبيين مثلا وبين أشخاص بقوا بعد وفاته فهو يعني بأن النبوة لم تنته. هذا كما قال الفاضل سروش رفضٌ صارخٌ للخاتمية. هو كلام صحيح فعلا. جزى الله تعالى أخينا سروش خيرا على مقولته تلك.

7.   فطريق الأنبياء التي يأمرنا الله تعالى باتباعها لا تمثل أعمال الأنبياء ولا نسكهم. إنها تمثل التوجه القلبي للأنبياء نحو الرحمان وحده لا شريك له فقط. نقلدهم فيها باعتبار ألا طريق غيرها إلى الأحد الصمد. تلك الطريق تُنسيك شخصيتك وأبوتك وبنوتك وصداقتك مع غير الله تعالى وتُعلِّمك كيف تركز كل اهتمامك على القدوس وحده لا شريك له. هي ليست طريق الأديان والمذاهب وليست طريق العلماء بل هي طريق الرسالات السماوية. إن الرسل جميعا كانوا يسعون لتخليص قومهم من شوائب الشرك بالله فقط ولذلك لم نجد أي رسول أرسله الله تعالى إلى قوم لا يؤمنون بالله تعالى. إنما أرسلهم إلى أقوام يخضعون لغير الله تعالى في عباداتهم. سواء منهم قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح أو قوم شعيب أو قوم موسى. حتى قوم لوط وإبراهيم – حينما كان في العراق- فهم كانوا جميعا مؤمنين بالله. فالأنبياء جاؤوا ليقولوا للمؤمنين بالله تعالى: أليس الله بكاف عبده؟ فلماذا تخافون من دونه؟ هذا هو الصراط المستقيم وهو طريق واحدة.

8.   إن الكثيرين يتحدثون عن النسك ووسائل الانتقال إلى الله تعالى أو إلى معرفة الله تعالى ويظنون بأنها هي الصراط المستقيم. وهي متعددة بالطبع ولكنها ليست المقصودة بالصراط المستقيم. ولذلك يحدد الله تعالى الصراط في سورة الحمد بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم وهم الأنبياء في الواقع الذين أكرمهم بالعلم والمعرفة. ويتبعهم الصديقون والشهداء والصالحون من غير الأنبياء بعد أن تعلموا من النبيين أو ساروا في طريقهم التوحيدي.

9.   استدل البعض بالآية التالية من سورة المؤمنون: وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74). ليقول بأن الله تعالى لم يقل الصراط المستقيم بل استعمل لفظ النكرة. لكنه سبحانه في الآية التالية اعتبره طريقا واحدا حينما قال بأن نتيجة عدم الإيمان بالآخرة هي الانحراف عن الصراط. كان عليه أن يقول للنبي: عن صراطك لناكبون، حتى يصح كلام الأخ سروش.

لذلك أرجو من الإخوة إعادة النظر في أفكارهم تلك إن رأوا في حديثي رشدا.

.. يتبع ….

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/