المؤمنة كاترين 37- دعوة العروسين والضيوف في بيت ابي سحيم


المؤمنة كاترين

المقطع السابع والثلاثون

(37) دعوة العروسين والضيوف في بيت أبي سحيم

وفي طريق العودة إلى البيت أبدت أم سحيم لزوجها فرحتها الغامرة بحضور العرس المليء بالحب والجمال. فما كان من أبي سحيم إلا أنه تحدث عن انبهاره بتلك الحفلة البسيطة والمليئة بكل معاني البهجة والزخارة بالعلم. ثم خاطب أم سحيم.

أبو سحيم:

أظن بأن من واجبنا أن نساعد كاترين لتشعر بأننا أهل لها. إنها فتاة طيبة ومؤمنة ومليئة بالحب والحنان ولكن أهلها غير موجودين في الكويت. فكيف نقوم بمساعدتها يا أم سحيم؟

أم سحيم:

نبعث لهما الفطور في الصباح إذ لا أحد في بيتهما. ثم ندعوهما في المساء ليأتيا إلينا كأهل للعروس ونقدم حفلة عشاء مفصلة لهما ولزملائهما في البنك. فهل أنت موافق؟

أبو سحيم:

من ناحيتي على الرحب والسعة. كما أنني أشكرك وأشكر عواطفك النبيلة تجاه فتاة لا أهل لها في الكويت. دعها وزوجها وزملاءها ينسون الغربة ونحن أهل لهم ونحبهم فعلا.

اتفق الزوجان ثم قام أبو سحيم بالاتصال التلفوني مع ساترين.

ساترين:

هلو، نعم

أبو سحيم:

أنا أبو سحيم سلام عليكم

ساترين:

عليكم السلام، عمي أبا سحيم. تفضل.

أبو سحيم:

تعلمين بأن كاترين تعيش لوحدها في الكويت وأهلها في الجزائر ولذلك اتفقنا أنا وأم سحيم على أن نبعث لهما صباح الغد فطورا لو أنك تتفضلين علينا بالحضور مع زيد ولبيد لتدلا السائق على البيت. كما أرجو أن تبلغيهما في الصباح الباكر حتى لا يخرجا أو يفطرا على الموجود.

ساترين:

سوف أحمل الفطور معي في السيارة.

أبو سحيم:

نحن سنبعث هدايا مع الفطور وسيكون الفطور مفصلا فمن الخير أن يحملها السائق وهو يساعد في تنزيلها. وهناك مسألة أخرى وهي أننا اتفقنا على أن نعد لهما ولكم جميعا موظفي قسم الاعتمادات بالبنك المدني عشاء مساء غد. فأرجو أن تبلغي الإخوة والأخوات، وأنا لك من الشاكرين وطبعا تشاركني أم سحيم في تقديم الشكر لك.

ساترين:

شكرا يا عم سوف أتصل مع العروسين في الصباح الباكر وأكون عندكم مع زيد ولبيد في الساعة السابعة صباحا. فهل هو مناسب لكما.

أبو سحيم :

ممتاز وسنكون بانتظاركم، ولا تنسي أن تدعي الزملاء. مع السلامة ساترين.

ساترين: مع السلامة يا عم وأرجو إبلاغ سلامي للخالة.

وفي صباح اليوم التالي قامت ساترين بغسل الطفلين وإجلاسهما في سيارتها وتوجهت إلى بيت أبي سحيم. وإذا بالسائق جاهز ومشغول بنقل مجموعة من الكراتين في السيارة.

لقد جهزت أم سحيم مجموعة من الفطور كما جهزت عدة كراتين من الأدوات المنزلية الفاخرة من صحون وكؤوس وبعض القدور الكهربائية وملاعق وشوك من النوع الفاخر إضافة إلى طقم غلاية و توستر و بعض المناديل المعطرة والمناشف ومجموعة من الزهور الصناعية والطبيعية وغيرها. كما أنها قامت بطبخ فطور كويتي معروف بالقرصة عقيلي (گرصه عگیلی) وهي مصنوعة من دقيق القمح والسكر والزيت والبيض والسمسم والبيكنج بودر وبودرة الحليب والفانيلا أو ماء الورد. ويستحب أكلها حارة.

وصلت ساترين مع الطفلين وكذلك السائق مع الفطور والهدايا إلى بيت العروسين. كانت ساترين قد أبلغت كاترين بالحكاية في أول الصباح قبل أن يفطر الزوجان.

رحبت كاترين بزيد ولبيد واحتضنتهما وأبديا سرورهما بأن يريا كاترين في بيتهما فسوف لا يخلو البيت من بعد من أم حنونة تشفق عليهما.

قام السائق بوضع كل الهدايا في زوايا مختلفة من المطبخ كما وضع هو بمساعدة ساترين الفطور على الطاولة التي امتلأت بكل شيء مما لذ وطاب. شكروا السائق الذي استعجل بالعودة إلى البيت ليبلغ أبا سحيم بانتهاء المهمة على أحسن وجه ويبلغه سلام وشكر كاترين وعلوي.

وعلى طاولة الفطور أبلغتهما ساترين بأنهما مدعوان للعشاء مع كل زملاء قسم الاعتمادات بالبنك المدني الكويتي في بيت أبي سحيم. إنه وأم سحيم دعواهم جميعا ليحتفلا بهم في أول يوم من أيام الزفاف.

شعرت كاترين بأنها ليست وحيدة في الكويت وبأن ربها معها ويسهل عليها كل أمورها حتى لا تشعر بالوحشة من عدم وجود والديها وأهلها في الكويت. كما أنها أحست بأن هناك كرما وعطاء باهرا لدى أهل الكويت ولا سيما بعض العوائل الطيبة منهم. الكويت فعلا بلدة معطاءة تحتضن شعبا أريحيا محبا للخير والسلام ومتعطشا للقِرى والضيافة. إنهم يحبون أن يروا جيرانهم القريبين والبعيدين يحيون البهجة والسعادة ويكرهون أن يشاهدوا مظاهر البؤس والشقاء على وجوه أبناء البشر وبناته طبعا. ولذلك فإن الكويت تتألق في الخليج وتظهر فاتنة محسنة كريمة. نرجو لبعض الكويتيين لمن لا يتصف منهم بالإحسان فيها أن يسعى لتغيير نفسه ليستحق الإقامة في بلاد المحسنين.

وفي المساء أرسل أبو سحيم سيارة إلى فندق سحر الكويت لإحضار ماري وإيمانيويل وماكسيم إلى مكان الدعوة في بيته كما أرسل سيارة أخرى إلى محمود التمار. حضر جميع المدعوين إلى بيت أبي سحيم وأم سحيم. استقبلهم الزوجان بالترحاب والبسمات مع أبنائهما وبناتهما. كان لزيد ولبيد نصيب كبير من تعابير الشوق التي أبدتها لهما أم سحيم وكأنهما حفيداها وشاركتها في استقبال الطفلين بنات أم سحيم اللائي سررن كثيرا بالطفلين البريئين والمؤدبين.

وفي غرفة الضيوف أبدت كاترين إعجابها وشكرها البالغ للخالة أم سحيم والعم أبي سحيم. وقالت.

كاترين:

أنا جزائرية وماري وإيمانيويل وماكسيم فرنسيون وزملائي في البنك من مختلف البلاد العربية وزوجي من الكويت مع العم والخالة نجتمع هنا أحبابا نمارس حقوقنا في الحياة الطيبة. ولكن هل تعلمون بأن الإنسان هو من أطيب المخلوقات حينما يبقى إنسانا ومن أشرس المخلوقات حينما يذهب وراء الأطماع الشرسة. تعلمون بأن فرنسا وبريطانيا وبقية أوروبا قدموا الكثير من أبطالهم شهداء في سبيل دحض أطماع بعض الفاسدين في ألمانيا وإيطاليا. ثم شعروا فيما بعد بأنهم أناسي كان يجب أن يبقوا محبين ولا يطمعوا في سرقة خيرات الغير بالقوة كما فعله النازيون.

وتعلمون بأن نفس أولئك الزعماء الذين رأوا ويلات الحرب ضد النازيين لم يفكروا في بلادي التي عرفت بين العرب ببلاد المليون شهيد. قدمنا مليون شهيدا من خيرة أبنائنا لنسترد وطننا من الطامعين الفرنسيين. وها نحن اليوم في الكويت نستضيف ماري وماكسيم وإيمانيويل الفرنسيين. أشعر بأن ربي قد منحني صديقة في غاية الحنان والحب قبل أسابيع وهي ماري الفرنسية الطيبة. فلماذا لا يفكر الناس في إنسانيتهم ويسعوا ليكونوا إخوانا متحابين بل بالعكس يفكرون في نهب إخوانهم وسلبهم وإنكار بشريتهم؟ كيف يصبح الإنسان الذي خلقه الله تعالى الودود الرحيم إنسانا طيبا ودودا، كيف يصبح سارقا قاتلا لا يفكر إلا في إشباع أنانيته وطغيانه؟

إيمانيويل:

أحسنت كاترين. أنا كفرنسي أقدم اعتذاري مما فعله زعماء فرنسا ضد الجزائريين الكرماء الطيبين الذين مارسوا حقهم الطبيعي في طرد المحتلين. أنا كفرنسي أشعر بالخجل من كل الذين نالوا الظلم والقسوة من بني وطني. إنها مأساة إنسانية شيطانية يجب أن يفكر الناس في الابتعاد عنها ولكن أنى للبشر أن يفيق من نومته ليفكر في السعادة لمن هم إخوانه من أبناء وبنات آدم وحواء.

محمود:

وأنا كعربي أقدم اعتذاري لكل الشعوب الغربية ولا سيما الإسبان الذين سطت عليهم جيوش العرب قبل مئات السنين فاغتصبوا وقتلوا وشردوا واستعبدوا شعوبا طيبة خلقها الله تعالى لتسعد تحت ظلال مكارم ربها باسم الفتوحات الإسلامية الفاسدة والمجرمة. وهكذا حينما يعود الإنسان إلى إنسانيته فإن الجزائري والفرنسي والروسي والبريطاني والأمريكي والهندي والعربي والفارسي والتركي والصييني والياباني كلهم إخوان وكلهم مخلوقون يملكهم إله واحد يحب أن يراهم سعداء ويكره أن يرى خلقه في شقاء.

تبرعت ساترين خلال الجلسة في بيت أبي سحيم بأن تترجم ما يقال بالفرنسية إلى العربية كما قامت ماري بأن تترجم ما يقال بالعربية إلى الفرنسية.

أبو سحيم:

أنتم فعلا مجموعة طيبة. لقد استمتعت أنا وأم سحيم كثيرا بحفلة الزفاف البديعة واليوم أشعر بأنني مغمور بالبهجة وكأن الله تعالى فتح علي أبواب الرحمة بأن أراكم في بيتنا أنا وأم سحيم وأولادنا، لا تتحدثون إلا بالحسنى ولا أرى بينكم إلا الحب والود. كأني في الفردوس اليوم.

محمود:

بل هذه نموذج فردوسي فعلا كما نرى وصفه في القرآن الكريم. قال تعالى في سورة الحجر: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (47) لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ (50).

ماكسيم:

اسمحوا لي بأن أسأل محمود عن السر في أن الله تعالى يحدثنا عن رحمته دون أن ينسى تذكيرنا بعقابه وعذابه. ما هو الارتباط أو ما هو وجه الجمع بين الحديث عن نعمه الجميلة والحديث عن انتقامه المفزع؟

ماري:

اسمح لي يا عم محمود بأن أبدي رأيي قبل أن تتفضل بالبيان.

محمود:

تفضلي ماري الحبيبة.

ماري:

بالنسبة لي وأنا أفكر في المظلومين فإن عقاب السماء ليس أقل جمالا من نعمه وإن جهنم ليست أقل قيمة من الفردوس. خلقنا الله تعالى على أحسن تقويم ونحن الذين واجهنا مكارم ربنا بأن ننتقم ممن خلَقهم ربنا مثلنا. فلولا وعد ربنا بأن يعذب الفاسدين لما عاش المؤمنون الطيبون مرتاحي البال بأن ربهم سوف ينتقم لهم من عدوهم. كيف يمكن أن يجمع الرحمن إبراهيم وإسماعيل مع هتلر وتیموچین في مكان واحد؟ كيف ترتاح المرأة التي قتلت زوجها أمام عينيها ثم حملت هي وأولادها أرقاء إلى المجرمين الذين بعثوا جيوشهم لقتل البشر؟ إنها لن تشعر بالراحة إلا بعد أن ترى بأن الذين ظلموها يتجرعون الغصص يوم القيامة. فجهنم جميلة كما أن الجنة بالطبع جميلة. نحب أن نرى ربنا رحيما بالمظلوم ولا نحب أن نراه سبحانه يرحم الظالم المجرم. وهو هكذا سبحانه وتعالى. فهو جميل بكل ما يفعل، جل جلاله.

محمود:

شكرا، ماري. أنت فعلا رائعة. واسمحي لي بأن أضيف على ما تفضلتي به وهو الصحيح طبعا؛ أضيف بأن ربنا عادل لا يمكن أن ينسى المظلومين من خلقه ولكنه يعلم بأن الجميع مخلوقون له وبأنه سبحانه مالكهم جميعا. إنه يكره بأن يرى عبيده معذبين يوم الحساب العدل ولذلك يذكرنا دائما بعقابه حتى نبتعد عما يسبب لنا عقاب الآخرة. فجنته من مظاهر حبه وناره أيضا من مظاهر حبه عز اسمه. لكن حبه لا يمكن أن يشمل الذي تمادى في غيه وضلاله ولم يعبأ بغيره من خلقِ الله تعالى. قال سبحانه في سورة الأعراف جوابا على دعاء موسى عليه السلام المذكور جزئيا في نفس الآية الكريمة: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156). فحلمه سبحانه في الدنيا من رحمته، وفردوسه في الآخرة أيضا من رحمته، وناره هناك أيضا من رحمته لينتقم بها من الذين ظلموا خلقه.

وقال سبحانه في سورة الدخان: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ (16). البطشة الكبرى تحصل  يوم الدمار الكوني المهيب ليخلق ربنا كونا جديدا قادرا على البقاء الأبدي. وأظن بأنه سبحانه أشار إلى البطشة الكبرى بأنه ينوي الانتقام من الظالمين؛ قال ذلك ليمنع من السعي للانتقام بين البشر. الإنسان العاقل يفكر مرتين بعد أن يقرأ هذه الآية، في أن ينتقم من ظالمه أو ينتظر انتقام ربه. العاقل يختار انتقام الله تعالى فليس للبشر أن يبطش البطشة الكبرى. ولذلك من خير البشر أن يسعى للتقليل من المواجهة مع الظالمين وينتظر انتقام ربه. من خير الناس أن يدافعوا عن أوطانهم وأنفسهم ولكن ليس من خيرهم أن ينتقموا.

لنتصور ربا رحيما يكره لنا الانتقام من بعضنا البعض حتى يعيد السلام إلينا وإلى بلادنا؛ لنتصوره وهو فقط ينصحنا بذلك ويترك الظالمين وشأنهم! هل سيشعر المظلومون بالراحة آنذاك؟ هل سيشعر المظلومون بعدالة ربهم لو ترك ربهم الظالمين دون عقاب حازم؟ إن وعود ربنا بالانتقام من المظلومين وسيلة مُثلى للمنع من الحروب وللمنع من مواجهة الناس مع بعضهم البعض راغبين الانتقام ممن ظلمهم كما أنه أفضل وسيلة لألا يشعر أحد بالحيف والظلم إلى ما لا نهاية. بالنسبة لي هو هذا الذي يجعلني أجتمع وأجلس مع الذين ظلموني من قبل. كاترين تفكر في الفرنسيين الذين ظلموا جدودها ولكنها اليوم ترحب بأولاد أولئك الفرنسيين، لأنها في قرارة نفسها تشعر بأن لها ربا ينتقم من الذين ظلموا.

ماري:

يا عم كيف يحاسب الله تعالى الأمم يوم القيامة؟

محمود:

إن أحد أجلى مظاهر العدل في الآخرة هو أن الأفراد يُحاسبون وليس الأمم والشعوب. قال تعالى في سورة الأنعام: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94). نحن نفقد كل أبداننا بعد الموت وننفصل كاملا عن البدن. فالله تعالى يخاطب النفوس في الواقع. النفوس ليست مشتركة بين الناس. بمعنى أننا نرث جينات آبائنا وأمهاتنا في صناعة أبداننا لكن نفوسنا لا علاقة لها بالأبدان إلا في حدود التطابق في الحيثيات غير المادية. فنفس الإنسان الأبيض تحب صاحبه كما أن نفس الإنسان الأسود تحب صاحبه. السواد والبياض حيثيات مادية لا تؤثر إطلاقا في النفس ولكن النفس تحب تلك الحيثيات. ولولا ذلك فإن النفس لن تسعى لحماية البدن الدنيوي. فنفسي من حيث الحب مطابق لنفس كل فرد من نفس الحيثية ولكن المحبوب يختلف.

المحبوب في واقعه مادي أكثر منه طاقويا أو معنويا في الحياة الدنيا. بمعنى أن البدن أصيل هنا والنفس ضيف عليه ولذلك فهي تحب البدن المضاف إليه وتكره مفارقته. هذه النفس هي التي تُحشر يوم القيامة بدون البدن الدنيوي الذي كان سببا في أن يخلقها الله تعالى لتكون حقيقةَ “أنا” أو حقيقة “أنت”. وحين النوم فإن نفوسنا في واقعها تفارق الكثير من مزايا البدن فلا تسمع ولا ترى ولا تشم ولا تمشي ولا تحرك أي ساكن مادي. هذا دليل بأن نفوسنا ليست جزءا من أبداننا ولكن كل نفس تحب بدنه مادامت لم تفارقه مفارقة كاملة حين الموت. فالله تعالى يشير إلى كل منا بنفسه وليس ببدنه. وعلى هذا الأساس كما أظن يصفنا بالفردية، بمعنى عدم التزاوج مع البدن. فالفردية في الآية الكريمة ليست بمعنى عدم التركيب بل بمعنى عدم الارتباط بالبدن. وهكذا فإنَّ تركَنا لما خولها إيانا ربنا تشمل البدن في الدرجة الأولى ثم تشمل مملوكاتنا وأهلينا وكل ما نهتم به في هذه الحياة.

وأما شفعاؤنا الذين ظننا أنهم شركاء معنا فهم بالدرجة الأولى أقاربنا أبا وأما وإخوان وأخوات وأزواج وأولاد. ثم يأتي بعد ذلك البشر الذين آمنا بهم ودافعنا عنهم مثل الرسل والأصدقاء وكل إنسان شعرنا بأنه قد ساعدنا في حياتنا الدنيا. نحن هنا نظن بأنهم شركاء معنا غير قابلين للانفصال عنا أو الانفصال عن قلوبنا التي تشعر بالتعلق بهم. كل أولئك تنفصل عنا. قال سبحانه في سورة المؤمنون: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ (101). الآية تشير بصورة قطعية بأن علاقاتنا مع آباءنا وأهلينا كانت بسبب الجينات المشتركة بيننا وبأن نفوسنا منفصلة كاملة عن أبداننا. وأما العلاقات السببية التي نشأت بسبب الزواج أو المشاركة في الحكم والتجارة أو التعليم والتعلم وما شابه ذلك فإنها ليست علاقات نسبية مرتبطة ارتباطا وثيقا بنا من أساسها.

وقال سبحانه في سورة الزمر: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31). ثم قال سبحانه بعدها في نفس السورة: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38). فكل العلاقات غير النسبية سوف تنقطع أيضا ونعود كما خلقنا ربنا أول مرة عبيدا مملوكين للواحد الأحد عز اسمه. وحتى نتعرف على هذه الحقيقة التي سوف نواجهها قطعا دون ريب نفكر في كل من نحب وكل من نؤمن به وكل من نعبده غير الله تعالى لنراها عاجزة عن كشف أي ضر أو كره مسنا. كما أن الله تعالى لو رحمنا -والهدى مثلا من أجلى مظاهر الرحمة- فإنها لن تفارقنا وليس لأحد أن يزيله من كياننا أو من نفسنا المدركة. لو هدى الله تعالى أحدا إلى القرآن الكريم وإلى الإيمان بالآخرة وإلى الإيمان بعدالة السماء فإن تلك المفاهيم سوف تنطبع في صدورنا منتقلة من القلوب مباشرة بحيث لن يتأتى لأحد أن يزيلها عن صدورنا.

ماري:

إن بطوننا تنادينا ورائحة الأطعمة الطيبة لا تفارقنا. فنحن ضعفاء أمام الجوع.

كاترين:

ولا سيما لو كنا نحافا رشاقا مثل ماري التي لا تحمل كرشا كبيرا تسعفها بالطاقة حين الجوع.

ضحك الحاضرون وأسرعت أم سحيم للذهاب إلى المطبخ وتحضير الأكل في أواعيه. أو حسب التعبير الكويتي نچب (نكب) العيش. العيش عند الخليجيين يعني الرز لأنهم يعيشون على الرز وعند غالبية العرب يعني الخبز لأنهم يعيشون على الخبز.

ولم تمض دقائق وقد بدأ الأولاد ينقلون طبقا بعد طبق ليملؤوا الطاولة بمختلف الأكلات الطيبة. لاحظت ماري بأن هناك رزا أصفر اللون وبجواره قطع من السمك المملح كما يبدو. سألت كاترين عنها.

كاترين:

ما رأيت هذه الأكلة من قبل.

أبو سحيم:

هذا هو المحمر ونحن نأكله مع سمك الخُبّاط المملح. هذه أكلة كويتية قديمة من قبل أن تظهر الثلاجات و نحن نأكل منها أحيانا حتى لا ننسى طريقة عيش سلفنا. كانوا يملحون السمك لتبقى فترة طويلة دون الحاجة إلى التبريد أو التثليج. وبما أنه مملح فإنهم يضيفون السكر و الزعفران أو الكركم مع الرز بدون إضافة الملح.

لاحظت كاترين بأن علوي الخجول يضحك بهدوء. وكأنه يريد أن يقول لزوجته بأن هناك أكلات كويتية كثيرة لم تعهديها يا حبيبتي. وأخيرا فتح علوي فمه دفاعا عن وطنه فقال:

علوي:

الأكلات الكويتية ليست منحصرة في المطبق (المطبگ) والمكبوس (المچبوس) و المربين التي تعرفينها يا عزيزتي كاترين بكل دقة. هناك تنوع في الخليج. فمثلا الإماراتيون يحبون سمك الحلوايو والكويتيون يفضلون الزبيدي. الحلوى المسقطية صفراء في مسقط وخضراء في البحرين وحمراء في الكويت. الرهش الطيب خاص بالكويت وهم يتفنون في الرهش أكثر من غيرهم أو هكذا نظن نحن أهل الكويت، وهلم جرا.

المهم بأن الضيوف توجهوا نحو المحمر وأخذ كل منهم قدرا صغيرا للتجربة عدا علوي وأبي سحيم والعم محمود الذين لم يقتربوا صوب المحمر. تلك أكلة كويتية قديمة وليست مطلوبة كثيرا اليوم. لكنها كانت جديدة على غير الكويتيين. أما ماكسيم وكاترين فإن الضحك لم يفارقهما وهما يجربان مختلف الأكلات الكويتية. كان يوما جميلا للجميع والشكر لا يفارق الأفواه.

وبعد الطعام والفواكه والمرطبات توجه أبو سحيم إلى الجمع.

أبو سحيم:

أشكركم جميعا على أنكم تفضلتم علينا بالحضور في هذا البيت. أنا أشعر بالسعادة تغمر قلبي وأتمنى أن تعتبروا بيتي هذا مكانا لجلساتكم في المستقبل.

ماري:

شكرا يا عم. أنا أكثر من فرحانة بالتعرف عليكم وأنتم أسرة طيبة رائعة ولكن الجلسات يمكن أن تقام في أي مكان غير بيتي الجديد بعد سنتين. لقد تبرعت كاترين بكل الديكورالتي أضافها إلى بيتها لأسكنه وأقيم فيه الجلسات التي يحييها عمنا محمود التمار حفظه الله تعالى.

أم سحيم:

إن كان ولا بد فلنتفق أن تقام الجلسة أسبوعا في بيت ماري وأسبوعا آخر في بيتنا.

ماري:

أنا موافقه وهو اقتراح جميل من السيدة أم سحيم.

محمود:

واسمحوا لي بأن أضيف. نحن في جلساتنا الدينية نتشوق للعلم والدين ولذلك من الخير لنا أن تكون جلساتنا مختصرة بالشاي والماء. دون الأطعمة التي رأيناها اليوم شاكرين لأصحاب البيت كرمهم وحسن ضيافتهم.

ماري:

وقليلا من السندويتشات يا عم.

كاترين:

لا تنسوا بأن ماري فتاة تجوع بسرعة وتشبع بسرعة فلا تحرموها من بعض السندويتشات.

أبو سحيم:

50% موافق و50% بحاجة إلى موافقة.

ساترين:

النصف الموافق هل هو على الشاي والماء أم على إضافة السندويتشات أم غير ذلك؟

أبو سحيم:

تعلمون بأنني لا آخذ قرارا لوحدي بالبيت. فما قالته ماري باعتبار أنها وحيدة قد تناسبني وقد لا تناسبني لأنني أيضا فقط 50% من هذا البيت.

ماكسيم وهو يضحك:

وهل للذين سوف يسافرون قريبا أي صوت في هذه المناقشة الديمقراطية؟

ماري:

طبعا لأنني جزء من الذين يسافرون ولكنني باقية هنا.

توم:

الديمقراطية لا تعني أن كل الحاضرين يصوتون. ففي يوم الانتخابات هناك الكثير من الزوار في المدينة ولكن الناخبين هم فقط المواطنون وليس الزائرون.

ساترين:

طبعا لو لم يكونوا من البدون.

إيمانيويل:

وما معنى البدون؟

توم:

في هذا البلد لا قيمة للإقامة الفعلية بل القيمة لمن تتقبل الدولة بأنه مواطن. وأما غير المواطن حتى لو ورث الإقامة من أبيه فإنه حينما يكبر يجب أن يبحث عن عمل وإلا فإن وزارة الداخلية تختم جوازه ليقيم شهرا ويخرج بعدها إلى حيث ما شاء الله تعالى.

وأما البدون فهم الذين ولدوا في الكويت ولكن آباءهم لم يسعوا لطلب الجنسية الكويتة حين صدور قانون الجنسية عام 1959. ومن ثم فإن الدولة أقفلت لجان تحقيق الجنسية دون سابق إنذار وبقيت مجموعة كبيرة من الناس وبعضهم يعمل في القوات العسكرية بلا جنسية ولا جواز سفر من أي بلد. إنهم مظلومون في كل شؤون الحياة بما فيها الشؤون الصحية وبما فيها الحقوق القانونية الواجبة مثل جواز السفر والإقامة. هذه هي الحياة في الكويت التي نراها خيرا من بقية بلدان الخليج فكيف بمن يعيش خارج الكويت وداخل الخليج؟

إيمانيويل:

هل تعنون بأنكم أنتم الذين لا تحملون الجنسية الكويتية فإنكم لا تحملون إقامة دائمة مع أنكم تعملون هنا في البنك منذ سنوات؟

توم:

إن أغلبنا من مواليد الكويت ونعيش هكذا بلا مستقبل في الكويت.

ماكسيم:

أليست الكويت عضوا في الأمم المتحدة؟

توم:

إنها عضو في الأمم المتحدة وفي كثير من المنظمات التابعة لها.

ماكسيم:

لأول مرة أسمع أن هناك من بين أعضاء هيئة الأمم المتحدة من يلد في بلد ولا يحمل جنسية بلد آخر ولا تعطيه الكويت شهادة جنسية أو جواز سفر!  

توم:

هنا بلد العجائب والغرائب. الإنسان ليس محترما في هذا البلد إلا في حدود الحظوظ إن لم تصبه المفاجآت.

ماكسيم:

وما هي المفاجآت؟

توم:

الجنسية الكويتية نوعان: نوع مؤسس ونوع آخر كويتي بالتجنس! الأول لا يمكن طرده إلا إذا رغب الأمير نفسه في ذلك. والثاني يمكن لوزارة الداخلية أن يسحب جنسيته ويطرده إلى أي بلد يقبله أو يتركه هنا بلا جنسية ولا جواز سفر حتى يجد مكانا في الكرة الأرضية يتقبله لاجئا.

ماكسيم:

هل نحن في بلد ديمقراطي أم نحن في بلد الواق واق؟

توم:

يقولون عندنا: عش رجبا تر عجبا. فهذه بلاد العجائب. احمدوا ربكم بأنكم في فرنسا ولكم احترامكم كإنسان وليس لديكم مشاكل إثبات الهوية كما هي عندنا.

وفي نهاية القعدة تشكر الجميع من أبي سحيم وأم سحيم ولا سيما علوي وكاترين وعادوا إلى بيوتهم وعادت ماري مع إيمانيويل وماكسيم إلى الفندق.

أحمد المُهري

1/12/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

facebook.com/Islamijurisprudence/

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s