ثقافة القرآن للمبتدئين 9- الهدى

9 – الهدى

كل إنسان يبحث عن أسلم الطرق وأسهلها وأقواها ليصل إلى مآربه وينال ما يشاء من تمنياته في الحياة. والطريق هي المسيرة التي نسير فيها ويمكن تسميتها بمنهج الوصول إلى الهدف. وحينما نفكر في الجامعات العلمية وتطورها المطرد وتشعب فروعها التي لا تتوقف عند حد نشعر بأن هناك ضرورة للبحث عن أسلم الطرق وأكثرها فائدة. فمثلا ظن الناس البدائيون بأنهم بالتجارة يكسبون المال ثم رأوا بأن هناك التنافس الذي يهزمهم ففكروا في المتنافسين وبدأوا يضعون لأنفسهم أصولا يتبعونها ليكونوا أكثر قبولا لدى المستهلكين من منافسيهم فظهرت علوم جديدة.

ثم رأى الناس بأن هذا التنافس بين التجار قد يؤدي إلى مصاريف كثيرة وبالتالي فإنهم كمستهلكين سوف يخسرون مزيدا من المال وهي تمثل مصاريف التجار التي لا يمكن تجاوزها. ولذلك لجأوا إلى زعمائهم ودولهم ليضعوا قوانين وشروطا للتنافس فظهرت علوم جديدة وهلم جرا. وحينما يريد رئيس النظام وخاصة لو كان منتخبا من الأمة أن يقلل من المصاريف ويكثر من الأرباح ليعيش الناس في راحة وأمان فإنه يشعر بلزوم البحث عن طرق سهلة للتعاون بين مختلف قطاعات الأمة واتخاذ أسلمها وأكثرها فائدة حتى تكون مسيرة الحياة هادفة ومعقولة اقتصاديا.

حين البحث عن الطرق تحتاج إلى أن تعرف كل الطرق وتفكر في كل النتائج وتكون على بصيرة من كل ما يعيق الحركة باتجاه الهدف. هذا ما نسميه الهدى. فالهدى يعني معرفة الطريق الأسلم والأصح لبلوغ الأهداف.

وحينما نفكر في ما وراء الطبيعة وفي القوة المهيمنة التي جعلتنا نحن بشرا مفكرين وسخر لنا الأنعام والبحار والأنهار والشمس والقمر والنجوم وكل ما في الأرض وكل ما في أجوائنا ونشعر بأننا يجب أن نصل إليه فإننا نشعر بأن الطريق إليه ليست سهلة وليست آمنة. هناك الكثير من الدعوات وكلهم يقولون بأنهم على حق وبأنهم يوصلونا إلى القوة المهيمنة وبأن مصيرنا سيكون رضوان ربنا وجناته. فنحن نحتاج إلى البحث عن أسلم الطرق فعلا ونشعر بأننا نفقد الهدى. بمعنى أننا باتباع الغير لن نصل إلى الطريق الصحيحة والسليمة بل نحتاج إلى أن نفكر بأنفسنا أو نجد طريقا أخرى غير تقليد الغير.

لقد شعر أبونا الأكبر إبراهيم قبل أكثر من أربعة آلاف سنة في أسلم الطرق للوصول إلى القوة المهيمنة ومر بمجموعة من التجارب الفكرية ثم هداه الله تعالى نفسه إلى أن يرتبط مباشرة بربه دون واسطة ليعلمه ويهديه إلى أسلم الطرق. قال تعالى بعد أن ذكر لنا قصته في سورة الأنعام: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83). قال لنا ربنا بأن الوصول إلى الله تعالى غير ممكن إلا إذا طلبنا ذلك من الله تعالى نفسه. إنه خلقنا ورزقنا وأحبنا فيجب ألا نبحث عن شخص غيره ليهدينا إليه. وحينما مر إبراهيم بتجاربه الفكرية توجه فعلا إلى ربه وحده طالبا منه الهدى فقال كما في سورة الأنعام:

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81). لا يمكن لأحد أن يهدينا إلى الله تعالى ويفتح الطريق الآمنة لنا في سبيل الوصول إلى معرفة ربنا وكسب رضوانه إلا الله تعالى نفسه. إنه هو ربنا وهو هادينا وهو الذي يحب أن نعود إليه ليكرمنا من فضله. فالفضل كله من الله تعالى فلنبحث عن الفضل منه لا من خلقه. ذلك هدى الله. 

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.