يوسف أيها الصديق ح 34 – لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 34 – لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ

و قول إخوة يوسف: ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير. هو دليل واضح على أن الكيل الذي مُنع عنهم هو كيل الأخ الصغير الذي أعطاهم يوسف منحة منه وأبلغهم بأن لا جدوى لمراجعته مرة أخرى. فلو أرادوا كسب ذلك الكيل فعليهم أن يجلبوا معهم أخاهم. إن ذلك الكيل محذوف عنهم لو عادوا بدون أخيهم إلى العزيز. وأما لو عادوا معه فهو كيل مضمون. ولذلك عبروا عنه بالكيل اليسير بمعنى السهل المشروط باصطحابهم لأخيهم.

وأما إذا قلنا بأن خوفهم من رفض أبيهم إرسال الأخ الصغير معهم كان زائلا فقد يكون غير صحيح. لو كان كذلك لما احتاجوا مع زوال الخوف إلى القول بأن كيل بعيره سيصبح سهلا مضمون النيل. ولذلك نجزم بأنهم لم يكونوا فعلا واثقين تماما من موافقة أبيهم ولكنهم كانوا يسعون للحديث مع أبيهم وكأنه موافق ولا مجال له للرفض 51.

يعقوب ويوسف لم يكونا ممن يركز على حساباته الخاصة دون وضع اي خط للرجعة عنها. فنرى يعقوب يضرب أحلام اولاده مرة أخرى بقوة ولكنه يوافق على طلبهم لسبب آخر. والقرآن الكريم يصف رد يعقوب عليهم كما يلي:

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴿66﴾

يجب أن نقرأ ما في نفس يعقوب حتى نتعرف على الموقف بدقة وفهم. فيعقوب في منتهى الذكاء والعبقرية وهو عالم عظيم لا يمكن أن يترك مسألة تُلقى إليه من الغير دون أن يفكر فيها بنفسه ليعلمها مستلهما من سيد الكائنات الذي لا يمكن أن يخطئ كما لا يمكن أن ينسى عبيده الذين يطلبون منه وحده النور والعلم، جل جلاله.

يجب أن نعلم بأن العبقري العظيم أبا يوسف وموسى وعيسى وكل أنبياء بني إسرائيل، قد أدرك تماما وبكل دقة تفاصيل أفكار أبنائه الذين سيُخلِّفون أمة بني إسرائيل الموعودة.

علم يعقوب بأن أحاديث الأبناء تتبخر من واقع المادية المحضة وتنجلي عن اهتمام كبير بالمال وتدل على ابتعاد كبير عن واقع الحياة. فهم يبنون كل تدبيراتهم على الظاهر وينسون أصل الكائنات والمصير المحتوم إليه سبحانه وتعالى.

ليس لبنوة الأنبياء ولا لفهم بعض الحقائق السماوية أثر كبير في فهم أعماق الحقائق ما لم يتذكر العاقل ربه دائما وأبدا فيتوكل عليه وحده ويعتبر كل مفاهيم الحياة وكلما يتوصل إليه بفكره نعمة منه سبحانه ويعتبر نفسه مبتلى بالنقص الأبدي والفقر الدائم إلى القدوس العزيز.

قال تعالى في سورة الروم:

يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12).

اصطدم أبناؤه الماديون حينما قال لهم بأن إرسال ابنه معهم منوط بأمر آخر غير ما يجول في خواطرهم من أفكار تجارية رخيصة.

بالطبع أنه عليه السلام أربكهم برفض قاطع ثم قبول مشروط بشرط ممكن وبسيط.

لقد ظنوا بأن استعادتهم لبضاعتهم وانتظارهم للمزيد من الخير على يد العزيز كانت كافية لإقناع شيخ بني إسرائيل، فإذا به يرفض ذلك بكل قاطعية رفضا باتا.

“لن أرسله معكم” تعني بأنهم مخطئون في فهمهم لما يقصده أبوهم.

ثم اصطدموا أيضا بأنه مع هذا الرفض القاطع يوافق على إرساله بشرط بسيط ويوصيهم توصية غريبة لم يتفطنوا لها من قبل.

وواقع الأمر بأن يوسف أرسل رسالته لأبيه ونجح في إبلاغه إياه ويعقوب وافق على إرسال الولد الصغير بعد أن استيقن بأن العزيز هو يوسف وليس شخصا آخر.

لكن يوسف ويعقوب متفقان بأن المجموعة الضالة من الأسرة قد لا تفيق قبل أن تواجه ضيقا شديدا يعلمهم أصول التفكير ويهديهم سبيل الحق والرشد الذي ينتهي إلى الله تعالى.

بالطبع أن أبناء يعقوب يدركون خطورة الحلف بالله تعالى فسيواجهون عواقب النكث وعدم الاكتراث. إنهم ليسوا كالجاهلين من عامة البشر، ولذلك فإن تبعات القَسَم الكاذب سوف تلحقهم.

ويعرفون بأن يعقوب الأب واضع كل ثقته بربه، ولكن أليس في التوفيقات المادية دليلا على أن الله تعالى يحب الذي قدر له المال؟ هذا هو خطأ غالبية المؤمنين بالله وأنا شخصيا منتبه لهذه المسألة منذ فترة طويلة وأتوق أن أرى مؤمنا يعرف بأن دور القدرات الظاهرية في الدنيا بسيطة جدا ولكنها مضللة فحسب، لكني قلما أرى من يفكر فيها 52.

 وحينما نمعن في ما قاله لهم أبوهم نعلم بأن الأب يقوم بمهمة أخرى مغايرة تماما للمهمة التي يفكر فيها أبناؤه من زوجته الأولى أو زوجته غير أم يوسف.

إنهم منهمكون بجلب الحبوب لمواجهة المجاعة ويعقوب يفكر في صناعة بني إسرائيل. يزداد يعقوب يقينا كل يوم بأن الصناعة ستتم على يد يوسف وبأن أبناءه جميعا هم آباء بني إسرائيل ولكنه يفكر في عاقبة هذه الأمة العظيمة التي تنحدر من مجموعة مادية لا تفكر إلا في المال ولا تهتم إلا بالدنيا.

لو كانوا يفكرون قليلا لعرفوا بأن الذي يكرمهم بإعادة أموالهم إليهم ويعطيهم ما يحتاجون إليه مجانا لهو أكرم منهم فهو أكرم من بني إسرائيل.

إنه أكرمَهم دون أن يمن عليهم بل سعى لإكرامهم بكل احترام فهو نموذج يثبت لهم بأن بنوة إبراهيم ليست كافية لكسب المكرمات والفضائل وعليهم ان يعلموا حينها بأنهم مخطئون.

وسنرى فيما بعد بأن يعقوب تمكن بعناية ربه من معالجة هذا الداء النفسي الخطير ولكن العلاج اقتصر على أبنائه المباشرين ولم يتعداهم إلى أمة بني إسرائيل الكبرى.

تلك هي الحاجة التي قضاها الله تعالى ليعقوب برأيي كما سنعلم بعد قليل بإذن العزيز سبحانه.

قال النبي الأمين بأنه لا يكترث بما جنوه وبما ينتظرونه من مكاسب مادية ولكنه موافق على إرسال أخيهم معهم شريطة أن يوثقوا معه ميثاقا من الله تعالى بألا يألوا جهدا لإعادته إليه بما أوتوا من قوة.

فحمَّلهم مسؤولية حمايته فضلا عن نهيهم بطريقة غير مباشرة عن التفكير في أية مؤامرة ضده.

و شبه الجملة “لتأتنَّني به” تنطوي على عدة تأكيدات.

فاللام بمعنى أنهم سوف يجدُّون بكامل وسعهم ليأتوا به باعتبار أن اللام هنا تعني تأكيد المتكلم على ما يقوله واللام هنا مقرون بالقسم بالله تعالى أيضا. ومعروف أن لام التأكيد لا تعمل.

النون المشددة الأولى نون تأكيد ثقيلة فلو كانت خفيفة قال لتأتونّي به. وهذه النون تفيد التأكيد الثاني المضاعف.

واستعمل فعل الإيتاء ليعطي معنى إيصاله إليه وليس إرساله بواسطة أو بنفسه. فهم مرتبطون بحلف من الله تعالى أن يوصلوه إليه إلا أن يُحاط بهم.

والإحاطة بهم تعني فقدانهم كل قوة لحمايته وإرجاعه. بمعنى ظهور قوة قاهرة تحيط بهم من كل جانب فيفقدوا السيطرة بالكامل.

عرف يعقوب شخصَ العزيز وأخذ رسالته وبعث برسالة إليه عن طريق أخيه الذي لا يد له فيما فعله إخوانه ضد أخيه وأخيهم يوسف. كان ذلك بعد أن قبل الإخوة كل شروط الأب العجوز وآتوه الموثق كما يريد. استمر الأب في التوصية بالتالي:

وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿67﴾.

قرأت كل التفاسير المنشورة في موقع للتفسير يجمع معظم التفاسير المعروفة فرأيت معظم المفسرين متفقين على أن يعقوب خاف على أولاده من الإصابة بالعين 53.

والواقع أن النبي الأمين يعقوب أراد علاج مرض الخيلاء النفسي الذي اُصيب به أولاده وهو على أبواب الظهور الكبير لبني إسرائيل على يد النبي المكافح والجريء يوسف.

كانوا يظنون بأنهم دائما على حق لأنهم أبناء إبراهيم فكان الاعتماد الأحمق على كيانهم الأسري يقفل عليهم أبواب الانفتاح الفكري والاجتماعي.

وهكذا ينظرون إلى القضايا من زاوية واحدة لا من جميع الزوايا ويصرون على رأيهم. هذه حالتهم التي أورثوها أبناءَهم حتى اليوم مع الأسف.

فاليهود قليلو التوسع في الفكر والسبب في نجاحهم في بعض المسائل هو أن التاجر لا يفكر إلا في المال والطبيب ينحصر فكره في الطب والمهندس في الكمبيوتر و…و….وهكذا.

يتبع …..

( هامش 51: هذه حالة يهودية أخرى وهو أنهم يحسبون حساباتهم ولا يتوقعون أن تكون خاطئة فيكون خطابهم مع الآخرين أكثر جزما وثقتهم بأنفسهم أكثر واقعية. كأنهم ينتظرون من بقية الناس ألا يخالفوهم أبدا ويحزنون كثيرا إذا ما واجهوا منطق الرفض من الغير.

ولنكن واقعيين فإن منطق الثقة بالنفس مفيد جدا ودافع من دوافع التقدم ولكن الحسابات يجب أن تكون متناهية الدقة وأن يصغي المرء معها للآخرين أيضا. ذلك لأن القوة ليست في الأعمال والأسباب وحدها فلدوافع الناس واهتماماتهم أكبر الأثر في تحقق النجاح أو الخسارة الفادحة.

وعلى هذا الأساس فإن خسائر اليهود قليلة ولكنها كبيرة جدا. كما رأينا خسارتهم الكبرى مع النازيين. ورأينا في المقابل نجاحهم الباهر مع بقية دول العالم حينما سعوا لإحياء الدولة العبرية على مقابر جدودهم. هذا منطقهم وهو قوي ولكنهم قلما يسقطون ويكون سقوطهم قويا أيضا. ومن يدري فلعلهم يسقطون مرة أخرى، وسيسقطون مرة أخرى بظن من يعرف شيئا عن كتاب الله تعالى. ولا ضير بأن نعرف أن العرب ليسوا بعيدين من هذا المنطق بل هناك بين العرب من هو متشبث به تماما وهكذا بقية الأمم. ويمكن أن نطلق عليه اسم منطق المغامرات الكبرى. كل إخوان يوسف ما عدا الكبير قد غامروا في إبعاد يوسف وأعلنوا موته على أساس ذلك المنطق الخطير.    نهاية الهامش 51.)

(هامش 52 :   لا يمكن القول بأن الجميع غافلون عن أن الراحة التي يقدرها الله تعالى في الدنيا لا تعني بأن المرتاح مرضي عند رب السماوات. لكننا نرى الكثير من المؤمنين يظنون ذلك أو يصدر منهم ما يدل على إيمانهم بذلك. هذه الظاهرة التي تتكرر كثيرا لدى المتقين تدل على غفلة كبيرة في قلوب الذين يؤمنون بالله تعالى ويُظهرون الثقة به سبحانه.

يراهم الباحث المتتبع بأنهم فعلا يخافون الله تعالى ولكنهم يجهلونه ويجهلون تقديراته الحكيمة جهلا كبيرا. وإني أذكر نفسي وإياهم بهذه الآيات الكريمة من سور فصلت:

وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ (51) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52).     نهاية الهامش 52.)

(هامش53: إلا اثنين منهم، هما البقلي المتوفي 404 هجرية، في: عرائس البيان في حقائق القرآن، الذي سجل رأيا مغايرا وهذا نصّ تعبيره: “أشار (يعقوب) الى بنيه اى اذا عزمتم بقلوبكم وارواحكم وعقولكم واسراركم سلوك سبيل الحق لا تدخلوا فيه بسبيل واحد بل ادخلوا عليه بسبيل الصفات لتعرفوا حقائقها وتعرفوا بحقائقها عيان الذات.

ولا أريد مناقشة رأيه لكن يعقوب تحدث إليهم في مقام آخر فكيف جر الحديث إلى أن يفتح عليهم أبواب معرفة الله تعالى؟ إنه احتمال بعيد كل البعد.

وأما الثاني فهو ابن العربي المعروف في تفسيره المسمى: “التفسير”. وقد أضاف إلى البقلي احتماله بأن يكون المقصود دعوتهم بألا يسلكوا طريق فضيلة واحدة كالسخاوة مثلا دون غيرها. وهذه الإضافة أقرب إلى الآية من المعنى الأول المشترك بينهما.

 ولكني أظن بانها ليست دقيقة في إصابة الحق، ذلك لأن يعقوب كان يتحدث عن حكم واحد يتولاه العليم الحكيم وليس معقولا أن يخالف الله تعالى سلوك طرق الفضائل معا. فهل يمكن أن يقول الله تعالى لهم اسلكوا طريق السخاوة ولا تسلكوا طريق الاقتصاد مثلا؟!.

ولنعد إلى مناقشة القول العام وهو حذر يعقوب من إصابة أولاده بالعين أو بالآثار العملية للحسد. فأما الثاني فهو محتمل الوقوع ولا سبيل لرفضه بصورة عامة، فالحاسد قد يلجأ إلى أعمال فيزيائية لإيقاع الأذى أو الموت على المحسود عليه كما يحصل دائما.

ولكن العجب كل العجب من اعتقاد أكثر أهل الأرض بالإصابة بالعين. والأنكى من ذلك أن المفسرين الكرام رضي الله تعالى عنهم جميعا لم يردوا عليهم ولم يسعوا لتصحيح مسارهم الفكري. لقد أضحت هذه العقيدة الخاطئة مصيبة علمية تناقض مفاهيم السماء. أظن بأن الأوان قد آن أن نحارب الخرافات الأسطورية التي أدخلها الشيطان في قلوب البشر ليثبت لهم وجود قدرات غيبية لغير الله تعالى. سنحاربهم علميا متوكلين على رب القرآن الكريم.

بالطبع فإن القرآن يخلو من أي إثبات لهذه الظاهرة المرضية لدى البشر، وأعتقد أن ما يقوله البعض في تفسير بعض الآيات ناتج عن الجهل بالمعاني لتلك الآيات فحسب. وأما أصحاب الألقاب والملابس المميزة فهم عامة سلفيون لا يعطون الفكر حقه في حياتهم العلمية. هم الذين يظنون أو يرون من صالحهم أن يقلبوا هرم التطور ليقولوا بأن الناس يتراجعون في علمهم وفكرهم كلما تقدموا إلى الأمام وبأن السلف هو أكثر علما من الخلف.

خلو القرآن الكريم من الإصابة بالعين

يخلو الكتاب العزيز من أية إشارة إلى هذه العقيدة السخيفة المنتشرة بين البشر كما نعرف. وكل الآيات التي يتشبث بها المفسرون لتأييد مسألة مؤكدة في كتب الحديث التي خطتها يد البشر هي:

1.      آية سورة يوسف المذكورة وقد وضحنا خطأهم في فهمها. وسنوضح هنا أسباب عدم إمكانية تفسير الآية بما قالوا.

ألف: كيف يتأتى لإخوان يوسف أن يدخلوا من أبواب مصر العظيمة المتباعدة عن بعضها البعض؟ إن مصر مهد الحضارات القديمة وكانت الأهرام موجودة فترة قبل يوسف. وهي البلد الكبير الذي كان يغذي كل الأطراف بما يحتاجون إليه من غلات، فكيف يمكن تصور أبواب يمكن الدوران حولها والوصول في أوقات متقاربة إلى مقر يوسف؟ والواقع أن كل باب موجه إلى طريق من الطرق البرية أو البحرية ولا يمكن التفكير في أن تنتقل من الأرض المقدسة وتدور حول مصر لتدخل من أبواب متفرقة وكأنك تدخل قرية صغيرة!

باء: إذا كان يعقوب لا يغني عنهم من الله من شيء فخاف من أي شيء بعد الله تعالى؟ ثم إن كل الذين يؤمنون بهذه الأسطورة الكاذبة، هم يؤمنون أيضا بالرقية. كان يعقوب قادرا على أن يعلمهم رقية يقرؤونها لدفع الإصابة بالعين ويتحاشون الدخول من أبواب مصر المتباعدة عن بعضها البعض والتعرض للضياع. ثم إنهم كانوا يسافرون على إبل لا ينفصلون عنها حتى يعودوا فأنى لهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة؟

جيم: لقد ازداد عددهم واحدا فقط هذه المرة فكيف لم ينصحهم بالابتعاد عن التجمع خوفا من العين في المرة الماضية؟ أليس في ذلك تحريكا لحسدهم ضد أخيهم الأصغر هذه المرة؟ كفى ليعقوب ما فعلوه في يوسف فهل يبتغي المزيد من الكيد ضد ابنه الصغير؟

دال: هل الاهتمام بالإصابة بالعين يؤدي إلى التوكل على الله تعالى أم العكس؟ قد يرد الشخص على من يوصيه بأن يتجنب عيون الناس بأنه متوكل على الله تعالى ولا يبالي بهم ولكن الذي يهتم بعيونهم ويتجنب العيون فهو يتقيهم قبل أن يتقي الله تعالى ولا يحتاج الأمر إلى التوكل على الله تعالى.

2.      استشهادهم بالآية التالية من سورة القلم ونذكرها مع تاليتها لشدة ارتباطهما:

وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِ لاّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (52).

وأعتقد بأن “الزلق” من الكلمات القليلة التي لم تُكن واسعة التداول لدى العرب قبل نزول القرآن. ولذلك فسروها بالزلل والزلج المشابهتين لها لفظا. فلماذا لم يستعمل الله عز وجل إحدى الكلمتين المعروفتين دفعا للغموض في كتابه العزيز؟ بالطبع أن هناك معنىً مقصوداً آخر غير ما تخيله المفسرون الكرام. إن الناس يذهبون إلى الله تعالى لينجيهم من خوفهم من الآخرين وينسون بأن عليهم أن يتوجهوا إلى القدوس لينجيهم من عذاب الله تعالى ومن إضلال النظام الألوهي الخطير لهم وليس من عيون البشر الضعفاء.

يقول المفسرون بأن المقصود إبعاد النبي عن مقامه والتأثير في شعبيته أو النظر إليه نظرة حديدية تكاد تقضي عليه!.ولننظر إلى آية ثانية أخرى – إذ لا ثالث لهما في هذا الموضوع- لنستفيد من ذكرهما لفهم معنى الكلمة القرآنية. إنها في سورة الكهف:

 فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40).

والحسبان يمثل نوعا من الحشرات الصغيرة جدا وتأتي بالملايين أو البلايين خلال الليل لتقضي على الثمار وتفسدها. إنها تحول ثمار المنطقة المغزوة برمتها في ليلة واحدة إلى مادة لزقة تقريبا وغير مفيدة للبشر. إنها تحيط بتلك الثمار إحاطة كاملة. ولا أظن بأن الزلق تعني اللزق بل تعني الفساد بصورة عامة.

ولننظر إلى حالة المشركين حينما كانوا يمرون برسول الله عليه السلام ليرموه بالجنون. كانوا يشيرون إلى بعضهم البعض بعيونهم إلى الرسول ليقولوا لهم بأن هذا هو المجنون الذي تحدثنا عنه وما تسمعونه هو ذكره.

ليس للذي يستمع إلى آيات بعظمة آيات القرآن التي تفوق كل قدراتهم اللغوية والشعرية والفكرية ويريد أن يرفضها إلا أن يتهم صاحبها بالجنون ليزيل تأثير بيانه القوي الساحر من أذهان السامعين.

إن مقصود المشرك من بث تلك النظرة العينية الشائبة هو إفساد الدعوة على رسول الله تماما كما تفعل الحسبان في ثمار تلك الجنة.

كانوا يريدون أن يحولوا دعوة الحق إلى مقالة مجنون حتى لا يتبعه الناس ولذلك استعمل الله تعالى كلمة “كاد” وتعني اقترب. ذلك بأنهم لم يبلغوا ما أرادوه ولكنهم سعوا فقط. وقد شرح الله تعالى ما ظهر من عملهم على لسانهم بأنهم: يقولون إنه لمجنون.

والجملة لا تعني بأنهم فعلا قالوا بلسانهم بأنه مجنون بل يكفي أن يشيروا إليه بعيونهم ملفتين أنظار وأسماع إخوانهم عن قوة الكلام الصادر فعلا من رسول الله وهو قوة القرآن في الواقع، ليحل محله التفكير بأنه مجنون يتكلم بدون روية. وقد اشتهر بين الناس بأن المجانين يتحدثون أحيانا بكلام يعجز أئمة البيان عن صنعه والإتيان به. ولنستمع إلى هذه القصة الشائعة بين أهل اللغة:

يُقال من قصص الماضين، بأن نحويا لعله عمر بن عيسى سقط عن حماره مغشيا عليه في شوارع بغداد. تجمع عليه الناس ليساعدوه فلما فتح عينيه رآهم مجتمعين حوله فقال: مالكم تكأكأتم علي كتكأكُئكم على ذي جنة. افرنقعوا عني!.

إنه بيان عربي صحيح وجميل ولكن الذين تجمعوا عليه يجهلون أن معنى كلامه: لماذا اجتمعتم حولي وكأني مصاب بمس الجن، تفرقوا عني.

فما كان من البعض إلا أن قال جوابا للعالم النحوي: دعوه فإن جنيته تتكلم بالهندية.

فأدرك النحوي بأن الناس لم يفقهوا كلامه واعتقدوا بأنه شاعر يستلهم من الجن وجنيته هندية تلهمه كلمات الهنود.

فلو تصورنا نفس الشيء في نبينا الحبيب وهو يقرأ على الناس آيات ثقيلة من الكتاب العزيز. لكان على الناس أن يسألوه عن معاني الآيات، ولكن الذين كفروا وعاندوا – وليس عامة الناس – سعوا لإفساد المفاهيم العظيمة في أذهان السامعين فقالوا بأنه مجنون أو ساحر أو مسه الجن.

والله تعالى يقول في النهاية بأن ما تسمعونه ذكر للعالمين جميعا فيجب أن يكون هكذا منطويا على مفاهيم كبيرة وجمل لا تحتملونها ولكنها من الله تعالى وليس ممن تسمعون منه. إنه يردد ما أوحاه الله تعالى إليه. فأين هذا مما قاله المفسرون بأنه سبحانه يعني الإصابة بالعين؟

استشهاد المفسرين بآيات الحسد في القرآن لإثبات الإصابة بالعين.

ولنقرأ سورة الفلق التي يستشهدون بها كثيرا ويعتبرونها سورة أنزلها الله تعالى ليعوذ النبي بها حفيده الحسن بن على، كما أن سورة الناس لتعويذ الحسين بن علي. قال تعالى:

 بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5).

لا يمكن أن يدور حديث السورة حول نسبة الشر إلى الخلق، بمعنى أن يكون الخلق شريرا. ذلك لأن الله تعالى يؤكد بأنه هو الخالق وبأنه خلق كل شيء فأحسن خلقه. فالحديث عن شر يصدر من المخلوق وليس شرا في ذاته وكيانه.

يقول الزمخشري في تفسير الآية ما قبل الأخيرة في الكشاف:  النفاثات النساء أو النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن عليها ويرقين والنفث النفخ مع ريق، ولا تأثير لذلك اللهم إلا إذا كان ثَم إطعام شيء ضار أو سقيه أو إشمامه‏. أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه ولكن الله عز وجل قد يفعل عند ذلك فعلاً على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام فينسبه الحشوية والرعاع إليهن وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به.  فالزمخشري يعترف بأن النفث أو السحر بعينه لا يضر ولكن هناك أعمالا جانبية قد تضر بالناس.

ودعني أقول فما ضير أن نقول بأن الحسد بنفسه لا يمكن أن يضر ولكن الحاسد يستعمل إمكاناته الأخرى ليؤذي المحسود وهو صحيح ولا إشكال فيه. فالحاسد يقتل بالسم مثلا وليس بعينه أو يسعى للإفساد بين الأسر بكلامه وبالكذب ليفرق بين المرء وزوجه وليس بنفس الحسد. فشر الحاسد هو الشر الصادر من أعماله الفيزيائية الأخرى وليس الشر الصادر من عينيه. هذا التفسير لا يناقض قوله سبحانه في سورة السجدة:

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ (7).

فالله تعالى خلق اليورانيوم وأحسن خلقه ليستفيد منه الناس في استخراج الطاقة الكهربائية مثلا أو للمعالجات الطبية المختلفة الأخرى ولكن الناس يسيئون استعماله فيصنعون منه القنابل المدمرة.

الموضوع المهم الآخر هنا هو أن الله تعالى خلق الإنسان ومنحه الخيار ليختار طريقه بنفسه فلزم أن يعطيه الحرية في الحركة في الأرض دون وجل. فلو كان هناك خوف دائم من الجن والشياطين التي لا يراها بعينه وخوف آخر من عيون الناس التي لا يعرف المصاب عنها شيئا ولا يمكنه أن يتقي منها فأين الحرية؟ وهو سبحانه يقول للشيطان بعد أن يسمح له بالوسوسة وجلب الأنصار لنفسه كما في سورة الحجر:

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42).

فلا سلطان للشيطان إلا لمن اتبعه فينحصر سلطانه في أن يأمرهم ويتبعوه باختيارهم لا غير. فالشيطان الذي يخوفنا الله تعالى منه لا يملك أن يقوم بعمل فيزيائي ضدنا فكيف للعين التي لا يخوفنا الله تعالى منها أن تؤذينا؟.

إن منطق الهدى يدعو أن يحذرنا الهادي سبحانه من كل خطر يهددنا وأن يشد الحذر من الأخطار التي لا نراها. ولذلك فإنه سبحان يتحدث كثيرا عن الشياطين لأننا لا نراهم وأنهم يروننا من حيث لا نراهم. لكنه لم يتحدث أبدا عن مخاطر العيون لأنها غير صحيحة.

لنتصور وجود عيون يمكن أن تؤذينا إذا اقتربنا منها فعلينا أن نتوقى دخول المساجد والأماكن العامة وألا نُظهر النعمة على وجوهنا. والله تعالى يقول في سورة الأعراف:

يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32).

كما يقول في سورة الضحى:

 وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11).

فعلينا أن نُظهر النعمة ولا نُخفيها لو نؤمن بالقرآن، كما سيكون لزاما علينا أن نُخفي النعمة لو نؤمن بالكتب المضللة التي تخلق لنا آلهة خفية غير الله الواحد القهار جل جلاله.

هذه هي أهم الآيات التي يسعى بعض المفسرين للاستدلال بها لإثبات فرية الإصابة بالعين. بالطبع هناك بعض المرضى الذين يستشهدون بالكثير من الآيات الأخرى وكأن القرآن أتى ليثبت لنا الإصابة بالعين ولكن بلسان خفي. معاذ الله. إنه كتاب واضح مبين يفصل كل شيء ولا يخفي أمرا عن عبيد الله تعالى. إنه كتاب هدى حقيقي صادق يصرخ صرخة الحقيقة ويدعو إلى الواقعيات ويمنع من الأساطير والأوهام. سبحان منزله العظيم جل جلاله.      نهاية الهامش 53.)

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s