يوسف أيها الصديق ح 18 – أرباب من دون الله


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 18 – أرباب من دون الله

استكمل يوسف حديثه :

وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)

 نرى يوسف كيف استمر في الإنصات إلى الشيطان. حين أكمل:

ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء.

وهو يعني بأن الشرك عمل غير جميل لهم ولا يتناسب مع شأنهم. ألم نر الله تعالى يقول في سورة مريم على لسان المسيح:

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35)؟

وهو يعني بأن اتخاذ الولد ليس مناسبا لشأن إله العالمين جل جلاله ولا جميلا له.

لا يعني قول يوسف بأنهم عاجزون عن أن يُشركوا بالله تعالى كما تراءى للبعض فظنوا بأن الأنبياء معصومون عن الخطإ، بل يعني أن الشرك ليس جميلا لهم.

والمشكلة الكبرى أن يوسف قال ذلك باعتبار السلالة وليس باعتبار النبوة وليس في كلامه مع صاحبيه في السجن أية إشارة إلى النبوة وليس لدينا أي دليل على أنه كان نبيا في ذلك اليوم. والأحرى بنا أن نقول بأنه فعل ما فعل قبل أن يتشرف بالنبوة.

من الخير لنا أن نرى أنبياء الله تعالى بعيدين عن دنس المعاصي والآثام. إنهم قدوة لنا فليفعلوا ما يفعلوا قبل أن يصيروا قدوة للأنام. فيوسف قال ذلك باعتباره من بني إبراهيم وليس باعتبار آخر وكان حديثه عن آبائه بغض النظر عن نبوتهم. والدليل على غروره وكبريائه أنه أكمل قوله ذلك بقوله التالي:

ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

يعني يوسف فيما يعنيه للسامعين وأنا أقول ما أقول كسامع وأضع نفسي مكان صاحبيه في السجن فأنصت معهما إلى يوسف الذي أبدى علما وقدرة على بيان حقائق الأحاديث حتى في المنام وبأن الله تعالى علمه هو دون عامة خلقه. لو كنت معهم لقلت: هذا الرجل أفضل مني وقد منحني الله تعالى مكرمة كبيرة أن حضرت في مجلسه فأشكر الله تعالى على أن حشرني صحابيا ليوسف.

ولكن هل ليوسف أن يقول ذلك عني أم عليه أن يتواضع أمامي ويقول لي: إن أنا إلا بشر مثلكم؟!

لقد أقر يوسف بداية بأنه كسب ما كسب من علم لأنه ترك عبادة غير الله تعالى لغير الله تعالى وهو كلام جميل وصحيح. لكنه أردف بأنه اتبع ملة آبائه، وبأن أباءه غير بقية الناس وبأن الله تعالى فضلهم على غيرهم وعلى الغير أن يشكروا ربهم بوجود أهل بيت النبي إبراهيم بينهم.

هذا هو الكبرياء الذي ظهر على لسان يوسف وهو دليل واضح بأن يوسف ما كان بعد مستوليا على كبرياء نفسه فما كان قادرا على أن يكون نبيا لأهل مصر الذين هم ليسوا من بني إسرائيل ولا يوجد إسرائيلي غيره هناك آنذاك.

نحن نشكر الله تعالى بأنه لم يُقدِّر لأخينا الطيب يوسف أن ينجو من السجن ولم يقدر له ما قدر له من السلطة إلا بعد عدة سنوات. كان الكبرياء سيأخذ من يوسف مأخذا لا يعلم أحد غير الله تعالى ما كان سيفعله في وزارته وقوته تحت تأثير ذلك الكبرياء . 19

انتهى يوسف خاطئا من تمجيد نفسه وأسرته وعاد بعد ذلك لينصح صاحبيه في السجن بما يمكن لأي مؤمن عالم بحقائق الدين أن ينصح به غيره. لم ينس يوسف الله تعالى في كل كلامه مع صاحبي السجن وبما أنه لم ينس الله تعالى فإن الله لا يمكن أن ينساه أيضا ولكنه مع الأسف فقد بعضا من خاصيته حينما كان مخلَصا فلم يمنع الله تعالى الشيطان من الاستمرار في إغوائه فحصل ما حصل بعد هذه الجلسة بالطبع.

استمر يوسف في كلامه قائلا:

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿39﴾.

لم يترك يوسف الكبرياء وهو يخاطب صاحبيه في السجن أن يقول لهم كلاما أجمل من ذلك. لننظر إلى إخوانه الأنبياء قليلا: قال هود لقومه كما في سورة الأعراف:

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69).

اعتبره الله تعالى أخا لهم فقد خاطبهم بكل تواضع بأنه ليس به سفاهة وبأنه رجل منهم وقد جاءه الذكر من ربهم عليه باعتباره واحدا منهم لينذرهم.  لم يمدح هود نفسه بل مدحهم هم بأنهم خلفاء من بعد نوح وبأنهم أقوياء منعمون من الله تعالى.

لكن يوسف لم يقبل بأنهما أخواه ولا صاحباه بل صاحباه في السجن. فلم يقل لهما يوسف بأنه واحد مثلهما ليصغيا إليه ويثقا بإخلاصه لهما.

وقال سبحانه مخاطبا نبينا في سورة الكهف:

 فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6).

بخع كما يقول أرباب اللغة تعني قتل نفسه غما. وقد استشهد الراغب لنفس المعنى بالآية التالية من سورة فاطر:

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8).

 قارن بين الخلوص الواضح والتواضع الممزوج بالحب في خطاب نبينا مع قومه؛ وبين خطاب أخينا يوسف لصاحبيه في السجن وهو يتحدث عن نفسه وأسرته وبأن الله تعالى قد منَّ على الناس بهم وبأنهما صاحباه في السجن فقط… ألا ترى الكبرياء متجليا في خطابه والترفعَ واضحا في نصيحته لهما؟ هذه هي المشكلة النفسية ليوسف ولكل بني إسرائيل تقريبا مع الأسف.

وأما فحوى خطابه العلمي البليغ فهو بأن الربوبية التي تعني العناية المحيطة بالكائنات لينعموا بالحياة وبالهدى تحت رحمته لا يمكن أن تأتي من أكثر من مصدر واحد .20

( هامش 19 :   قرب من الله تعالى أم تقرّب إليه: هذه مسألة أود أن أوضحها باختصار هنا للمناسبة.

نحن نسمع كثيرا عن الذين يسمون أنفسهم عرفاء ونسمع كثيرا عن مكاشفاتهم وعن تحدثهم بالغيبيات وقيامهم بما يعجز عنه بقية الناس.

بالطبع يمكنني القول بضرس قاطع بأن كل ذلك محض وهم ولا يوجد لأحد مكاشفات مع الله تعالى ولا يعلم أحد شيئا من الغيب إلا ما أباحه الله تعالى لجميع خلقه من العلم الغيبي وهو اليوم محصور في القرآن الكريم.

لفهم ما اقول علينا ان نفكر قليلا في قوله تعالى عن الملائكة بأنهم مقربون وتسميته بعض عباده من البشر بالمقربين وهو سبحانه لم يعبر عن أي مخلوق بالقريب. حتى الأرواح القدسية ومنهم جبريل فهو ليس بالقريب من الله تعالى بل هو أيضا مقرَّب فقط.

والمقرَّب إلى الله تعالى لا يعني بأن الله تعالى قد قرَّبه إلى ذاته أو أناله بعض صفاته أو فوض إليه بعض أعماله. إن كل خصائص الربوبية خاصة بالقدوس وغير قابلة للانتقال إلى المخلوق وإلا كان المخلوق شريكا فعليا لله تعالى ، معاذ الله.

كل التقريب لا يتجاوز المعرفة بالقدوس فلو نمعن بأن الشخص الذي يعرف عن الله تعالى شيئا قليلا، فإنه لو بقي متقربا إلى الله تعالى فهو يعني بأنه كان محتاجا إلى المزيد حينما استحق صفة التقرب. و حينما يستمر في التقرب فهو يعني بأنه لن يبلغ حد الكمال أبدا ليكسب شرف القرب مثلا وإلا وصفه الله تعالى بالقريب لا بالمقرب.

هذا يعني بأن التقريب لا يعني التقريب الفيزيائي أو المعنوي إلى القدوس بل يعني تقريبه إلى معرفة القدوس. ذلك لأن الحقيقة هي أن التعرف على الهوة الساحقة بيننا وبين خالق السماوات والأرض ليس بالأمر الهين. فنحن كلما نزداد تقربا أي طلبا للمعرفة فإننا نزداد معرفة بالبعد الشاسع بيننا وبين الله تعالى.

ولذلك فحق انتسابنا إلى بعض لا يمكن أن يتجاوز الأخوة التي تناسب كياناتنا. علينا أن نبتعد عن أي تسمية تدل على أي أمر فوق بشري لأي بشر وهذا هو السر في إصرار القرآن الكريم على أن الأنبياء ليسوا إلا بشرا. قال تعالى في سورة إبراهيم:

 قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11).

فالذي يُقرَّب، يُقَرَّب إلى المزيد من العلم بالهوة بين الخلق والخالق وليس بالقرب، إذ لا قرب فعلا. ولذلك فأي شعور بالفوقية على أي مخلوق هو ظلم حقيقي للنفس.

والشيطان يعرف بعض الشيء عن هذا البعد الحقيقي فيسعى لإقناع الناس بأن النسب والتعرض لفضل الله تعالى يقربان البشر من الله تعالى كمقدمة لإقناعهم بوجود أشخاص قريبين من القدوس بحيث يمكنهم أن يصيروا وسائط بين الخالق وخلقه.     نهاية الهامش 19.)

(هامش 20:   إن الكائنات برمتها مرتبطة ببعضها البعض ومحتاجة فقيرة لمن يسندها وينظم علاقاتها وارتباطاتها.

يجب أن يكون الرب مخضوعا له ومقبولا لدى الجميع ويجب أن يكون واحدا حتى يربط الجميع برباط الألفة والمحبة وينظم علاقات الكائنات المتباينة وحتى لا يختلط الهدى على الكائنات.

يجب أن يكون الرب قهارا فلا يتمكن أحد من عدم الانصياع لأوامره فيعم السلام ويتثبت التوافق والوئام بين خلقه. لو كان الرب غير الله تعالى الخالق العظيم فإن تباين المصالح سوف يخلط الأمر ويرفع الانسجام بين الكائنات. والواقع أننا نرى الكائنات اليوم ومنذ بلايين السنين تسير وفق نظام مفروض عليها فمدير ذلك النظام وحده قادر على أن يهدينا للسير بسلام مع بقية الكائنات. ولذلك قال يوسف عليه السلام بكل ثقة ودراية:

 أ أرباب متفرقون خير، أم الله الواحد القهار؟

فبمجرد ما تتعدد الأرباب فهم يتفرقون لأن كل واحد منهم يسعى لجذب الكائنات لنفسه وليس أحد أجدر من الخالق نفسه أن يصون خلقه تحت رعايته. وبما أن الله تعالى يرتبط مع خلقه بالنور أو الطاقة فإن كل إله افتراضي يجب أن يكون كذلك.

إن علماء الفيزياء يعلمون  بأن الطاقة كما تنفذ من جهة الى جهة فهي تجذب أيضا. ثم إنها تتحرك باتجاه ما يتناسب معها لتزيده نورا. فلنتصور تعدد مصادر الطاقة والمصيبة التي ستحصل لنا ولبقية الكائنات لو وجدت.

وقد وجه يوسف خطابه بلحن السؤال ليدعوهما إلى التفكر وإلى بذل الجهد للمعرفة الشخصية دون التقليد للغير. معرفة الله تعالى والإيمان بربوبيته وبأنه مستحق فعلا لأن يُعبد هو أصل يجب على كل شخص أن يطمئن إلى صحته فلا يمكن أن نطيع فيه الغير. وتكمن في الآية الكريمة عدة مسائل يجدر بنا معرفتها:

1.      أن الله تعالى هو خالق الكائنات وهو يدير ما خلقه بصورة تلقائية تثبيتا لملكه، وأن الأرباب الآخرين لا يمكن أن يسعوا لمساعدة أمثالهم إلا لمصلحة لهم فيها. ولذلك فعلى الذي يشعر بالحاجة لهم أن يؤمِّن لهم مصالحهم ولكن ليس عليه أن يؤمن مصالح الله تعالى.

أضف إلى ذلك أن ليس لله مصلحة شخصية ولا حاجة إلى أحد. ونرى في الواقع أن الذين يتشبثون بغير الله تعالى كالموتى في القبور أو الذين يتشبثون بالملائكة بأن يصنعوا لهم أصناما فكلهم يسعى لإحاطة إلهه الذي عينه لنفسه بالمزيد من المال الذي يصرفه على ضريحه أو على مكان صنمه.

نصرف مال الله تعالى معترفين بأنه مال الله على ما خلقناه بأيدينا لنطلب منه المساعدة. والله تعالى يقول في سورة الإسراء:

قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57).

ويعني بكل بساطة أن الذين تدعونهم غير الله تعالى فهم بأنفسهم يدعون الله فأيهم أقرب إليكم، هل الله -الذي أقرب إليكم من حبل الوريد- أم الذي يبحث عن وسيلة يتقرب بها إلى الله تعالى مثلكم؟ ثم إنهم مثلكم يخافون الله تعالى ويرجون رحمته ويخافون عذابه.

2.      إن الذين تطلبون منهم العون مهما كانوا أقوياء فإنهم غير مهيمنين على الكائنات ولا مناص لهم من أن يراعوا قوانين الربوبية الصادرة من الله تعالى بينما الله تعالى غير واقع تحت هيمنة أحد وهو القهار الذي يقهر كل شيء ليثبت أمره فالعقل يحكم بأن نطلب حوائجنا منه سبحانه لا من غيره، ولا سيما أنه سبحانه دعا عبيده ليدعوه ويطلبوا منه لطفا وكرما وليمنحهم المزيد من الهدى فلا يبحثوا عن من يساعدهم من خلقه. والمقصود من الدعاء هو تغيير مسار النظام الصاعد بلا توقف لنتجنب وقعه علينا، أو نطلب المزيد من الخير منه. نطلب تغيير المسار العادي للنعمة أو للغضب ولكن لا يمكن لغير القهار أن يقوم بذلك التغيير.

3.      إنكم تخضعون للبعض لحاجة لكم تريدون أن تقضوها على أيديهم وهم لا يملكون شيئا. إنهم ليسوا أربابا حقيقيين وهم متفرقون بمعنى أن هناك الكثيرين يحملون نفس الصفات ونفس القدرات التي تتراءى لكم، ولكن ليس كمثل الله شيء، وهو واحد لا شريك له فالعقل يحكم بأن نستظل بظلاله وهو القهار القوي القادر ولا نتفرق تحت رحمة الذين نظن بأنهم يملكون شيئا.

أنظر إلى قوم نوح الأقدمين فقد اعترفوا بأن لهم مجموعة من الأصنام وهكذا الذين أتوا من بعدهم.

المسيحيون ينظرون إلى المسيح والروح القدس على أنهما وسيلتان إلى الله تعالى والنصارى منهم يضيفون إليهما مريم العذراء.

اليهود يتشبثون بموسى وهارون وعزير وبقية أنبيائهم ويهتمون بداود وسليمان وبقية الأقوياء منهم وهم جميعا متفرقون ضعفاء أمام الله تعالى.

المسلمون يطلبون من النبي وصحابته أو أهل بيته.

وبتحليل بسيط نشعر بأن كل هؤلاء يحسون بأن موسى والمسيح ومحمد ليسوا منفردين وليسوا بكامل القوة ولذلك يتشبثون بمن دونهم فلعلهم يكونوا أكثر فائدة لهم من كبارهم. لكن الذين يكتفون بالله تعالى فهو حسبهم ويشعرون معه وحده بالطمأنينة الكاملة وبأنهم قد تمسكوا بحبل لا ريب في قوته ومكنته.

4.      إن صاحبي بوسف قد أُدخلا السجن على يد الذين يسمونهم أربابا لأن مصالح الأرباب اقتضت سجنهم ولكن الله تعالى حليم يصبر على عبيده لعلهم يرجعوا إليه فيثيبهم بالحسنى. كان اهتمامهما واضحا في أن يُرضيا الملك الذي يعتبرانه ربهما وقد فسرا مناميهما بما يتناسب مع رضا الملك وهما غافلان عن الله الواحد القهار الذي هو ربهما فعلا.

هذه الغفلة مشهودة لدى بني إسرائيل اليوم ولدى أتباع المسيح كما هي لدى المسلمين. ولنعم ما قال سبحانه في سورة الزمر:

وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (48) فَإِذَا مَسَّ الآنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59).

5.      أضف إلى المسألة الرابعة أعلاه أن الله باعتبار قدرته وقهره فهو لا يحتاج إلى أن يستعجل بالعذاب بل يصبر ويعطي الفرصة مرات ومرات ولكن الملوك الدنيويين يستعجلون بالعذاب لأنهم ضعفاء يخافون من أن يفقدوا السيطرة على مخالفيهم. لنتذكر المثل الشعبي المعروف الذي يمثل حالة ملوك الأرض: تغدى به قبل أن يتعشى بك.

6.      لسان حال يوسف يقول: إن الذين كبروا في عيونكم هم صنائعكم فأنتم الذين قويتموهم ليتحكموا فيكم وإلا فهم ضعفاء مثلكم ليسوا منفردين في السلطة والقدرة وليسوا قاهرين لأحد لأنهم أمثالكم، بشرٌ يملكون نفس قدراتكم وتملكون نفس قدراتهم ولكن الله تعالى قاهر للكل دون الحاجة إلى أن يستعين بكم أو بأحد عليكم.

7.      وأخيرا فإن القوي بطبيعته صاحب النظام الألوهي الذي يتحكم في كل الوجود، خير للضعفاء من الذين يستمدون منه القوة بأنه وحده الله تعالى، وبالرغم من اعتراف الشعب المصري بالله تعالى، فإنه كان يعبد غيره، كما يعترف المسيحيون واليهود والمسلمون اليوم بأن الله تعالى هو الخالق الواحد ولكنهم يستعينون بالأنبياء والأولياء و الصالحين.     نهاية الهامش 20.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s