القصة الحقيقة للثورة المصرية 3 سيارة الدكتور سمير


القصة الحقيقة للثورة المصرية 3

سيارة الدكتور سمير

مدخل 😦 لم يقبض الشيخ حسن يده يوما على ما أعطاه الله بل تركها دائما مبسوطة.  الله أعطى, والله أخذ, ولله ما أعطى وما أخذ.) 

كانت النقلة إلى الإسكندرية صادمة بالنسبة لزينب.  حقًا الإسكندرية “قصة”.  حقًا السير على الكورنيش بالليل قصة. وكذلك في الصباح, والظهر, والعصر, والمغرب.  حقًا, رشدي قصة. ما  كل هذه المحلات, وكل هذه الملابس؟   إلا أن زينب كانت تفتقد أصدقاءها, وتفتقد أمها, وتضيق من السجن الإنفرادي الذي تعيش فيه من ساعة خروج الشيخ حسن إلى العمل إلى لحظة رجوعه من العمل.  لم يكن هذا الأمر, على أية حال, ليغيب عن فطنة الشيخ حسن.  اشترك لها الشيخ حسن في أحد العروض التي تقدمها شركات الهاتف المحمول والتي تتيح لها الاتصال بمن تريد في كفر نفرة لمدة عشر ساعات في اليوم.  يستحيل أن تحتاج زينب إلى أن تتحدث مع كفر نفرة أكثر من عشر ساعات في اليوم.

كانت النقلة إلى الحياة الزوجية بالنسبة للشيخ حسن صدمة هي الأخرى.  ما كل هذه الحلاوة؟  ما كل هذا النعيم؟  ما أروع أن يعود الإنسان من عمله ليجد أحلى خلق الله في انتظاره.  وهل هناك من هي أحلى من زينب؟  ما أحلى وما أروع أن تجد إنسانًا يحبك ويحب ما تحب, ويستمع إليك بحب.  ما كل هذا الطعام الحلو؟  كل يوم؟  كل يوم طعام حلو؟  والله ولا في الأحلام.  وداعًا أيام الفول.  وداعًا, أيها الفول القديم.  نحن الآن, وبإذن الله, وإلى أن يشاء الله, في صحبة طيبة.  صحبة الملوخية, والأرز المفلفل, والرقاق, والبازلاء.   في صحبة الفطير المشلتت, والبط, وكل خيرات المنوفية التي تفرغت الحاجة كريمة والحاجة صفية لإرسالها إلى الإسكندرية.  وسيارة الحاج محمود شاهين تعمل الآن على خط كفر نفرة – اسكندرية بشكل يومي والرجل لا يقصر في توصيل “الزيارة” – كما تسميها الحاجة كريمة – من البيت في البلد إلى البيت في بولكلي.  طبعًا, تصر الحاجة كريمة على دفع مبلغ بسيط مقابل هذه الخدمة إلا أنه مبلغ بسيط في نهاية الأمر. 

لم يشعر الشيخ حسن في حياته “بالنعيم” أكثر مما شعر به بعد زواجه من زينب.  فالمأكل طيب, والملبس طيب, والمسكن طيب, والعمل طيب, والحياة طيبة, وهذه مشكلة.   فالاختبار قد أصبح صعبا.  كيف لحسن أن يعود إلى ما سبق؟   كيف الحياة بدون زينب؟  اللهم إني راض بحكمك.  اللهم إني راضٍ بقضائك.   لم يشعر الشيخ حسن يومًا بأنه يستحق ما آتاه ربه.  كما لم يشعر يوما بأنه لا يستحق ما آتاه ربه.  إذا آتاه ربه ما يتمناه فهو يستحقه.  وإذا آتاه ما لا يتمناه فهو يستحقه.  لم يقبض الشيخ حسن يده يوما على ما أعطاه الله بل تركها دائما مبسوطة.  الله أعطى, والله أخذ, ولله ما أعطى وما أخذ.

اتصل الأخ خيري – كان هذا هو اللقب الذي تعارف الناس على استعماله عند الحديث عن سيادة المهندس خيري عبد الرحمن – ذات يوم بالشيخ حسن على هاتفه الشخصي وسأله عما إذا كان باستطاعة الدكتور سمير أن يجدول بيانات قسم المحاسبة كما جدول بيانات قسم التخليص.  كان رد الشيخ حسن أنه على ثقة من أن الدكتور سمير يستطيع أن يجدول بيانات البنك الأهلي المصري إن لم يكن بنوك مصر كلها, إلا أنه سيسأله.   أخبر الشيخ حسن الدكتور سمير بما طلبه سيادة المهندس خيري وسأله عما إذا كان يرغب في أداء هذه المهمة.  أجاب الدكتور سمير أنه على استعداد لأداء أي عمل يطلب منه, إلا أنه يأمل ألا يعني ذلك انتقاله إلى قسم المحاسبة.  ليس لأنه يكره قسم المحاسبة, وإنما لأنه يشعر أن قسم التخليص هو بيته.  كان رد الشيخ حسن أن العمل في قسم المحاسبة لن يكون تغييرًا في العنوان وإنما مجرد زيارة إلى إخوة أعزاء وأن الدكتور سمير سيبقى على قائمة العاملين في قسم التخليص.

كان طلب سيادة المهندس خيري – لم يستطع الشيخ حسن “أبدًا” أن يشير إلى سيادة المهندس خيري باسم “الأخ” – بأن يقوم الدكتور سمير بجدولة بيانات قسم المحاسبة أجمل خبر سمعه سمير إذ كان يعني أن ما قام به قد تم الاعتراف به على أعلى مستوى في جمعية أهل الخير.  لم يأخذ الموضوع طويل وقت, على أية حال, حتى أدرك الدكتور سمير أن العمل في قسم المحاسبة ليس مثل العمل في قسم التخليص.  كان الأمر أشبه ما يكون بحرب غير معلنة اتفق فيها العاملون في قسم المحاسبة على بذل كل جهدهم من أجل منع الدكتور سمير من أداء المهمة التي انتدب إليها. 

لم يكن الدكتور سمير غبيا وأدرك أن المهمة فعلاً مستحيلة.  وعليه, ذهب إلى الشيخ حسن وأخبره بأنه لن يستطيع أداء المطلوب منه.   لم يكن الشيخ حسن في حياته ممن يهتمون بالتفاصيل, وعليه لم يسأل الدكتور سمير عن أي تفاصيل.  كل ما فعله هو أنه اتصل بسيادة المهندس خيري وأخبره أن الدكتور سمير لن يستطيع القيام بالمهمة التي طلبها وأنه يطلب العودة إلى عمله في قسم التخليص.  جاء الرد مختصرًا ومهذبا.  يمكن للدكتور سمير أن يعود إلى عمله في قسم التخليص.  كان ذلك في شهر أبريل.

مع بداية السنة المالية الجديدة, على أية حال, صدر قرار بنقل الشيخ حسن إلى قسم المحاسبة.  كان الأمر مفاجئًا للشيخ حسن إذ أن خبرته كلها – وهي الخبرة التي من أجلها تم التعاقد معه – هي خبرة في التخليص.  إلا أنه سرعان ما أدرك أن المطلوب منه الآن شيء جديد. كان الخبير الإداري الكبير سيادة المهندس خيري عبد الرحمن قد أدرك أن خير طريقة لجدولة بيانات الجمعية هي أن يطلب ذلك من رئيس القسم الذي أدخل الجدولة  في الجمعية بدون أن يطلب ذلك منه أحد.  أي أن يطلب ذلك من الشيخ حسن.  لم يكن الشيخ حسن ممن يتقاعس عن عمل أي شيء يتطلبه العمل.  أضف إلى ذلك أنه كان مدركًا تمام الإدراك أن الدكتور سمير هو الذي سيقوم بذلك العمل وأن مهمته لا تزيد عن تسهيل مهمة الدكتور سمير.  وهذا ليس بالأمر الصعب, فهو على علاقة طيبة بكل العاملين في قسم المحاسبة وسينجح الجميع بإذن الله في القيام بما يتطلبه العمل.

لم يمضِ طويل وقت حتى أدرك موظفو قسم المحاسبة أن الشيخ حسن لا علاقة له نهائيًا بما كانت عليه طريقة العمل في القسم في الماضي, وإنما له كل علاقة بما عليه طريقة العمل في القسم في الحاضر.  لم يأتِ الرجل لعقد محاكمات للمخالفات التي تمت في الماضي, أو الكشف عن أسماء الموظفين الذين لم يحسنوا أداء عملهم, وإنما أتى لأداء مهمة, وهو سيقوم بأدائها بهم أو بغيرهم, وعلى من يريد البقاء في الجمعية أن يتعاون مع الدكتور سمير.

كان واضحًا تماما للشيخ حسن أن الدكتور سمير لا يستطيع أن يبذل مجهودًا أكثر مما يبذله.  كان أكثر ما يشغله هو كيف يساعد الدكتور سمير في أداء عمله.  وذات يوم وجدها, وعليه اتجه إلى مكتب سيادة المهندس خيري.  كان اللقاء, كالعادة, وديًا ومختصرًا.  كان سيادة المهندس خيري جالسًا إلى مكتبه, ويداه على حاسبه الآلي, وعيناه تنظران إليك من فوق نظارته, وابتسامة خفيفة تعلو وجهه, مع تساؤل “خفي” عن المطلوب.  قال الشيخ حسن, وابتسامة خفيفة تعلو وجهه هو الآخر, إنه جاء اليوم ليطلب التنازل عن السيارة التي خصصتها الجمعية له وتخصيصها للدكتور سمير حيث إنه لا يحتاج إلى سيارة فمنزله لا يبعد عن الجمعية أكثر من عشرة دقائق سيرًا على الأقدام على حين أن الدكتور سمير يسكن في العصافرة وهو مشوار يأخذ منه ساعة على الأقل في الصباح وساعة في المساء.  أضاف الشيخ حسن أن الدكتور سمير يغادر مبنى الجمعية كل يوم في الواحدة صباحا.  نظر سيادة المهندس خيري إلى الشيخ حسن من فوق نظارته لثوان – كان واضحًا أنه يفكر فيما قاله الشيخ حسن – وهز رأسه علامة الموافقة.  لم تأخذ المقابلة أكثر من دقيقة.   ربما أقل.

خرج الشيخ حسن من مكتب سيادة المهندس خيري واتجه إلى مكتب الدكتور سمير ليخبره بالخبر السعيد.  شكر الدكتور سمير الشيخ حسن على كرمه.    لم يكن الدكتور سمير يختلف كثيرًا, أو حتى قليلاً, عن الشيخ حسن.  كانا كلاهما قليليّ الكلام.  عاد الشيخ حسن إلى البيت سيرًا على الأقدام وهو في قمة السعادة, فقد استطاع مساعدة الدكتور سمير على أداء العمل المطلوب.  وهذا هو المطلوب.  لم يأخذ المشوار أكثر من ربع ساعة.  عندما يأخذ المشوار ربع ساعة لا أحد يحتاج إلى سيارة. 

في الصباح التالي خرج الشيخ حسن مبكرًا ربع ساعة عن ميعاده كل يوم.  كان هذا هو كل الفرق بين الذهاب إلى العمل سيرًا على الأقدام, والذهاب في سيارة.  إلا أنه ذهب في سيارة.  أرسل سيادة المهندس خيري سيارته الخاصة وسائقه الخاص إلى منزل الشيخ حسن.  أخبر الحاج مصطفى الشيخ حسن أن الأخ خيري قد أخبره أن عليه من الآن فصاعدا ملازمة الشيخ حسن من أي مكان إلى أي مكان.  مرة أخرى, لم يكن الشيخ حسن غبيا.  كانت هذه هي طريقة سيادة المهندس خيري في إخبار الشيخ حسن أنه ليس أقل منه تقديرًا للعاملين عنده, ولا أقل كرمًا.  كان الشيخ حسن يعلم كذلك أن عليه من الآن فصاعدًا أن يتأقلم على فكرة الانتقال من مكان إلى مكان في سيارة مرسيدس.  طبعًا مشكلة, إلا أنها مشكلة لا حل لها.  لن يقبل المهندس خيري أن يكون أقل كرما من الشيخ حسن.

كان لسيارة الدكتور سمير مفعول السحر في قسم المحاسبة, بل وفي كل أقسام الجمعية.  كانت الرسالة واضحة تماما.  الإدارة تقدر العمل الذي يقوم به الدكتور سمير, ومن كان لديه شك في ذلك فقد طار منه الشك.  لم يحتج الدكتور سمير بعدها إلى اللجوء إلى “مساعي الشيخ حسن الحميدة” من أجل إقناع الزملاء بالتعاون معه.  كانت “السيارة” هي خير إقناع, وما هي إلا شهور حتى كان العمل في قسم المحاسبة قد انتهى والإدراج قد تم. 

كان واضحًا لكل من يهمه الأمر أن الشيخ حسن قد أدى المهمة بدون أن يخسر موظف واحد وظيفته, وبدون أي شكوى, وبدون أن يعلم سيادة المهندس خيري عن أي مشكلة.   تمت العملية بمنتهى الهدوء.   حقيقة الأمر, ومع مرور الوقت, بدأ سيادة المهندس خيري عبد الرحمن في إدراك أنه إذا أراد أن يعرف أي شيء عن العمل فما عليه سوى سؤال الشيخ حسن.  أما إذا أراد أن يعرف أي شيء عن موظف “بعينه” فعليه أن يسأل أي شخص آخر غير الشيخ حسن.  في عرف الشيخ حسن الكلام عن الناس غيبة ونميمة.   وهذا شيء لا يفعله للشيخ حسن. 

كمال شاهين 

#تطوير_الفقه_الاسلامي  

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s