أعطني الدليل على صحة ما تقول فأنا أشتم في يديك رائحة الزيت والسكر


أعطني الدليل على صحة ما تقول فأنا أشتم في يديك رائحة الزيت والسكر

 

 

 

إذا اتفقنا على أن العلم هو ألا نتحدث إلا عما يقوم عليه دليل, فنحن, في حقيقة الأمر, إنما نتحدث عن شيء غير معهود, ولا مألوف, ولا مقبول.  تخيل لو أنك صممت على ألا تتحدث أبدًا إلا عما يقوم عليه دليل!  كلي ثقة في أنك سوف تجد نفسك صامتا معظم الوقت.  كلي ثقة من أن أهلك, وأصدقاءك, وزملاءك, ومعارفك سيجدون أمرك غريبا.  ثم تخيل لو أنك صممت على ألا تستمع إلا إلى ما يقوم عليه دليل!   كلي ثقة من أنك لن تجد ما تستمع إليه, ولا من تستمع إليه.   كلي ثقة كذلك من أنك سوف تخلق لنفسك مشاكل أعلم “أنا” بدايتها, ولا يعلم إلا الله نهايتها.  تذكر “أقوى قوة ضاربة في الشرق الأوسط”, تذكر “أنا منحاز إلى الفقراء”, تذكر “أحمد سعيد”, والإعلام المصري, والصحف المصرية, وكتب التاريخ المقررة على طلاب المدارس والجامعات, بل تذكر “الإحصائيات” الصادرة عن أي جهة في مصر.  الإضراب عن الاستماع إلا إلى ما يقوم عليه دليل يعني – في الحالة المصرية – الإضراب عن الاستماع.   تذكر كذلك أننا في مصر لا نتحدث عما يقوم عليه دليل وإنما عما “نحب”, وأننا لا نعترض على ما نستمع إليه لافتقاده الدليل وإنما لأننا لا نحبه أو لا نحب من يقوله.  نحن دائمًا وأبدا, وأبدًا ودائما, نعترض على ما لا نحب ومن لا نحب.  ومن نعترض على كلامهم يعلمون ذلك تمام العلم.  هذا هو السبب في أنهم يستشيطون غضبًا عندما نعترض على ما يقولون لأنهم يعلمون أننا, في حقيقة الأمر, لا نعترض على ما يقولون وإنما نعترض عليهم هم شخصيا.  وفي هذا جرأة شديدة.   تخيل ماذا يمكن أن يحدث لك إذا اعترضت على رئيسك في العمل!  حقيقة الأمر, القصة طويلة بشكل غير عادي – حيث إن هذه هي حياتنا – إلا أن هذه هي حياتنا.  أعلم طبعًا أن هناك رجالاً مثل يحيى حسين عبد الهادي عارضوا رؤساءهم, لكني أعلم أيضًا أن هذا عمل نادر للغاية وهذا هو السبب في شعورنا جميعا بالحب والاحترام ليحيى حسين عبد الهادي الذي فعل ما لا نجرؤ على فعله – أن نعترض على ما لا يقوم عليه دليل.  في حالة يحيي حسين عبد الهادي لم يكن الاعتراض على “شخص” وزير الاستثمار وإنما على بيع ممتلكات الشعب المصري بأسعار بخسة بلا أي دليل على صواب هذا العمل.  وهذا عمل غير معهود, ولا مألوف, ولا مقبول.  على الأقل في مصر.   يمكن, طبعًا, الاستمرار في قصة أن “الحديث إلا عما يقوم عليه دليل هوعمل غير معهود, ولا مألوف, ولا مقبول” إلى ما نهاية.  حقيقة الأمر, يمكن تأليف كتاب حول هذه القصة, إلا أن لكل قصة نهاية, وفي نهاية هذه القصة لا بد من السؤال عن السبب الذي دفع جيراننا في اليونان إلى قبول هذا العمل غير المقبول.  ما الذي يمكن أن يدفع شعبًا مثل الشعب  اليوناني إلى قبول ما هو غير مقبول؟  

 

تعود بداية القصة, كما سبقت الإشارة إلى ذلك بطريقة عابرة, إلى أن المجتمع اليوناني كان يمر بمجموعة تغيرات هائلة, من أهمها ذوبان القبائل اليونانية, وظهور “الفرد المستقل” الذي لا يدين بالولاء إلا إلى مصلحته, إضافة إلى زيادة حدة الصراع بين الطبقة الحاكمة التي تملك كل شيء تقريبًا وطبقة الصعاليك التي تكاد ألا تملك حتى قوت يومها.  لم يعد هناك, بهذا الشكل, ذلك الشعور بأنك تتعامل مع “أهلك” في نهاية الأمر, وأنك لا يمكن أن “تكسب” في كل مرة يحدث فيها خلاف بينك وبين أهلك.   حقيقة الأمر, يعلم كل واحد فينا أننا إذا “صممنا” على أن “نأخذ حقنا” في كل مرة يحدث فيها خلاف بيننا وبين أهلنا فسوف نخسر أهلنا – حتى لو كان معنا الحق في كل مرة حدث بيننا وبين أهلنا خلاف.  لا بد من التسامح. 

 

كان الوضع في اليونان في القرن السابع قبل الميلاد مختلفا.  مع اختفاء القبائل لم تعد العلاقة بين اليونانيين علاقة “عائلية”, وإنما علاقة “جوار”.  لم يكن هناك أي دافع, بهذا الشكل, يمكن أن يدفعك للتغاضي عن حقك.  هو جارك اليوم إلا أنه قد يشتري دارًا أخرى في حي آخر غدا.  لم تعد العلاقة علاقة دائمة – علاقة دم – وإنما علاقة مؤقتة –  علاقة جيرة.  ما نسميها حاليا “علاقة مواطنة”.  أصبحت المسألة, بهذا الشكل, مسألة حقي وحقك.  أعطني حقي وخذ حقك.  وفي هذا قمة العدل. المشكلة كانت أنه لم يكن هناك اتفاق على “العدل”.    اختفت القبائل واختفت معها الأعراف القبلية “الأصيلة” التي كانت كل قبيلة قد طورتها وارتضتها عبر أزمان ممتدة.  لم يبقَ من هذه الأعراف والتقاليد والشمائل إلا ذكرى.  المشكلة الأخرى, أن كل مجموعة من هذه الأعراف, والتقاليد, والشمائل التي بقيت ذكراها كانت تختلف عن كل مجموعة أخرى.  باختصار, وجد اليونانيون أنفسهم في موقف يحتم عليهم أن “يضعوا قانونهم بأنفسهم”.  وهذا هو ما فعلوه.

 

أنشأ أهل أثينا منصبا يسمى “المُشَرِّع” عهدوا به إلى رجل منهم ليقوم بـ”وظيفة التشريع”.  احتل هذا المنصب عام 620 قبل الميلاد رجل يسمى “دراكو”.  رجل عادي للغاية من أبناء أثينا لا يختلف عن أي رجل آخر من رجال أثينا سوى في أن هناك شبه إجماع على أنه رجل ترتاح الناس إليه.  أي أننا نتحدث هنا عن رجل مثل يحيى حسين عبد الهادي أو حمدي الفخراني.  رجال عاديون  للغاية.  لا هم ملوك أبناء آلهة, أو حتى ملوك أولاد ملوك.  وإنما هم رجال مثلنا تماما.  الذي أعرفه هو أن المهندس يحيى حسين عبد الهادي حاصل على بكالوريوس هندسة على حين أن المهندس حمدي الفخراني حاصل على ماجستير هندسة, وهذا كل ما في الأمر.  الذي أعرفه كذلك هو أن دراكو كان رجلا مثلهما من أبناء الطبقة المتوسطة في أثينا.  مثلهما تمامًا ومثل كل من يقرأ هذا الكلام.

 

قام دراكو بوضع مجموعة ضخمة من القوانين, واستمر في هذا العمل إلى وقت مغادرته منصبه هذا عام 594 قبل الميلاد حين قام الشعب بتعيين موظف آخر باسم “سولون” ليستكمل مسيرة “دراكو”.  قام سولون فور تسلمه مهام منصبه بإيقاف العمل بجميع القوانين التي كان دراكو قد وضعها وبدأ في وضع “مدونة قانونية” جديدة.  قام كذلك بإدخال تعديلات على النظام القضائي المعمول به.   كانت هذه بداية وضع أسس النظام القانوني اليوناني, وهو نظام انتهى بانتخاب هيئة تتألف من خمسة وخمسين رجلا مهمتهم الإشراف على سير الأمور بالمحاكم التي أنشأوها, والقوانين التي وضعوها.  وهي قوانين تغطي “الجنايات”, و”الأحوال الشخصية”, و”القوانين المدنية”, و”الإجراءات القانونية”, فضلا عن انتخاب “هيئة المحلفين” الذين كان منوطا بهم “الاستماع” إلى المتخاصمين, و”الحكم” بالإدانة أو البراءة, ثم الحكم بالعقوبة.   حقيقة الأمر, القصة طويلة للغاية, ومثيرة للغاية.  قصة أول شعب في تاريخ البشرية يضع قانونًا له لم تتدخل الآلهة في وضعه.

 

لم يكن هناك أور نامو ليأتي بالقانون من لدن الإله الشمس, ولا حامورابي أيضا.  وجد الشعب اليوناني نفسه في حاجة إلى قانون ليضبط سير المجتمع اليوناني فوضع القانون الذي يرى أنه سيضبط سير المجتمع اليوناني.  وضع دراكو “مدونة قانونية” كانت عقوبة كل خطأ فيها “تقريبًا” هي القتل, جاء سولون وألقى بهذه المدونة القانونية في صفيحة الزبالة “اليونانية”.  لم يكن القانون الذي وضعه “دراكو” قانونا إلهيًا من لدن الملك الإله أور نامو أو الملك الإله حامورابي حتى ترتعش أيدي أهل أثينا وهم يلقون به إلى صفيحة الزبالة.  لم يكن “دراكو” يختلف كثيرًا أو قليلا عن “يحيى حسين عبد الهادي”.  كلي ثقة من أننا لو كنا عهدنا إلى يحيى حسين عبد الهادي بوضع قوانين الاستثمار في مصر لوضع قوانينًا رائعة.  كلي ثقة كذلك في أنه لو كانت الأيام أثبتت أن قوانينه هذه تحتاج إلى تعديل – أوحتى تعطيل – لما اعترض سيادته على تعديلها أو تعطيلها.  الهدف ليس هو الحفاظ على القوانين وإنما الهدف هو المصلحة العامة.  أنّى كانت المصلحة فثم وجه الحق.

 

لم يكن الأمر سهلاً, بطبيعة الحال, فهذا عمل غير مسبوق.  لم يكن الأمر سهلاً أيضًا, فالأمر أمر مصالح, وما يتفق مع مصالح كبار الملاك والتجار يختلف مع ما فيه مصلحة الرعاع, والدهماء, والسوقة, والصعاليك – أي نحن.  (لا أتصور أن يقوم أحمد عز بقراءة هذا الكلام).   لم يكن في مصلحة كبار الملاك, بطبيعة الحال, تحديد ملكية الأراضي.  كان هذا التحديد في مصلحة الرعاع.  تم عرض الأمر على الشعب الأثيني وصوتت الأغلبية في صالح التحديد.  (الرعاع في أي مجتمع هم الأغلبية)  أصدر سولون قانونا يحدد ملكية الأراضي.  

 

في وسط هذا الصراع اشتعل الجدل.  لم يكن الأمر هنا أمر فصاحة, ولا بلاغة, ولا جزالة, ولا طلاوة, ولا أي من هذه الكلمات “الحلوة”, وإنما كان أمر “مصالح”.  كان على كل فريق أن يبين أن ما هو في “مصلحته” إنما هو في “مصلحة الجميع”, وهذا أمر لا علاقة له على الإطلاق بالفصاحة, وإنما له علاقة بشيء واحد فقط هو “الدليل”.  أعطني الدليل على صحة ما تقول.  أعطني الدليل أو فلتصمت.

 

كانت هذه أول مرة في التاريخ يواجه فيها مجتمع كامل مجموعة مشاكل ملحة لا يمكن حلها عن طريق العنف كما لا يمكن حلها عن طريق “المهيصة”.  كيف تنشيء نظامًا يحقق “العدل”؟  كيف تنشيء نظاما يرضي أحمد عز, وجمال مبارك, ومحمّد أبو العينين, وسكان العشوائيات, وأطفال الشوارع؟  ثم حتى إذا استطاع أحمد عز وجمال مبارك شراء أصوات كل سكان العشوائيات وأطفال الشوارع فما العمل في ملايين العاطلين من خريجي الجامعات الذين لن يقبلوا بالخروج من المولد بكيلوين من اللحم, وزجاجة زيت, وكيلو سكر, وإنما يطالبون بحقهم في الحصول على عمل, وحقهم في العيش بكرامة؟   كان الحل التاريخي من يوم أن خلق الله الأرض ومن عليها إلى يوم الله هذا هو أن تقوم الطبقة التي تملك كل شيء بشراء مجموعة من الفقراء – تختلف أسماؤهم عبر التاريخ من مجتمع إلى مجتمع إلا أن وظيفتهم لا تختلف أبدا – تجزل لهم العطاء مقابل أن “يقنعوا” الفقراء بأن وضعهم هذا كصعاليك, ورعاع, وسوقة, ودهماء هو أحسن وضع ممكن و”قمة الحلاوة”.  فإذا اقتنعوا كان بها, أما إذا لم يقتنعوا فيمكن دائمًا وأيضًا كذلك شراء نصف الفقراء وجزل العطاء لهم مقابل أن يقتلوا النصف الآخر.  وبهذا تنتهي المشكلة.  في حالة أثينا بدءًا من عام  777 قبل الميلاد تحديدًا رفض صعاليك أثينا قبول الزيت والسكر ورفضوا أن يعملوا في خدمة كبار الملاك, ولأول مرة في التاريخ جلس رجال الأعمال على نفس المائدة مع رجال الشوارع ليروا كيف يمكن تحقيق العدل.  وهكذا ظهر العلم.

 

لم يولد التفكير العلمي, بهذا الشكل, لحل مشاكل ملحة تتعلق بالإنتاج الصناعي اليوناني في القرن الثامن قبل الميلاد.  حقيقة الأمر, لم يكن هناك إنتاج صناعي من أصله في القرن الثامن قبل الميلاد.  لم تكن اليونان في القرن الثامن قبل الميلاد تصنع شيئًا أكثر تعقيدًا من بعض الأواني الفخارية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.  لم يكن هناك أحد في اليونان كلها يحلم بـ”السيطرة على الطبيعة” وتحويل مساقط المياه إلى مولدات للطاقة الكهربائية.  كانت المشكلة الأساسية التي تواجه الشعب اليوناني هي كيفية تحقيق العدل وهي مشكلة لا يمكن حلها على الإطلاق باستخدام العنف – هذا ليس حلاً وليس عدلاً – ولا باستخدام المهيصة.  عندما يصمم الصعاليك “بشكل نهائي” على أن “يأخذوا” حقهم مهما كانت التكلفة يدرك كبار الملاك أن استخدام العنف سيزيد الأمور سوءًا على سوئها, وأن المهيصة مجرد مضيعة للوقت, كما يدركون ضرورة العثور على حل للأزمة لأن استمرار الأمور على ما هي عليه فيه إساءة لمصالحهم هم أكثر مما فيه من إساءة إلى مصالح الصعاليك.  الصعاليك, في نهاية الأمر, ليس لديهم ما يخسرونه.  المشكلة هي أن تحقيق العدل مشكلة كبرى لا يمكن حلها إلا عن طريق تحديد ما المقصود بـ “العدل” ثم دراسة الطرق المؤدية إلى تحقيقه.  ثم وضع القوانين المؤدية إلى تحقيقه.  ثم التحقق من أن هذه القوانين قد أدت فعلا إلى تحقيقه.  ثم التحقق من سلامة الأدوات المستخدمة في التحقق من تحققه.  القصة طويلة إلى حد غير عادي, إلا أن ملخصها هو أننا لا يمكن أن نصل إلى “تحقيق العدل” إلا بـ”التفكير العلمي” الهاديء القائم دائمًا وأبدا – وأبدًا ودائما – على الدليل.  أعطني الدليل على صحة ما تقول, فأنا أشتم في يديك رائحة الزيت والسكر.  وهكذا ظهر العلم.

 

كل التحية للشباب الذين ماتوا في ثورة 25 يناير من أجل أن تكون لدينا الشجاعة على قول الحق.  لم أكن أحلم, ولا في الخيال, أن أجرؤ يوما على الكتابة بهذا الشكل.

 

كتاب نظرية ظهور العلم

https://ambmacpc.com/2016/12/17/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%B8%D9%87%D9%88%D8%B1-%D8%A7/

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

الإعلانات