تاريخ موسى


تاريخ الرسول موسى

 

موسى

 

 

استمرارًا للحوار الدائر في المركز حاليًا حول ماهية العلم, أرسل إلينا فضيلة الشيخ أحمد المُهري الرسالة التالية.  يقول فضيلته:

سوف نصرف وقتا غير قصير في الرد على إشكالات وأسئلة أخي الأستاذ الدكتور كمال شاهين. أسئلته عن موسى الذي تحدثت عنه في مقالة سابقة لي. فقد سألني أسئلة غير قليلة ولعلها تشمل جل ما قلته عن الرسول موسى عليه السلام وجل ما كتبته حول تلك الحكاية القرآنية.

 

قال سيادته: وما يخبرنا به فضيلته مستحيل.  القول بأننا لا يمكننا التحقق من “كل” ما لا نراه يعني أن بإمكاننا التحقق من “بعض” ما لا نراه.  والقول بأن بإمكاننا التحقق من بعض ما لا نراه قول “مستحيل”.

الجواب: نحن لا نرى شخصا باسم محمّد رسولا إلى أهل مكة قبل خمسة عشر قرنا. لكننا يمكن أن نتحقق من وجوده بمراجعة مجموعة التواريخ الإسلامية واليهودية الموجودة بين يدينا لنعلم بوجوده ولو ظنيا. إضافة إلى ما ورثناه من جدودنا بأنهم رأوه وآمنوا به وعزروه ونصروه. وكذلك يمكننا التحقق من شخصيات بعض الرسل مثل موسى ويعقوب ويوسف وإبراهيم بمراجعة التواريخ المكتوبة والقصص المشهورة وبعض آثارهم في المجتمعات البشرية.

وكذلك قوله تعالى في سورة الرحمن: الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4). كيف نرى بأن الرحمن جل شأنه هو الذي علم القرآن ومعناه التجميع وبه خلق الإنسان ثم علمه البيان. بمعنى أن البيان خاص بالإنسان بعد أن تم تجميعه بسبب العملية الجنسية بين الرجل والمرأة. هكذا أصبح الإنسان قادرا على أن يتعلم البيان. هذا مختصر بحث طويل طبعا.

وقوله تعالى في سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2). اقرأ في العربية تعني اجمع. كيف يمكن أن نرى بأن الله تعالى خلق الإنسان بتجميع الحيمن بالبويضة وجعلهما علقة؟ لكننا نؤمن بحقيقة ذلك بسبب أننا علميا نشعر بتلك الحقيقة؛ وإيمانا منا بصحة القرآن نعلم بأن الخالق هو الله تعالى.

وقوله تعالى في سورة الرحمن: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ (20). كيف نرى بأنه سبحانه مرج بحري الأرض العظيمين وهما الأطلسي والهادي الذين يلتقيان في منطقة رأس هورن (Cape Horn)؟ نحن نرى الرأس اليوم ونعلم به ولكن كيف نعلم بأن البحرين لم يكونا متصلين ولم تكن مياههما مختلطة يوما ما؟ العلماء كشفوا ذلك وأثبتوا به بأن القارة الأمريكية بكاملها كانت متصلة بأوروبا وأفريقيا وآسيا ثم انفصلتا قبل عدة مئات من ملايين السنين بالحركات التكتونية. فنحن لا نرى هذه الحقيقة ولم نرها ولم يرها إنسان مثلنا ولكننا نعلم بها باعتبار التحقيقات العلمية وإثباتها بوضع خريطة أمريكا بعد حذف الأطلسي لنعلم بأن اليابسة كانت كتلة واحدة يوما ما.

 

فقول المُهري بإمكانية التحقق من بعض ما لا يمكن أن نراه ليس قولا مستحيلا ولكن أخي الدكتور كمال تسرع في الحكم على أخيه المُهري.

وقول سيادته متعجبا ضدي: فكرة أن ما لا نراه ولا نلمسه هو علم بنص القرآن

يخبرنا فضيلة الشيخ المُهري أن ما لا نراه ولا نلمسه هو علم “بنص القرآن”.

 

الجواب: نعم هو علم بنص القرآن الكريم وغيب أيضا. قال تعالى في سورة التكوير: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (27). فالقرآن هو ذكر للعالمين وباعتبار أن الله تعالى ليس بخيلا بالغيب فإنه أكرمنا بالقرآن الكريم. وقال سبحانه في سورة الرعد: اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9). فالغيب علم والشهادة علم آخر والله تعالى عالم الغيب والشهادة. لم يقل سبحانه بأنه خالق الغيب أو موجد الغيب أو مصور الغيب بل قال عالم الغيب. فالغيب علم والقرآن غيب فالقرآن علم.

 

وقال تعالى في سورة الجن: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28). وبالنسبة لنا نحن المسلمين فإن علم الغيب الذي أظهره الله تعالى هو القرآن الكريم الذي أنزله على عبده محمّد عليه السلام تحت رصد غيبي ملائكي كما نحتمل ليعلم بأن الرسول قد أبلغ رسالات ربه.

 

وقال تعالى في سورة الرعد: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ (37). حتى الحكم هنا يعني العلم على أنه سبحانه صرح في الآية بأن الذي أنزل على الرسول هو من العلم. والواقع أن سورة الرعد كلها تتحدث عن العلوم الغيبية كما تتحدث عن المشهودات المحسوسة.

 

وقال سيادة الأخ الأستاذ كمال أيضا: يخبرنا فضيلة الشيخ المُهري أن هناك علماء أوتوا العلم من أصحاب موسى.  وأضاف سيادته بأن القرآن لم يتحدث عن وجود علماء في الفيزياء ووو حول رسول الله موسى عليه السلام.

 

الجواب: قال تعالى في سورة القصص: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76). بالطبع أنني على يقين بأن قارون كان صاحب علم غزير وهو من وعاظ السلاطين ولم يكن صاحب مال وفير كما ظن المفسرون الكرام. بمعنى أن المفاتح التي يتحدث عنها القرآن في الآية أعلاه ليست مفاتيح فيزيائية لكنوز الذهب والفضة بل هي مفاتح علمية للعلوم التي كان يتقنها قارون. وقال سبحانه في نفس سورة القصص حول نفس الحكاية: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاّ الصَّابِرُونَ (80). أي علم هذا الذي يتحدث عنه القرآن الكريم وهو علم آتاه الله تعالى بعض قوم موسى؟ أنا أجهل نوع العلم ولكن القرآن يصرح بأنهم أوتوا العلم. والذين أوتوا العلم عادة ما يمثلون الذين منحهم الله تعالى العلوم الابتكارية وليس العلوم الإتقانية.

 

وقد يفيد القراء الكرام أن يعلموا بأن القرآن الكريم لا يتحدث بأن الحلال والحرام أو رجال الحديث وكذلك المتواتر والمرسل علم؛ بل قال بأن الفيزياء علم. قال تعالى في سورة فاطر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28). ومن المضحك أننا نرى الكثير من الدعايات للفقهاء تتضمن مقطع الآية الكريمة أعلاه: إنما يخشى الله من عباده العلماء! بالله عليكم هل تتحدث الآيتان عن ألوان الجبال وألوان الناس والأنعام أم تتحدث عما يسمونه الفقه؟ معرفة الألوان مسألة فيزيائية وليست مسألة فقهية والعلماء هم أولئك الذين يميزون بين الألوان ويعرفون مصادرها وأسبابها ويستدلون بالألوان على أعمار بعض الظواهر الطبيعية وعلى تأثرها بالطبيعة المحيطة بها. اللون مسألة مهمة جدا في الكشف عن حقائق الموجودات كما أن فهم اللون مهم جدا في الكشف عن الجريمة وقد شرحتها سابقا في مقالة تحت عنوان: بقرة بني إسرائيل. فليبحث الفقهاء الكرام عن آية أخرى تساعدهم على إثبات اهتمام القرآن بهم. وبقدر علمي المتواضع لا توجد آية في القرآن تتحدث عن رجال الدين أو رجال الحديث أو علم الحديث وما قارنه من علوم أخرى أصولية وفقهية. الفقه في القرآن يعني علم القرآن ولا يعني الفقه المعروف.

 

ولنقرأ الآيات التالية من سورة غافر لنعلم بأن هناك علماء محيطون بفرعون كما أن فرعون نفسه يتحدث عن بناء صرح ليبلغ أسباب السماوات وهو ليس أمرا سهلا بل يدل على وجود علماء ومهندسين مصريين كبار ليبنوا مثل ذلك الصرح العظيم. إضافة إلى ما ورثناه من أهرامهم التي تدل على هندسة عظيمة قبل آلاف السنين فلا تظلموا مصر ولا تظنوا بأن علماء بني إسرائيل ليسوا مصريين. قال تعالى في سورة غافر:

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44).

 

أظن بأننا نحتاج إلى كم هائل من المعلومات لنشرح مقولة مؤمن آل فرعون في حضرة فرعون والذي أعجز فرعون حتى أصبح يدافع عن نفسه أمامه. ذلك المؤمن ليس موسى وليس نبيا وليس رسولا من الله تعالى ولكنه عالم من علماء البلاط الفرعوني. وأرجو أن نستعمل عقولنا لنرى الله تعالى يبعث نبيين عظيمين إلى فرعون يدعوانه إلى عبادة ربه وترك عبادة البشر. ألا يعني ذلك اهتمام ربنا بفرعون مما يدل على زخم علمي وراء ذلك الرجل. فرعون مصري دون شك وليس فارسيا ولا يونانيا وهو الذي وضع بعض الأصول المهمة للحكم مما هو متبع حتى اليوم.

 

قال تعالى في سورة القصص: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4). أليست تلك سياسة فرق تسد وكذلك سياسة جعل مجموعة صغيرة عبرة لعامة الشعب؟ كان فرعون عالما بتلك السياسة وقد لاحظت خلال تجربتي السياسية بأن ساسة الأرض وخاصة المجرمين منهم يتبعون نفس السياسة الفرعونية ليمدوا في عمر حكمهم. وليس غريبا لو قلنا بأن فرعون هو واضع تلك السياسة الإجرامية وهو في حد ذاته علم بأحوال المجتمعات البشرية.

 

وأما بنو إسرائيل فبالإضافة إلى قارون هناك مجموعة منهم يديرون قصر فرعون. قال تعالى في سورة الشعراء: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلاّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (64) وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (67).

 

أرجو من القارئ الكريم ملاحظة التالي:

  1. لقد أغرق الله تعالى فرعون ومن معه بعد أن خرجوا من قصورهم.
  2. أورث الله تعالى بني إسرائيل تلك الجنات والعيون والمقام الكريم.
  3. خرج بنو إسرائيل مع موسى فأتبعهم فرعون ثم عبر بنو إسرائيل البحر وعاد البحر إلى حالته الأولى بعد عبور بني إسرائيل أو قوم موسى.
  4. ما كان أكثرهم مؤمنين.

 

لنجمع كل تلك الحقائق باختصار شديد. هناك بعض بني إسرائيل المؤمنين بموسى عبروا البحر وذهبوا إلى سيناء وانتهت المشكلة. هناك قوم آخر من بني إسرائيل لم يكونوا مؤمنين وهم الذين ورثوا كنوز فرعون. فمن هم أولئك؟ هم الذين كانوا يديرون قصر فرعون ويدبرون سياسات فرعون ويساعدونه في بلوغ مآربه وهم الفاسقون من بني إسرائيل.

 

ألا يعني ذلك بأن هناك من بني إسرائيل من هم علماء بمختلف فنون الحكم والبناء وهم الذين كانوا يديرون شؤون فرعون وكانوا في القصر فاحتلوا القصر بعد أن اختفى كل الزعماء السياسيين. هم الذين احتلوا كل معالم الكبرياء الفرعوني لأنهم كانوا مدراء قصر الحكم الفرعوني وهم بنو إسرائيل.

هل يكفي ذلك ليعلم أخي الكريم سيادة الأستاذ الدكتور كمال شاهين ليعيد النظر في بعض معلوماته عن مصره و مصرنا العظيم ولا يستهزأ بذلك البلد المعطاء. ذلك البلد الذي ربى بني إسرائيل وأخرج مهندسي الأهرامات ويترك ادعاءات أعداء مصر بأن مصر كان فقط يستفيد من الغرباء لعمران مصر.

ثم نأتي إلى إشكاله الآخر على أخيه المهري: .  فكرة أن اليهود كانوا في مصر في عصر بناة الأهرام وأنهم هم الذين بنوها فكرة غير مقبولة, وفكرة أن اليونانيين لم يكونوا في مصر عندما كان اليهود فيها فكرة غير مقبولة أيضًا.  لا أحد يعرف متى كان اليهود في مصر أصلاً.

مسألة وجود اليونانيين في مصر حين بناء الأهرام تحتاج إلى دليل من سيادته وليس مني فهو المدعي. وأما مسألة متى كان اليهود في مصر. أنا ما أبديت اهتماما باليهود في مصر ولكني اهتممت بوجود بني إسرائيل في مصر. القرآن الكريم يذكر بأن يعقوب التحق بابنه يوسف في مصر وهاجر معه كل أبنائه الذين هم آباء بني إسرائيل. فبنو إسرائيل خلقة مصرية وليست كنعانية. يقول اليهود بأن موسى خرج مع 600000 من بني إسرائيل إلى الجانب الآخر من البحر. لاحظ التالي في الویکیپیدیا  نقلا عن التوراة تقريبا:

خرج نحو 600,000 عبري حسب أرقام التوراة للبرية، يقود سيرهم ملاك من الله في شكل عمود من سحاب، وخرج فرعون وجيشه في إثرهم، مما أثار خوف وهلع الشعب السائر في البرية، خصوصًا بعدما وجدوا البحر من أمامهم وجيش فرعون من خلفهم. غير أن الله أمر موسى بأن يضرب البحر بعصاه: “ومدّ موسى يده على البحر، فأجرى الربّ البحر بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل البحر يابسة، وانشقّ الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر، على اليابسة والماء سور لهم، عن يمينهم وعن يسارهم. وتبعهم المصريون ودخلوا ورائهم، جميع خيل فرعون ومركباته وفرسانه إلى وسط البحر، ….، فقال الرب لموسى مد يدك إلى البحر ليرجع الماء على المصريين على مركباتهم وفرسانهم، فمدّ موسى يده على البحر فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة، …، فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل ورائهم في البحر، …، ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين، فخاف الشعب الرّب، وآمنوا بالرب وبعبده موسى.  يذكر الفصل الخامس عشر من سفر الخروج “تسبحة موسى” التي أنشدها ابتهاجًا بالانتصار.    انتهى النقل

 

لا نريد أن نستشكل على الويكي ولا على سفر الخروج. يهمنا معرفة أن الذين خرجوا من بني إسرائيل كانوا قرابة ستمائة ألف من بني إسرائيل. وبالإضافة بقي بعض بني إسرائيل في مصر وهم الذين لم يؤمنوا بموسى وهارون. هذا يعني بأن هناك فترة غير قصيرة من وقت هجرة يعقوب إلى مصر حتى يوم الخروج من مصر. لا أظن بأن 11 شخصا يمكن أن ينتجوا ستمائة ألف شخص خلال فترة قصيرة بل هي فترة طويلة نسبيا. تاريخ الخروج حسب حساباتي أنا وسوف أذكر دلائلي مستقبلا هو أكثر من 1000 سنة قبل الميلاد. ولكن المعروف بأنه 1000 سنة. فلو أضفنا الزمن التقريبي ليصبح 11 شخصا 600000 شخصا بل أكثر فلعلنا نقبل التاريخ الذي يذكره الويكي لهجرة بني إسرائيل إلى مصر. يقول الويكي النسخة الإنجليزية بأن يوسف مات عام 1444 أو 1445 قبل ميلاد المسيح عن عمر يناهز 110 أعوام. فلو افترضنا عمر يوسف في نهاية الأربعينات حين الهجرة الكاملة لإخوانه وأبويه فيكون عمرهم في مصر 500 سنة تقريبا. ألا يكفي 500 سنة لنعتبر بني إسرائيل مصريين. كما أن فرعون موسى مصري أيضا ولو أن جدوده كما يقولون جاءوا من خارج مصر.

 

نحن هنا في بريطانيا نعتبر الذي بقي عقدا في بلادنا بريطانيا ولا أدري العمر الذي يتقبله سيادة الدكتور كمال ليقول بأن بني إسرائيل وابنهم موسى وكذلك فرعون مصريون. إن ملكتنا وكل أسرته مهتمون ببريطانيتهم ولكنهم ليسوا من أصول أنجلو سكسونية بل من أصول جرمانية كما هو معروف. هناك دول عربية يحكمها غير أهل ذلك البلد. فالمغرب تحكمها أسرة حجازية وهكذا الأردن. فهل يمكن القول بأن عبد الله الحسين ليس أردنيا لأن جده الأعلى قدم من الحجاز؟

 

وأما قول سيادته التالي:   فكرة أن بني إسرائيل كانوا مصرين على أن يتزاوجوا فيما بينهم جهد الإمكان.  والسؤال هنا هو أيضًا كالتالي:  ما دليل فضيلته على هذا الكلام؟  مسألة التزاوج فيما بينهم سار حتى يومنا هذا تقريبا ويمكنكم أن تسألوهم. لكنهم في السابق كانوا لا يتزوجون من غيرهم ولذلك سموهم بني إسرائيل. هل رأيت في الأرض أسرة عمرها 4000 سنة وهم يسمون باسم جدهم الأول كبني إسرائيل؟ المسلمون يهتمون ببني هاشم ولكنهم يختلطون مع غير بني هاشم ولذلك يهتمون بأسرة الأب. لكن بني إسرائيل يهتمون بالأم أكثر من اهتمامهم بالأب ولذلك يسعى بنو إسرائيل للتزاوج مع بنات إسرائيل حفاظا على تماسكهم الأسري.

 

إن بني هاشم كانوا يسمون قرشيين ثم صاروا هاشميين ثم صاروا طالبيين ثم صاروا عباسيين ثم صاروا فاطميين وإسماعيليين وموسويين وحسنيين وحسينيين وغيرهم من المنتسبين لأبناء فاطمة عليها السلام. وحينما نرى أسرة هاشمية اليوم فتاريخهم عادة ما يكون تاريخا غير قديم. بمعنى أنهم يعودون إلى النسب الهاشمي بعد أن يتخذوا أسماء أخرى. ولذلك ساد في الأرض الكثير من الأسر الهاشمية بأسماء أخرى. لكن بني إسرائيل ملازمون لنفس الاسم القديم وبعد آلاف السنين فإن القرآن الكريم يسميهم ويناديهم ببني إسرائيل أيضا.

 

وفي القرآن الكريم آيات أخرى عن بني إسرائيل قد تدل على اهتمامهم بالتزاوج بينهم ولكني فضلت ألا أفصل كثيرا. أي تفصيل سوف يخلق لدى أخي الدكتور كمال شاهين أسئلة تبعدنا عن أهداف مركزنا العلمي كما أظن.

 

تحياتي ودعواتي

أحمد المُهري

10/7/2018

 

 

خالص الشكر لفضيلة الشيخ المُهري على كربم رسالته.

 

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

 

 

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s