ظهور الحضارة – شمس الحضارة تشرق على الشرق


 
 

 

ظهور الحضارة – شمس الحضارة تشرق على الشرق
 

 
وهكذا ظهرت الحضارة. هكذا سطعت شمس الحضارة في الشرق القديم. تلك المنطقة الممتدة من جبال زاجروس في إيران شرقا إلى بداية الصحراء اللوبية غربا حيث اخترع الإنسان – لأول مرة في تاريخ الكون – الزراعة. هنا على ضفاف الفرات قامت أول مدينة في التاريخ. هنا قامت “إريدو”. وهنا على ضفاف النيل قامت أول “دولة” في التاريخ. وهنا على ضفاف دجلة قامت أول إمبراطورية في التاريخ. هنا قامت آشور. هنا في فارس, والعراق, وسوريا, ولبنان, وفلسطين, ومصر ولدت الحضارة. هنا اخترع الإنسان الزراعة وهنا اخترع الحضارة.
 

 
حدث منذ سبعة آلاف عام (أو سبعة آلاف عام وخمسمئة) أن ظهر قوم لا يعرف أحد من أين جاؤا, يتحدثون لغة لا يعرف أحد من خلق الله إلى يوم الله هذا من أين جاءت. لغة لا علاقة لها بأي لغة يتحدثها البشر الذين نعرفهم. استقر هؤلاء الناس في تلك المنطقة الممتدة من الناصرية شمالا إلى البصرة جنوبا. كان هؤلاء القوم هم السومريون. استأنس هؤلاء القوم القمح والشعير. لم تعد سنابل القمح, ولا الشعير, تنفرط وتلقي ببذورها على الأرض كما هي عادة سنابل القمح البري, بل “تعلمت” كيف “تحافظ” على حملها إلى أن يأتي السومريون ليحملوها إلى منازلهم ويفتضوها هنالك. كان السومريون كذلك أول من استأنس الأغنام والأبقار, وأول من بنى المدن. كانت إريدو أول مدينة في التاريخ. كان السومريون كذلك أول من بنى الأسوار حول المدن, وأول من أنشأ الجيوش. جيوش محترفة من رجال لا عمل لها إلا القتل. كان السومريون كذلك أول من اخترع العجلة, وأول من اخترع العجلات الحربية, وأول من قسم الجيوش إلى مشاة, وفرسان, ونبَّالة.
 

 
لم يكن السومريون أول من بنى المدن وحسب, بل كانوا كذلك أول من بنى المدارس – ما زالت الكتب التي قام أبناء السومريين بدراستها متوافرة بأيدينا – وأول من وضع نظمًا إدارية, وأنشأ سجلات حكومية, ووضع “مدونة قانونية”, وأنشأ محاكمَ وسجونا. كان السومريون كذلك هم من اخترع “الحساب” ومازلنا إلى يوم الله هذا نتبع نظامهم الحسابي عندما نتحدث عن الوقت. يعود ذلك إلى أن قاعدة النظام الحسابي المتبع الآن هي قاعدة عشرية (أي أنه لا تتوافر لدينا أكثر من عشرة أرقام فقط هي الأرقام من 1 إلى 9 ثم نعود إلى 1 ونضيف صفرا) على حين أن قاعدة النظام الحسابي السومري كانت سداسية (أي أنه لم يتوافر لديهم سوى أرقام من 1 إلى 5 فقط ثم نعود إلى 1 ونضيف صفرا). هذا هو السبب في أن الساعة تتكون من ستين دقيقة (أي حاصل ضرب 6 في 10), وأن الدقيقة تتكون من 60 ثانية, وهذا هو السبب في أن عدد الساعات في اليوم هو أربع وعشرون ساعة (أي حاصل ضرب 6 في 4). هذا هو السبب كذلك في أن الدائرة تتكون من 360 درجة (6 في 6 في 10).
 

 
كان السومريون كذلك أول من استطاع الوصول إلى مساحة المثلث وحجم المكعب, كما كانوا هم الذين اخترعوا النظام الحسابي الذي نستخدمه الآن والذي يستمد فيه الرقم قيمته من “مكانه” بالنسبة إلى الأرقام الأخرى. تختلف قيمة الرقم 7 في المجموعة 837 عن قيمته في المجموعة 873, أو المجموعة 783. يشير الرقم 7 في المجموعة الأولى إلى 7 آحاد, بينما يشير في المجموعة الثانية إلى 7 عشرات, بينما يشير في المجموعة الثالثة إلى 7 مئات. أي أن “مكان الرقم” يحدد “قيمة الرقم”. كان هذا اختراعا سومريا, وهو اختراع ما زالت البشرية تستخدمه إلى يوم الله هذا, وإن كان خبره لم يبلغ اليونان ولا الرومان.
 

 
لم يترك لنا السومريون اختراعات “عملية” وحسب بل تركوا لنا “قصة حياتهم كلها”. تبين عشرات الألوف من الرقائم (ألواح الطين المطبوخ التي كتبوا عليها بالخط المسماري) التي تركها لنا السومريون أسماء المدارس التي أنشأوها, والطلبة الذين درسوا فيها, والأعمال التي قام بها آباء هؤلاء الطلبة, وتاريخ سومر, وأساطير سومر, ومراسلات الناس لبعضها البعض في سومر. لم يكتفِ السومريون بإقامة كل هذه الحضارة على الأرض بل نظروا كذلك إلى السماء ووضعوا خرائط للنجوم, وهي خرائط ما زالت تعيش معنا إلى الآن.
 

 
تبين لنا الرقائم السومرية كذلك – وهذا أمر شديد الأهمية, إذ سوف يتكرر كثيرا في التاريخ – كيف تحولت “الكتابة” من مجرد اختراع لحل مشاكل مخزن الرجل العظيم إلى اختراع استخدمته البشر في أشياء لم يكن مخترع الكتابة يحلم أصلا باستخدامها فيها. تبين الرقائم السومرية, بوضوح تام, أن استخدام هذا الاختراع العظيم قد اقتصر لعدة مئات من السنوات على تسجيل “عدد” البط, والأوز, وأرادب الغلة, في مخزن “الرجل العظيم”, والمعاملات التجارية لكبار التجار, من تسجيل ديون, وتدوين قوائم البضائع الموجودة بمخازنهم, إلى أذون صرف. إلا أنها تبين كذلك أن هذا الأمر, في نهاية الأمر, لم يتعدَّ أكثر من عدة مئات من السنين وبعدها تم استخدام هذا الاختراع في تسجيل كل شيء. كل شيء على الإطلاق. حدث كل هذا حوالي عام 2400 قبل الميلاد.
 

 
إذا كانت البشرية قد أمضت مئة ألف عام ( تقريبًا) وهي تعتاش على الصيد والتقاط الثمار إلى أن اخترعت إحدى السيدات الفاضلات الزراعة. وإذا كانت البشرية قد أمضت عشرة آلاف عام (أيضًا تقريبًا) بعد اختراع الزراعة إلى أن اخترعت الكتابة/الحضارة. فإن السومريين لم يستمتعوا بالحضارة التي اخترعوها أكثر من ألف عام (أيضًا تقريبًا). اخترع السومريون الحضارة/الكتابة عام 3400 وخرجوا نهائيا من التاريخ عام 2270. حدث ذلك عندما قامت الجيوش الإمبراطورية الأكادية بقيادة سارجون العظيم بالهجوم على سومر عام 2270 قبل الميلاد. نهض لوجال زاج جي آخر الملوك السومريين للدفاع عن إمبراطوريته إلا أن خيول جيوشه تعثرت, وعجلاتها تكسرت أمام جيوش سارجون العظيم, وهكذا سقطت سومر. أغلقت مدارس سومر أبوابها – أو تركتها مفتوحة – ونسيها الناس ونسوا مدونتها القانونية, ونظمها الحكومية, وأسماء مدراسها, وحسابها, وفلكها, وقانونها, وأساطيرها, بل نسوا كل شيء بما في ذلك لغتها. مرت أربعة آلاف سنة من ساعة سقوط الجيوش الإمبراطورية السومرية إلى ساعة أن استطاع أهل لندن فك طلاسم الألواح المسمارية السومرية عام 1851.
 

 
لم يسقط الإمبراطور فقط عندما سقطت الجيوش الإمبراطورية السومرية بل سقط كل شيء. أعطت سومر البشرية ما كان لديها وخرجت نهائيا من التاريخ. توقفت نهائيا عن العطاء. خرجت وخرج السومريون أنفسهم من التاريخ. كان ما حدث وكأنه “بروفة” لما سيحدث بعد. لم يخرج محمّد الثاني عشر من غرناطة بمفرده عندما سقطت الجيوش الإمبراطورية العربية أمام الجيوش الإمبراطورية القسطلية والأراجونية وإنما خرج معه كل شيء. صلى الإمبراطور صلاة العصر وخرج من غرناطة ولم يرفع بعدها أذان المغرب أبدا. عندما يسقط الإمبراطور يسقط كل شيء.
 

 
إذا كانت سومر قد سقطت وتكسرت عجلاتها الحربية أمام جيوش سرجون العظيم فإن أشور كانت قد بدأت في الظهور على الضفة الغربية من دجلة أمام مدينة الموصل الحالية ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تصبح فعلاً, وحقًا, وصدقًا, أقوى قوة ضاربة في الشرق الأوسط. سيطرت آشور سيطرة تامة لمئات السنين على كامل “العالم المتحضر” من جبال زاجروس شرقًا إلى النوبة والصحراء اللوبية غربا – وما بينهما. شكل الآشوريون أكبر آلة حربية شهدها العالم منذ ظهور البشرية إلى ساعة ظهور آشور. لم يكتف الآشوريون بتشكيل أكبر قوة عسكرية تتألف بالكامل من رجال لا عمل لهم إلا القتل, بل اخترعوا كذلك السيوف الحديدية, والرماح, والدروع المصفحة. جابت هذه الجيوش كل نقطة في العالم المتحضر وأخضعتها أو دمرتها. كان البديل الوحيد لدفع الجزية هو الموت. جمعت آشور أموالا طائلة أنفقتها في تشييد مدن لم يرَ العالم مثلها. ضم قصر آشور بانيبال مكتبة احتوت 30,000 رقيم (لوح مكتوب عليه بالكتابة المسمارية) كانت هذه المكتبة هي أكبر مكتبة تم إنشاؤها في تاريخ البشرية. انتقلت هذه الرقيمات إلى “المكتبة البريطانية” في لندن حيث ما زالت إلى الآن موضع دراسة. لم يكن مقدرًا لآشور, على أية حال, أن تبقى إلى الأبد. في عام 616 قبل الميلاد تحالفت جميع قوى العالم المتحضر في ذلك الوقت بهدف واحد هو التخلص من آشور نهائيا والى الأبد. استمرت الحرب من عام 616 إلى عام 605 حين قاتلت الجيوش الإمبراطورية الآشورية لآخر مرة, وخسرت لآخر مرة أيضا. كان ذلك في موقعة كاركاميش عام 605. مرة أخرى, لم يسقط الإمبراطور فقط عندما سقطت الجيوش الإمبراطورية الآشورية, بل سقط كل شيء. خرج آشور أوباليت من التاريخ وخرجت معه كذلك آشور. لم يسمع أحد عنه بعدها شيئا على الإطلاق, ولا سمع عن آشور. كان ما حدث وكأنه “بروفة” لما سيحدث بعد. لم يخرج محمّد الثاني عشر من غرناطة بمفرده عندما سقطت الجيوش الإمبراطورية العربية أمام الجيوش الإمبراطورية القسطلية والأراجونية وإنما خرج معه كل شيء. صلى الإمبراطور صلاة العصر وخرج من غرناطة ولم يرفع بعدها أذان المغرب أبدا. عندما يسقط الإمبراطور يسقط كل شيء.
 

 
إن كانت آشور قد سقطت, فإن بابل قد ظهرت. أتاح سقوط آشور الفرصة لبابل كي تظهر كالقوة الوحيدة الكبرى في بلاد الرافدين. نشأت بابل كمدينة صغيرة على الفرات بالقرب من مدينة الناصرية الحالية, إلا أنها سرعان ما تحولت إلى دولة مستقلة ثم أقوى إمبراطورية جنوب الرافدين. حدث ذلك في عهد حامواربي عام 1700 قبل الميلاد تقريبا. إلا أنها سرعان ما فقدت استقلالها وتم تدميرها, إلا أنها قامت مرة أخرى واستعادت ممتلكاتها. حدث ذلك قبل أن تفقد استقلالها ويتم تدميرها مرة أخرى. حقيقة الأمر, تمثل قصة بابل قصة حرب لا تتوقف منذ أول لحظة ارتفعت أسوارها إلى آخر مرة تم فيها هدم تلك الأسوار. على الرغم من ذلك, استطاعت بابل أن تقدم الكثير. أقام البابليون مدنا صبغوا جدرانها بأزهى ألوان, بل وغطوها بالخزف بل وبالذهب. كان في كل مدينة وكل معبد مكتبة. لم تكن الكتابة مقصورة على الكهنة وحسب وإنما كانت متاحة كذلك لكل الرجال والنساء. كان هناك مثل سومري يردده البابليون. يقول المثل “على من يريد أن يتفوق في المدرسة أن يستيقظ مع طيور الصباح”. ترجم البابليون الأدب السومري. استدعى ذلك تأليف المعاجم, وكتب النحو, وإضافة الشروح والحواشي على النصوص السومرية الأصلية. قام سين ليقي أونيني (الذي تدين له البشرية جمعاء لترجمته التي قدمت لنا النص البابلي للملحمة السومرية) بترجمة “ملحمة جلجاميش” من السومرية إلى البابلية. كذلك أقام البابليون حدائق بابل المعلقة رمز القوة والغطرسة. حقيقة الأمر, يخبرنا العهد القديم بأنه بلغت غطرسة القوة بالبابليين إلى درجة أنهم فكروا في صناعة برج يصلون به إلى السماء مما جلب عليهم غضب الله فـ” بلبل” ألسنتهم. هنا على ضفاف الفرات شيد البابليون حدائق بابل المعلقة كما شيدوا برجا يصعدون به إلى السماء. إلى هذه الدرجة بلغت بهم غطرسة التحضر.
 

 
لا تقتصر إسهامات البابليين في “صنع الحضارة” على فن العمارة, والدراسات اللغوية, وصناعة المجوهرات, والأدب وحسب, وإنما تمتد إلى قطاعات الطب, والفلك, والرياضيات, بل والفلسفة. تبين دراسة “كتاب التشخيص” الذي وضعه الطبيب البابلي حزاقيل كين أبلي مدى التأثير الذي تركه الطب البابلي على الطب اليوناني. بالتحديد, تبين دراسة المقالات الأولى في “كتاب أبوقراط” مدى تأثر أبوقراط بالطب البابلي سواء على مستوى الشكل أو على مستوى المحتوى. تبين دراسة الأعمال التي قام بها البابليون في حقول الفلك والرياضيات تحديدًا مدى عظمة الحضارة البابلية. يظهر ذلك – بوضوح تام – في الأثر العميق الذي تركته “المعارف البابلية” على “العلم اليوناني” في حقول الطب, والفلك, والرياضيات. للحصول على فكرة عن ذلك سوف أكتفي بإيراد جزء من مقال الويكيبيديا عن “الإمبراطورية البابلية”. يكفي ما جاء في آخر أربعة أسطر من آخر فقرة من أن طاليس “أبا العلم”, وأول عالم في تاريخ البشرية, جاء إلى بابل وتعلم لغتها, ودرس علومها, وعاد إلى اليونان ليتحدث عن العلم. يعلم كل من يعلم أي شيء عن تاريخ العلم أن طاليس كان أول من صرح (في الغرب) بأن الماء هو أصل الحياة. يعلم كل من يعلم أي شيء عن تاريخ الشرق الأوسط القديم أن الحضارة السومرية, مثلها في ذلك مثل الحضارة الفرعونية, هي حضارة “تقدس” الماء. في وسط كل هذه الصحارى, وكل هذا الجفاف, لم يكن غريبا على الإطلاق أن يدرك السومريون, والبابليون, والمصريون, أن الماء أصل الحياة. مرة أخرى, كما يعلم كل من درس الحضارة السومرية, ألم يكن “إنكي” هو معبود “إريدو”؟ وألم تكن إريدو هي أول مدينة على أرض الله؟ وأولم يكن “إيا” معبود بابل هو نفسه “إنكي” معبود إريدو؟ وأولم تكن “إيا” مشتقة من جذر آرامي يشير إلى “الحيا” في نفس الوقت الذي يشير فيه إلى الحياة؟ وأليس هذا هو الحال إلى يوم الله هذا حيث يشير الجذر “حي” إلى الماء كما في “الحيا” وإلى “الحياة” كما في “حياة”؟ تماما كما تشير كلمة “العيش” في العامية المصرية إلى “الخبز” وإلى “الحياة”. إذا كان “الخبز” هو “الحياة” بالنسبة لسكان الوادي, فإن “الحيا” هو الحياة بالنسبة لسكان الصحراء. لم يكن طاليس, عندما عاد إلى شوارع أثينا, يردد أكثر مما يعرفه كل من يسكن الصحراء. الحيا هو الحياة.
 
 
 
 
جاء التالي في مقال الويكيبيديا:
 
في الطب
 
اكتشف إيساجيل كين أبلي العديد من الأمراض وقام بوصف أعراضها في “كتاب التشخيص” الذي قام بتأليفه. تشمل هذه الأعراض أعراض عديد من أنواع الصرع والأمراض المتعلقة به, إضافة إلى احتمالات المسار الذي قد يأخذه المرض. توجد العديد من أوجه الشبه بين الطب البابلي في مراحله الأخيرة وبين الطب اليوناني في مراحله الأولى. يظهر أثر الطب البابلي بوضوح تام في الأجزاء الأولى من “مدونة أبو قراط”, سواء على مستوى الشكل أم على مستوى المحتوى.
 

 
في الفلك
 
تبين الألواح المسمارية التي يعود تاريخها إلى العصر البابلي القديم كيف استخدم البابليون الرياضيات في دراسة اختلاف طول النهار من يوم إلى يوم, ومن شهر إلى شهر, عبر السنة الشمسية. تبين مجموعة الألواح المسمارية المعروفة باسم “ألواح إنوما آنو إمليل” كيف قام البابليون لمئات السنين بتسجيل الظواهر الفلكية.
 

 
تعد الرقيمة المسمارية رقم 63 من مجموعة رقائم “إنوما آنو إنليل” أقدم نص فلكي في أيدينا. تسجل هذه الرقيمة, المعروفة باسم رقيمة كوكب الزهرة, أول ارتفاع وآخر ارتفاع لكوكب الزهرة عبر فترة تمتد إلى 21 عامًا, كما تمثل أقدم وثيقة في أيدينا تبين تعرف الجنس البشري على “دورية” – أي تكرارية – الظواهر الفلكية. يعود تاريخ أقدم اسطرلاب تم العثور عليه إلى عام 1100 قبل الميلاد في بابل. هناك أيضًا مجموعة رقائم “مول آبين” التي تحتوى على مجموعة من تجمعات النجوم إضافة إلى طرق رصد ظهور واختفاء الكواكب, وطول النهار, وهو ما كانوا يقيسونه إما باستخدام ساعة مائية أو ساعة شمسية.
 

 
احتل علم الفلك وعلم التنجيم مكانًا متميزًا في المجتمع البابلي. كان لعلم الفلك تاريخ طويل في بابل. علينا أن نتذكر هنا أن أبراج النجوم كانت اختراعًا بابليا, وأنهم استطاعوا التنبؤ بخسوف الشمس وكسوف القمر. هناك العشرات من الرقائم المسمارية التي تسجل الملاحظات البابلية الخاصة بهذه الظواهر. شكل علم الفلك البابلي, بهذا الشكل, الأساس الذي قام عليه علم الفلك اليوناني, والهندي, والساساني, والبيزنطي, والسوري, والإسلامي, والأوربي. عليه, يمكن النظر إلى علم الفلك البابلي على أنه كان الأصل المباشر للكثير من علم الفلك اليوناني وعلم الرياضيات اليوناني, اللذين كانا, بدورهما, الأصل المباشر للثورة العلمية الأوربية.
 

 
طور علماء الفلك البابليون خلال القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد منهجا جديدًا لدراسة الفلك, إذ بدأوا في دراسة فلسفة تتعلق بالطبيعة المثالية لبداية الكون كما بدأوا في استخدام منطق داخلي ينبع من داخل الأنظمة الفلكية. مثلت هذه الخطوة إضافة هامة للفلك ولفلسفة العلم. حقيقة الأمر, ذهب بعض دارسي تاريخ العلم إلى أن هذه الخطوة تمثل الثورة العلمية الأولى. قام اليونانيون بتبني هذا المنهج الجديد لدراسة الظواهر الفلكية وتطويره. تميزت التقارير الفلكية البابلية خلال العصرين السلجوقي والبارثي بطابع علمي شديد الانضباط. تلزم الإشارة, في هذا السياق, إلى أننا لا نعرف متى بالضبط بدأ العمل بكل هذه الصرامة العلمية. يعد تطوير البابليين لطرق التنبؤ بحركة الكواكب حدثًا ضخمًا في تاريخ علم الفلك.
 

 
لا يعرف تاريخ علم الفلك فلكيا بابليا غير سليوكس ذهب إلى تأييد نموذج يعتمد تفسير حركة الكواكب فيه على مركزية الشمس (ولد سليوكس عام 190 قبل الميلاد). يعتمد ما نعرفه عن سليوكس على ما كتبه عنه بلوتارك. ساند سليوكس نظرية مركزية الشمس حيث ذهب إلى أن الأرض تدور حول محورها في نفس الوقت الذي تدور فيه حول الشمس. طبقًا لما كتبه بلوتارك, برهن سليوكس على صحة نظرية مركزية الشمس, إلا أننا لا نعرف الدليل الذي ساقه لتأييد هذه النظرية.
 

 
في الرياضيات
 
تتميز النصوص الرياضية البابلية بوفرتها وحسن عرضها. تقع هذه النصوص في مجموعتين كبيرتين: تتألف الأولى من تلك النصوص التي تمت كتابتها في عصر الأسرة البابلية الأولى (1830 إلى 1531 قبل الميلاد), على حين تتألف الثانية من تلك النصوص التي تمت كتابتها في العصر السلجوقي, أي بداية من القرن الرابع, أو الثالث, قبل الميلاد. من الضروري الانتباه, على أية حال, إلى عدم وجود أي فرق تقريبًا بين المجموعتين, وهو ما يعني أن الرياضيات البابلية بقيت على حالها بدون أي تغيير, أو نمو, أو ابتكار لما يقارب ألفي عام.
 

 
استخدم البابليون نظام رياضيا سداسيا, أي استخدموا نظامًا تقوم قاعدته على ست أعداد. من هنا يأتي استخدام 60 ثانية في الدقيقة, وستون دقيقة في الساعة, و360 درجة في الدائرة (60 x 6). استطاع البابليون أن يأخذوا خطوات كبيرة في الرياضيات لسببين أساسيين. الأول, أن الرقم 60 يقبل القسمة على عديد من الأرقام (2, 3, 4, 5, 6, 10, 12, 15, و20), وهو ما يسهل العمليات الحسابية. الثاني, أنه, وعلى خلاف المصريين والرومان, وضع البابليون نظاما عدديا توجد فيه للمكان قيمة, أي يأخذ الرقم قيمته من مكانه.
 

 
يماثل نظام الأرقام البابلي, بهذا الشكل, نظام الأرقام المستخدم لدينا حاليا حيث تزيد قيمة الرقم العشرية كلما تحرك إلى العمود الأيسر (يساوي الرقم 734 7 في 100 + 3 في 10 + 4 في 1) كان من ضمن الإنجازات الكبرى التي حققها البابليون في حقل الرياضيات أنهم استطاعوا تحديد قيمة الجذر التربيعي للرقم 2 إلى سبع أرقام, كما أظهروا معرفة بنظرية فيثاغورس قبل فيثاغورس بزمن طويل, وهو ما أظهرته الترجمة التي قام بها دنيس رامزي لرقيم يعود تاريخه إلى عام 1900 قبل الميلاد.
 

 
تم العثور في سنكيرا على رقائم تبين أن البابليين قد قاموا بحساب المربعات والمكعبات من 1 إلى 60. تبين الرقائم كذلك أن البابليين كانوا على علم بالساعة الشمسية, والساعة المائية, والبكرة, والعتلة, وهو ما يعني أن معرفتهم بالميكانيكا لم تكن بالبسيطة. اكتشف أوستن هنري ليارد بالقرب من نمرود عدسة من الكريستال إضافة إلى أكواب زجاجية تحمل اسم سارجون. قد يفسر هذا الكشف الصغر المتناهي لبعض الكتابات على الرقائم الأشورية, كما أن هناك احتمالاً في أن البابليين قد استعملوا عدسات في رصد السماء. هناك احتمال في أن البابليين كانوا على علم بالقواعد العامة لقياس المساحات. قام البابليون بقياس محيط الدائرة على أنه يعادل ثلاثة أضعاف القطر, كما قاموا بحساب مساحة الدائرة على أنها تعادل 1/12 من مربع محيط الدائرة. تم كذلك حساب حجم الاسطوانة على أنه يعادل حاصل ضرب القاعدة في الارتفاع.
 

 
في الفلسفة
 
تعود جذور الفلسفة البابلية إلى أوائل أدب الحكمة في بلاد ما بين النهرين, والذي جسد فلسفات معينة في الحياة, وبخاصة ما يتعلق بالخُلُق. جاء ذلك على شكل حوارات, وأشعار, وأدب شعبي, وأناشيد, وأغاني, وأمثلة.
 
لم يقتصر التفكير البابلي على الظواهر الملحوظة. من الممكن أن تكون الفلسفة البابلية قد أثرت على الفلسفة اليونانية. يحتوي النص البابلي المعروف باسم “حوار التشاؤم” على حوارات تشبه أفكار الفيلسوف اليوناني هيراقليطس وحوارات أفلاطون وكذلك حوارات سقراط. كما هو معروف كذلك, درس طاليس الفلسفة في بلاد ما بين النهرين.
 

 
قامت القوات الإمبراطورية الفارسية بالاستيلاء على كامل أراضي الإمبراطورية البابلية عام 539 قبل الميلاد وضمها إلى أراضيها. بقيت بلاد الرافدين ولأكثر من ألف عام جزءًا لا يتجزأ من الإمبراطورية الفارسية. توقف كل إنتاج حضاري في بلاد الرافدين وهاجر العلماء إلى العاصمة الجديدة في فارس للعمل في خدمة الإمبراطور الفارسي في جنديشابور التي أصبحت في القرن الخامس قبل الميلاد عاصمة العلم الطبي في الكرة الأرضية.
 

 
لم يبقَ من آثار بابل سوى اللغة الآرامية التي استمر أهل الرافدين في الحديث بها إلى أن دخلت الجيوش الإمبراطورية العربية بقيادة عتبة بن غزوان أراضي الإمبراطورية الفارسية عام 14 من الهجرة 635 من الميلاد وأنشأت البصرة, والكوفة, ثم بغداد. لم يمضِ طويل زمن حتى أصبح البابليون والآشوريون عربا يتحدثون بالعربية ويدينون بالإسلام. مازال هناك البعض, على أية حال, يتحدث الآرامية في بعض القرى في شمال العراق, كما لا يزال هناك عدد كبير قد يصل إلى خمسة آلاف من الصابئة المندائيين يقيمون في بغداد وضواحيها يدينون بالمندائية, ويقيمون شعائر دينهم بالآرامية. مازال البعض كذلك يذكر بابل كلما جاءت سيرة برج بابل.
 

 

عندما فتحت بابل أبوابها في السادس عشر من تموز عام 539 قبل الميلاد ودخلتها الجيوش الإمبراطورية الفارسية بدون قتال بعد أن حطمت الجيوش الإمبراطورية البابلية, لم تكن بابل تشهد سقوط آخر إمبراطور بابلي بل كانت تشهد سقوط كل شيء. مرة أخرى, لم يسقط الإمبراطور فقط عندما سقطت الجيوش الإمبراطورية البابلية, بل سقط كل شيء. خرج نابونيداس من التاريخ وكذلك خرجت معه بابل. لم يسمع أحد عنه بعدها شيئا على الإطلاق, ولا سمع عن بابل. كان ما حدث وكأنه “بروفة” لما سيحدث بعد. لم يخرج محمّد الثاني عشر من غرناطة بمفرده عندما سقطت الجيوش الإمبراطورية العربية أمام الجيوش الإمبراطورية القسطلية والأراجونية وإنما خرج معه كل شيء. صلى الإمبراطور صلاة العصر وخرج من غرناطة ولم يرفع بعدها أذان المغرب أبدا. عندما يسقط الإمبراطور يسقط كل شيء.

 

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s