دفاعا عن فهمنا للقرآن الكريم


 

بسم الله الرحمن الرحيم

دفاعا عن فهمنا للقرآن الكريم

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

قرآن3.jpg

لا يحتاج القرآن إلى دفاعنا نحن ولكننا نحن نحتاج إلى أن ندافع عن فهمنا للكتاب العظيم. فلقد وصلتني خلال فترة تربو على سنوات عدة إشكالات أرساها إخواننا وأخواتنا الملحدون العرب وأدخلوها المكتبة العربية والإسلامية. أنا بداية أشكرهم على أن سعوا لكشف ما ظنوا بأنها تناقضات قرآنية وأشكر الذين كانوا ولا زالوا يبلغوني تلك المحاولات الإلحادية. كنت أفكر ألا أرد عليهم لأنني صرفت وقتا غير قصير عام 2007 للرد على بعض مدونات الملحدين العرب دون أن أرى جدوى في ذلك. فنصحني أخي الدكتور محمد الصحاف أن أترك الرد حتى لا يؤثر في وقتي وكنت حينه ألقي محاضرتين أسبوعيتين حول فهمي للكتاب الكريم. رأيته محقا فتركت التصدي للرد على الإخوة الملحدين العرب وقلت في نفسي لهم دينهم ولي ديني والله خير الحاكمين.

فأنا لست بصدد الرد الدقيق الآن ولكنني أحببت أن أذكر بعض المسائل البسيطة للمؤمنين بالله وبالقرآن فقط حتى لا يعتريهم الشكوك، وأستمد من ربي التوفيق كما أستمد منه العلم والمعرفة جل جلاله.

1. وأبدأ بالإشكالات النحوية واللغوية.

فأقول بأن القرآن منزل قبل ظهور العلوم العربية المعروفة بالنحو والصرف والبيان والبديع واللغة وو؛ فلا يجوز لنا وجدانا أن ننتظر من القرآن أن يراعي قواعد لم تكن موجودة يوم نزوله. لكننا إنصافا نرى بأن القرآن قد راعى أحكام النحو وكذلك الصرف ولكن هناك بعض الاختلاف. فلنفهم أولا أساس ظهور النحو العربي. هناك عدة قصص لظهور هذا العلم وأذكر منها قصة واحدة من الذاكرة فسوف لا أراعي الدقة في تركيب الجمل وأكتفي بذكر ما يهمنا منالحكاية. يقولون بأن جنازة لميت تم تشييعها من قبل المسلمين أيام إمامة (خلافة) الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. مر شخص على المشيعين ووجه إلى أحدهم ولعله أبو الأسود الدؤلي السؤال التالي: من المتوفِّي؟ فقال الدؤلي: الله جل جلاله. فذهل السائل.

والسبب هو أن السائل لم يسأل عمن وقع عليه الوفاة بل سأل عن فاعل الوفاة لغويا. كان قصده السؤال عن المفعول ولكنه استعمل صيغة الفاعل. أبلغوا أمير المؤمنين بالموضوع فأظهر خوفه الشديد من اختلاط العرب بغير العرب فسوف يضيع فهم القرآن مستقبلا. ولذلك أمر أبا الأسود الدؤلي بأن يبدأ بكتابة علم النحو حماية لقومهم من عدم الدقة في فهم القرآن. ويقولون بأن الإمام أعطاه بعض الأوليات مثل: كل فاعل مرفوع وكل مفعول منصوب ووو. فبدأ المسلمون وضع علم النحو بعد أكثر من ثلاثين سنة من وفاة رسول الله عليه السلام ودونوا العلم أيام سيبويه احتمالا. كتبوا علم النحو ليساعدونا على فهم القرآن فلو شاهدنا مخالفة نحوية في القرآن فهي مشكلة علم النحو وليست مشكلة القرآن الكريم.

ثم إن التركيبات العربية اللغوية وكذلك تصريفات الأفعال وحركات أواخر الكلمات سماعية وقياسية. فالسماعي والقياسي ليس وقفا على التصريف بل يشمل النحو واللغة أيضا. ولذلك نرى علماء اللغة يسعون لإيجاد معنى للكلمة العربية لتوافق كل استعمالات القرآن واستعمالات العرب الذين سبقوا القرآن والذين عاصروه من شعر ونثر. ولطالما اضطروا لبيان عدة معان للكلمة الواحدة كما يضطرون لذكر عدة كلمات لمفهوم لغوي واحد. ولعلنا نعرف بأن العرب لم يكونوا منتشرين بسعة في أفريقيا بل كانوا محصورين في رقعة جغرافية غير وسيعة.

وهكذا النحويون فهم غير متفقين على تعريف واحد للمواضيع النحوية مثل الحال وكل التوابع والحروف المشبهة بالفعل والأفعال الناقصة والمبتدأ والخبر والفاعل والمفاعيل ووو. لكنهم جميعا مسلميهم ومسيحييهم سعوا لتطبيق أحكامهم النحوية على القرآن الكريم لأنه المعيار الأول للتركيبات العربية.

وأما الصرفيون فإنهم قسموا علمهم على قسمين سماعي وقياسي بادئ ذي بدء. ذلك لأنهم مروا في بحثهم بأوزان كثيرة لا تدخل ضمن القياس ولذلك قالوا بأن الصرف لا يمكن حصره قياسيا بل إن قسما منه سماعي دون ملاحظة أية قاعدة. والأصل هو ما استعمله العرب من قبل وليس ما كتبه علماء الصرف. فكيف ننتظر من القرآن أن يوافق هذه العلوم المتأخرة؟ والمشكلة بأن الاختلافات التي يستخرجها الإخوة الملحدون قد مرت على مسامع ومباصر مجموعة كبيرة من العرب الأقحاح الذين آمنوا بالقرآن والذين لم يؤمنوا فكان الأجدر بهم أن يذكروا هذه الاختلافات. والقرآن وبكل صراحة تحداهم ولكنهم لم يجدوا خلافا مع لغتهم وحركات أواخر الكلمات لديهم وحتى مع تصريفاتهم للجذور اللغوية. فأظن بأن الإخوة الملحدين يبالغون في حربهم ضد كتاب عربي يفتخر به العرب.

والمسألة الكبرى في فهم القرآن هو اللسان العربي وليس اللغة العربية. اللسان العربي ليس ثابتا بل يتغير بتغير الزمان والمكان فلا يسعنا فهم القرآن بدقة إلا إذا عرفنا فهم النبي العربي وصحابته للكلمات القرآنية. ذلك لأن الله تعالى يصرح بأنه أنزل القرآن على لسان محمد وقومه. لفهم الموضوع الأول نقرأ الآية التالية من سورة النحل: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103). فلم يقل هذا هو اللسان العربي المبين بل قال لسان عربي مبين. فيجب فهم التخصيص اللساني زمانيا ومكانيا لنحدد اللسان الذي أنزل عليه القرآن. والآية تقول بأنه عربي مبين بمعنى أنه ليس لسانا أعجميا. والأعجمي هو اللغة في الواقع ويشمل كل اللغات غير العربية. هي لغات لأن الذي يعيش على لسان معلوم ويروم استعمال اللغات الأخرى فهو بحاجة إلى أن يتعلمها حتى ينطق بها ولذلك فهي بالنسبة له لغو لا عبرة به حتى يتعلم وسيعرف منها بقدر ما يتعلم ويتعرف على لسان غيره. هذا بالنسبة لكل الناطقين بالضاد. وأنا أخالف الذين ظنوا بأن العربية تعني لساننا بالنسبة للجميع والأعجمية لسان الآخرين بالنسبة للجميع. فأنا أظن بأن الإنجليزية لسان إنجليزي لأهل لندن ولسان إنجليزي لأهل اسكوتلندا ولسان إنجليزي لأهل نيو يورك. والعربية بالنسبة لهم جميعا لغة أعجمية.

وأما الموضوع الثاني وهو لسان الرسول وقومه. قال سبحانه في سورة إبراهيم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4). وقال سبحانه في سورة مريم: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (97). وقال تعالى في سورة الدخان: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58). فهناك تخصيص للرسول نفسه باعتبار أن القرآن يراعي مصطلحات الرسول الشخصية ليمكنه منالإنذار بصدق ودراية. ولكن الذي يسهل الأمر قليلا هو أن الرسول على أنه لم يكن فصيحا جدا ولكنه سيطر على قلوب الصحابة فتحولت المفاهيم العربية في أذهانهم بما يتناسب مع فهم رسولهم. ولذلك كانوا يراجعونه لاكتشاف فهمه للتنزيل السماوي المنزل عليه لهم جميعا. فيمكننا القول بصيرورة أمر جديد بعد نزول القرآن على النبي محمد عليه السلام وبعد إصرار القرآن أن يعودوا إلى رسولهم لاستعلام المعنى ولا يعودوا إلى علماء بني إسرائيل كعادتهم وهو تحول الفهم العام لدى كل الصحابة المؤمنين إلى فهم الرسول نفسه.

والخلاصة أن اللسان معناه حركة اللسان بصورة عفوية غير علمية داخل الفم لإظهار أصوات ذوي دلالات تنبئ عن مقصود القائل وهم متفقون تقريبا على المفاهيم التي وضعوا لها كلمات صوتية. هذه الحركات متفق عليها بين الأسرة ثم المجموعة البشرية الأوسع حتى تصل إلى القوم بأكمله. فهي الكلمات الأمية التي نطق بها كل مجموعة بشرية بدون سابق توجيه. وبعد عدة قرون من التحدث يبدأ الناس بالكتابة. ثم يخترعون العلوم الجانبية لضبط أحاديثهم.

والذين ظنوا بأن هناك معاني لأصوات الحروف فهم بكل بساطة ضائعون في أفكارهم. فلو كان للصوت الحرفي معنى واقعيا لتحدث كل أهل الأرض بلغة واحدة فهم يدعون ادعاءات وهمية ومن الخير لهم أن يتخلوا عما كتبوه فهم ليسوا واضعي لغات البشر وليس لهم استدلالات علمية على ادعاءاتهم الوهمية. وقد قلت سابقا بأنني أدعوهم ليسعوا لتفسير سورة متوسطة الحجم من سور القرآن على أساس أصواتهم الذي وضعوها دون دراية ليعلموا بأنهم في ضلال. ومن الطبيعي القول بأن تفسير القرآن على أساس معلومات لغوية جديدة باطل ولا أظن بأن من يفعل ذلك سينجو من عذاب الله تعالى. إنه أكثر من محرف للكلم عن مواضعه فهو محرف لأصل اللغة أو اللسان الذي سبق نزول القرآن الذي أنزل على أساس تلك الكلمات المعروفة لدى الرسول وصحابته.

2. التفسير:

أما التفسير فنحن الذين نفسر القرآن على أساس تطورنا في فهم الحقائق دون أن نلعب بمعاني الكلمات ودون أن نفسر الكلمات على أساس المعاني المتداولة بيننا اليوم أو بين المسلمين من بعد وفاة الصحابة والتابعين. ولكل قوم فهمه وتفسيره للقرآن ولا يمكن أن نؤاخذ القرآن اليوم بما فهمه الأقدمون من ذلك الكتاب العظيم. لكن الإخوة الملحدين العرب والملحدين عامة يخلطون بين الكتاب السماوي وبين تفاسير البشر لذلك الكتاب. فمثلا، نحن مجموعة في لندن نفسر القرآن دون المساس بمعاني الكلمات حسب فهمنا العصري وليس لدينا أية عبرة بتفاسير الأقدمين والذين يأتون بعدنا فهم سوف يفسرون الكتاب على أساس فهمهم المتطور وقد يكون مغايرا لفهمنا نحن، وهذا هو سر سماوية القرآن وتفوقه على كلام البشر.

ثم إن الملحدين وغير الملحدين يأخذون جملة أو مقطعا من جملة ليثبتوا التناقض بينها وبين جملة مشابهة أخرى. أرجو من الإخوة المؤمنين أن ينتبهوا لاسم القرآن. القرآن يعني المجموعة المتكاملة التي تنطوي على معنى جمعي. قرأ تعني جمع والفرق بين قرأ وجمع هو أن الأول يلاحظ الفائدة والثاني أعم منذلك. فلو وضعنا صندوقا بجوار إنسان وقلنا بأننا جمعنا الصندوق والإنسان فصار عندنا شيئان فهو صحيح، ولكن لا يجوز لنا أن نقول بأننا قرأناهما. كما فعل غير الملحدين من المسلمين بأن أخذوا مقاطع من آية لإثبات ادعاءاتهم غير الصحيحة. هؤلاء هم الذين جعلوا القرآن عضين.

القرآن وحدة مترابطة وفي كل سورة إشارة إلى ما بعدها أو ارتباط بينها وبين ما بعدها وما قبلها ونحن نسعى لاكتشاف ذلك الارتباط في رحلتنا التفسيرية وقد نجحنا لغاية اليوم والحمد لله تعالى.

3. عدم تجانس القصص القرآنية مع غيرها:

الإشكال الآخر لديهم هو عدم التجانس بين القصص القرآنية بعد أن يخلطوا بين القصص المشابهة في كتب العهدين القديم والجديد ويستعينوا بتقبل المفسرين السابقين لتلك القصص. لم يقل القرآن أبدا بأن ما بيد الناس من قصص صحيحة بل قال عكس ذلك. قال تعالى في سورة يوسف: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3). فالرسول وهو زوج خديجة التي تنتمي إلى أسرة مسيحية وعمها قس مسيحي فهو على علم بالعهدين، لكنه غافل عن حقيقة ما حصل لأنبياء السلف. الذي يفهم هو الله تعالى وليس بيد الرسول وحي آخر غير القرآن. فكل ما نقلوه عن الرسول من قصص فهي مفتريات لا عبرة بها. ليس الله تعالى قصاص قصص بل هو يقص من الحكايات القديمة ما يفيدنا ولذلك سماها قَصصا بفتح القاف ولم يسمها قِصصا بكسر القاف. القِصص بكسر القاف غير موجودة في القرآن لا بالمفرد ولا بالجمع وهي جمع قِصة. فنحن لا نعرف قصة يوسف ولكن نعرف من القرآن مقاطع من قصة يوسف بما يتناسب مع أهداف القرآن فقط وهي أطول قصة في القرآن وشكلها شكل روائي لكنها غير كاملة بل معبِّرة فقط.

4. الحياة من الماء:

ويتحدثون عن إشكال آخر وهو أن القرآن يتحدث عن خلق كل شيء حي من ماء والملائكة والجن لسن مخلوقات مائية. فلم يقل الله تعالى بأنه خلق كل حي من ماء بل قال في سورة الأنبياء: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30). تتحدث الآية عن أن أصل الوجود الممكن هو السماوات والأرض وهن كن شيئا واحدا في البداية فبالفتق صارتا سماوات غازية وأراض صلبة. والأرض كلمة عربية تدل على المفرد والجمع ولفظة الأراضي شاذة ولذلك لم ترد الأراضي في القرآن. والله تعالى بعد أن خلق السماوات الغازية وخلق الأراضي الصلبة قام بخلق الملائكة. والملائكة ليست من أصول غير سماوية وأرضية إذ لم تكن هناك موجودات قبل خلق السماوات والأرض فالملائكة من نفس هذه الأجناس ولكنهن لسن مواد ثقيلة كما نراها ونلمسها من مواد أو عناصر معروفة لدينا. إنها مصنوعة من الطاقة والطاقة مستخرجة من حركة الكواكب والكواكب كلها كانت كائنات سائلة في الأصل. والماء هنا ليس بمعنى المياه العذبة بل بمعنى السائل.

قال تعالى في سورة الانفطار: إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3). حديث السورة عما سيحصل مستقبلا وهي مشابهة لما حصل فعلا في الانفجار الكوني المقبول لدى الكثير من علماء الكواكب. فكل الكائنات سوف تتحول إلى عناصر غير معلومة لنا ثم تنفجر تلك العناصر وتشكل بحارا تنفجر لتشكيل الكواكب الجديدة. وغالبية العلماء الفيزيائيين موافقون على حصول انفجار أولي في قطعة صغيرة تحولت إلى بحر ضخم من عنصر كيماوي وصلت حرارته بعد الانفجار إلى بلايين الدرجات المئوية. وليس سهلا أن يحسبوا الحرارة العظمى التي حولت تلك القطعة إلى بحر ضخم والتي وصلت حرارتها بعد البرودة إلى حوالي 10 بلايين سلسيوس وأقصد بالبليون ألف مليون كالأمريكيين. وقد جعل الله تعالى الملائكة وغيرها من تلك السائل ولم يخلقها منها. إنها احتمالا مخلوقة من النور المباشر من الله تعالى ولكن لا يمكن خلق أي شيء بدون حامل والسماوات والأرض هي الحامل الأخير للمخلوقات. ونحن فعلا نجهل ماهية الملائكة فلعل ماهياتها غير نفوسها لأن الله تعالى يذكر ما يعني موت الملائكة فهي تملك نفسا لا تموت وكيانا يموت مثلنا والعلم عنده. فجعل الله كل شيء حي من ذلك الماء الأساس لخلق الكون برمته في الواقع. ونحن نرى اليوم بأن في الأرض مواد مشعة وبعضها خطيرة فالملائكة بكياناتها قد تكون مخلوقة من تلك المواد الأرضية المشعة أو من المواد السماوية الأكثر إشعاعا ولكنها بنفوسها مصنوع من النور المباشر لله تعالى. كما أن نفوسنا نحن البشر مصنوعة من نفس بشري أولي مصنوع من نور الله المباشر. والعلم عند المولى عز اسمه.

قلت بأنني لا أروم الرد على الملحدين فلقد تركت ذلك لأنني عاجز عن أهدي من لا يريد الله تعالى أن يهديه ولكنني أقصد إزالة الشكوك في قلوب المؤمنين فقط. ومثل هذا البحث يحتاج إلى مناقشات طويلة ومعلومات جمة وليس لمثلي أن يقوم بها لوحده. لكنني أتمنى أن يعرف الإخوة والأخوات الكرام بأن معرفة المسائل الكونية والكائنات الطاقوية ليست سهلة المنال. فليس صحيحا أن نشك في كتاب عظيم لجهلنا ببعض المسائل. على الذين يريدون ذلك أن يجعلوا كل المسائل المرتبطة بالخلق في وعاء واحد ويفكروا فيها ولا يمكن أن نفسر كل مقطع لحاله. هي لذلك السبب تعتبر من المتشابهات والعلم عند المولى عز اسمه.

5. التناقض في الأوامر كما ظنوا:

وإشكالهم الآخر هو التناقض في بعض الأوامر القرآنية، لأنهم يخلطون بين الحياة الدنيا الاختبارية والحياة الآخرة الجزائية. فالله تعالى جعل كل الناس أحرارا في اختيار دينهم في الدنيا وفي أن يتركوا دينهم متى ما شاءوا وأرادوا ولم يسمح لنا أبدا بأن نلومهم أو نعاقبهم ولكنه هددهم بالآخرة فقط. التهديد بالآخرة لا يعني القتل كما ظنوا. هذا هو دين الله وهذا هو ما سار عليه الرسول موسى عليه السلام من قبل حينما سأل السامري ثم دافع عنه بأنه لم يمسس بدن أحد فحكم عليه بأن يذهب دون عقاب. حكى الله تعالى حكم موسى في سورة طه: قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97). اكتفى موسى بأن هدده بالآخرة وهذا ما كان يفعله رسولنا عليه السلام وما يقصونه من قصص فهي كلها مفتراة عليه وليست صحيحة. أرجو من الإخوة ألا يؤاخذوا القرآن بما كتبه البشر وبفتاوى البشر وبما يسمونه الشريعة فهي كلها بشرية لا عبرة بها عند الله تعالى والعبرة عنده في القرآن فقط.

6. حب الانتقام:

يقولون بأن الله تعالى يحب الانتقام ولذلك ملأ كتابه بالتهديد بالعذاب. بالطبع أن هذا تفسيرهم غير الطيب لموضوع مهم جدا. وأما تفسيري فهو بأن الله تعالى يحب الذين خلقهم بيده ويكره أن يعذبهم ولكنه لا يمكن أن يخالف عدالته التي تقتضي عدم ترك المجرم بلا عقاب. ولذلك يهدد الناس حتى لا يظلموا فلا يتأذن ربهم بإدخالهم الجنة يوم القيامة. إنه سبحانه يحب أن يدخل الناس الجنة ولذلك يريد أن يبتعدوا عما يسيئ إليهم فالتهديد لطف منه وكرم.

وأما آيات الانتقام الثلاثة فسأذكر منها ما في سورة السجدة فهي توضح المعنى بكل تفصيل: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاّ يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22). فالعدالة تقتضي ألا يسوي الله بين المؤمن والفاسق وهو سبحانه يبلي الفاسقين في الدنيا لعلهم يعودوا إلى ربهم ويتركوا الظلم ولكنه في النهاية ينتقم منهم بالعذاب. فهل هذا هو انتقام للثأر أم انتقام ليمنع المؤمنين من أن يثأروا من أعدائهم الظالمين إذا سلطهم الله علىمن ظلمهم. فالله تعالى يقول بأنه سوف يراعي العدالة وسوف ينتقم لهم من أعدائهم ليمنعهم من الانتقام. هناك موارد كثيرة للثأر والانتقام ولكن الله تعالى يعظ المؤمنين ألا ينتقموا بأساليب مختلفة.

7. النسخ:

ويسخرون من القرآن في أنه ينسخ آياته خلال فترة لا تتجاوز 23 سنة وهي تدل على عدم الإتقان من البداية. إنهم ومفسرونا ظلموا أنفسهم بالافتراء على القرآن. لو أن القرآن نسخ نفسه فأنا أول من يكفر به لكن القرآن نسخ بعض أحكام التوراة والواقع المشهود بوضوح هو أنه نسخ حكما واحدا في التوراة وهو حكم تحريم شحوم الأنعام. لقد وضح الله تعالى بأنه لم يكن حكما عاما بل كان حكما جزائيا مؤقتا. يبدأ سبحانه في سورة البقرة بذكر حقه في نسخ الأحكام هكذا: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (108). الآية متوسطة بين آمال أهل الكتاب وسؤالهم غير الصحيح من نبيهم موسى. فهي لا تتحدث عن القرآن بل تتحدث عن آيات التوراة لترد على الذين كفروا من اليهود بأن الله تعالى نسخ بعض التوراة باعتبار ألوهيته وملكه الكامل وحقه في ذلك.

وحينما نفتش في القرآن قد لا نرى غير حكم الشحوم المحرمة في فترة خاصة. قال تعالى في سورة الأنعام: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ (146). ذلك البغي كان مع اليهود حتى بعد وفاة موسى ولكن المسيح جاء وأحل ذلك التحريم كما قال تعالى في سورة آل عمران: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50). بعض ما حرم عليهم هو شحوم الأنعام والحكم الآخر الخاص بتحريم كل ذي ظفر بقي على حاله حتى يومنا هذا. وبما أن الإنجيل ليس كتابا تشريعيا فإن الله تعالى كما أظن أراد تثبيت الحكم في الكتاب التشريعي الثاني والأخير وهو القرآن.

8. السامري:

رأيت قبل أيام اعتراضا جديدا بالنسبة لي وهو أن السامري المذكور في القرآن من أيام موسى وهو يعني حسب فهمه شخصا من أهل السامرة التي بنيت قرونا بعد وفاة موسى. فأقول لسيادته لو كان المقصود من السامري شخصا من السامرة لذكر الله تعالى السامرة قبل ذكر اسمه ثم نسبه إليها. ليس بيدنا دليل بأن السامري كان شخصا من مدينة السامرة. ولنعلم بأن السامري بدون البلدة كان معروفا من أيام النبي يوسف الذي مات قرونا قبل موسى ولا أظن السامري القرآني منسوبا إليه. إنه شخص آخر دون شك. وكلمة السامري يطلق على السامريين وهم أهل الخير ولا عبرة بكونهم من بني إسرائيل أو غير بني إسرائيل. إلى جانب ذلك فمن الضروري أن نفهم بأن الكثير من المدن سميت بأسماء معروفة من قبل تأسيسها. فمثلا عجلون في الأردن مسماة باسم راهب سبق تأسيس المدينة وكان يعيش في جبل عوف. وهكذا الكفل والكاظمية في العراق فهما باسم النبي ذي الكفل والإمام موسى الكاظم الذين توفيا قبل بناء البلدين. والمدينة تعني مدينة الرسول وهي اسم أعطي ليثرب بعد وفاة الرسول وليس في حياته الطيبة.

وقد استشكل نفس الأخ الملحد على أخت هارون بأن هارون مات قرونا قبل ميلاد مريم فكيف قالوا لمريم: يا أخت هارون؟ يظن الأخ الفاضل بأن هارون اسم حصري للنبي هارون أخي موسى ولم يفكر سيادته بأن الذي أنزل القرآن كما نظن نحن أو كتب القرآن كما يظنه هو فهو كان يعرف تلك الحقيقة وقد ذكر الكثير عن هارون في القرآن الكريم ولا يمكن القول بأنه غفل عن هارون أخي موسى والفرق الزماني بينه وبين ميلاد مريم. لكن هارون أخا مريم شخص آخر كما نظن أو أن المقصود هو أخت هارون بالصفة وليس بالاسم. نحن نقول مثلا: يا أخ العرب؛ فهل نقصد به أخ يعرب بن قحطان أم نقصد بأنه عربي باعتبار صفاته العربية التي نراها فيه؟ أنا شخصيا أميل إلى وجود أخ حقيقي لمريم اسمه هارون ولكن العلامة الطباطبائي كما أذكر ظن بأن المقصود الصفة الطيبة المشابهة لصفات هارون كما قلت.

وهناك إشكالات قديمة أخرى حول بعض الأسماء مثل هامان الذي قالوا بأنه كان فارسيا وزيرا لخشايار شاه وقد رد عليهم المرحوم الفخر الرازي. أما أنا فأتعجب من هذه الادعاءات التي تدل على ضعف القائلين. هل الأسماء مسجلة لأفراد دون غيرهم؟ هل اسم محمد خاص بنبينا واسم موسى خاص بنبي بني إسرائيل؟ وقد رأيت أحد الإخوة الإيرانيين كتب أكثر من 20 صفحة في الرد على هذه الادعاءات. جزاه الله خيرا ولكن لا أظن بأننا نحتاج للرد على الباطل.

9. إشكالهم على بعض الأخطاء الكتابية في القرآن:

مثل رحمت الله فالأصل رحمة الله. بالطبع هناك ردود على مثل هذه الإشكالات التافهة. ولكني أحب أن أذكر الإخوة الملحدين بأن القرآن يقول بأن التوراة نزلت مكتوبة على ألواح ولعل السبب هو أن موسى كان يقرأ ويكتب. لكن القرآن لم ينزل مكتوبا بل نزل على نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب فنزل آيات على قلبه وكان ينطق بها ويكتبه الناس. سلام الله على موسى ومحمد.

10. شاهدت في اليوتيوب أختا ملحدة من الإمارات وهي تتأسف على إسلام أهلها وتتمنى لهم أن يتأسوا بها في إلحادها وتسمي الإلحاد نورا. فأقول لأختنا الملحدة بأن الإلحاد أمر سلبي والنور شيء إيجابي فلا يمكن أن نعطي السلبيات أسماء إيجابية. فمثلا نحن نقول: لا إله إلا الله؛ لا إله سلبي وليس نورا ولكن إلا الله إيجابي ويمكن تسميته بالنور. إن أختنا الملحدة لم تحل لنا مشكلة بداية الخلق ولم تتحدث عن بداية الوجود المادي. المادة فقيرة وضعيفة ولا يمكن تصورها بدون موجد قوي قهار. كل السماوات وكل الاراضي مواد ضعيفة محتاجة ولا يمكن تصور تواجدها صدفة. أضف إلى ذلك النسق البديع في صناعة الكون والذي أعطاه القدرة على البقاء ونحتاج إلى حل لمشكلة الفقر لدى هذه الكائنات. عليها بأن تبحث عن حل ثم تقول بأنني وجدت النور.

إذا كان أهلنا في ضلال من حيث أفكارهم الساذجة فالعيب في أهلنا وليس العيب في القرآن الكريم ولا في الاعتقاد بوجود الله تعالى. أنا أدعوها وأدعو جميع الملحدين ليكونوا إيجابيين ويسعوا لدراسة مشكلة بداية الوجود المادي ثم يناقشون الذين يؤمنون بالله العظيم. إذا أخطأ البخاري والطبري والكليني والمفيد والسرخسي وابن حزم والطباطبائي فهذا لا يعني بأن الإسلام دين ضلال. نتخلى عنهم ولا نتخلى عن دين الله تعالى. وإذا قام بعض المجرمين بقتل البشر وهدم البيوت باسم الإسلام كما يفعله الدواعش والقواعد وغيرهم فهم الضالون المجرمون وليس الإسلام. أنا مسلم وأعتقد بأن كل القتلة والسفاكين فاسدون وكفار ولكنهم يتظاهرون باسم الديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلام. ما علاقة هيتلر المسيحي بالمسيح وما هو ارتباط الصهاينة القتلة بموسى؟ إنهما نبيان صالحان جاءا لينقذا البشرية من الضلال ولم يدعوا إلى القتل والأنانية والتعالي على الغير. وإذا افترى المؤرخون الفاسدون على النبي محمد بأنه قتل بني قريظة فهل يعني بأن نبينا فعل ذلك؟ إنهم أجراء الحكام الفاسدين ولا علاقة لهم برسولنا كما لا علاقة لفقهاء السوء برسولنا الطيب الأمين. إنهم أتباع الشهوات والرسول لم يدع أحدا إلى الشهوات وإذا كانوا يجهلون معنى الآيات القرآنية فهذا لا يعني بأن آيات الزواج تبيح الزنا. إذا كانوا يجهلون الضمائر فهذا لا يعني بأن الآيات التي تأمر بالتخلص من الإرهابيين إذا مارسوا الإرهاب يعني قتل كل من لم يقبل الإسلام. إذا منع حكام المسلمين  دخول الناس إلى مكة فهو لا يعني بأن الله تعالى الذي أمر أنبياءه بأن يدعو الناس إلى مكة قد سمح لهم بذلك.

11. استشكل بعضهم على ذكر الله تعالى لفظ الملائكة بالجمع بالنسبة لمريم:

إشكالهم كما قرأت على هذه الآية من سورة آل عمران وأنا أذكرها مع سابقاتها: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45). قالوا بأن الروح القدس ملك واحد فكيف يأتي القرآن بضمير الجمع؟  انتهى إشكالهم فأقول لهم:  

تعمل الملائكة بصورة ثنائية أو ثلاثية أو رباعية وليس هناك ملك يمكنه أن يقوم بعمل تجاه الغير لحاله. ذلك لأنها موجودات طاقوية والموجود الطاقوي يعيش لوحده ولكن لا يمكنه أن يقوم بعمل تجاه الغير إلا بمشاركة موجود مشابه آخر. مثالهم مثال الكهرباء فليس للسلك الحامل للقوة أن تعمل إلا إذا ارتبط بسلك آخر موصل إلى الأرض أو إلى خازن مشابه لتتحرك الإلكترونات وتنتج الحركة أو الحرارة أو الدفع مثلا. قال تعالى في سورة فاطر: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).

تتحدث الآية الكريمة بأن الله تعالى يقوم بالعمل لوحده حتى في أكبر عملية وهي الانفجار الكوني الأول احتمالا. لكنه سبحانه جعل الملائكة رسلا ذوي طاقات فهم ثنائيون أو ثلاثيون أو رباعيون. فجبريل لا يمكنه العمل بالرسالة من ربه إلا بمعية ميكال؛ وهاروت يعمل بمساعدة ماروت؛ والرقيب يتحرك بمساعدة الخازن الحافظ له وهو العتيد وهو اسم على مسمى ونفس الرقيب والعتيد يتحولان يوم القيامة إلى سائق وشهيد كما أظن وهما معا ينفذان أمر الله تعالى وليس بمفردهما. قال تعالى في سورة ق: وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24).

 هناك ملائكة رباعيون وهم الذين يحفظون الإنسان. قال تعالى في سورة الرعد: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11). المعقبات هن اللائي يعقبن إرادة الإنسان للمضي في أمر فيمنعنه أو يساعدنه وهن أربعة ولذلك أتى سبحانه بلفظ الجمع “معقبات” اثنان بالأمام واثنان بالخلف ليحيطوا طاقويا بكل جوانب الإنسان. وقبل أن يستشكلوا علي فالملائكة ليست ذكورا ولا إناثا ولكننا نستعمل التصريفات الأنثوية أو الذكورية باعتبار الكلمات أو الأسماء أو الصفات وليس باعتبار ذواتهم.

فكل إنسان حينما يخلقه الله تعالى فهو يخلق معه تسعة من الملائكة في ثلاث مجموعات وكل مجموعة مأمورة بأمر. الملائكة الثلاثيون غابوا عن بالي الآن ولا أتذكر كيف فسرتها. وحينما يريد الملك أن يتكلم ويخرج صوتا فهو غير قادر على ذلك لأنه لا يملك اللسان مثلنا وأنا لا أدري كيف يخلق الصوت. حتى الوحي القلبي ليس أمرا سهلا وخاصة حينما يشير إليه الله تعالى بلفظ النداء كقوله بالنسبة لزكريا في الصلاة كما في سورة آل عمران: فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39). فالملائكة الذين قاموا بتفعيل أمر الله كانوا أكثر من ملك واحد وأحتمل أن أحدهم كان مسؤولا وهاديا للحركة ولإبلاغ رسالة الله تعالى إلى زكريا بمساعدة ملك مشابه آخر. فلو أن زكريا سمع صوتا وهو يصلي فإن هناك مجموعتان من الملائكة وقامت كل مجموعة بعمل باعتبار أن العملية تتطلب الإيحاء إضافة إلى صناعة الصوت.

وأما بالنسبة لمريم فليس سهلا أن نتمكن من التدبر لنفهم عدد الملائكة الذين تواجدوا مع الروح القدس لتفعيل عدة أعمال وهي الوحي بواسطة الروح القدس نفسه ثم التمثيل بصورة إنسان ثم الصوت المسموع لمريم. ومما يغلب الظن فيه هو أن ميكال كان مع جبريل للقيام بعملية الإيحاء والباقون قاموا بالعمليتين الأخريين. والذي يحز في نفسي بأن الكثير من أفراد أمتنا يتحدثون عن كائنات بعيدة عن أبصارنا وكأنهم يتحدثون عن الخبز والماء. نحتاج إلى بحث شاق وطويل لنعرف الملائكة و أنواعها في حدود بيانات القرآن فقط ولا يمكن لغير القرآن اليوم أن يحدثنا عن ملائكة الرحمن. هدانا الله تعالى وهدى الأحياء منهم إلى الحقيقة بإذنه.

وتقبلوا تحيات أخيكم

أحمد المُهري

فكرة واحدة على ”دفاعا عن فهمنا للقرآن الكريم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s