الحكم الاخلاقي لدى الطفل 5- 24&25


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

lie5.jpg

الحكم الأخلاقي لدى الطفل   – 24

  1. الكذب ونوعا الاحترام

لماذا نجد الكذب في هذه السنين الأولى قد أدى إلى ظهور مثل هذا المذهب المتناقض ظاهريًا إلى ميدان الأخلاق، مذهب يشهد بهذه الفكرة الضعيفة التي تشمل الجاذبية الحقيقية للغش؟  وكيف يبدأ الطفل من المسؤولية الموضوعية فيصل يومًا ما إلى تقويم الكذب تقويمًا سيكولوجيا.  إن هذين السؤالين يرتبطان ببعضهما ارتباطًا وثيقا.

 

هذا الموضوع يمكن تفسيره بكل بساطة لو أنا قارنا معلوماتنا الحاضرة بالنتائج المؤكدة تأكيدًا بعيدًا والتي حصلنا عليها عن طريق ملاحظة نمو قواعد اللعب، ذلك أنه في هذه النقطة الاخيرة نستطيع أن والكبار من الأطفال, وهذا القسر أبعد ما يكون عن أن يضع حدًا لنهاية التفكير أو السلوك المركزي الذات, ولكن يسهل عليه أن يمتزج به فيؤدي إلى فكرة خارجية خالصة وواقعية عن القواعد دون أن يكون له أثر فعال على تطبيق هذه القواعد.  من جهة أخرى فإن هناك تعاونًا يبدو لنا وكأنه كلاً من التطبيق المركزى الذات والموقف الصوفى للقسر، ويؤدي بهما إلى تطبيق ناجح للقواعد وإلى فهم أوسع وأكثر داخلية لما يعنيانه.  وعلى ذلك, فإن الآراء التالية نعرضها فيما يتعلق بالأكاذيب، فمن جهة نجد أن المذهب الواقعي الأخلاقي هو نتيجة التقاء مركزية الذات مع القسر, فالطفل نظرًا لأنه في حالة مركزية الذات لا شعوريًا نجده يميل تلقائيًا إلى تغيير الحقيقة تبعًا لأهوائه وإلى إهمال قيمة الحقيقة.   فالقاعدة التي تقول إن الإنسان يجب ألا يكذب – والتي تفرضها سلطة الكبار – يبدو أنها مقدسة تمامًا في نظره، وتتطلب تفسيرًا “موضوعيًا” لمجرد أنها لا ترتبط في الحقيقة بأي إحساس داخلي من ناحيته.  من هنا كان المذهب الواقعي الأخلاقي والمسؤولية الموضوعية دليلاً على وجود فرصة للتطبيق العملي الناقص للقواعد – ومن ناحية أخرى, فإنه بمجرد أن تضطر عادات التعاون الطفل إلى عدم الكذب فإن القواعد تصبح مفهومة، وتصبح لها قيمة داخلية، ولا تعود تسمح بوجود أي أحكام سوى تلك التي تقوم على المسؤولية الذاتية.

 

وبفضل التجارب العظيمة التي قام بها شتيرن Stern  وأتباعه أصبح كل منا يعرف أن الطفل حتى سن 7- 8 يجد صعوبة في التمسك بأهداب الصدق, فهو دون أن يكذب من أجل الكذب -أي دون أن يحاول أن يخدع أي إنسان, ودون أن يكون مدركًا تمامًا لما يعمل فإنا نجده يعرف الحقيقة تبعًا لأهوائه وخيالاته.  فالرأي عند الطفل قيمته قليلة, وهو أشبه بعبارة منه برغبة.  أما الحكايات, والأدلة, والشروح التي يقدمها الطفل فإنه يجب اعتبارها توضيحًا لوجداناته أكثر منها دليلاً على اعتقاده بصحتها أو كذبها.  وقد قال شتيرن إن هناك أشياء كثيرة كهذه واضحة أو أكاذيب منتحلة، ومنذ ذلك الحين فإن أكاذيب الأطفال قد تمت دراستها من كل النواحي, وقد وجدت فكرة تلقائية الأكاذيب المنتحلة عند الاطفال.

 

ولعل الذي لم يفهم تمامًا هو أن هذه الظاهرة من ظواهر علم نفس الأطفال ذات نظام عقلي وأخلاقي، وأنها مرتبطة بقوانين تفكير الطفل عمومًا وبظاهرة مركزية الذات العقلية بنوع خاص، ذلك أن الحاجة إلى قول الصدق وحتى للبحث عنه يمكن فقط أن يراها الفرد ما دام يفكر ويعمل كواحد في مجتمع يقوم على الاحترام المتبادل وعلى الأخذ والعطاء، أي على التعاون.  ولا يمكن أن نراه في مجتمع تنعدم فيه هذه الصفات, لأن علاقة الإكراه بين السيد والمسود هي التي تدفع الأخيرعادة إلى المراوغة.  ولنا بعد ذلـك أن نتساءل : إلى أين تتجه الحالة العقلية للطفل؟

 

الواقع أنه حتى قبل ظهور اللغة في المستوى الحركي – الذي ذكرناه حين كنا نتتاول قواعد اللعب – فقد وجدنا أنه ولو أن نشاط الطفل لا زال مشروطا بتوافق متصل تمامًا بالأشياء التي تحيط به, فإنه يميل دائمًا لأن يستغل هذه الأشياء من أجل تدريب بعض الملكات العضوية، أو من أجل إرضاء بعض الميول السيكلوجية.   وبهذه الطريقة تمثل الأشياء والظواهر الخارجية في شكل عمليات حركية منظمة كثيرًا أو قليلاً.  وهذا التمثيل المستمر للأشياء وتحويلها إلى نشاط خاص بالطفل هو نقطة البداية للعب.  ليس هذا فحسب ولكن حين تنقى الحركة بإضافة اللغة والخيال فإن عملية التمثيل تزداد قوة، وكلما شعر العقل أنه ليس فى حاجة فعلية إلى التوفيق بين نفسه وبين الحقيقة فإن ميله الطبيعى سوف يكون نحو تعريف الأشياء المحيطة به تبعًا لرغباته وأهوائه.   وباختصار, فإنه يستخدمها لإرضائه هو.  وهذه هي مركزية الذات الفعلية التي تميز الأشكال الأولية لتفكير الطفل.

                   

وإلى هذه الظروف يجب أن ننسب الظاهرة الملفته للنظر في المعتقدات الأولى للطفل في كونه ذاتيًا لا محكومًا (في كونه – كما قال بيرجانيت Pierre Janet مجرد مثبت لا “مفكر”).  فكل فكرة تدخل عقل طفل الثانية إلى الثالثة تدخله من أول الأمر في شكل عقيدة لا في شكل نظرية تحقق.  ومن هنا كانت خيالات الطفل المنظمة نوعًا من اللعب الذي يقوم به الطفل مع نفسه ومع غيره، والتي لا يمكن الإنسان أن يطلق عليه اسم كذب منتحل، ذلك هو الذي من نوع الخيال يستخدمه من أجل الآخرين، وهو يستخدم لسحب الطفل بعيدًا عن أي ارتباط ضيق بالظروف التي يرى أن من الطبيعي جدًا أن يتخلص منها فيخترع قصة.  فكما أن الطفل من الناحية العقلية يتملص من السؤال الصعب بواسطة خرافة مرتجلة يعطيها صفة العقيدة المؤقتة, فكذلك من الناحية الأخلاقية نجد أن الموقف المحير يؤدي إلى قيام كذب منتحل – وهذا لا يتضمن شيئًا سوى تطبيق القوانين العامة للتفكير البدائي للأطفال الذي يتجه دائمًا نحو إرضائه هو نفسه أكثر من اتجاهه نحو الحقيقة الموضوعية – أما الحقيقة فإنها تبدأ تصبح لها قيمة في نظر الطفل بمجرد أن يتصل عقله بالآخرين.  ويترتب على ذلك أن تصبح لها صفة الإلزام الأخلاقي الذي يطالب به.  ولكن ما دام الطفل لا يزال مركزي الذات فالصدق الذي وصفناه لا يهمه، ولا يجد بأسًا من تغيير الحقائق تبعًا لرغباته.

 

وهكذا نجد الطفل غالبًا ما يقول الكذب – أو يظهر في أحاديثه من وجهة نظرنا – وذلك نتيجة تركيب تفكيره التلقائي.  وإذا كنا قد وصلنا إلى هذا الموقف الآن، فما نتيجة القوانين التي يضعها الراشدون عن الصدق ؟   بالنسبة للأكاذيب الأولى الواضحة الكذب أو بالنسبة لتلك المرتبطة ببعض الذنوب أو غيرها، والتي قيلت لغرض تجنب العقاب أو التوبيخ, إن الآباء يشيرون إلى أن الطفل قد ارتكب خطأ بينًا وبذلك ينمو عنده احترام الصدق.  ونحن نتفق مع “بوفيه” في أن الأوامر من هذا النوع التي تفرض على الأطفال بواسطة أشخاص يشعر نحوهم بالاحترام، والتي تفرض بنوع خاص في مناسبات ذات مؤثرات قوية, مثل هذه الأوامر تكفي لأن تثير في عقل الطفل التزامات الضمير، مثال ذلك الشعور بواجبات معينة محدودة من مثل العدول عن قول الكذب مرة أخرى.  أكثر من ذلك, فإن القاعدة – كما رأينا في لعبة الكريات – قد يحس بها الطفل على أنها مقدسة وإجبارية دون أن يطبقها فعليًا.   وقد يقول قائل إنه في بعض الحالات نجد أنه كلما كان تطبيق القاعدة ناقصًا كان الشعور بالإجبار قويًا وذلك نتيجة الصراع المستمر (وبالتالى الشعور بالخطيئة) الذي لا بد أن تؤدي إليه هذه المخالفات للقاعدة.  وأيًا كانت الأوضاع, فإننا نستطيع أن نقول إنه حتى سن 7- 8 فإن الطفل يميل إلى أن يغير الحقيقة – وذلك يبدو له مسألة طبيعية لا ضرر فيها إطلاقًا – ولكنه في الوقت نفسه يعتبر من الواجب نحو الراشدين ألا يكذب ويعرف أن الكذب عمل “سئ”.   فالمذهب الواقعي الأخلاقي والمسؤولية الموضوعية هي نتيجة لا مفر منها في هذا الموقف المتناقض فى الظاهر.

 

حقيقة أن هناك مجموعتين من الأسباب قد تآمرتا للوصول إلى هذه النتيجة : المجموعة الأولى ذات نظام عام وسوف ندرسها عند دراسة نتائج هذا الفصل، فالطفل واقعي في كل نواحي التفكير، لذلك كان من الطبيعي أن يعني في الناحية الأخلاقية بالعنصر الخارجي المحسوس أكثر من عنايته بالدافع الذي لا يمكن أن يراه.  أما المجموعة الثانية فخاصة بالموقف الذي تناولنا وصفه.  فمن الواضح أن الرغبة في الصدق إن لم تتصل بشئ أساسي في طبيعة الطفل فإن أمر الراشد – رغم الهالة التي تحيط به – سوف يبقي دائمًا شيئًا خارجيًا “مفروضًا” كما هو، وهو مفروض تختلف طبيعته في النظام.   فروح مثل هذا الأمر لا يمكن فهمها إلا عن طريق التجربة لأن المرء لابد أن يشعر برغبة حقيقية لتبادل الأفكار مع الآخرين حتى يكتشف كل محتويات الكذب.

 

وهذا التبادل في التفكير مستحيل قيامه من أول الأمر بين الراشدين والأطفال لأن عدم المساواة كبير جدًا.  لذلك نجد الطفل يحاول أن يقلد الراشد، وفى الوقت نفسه يحمي نفسه منه أكثر من أن يبادله التفكير، لذلك كان الموقف الذي أتينا على وصفه هو نتيجة في الغالب للاحترام من جانب واحد، فروح الأمر قد فشلت في أن تمثل ولم يبق سوى الحروف وحدها، ومن هنا جاءت الظاهرة التي لاحظناها, فالولد يظن أن الكذب هو “ما ليس صدقًا” بصرف النظر عن دافع الشخص, بل قد يذهب إلى أبعد من ذلك فيقارن بين الأكاذيب والألفاظ المعيبة “الكلمات السيئة”.   أما بالنسبة للحكم على المسؤولية فإنه يرى أنه كلما بعُد الكذب عن الحقيقة كانت الجريمة أشد.  المسؤولية الموضوعية, إذن, هي النتيجة الحتمية للاحترام من جانب واحد في مراحله الأولى.

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

الحكم الأخلاقي لدى الطفل   – 25­

والآن ننتقل إلى المشكلة الثانية التي وضعناها لأنفسنا فنتساءل كيف يلم الطفل بفهم حقيقي للكذب فيصبح قادرًا على الحكم على المسؤولية الشخصية.  إن النتيجة الطبيعية لما قلناه هي أن الانتقال من الاحترام من جانب واحد إلى الاحترام المتبادل هو الذي يحرر الطفل من مذهبة الواقعي الأخلاقي.  ولكن قبل أن نسير في المناقشة إلى أبعد من ذلك دعنا نتوقف قليلاً فندرس بعض الحقائق الهامة المتصلة بهذا الموضوع.   ذلك أنه إذا كان ما قلناه صدقا فإننا نواجه سؤالين يفرضان أنفسهما علينا : أولهما هو ما هو رأي الطفل في الفائدة الأخلاقية للابتعاد عن الكذب؟  وثانيهما هو من أي لحظة وفي أي الظروف يعتبر الطفل الكذب على أقرانه خطأ أخلاقيًا؟  وسوف نرى أن الإجابات التي نحصل عليها من هذين النوعين من الأسئلة تبين أنه في الاحترام المتبادل والتعاون يمكن أن نجد العامل الحقيقي الذي ينتج عنه الفهم التدريجي لقانون الصدق.

 

والآن ننتقل أولاً إلى بحث لماذا كان ينبغي على الناس ألا يكذبوا. والسبب المقبول قبولاً عامًا والذي يجئ أولاً من حيث الترتيب هو أنه يجب ألا تكذب تجنبًا للوقوع تحت طائلة العقاب.  وهاك بعض الأمثلة.

زامب Zamb (6 سنوات)  – لماذا لا تكذب؟  – لأن الله يعاقبنا؟  – وإذا لم يعاقبنا الله؟  – إذن نستطيع أن نكذب.

 

روك Roc  – ماذا يحدث حين تكذب؟  – أعاقب.   – وإن لم تعاقب, فهل يكون من السوء أن تكذب؟ – لا.   – سوف أقص عليك حكايتين : كان هناك طفلان كسر كل منهما إناءً.  أما الأول فقال إنه ليس هو فصدقته أمه ولم تعاقبه.  أما الثاني فقال أيضًا إنه ليس هو ولكن أمه لم تصدقه وعاقبته.  فهل كلا الكذبتين في السوء سواء؟  – لا.   – أيهما أسوأ.  – ذلك الذي عوقب.

 

بيرد Burd (7) ذكر لنا فيما يتعلق بقصتي الكلاب والمعلم اللتين ذكرناهما في الفقرة السابقة أن الكذبة التي عرفت الأم أنها غير حقيقية هي الأسوأ, ثم أضاف من تلقاء نفسه التوضيح المدهش التالي:  – من تعرفه هو الأسوأ.  – لماذا؟  – لأنها حين تعرف تستطيع أن تعنفه في الحال أما حين لا تعرف فلا تستطيع ذلك.   الطفل, بهذا الشكل, لا يعرف لماذا وقعت عليه اللائمة, ولا يستطيع أن يذكر شيئاً آخر.   – ولكن متى يكون الطفل أسـوأ؟  حين يعنف في الحال أم حين لا يعنف؟  – حين يعنف في الحال.

 

ديلي Dele (9)  – لماذا كان سيئا؟  – لأنك عوقبت.  – ولو كان الكذب لم يعقبه عقاب فهل يكون سيئا؟   – لا.

 

هذا وقد قامت الآنسة لافندل بالملاحظات التالية مؤخرًا في بيت الأطفال.  وهي ملاحظات تستحق التسجيل.  فهناك طفل صغير في السادسة كذب فسألته الآنسة إن كان ذلك صحيحًا فكان جوابه “لا يهم ما دامت أمي لا تعرف”.

 

ونلاحظ كيف أن وصف بيرد على ملاحظة دقيقة للموقف.  ولكن أى أخلاق غريبة هذه التي وصلت إليها التربية العادية؟  فالطفل أشد سوءًا لأنه عنف.  فهؤلاء الأطفال, باختصار, يرون الكذب سيئًا لأنه يُعاقب عليه, فإن لم يعاقب عليه فلا جريمة تتصل به.   هذه هي المسؤولية الموضوعية في أنقى أشكالها.  أكثر من ذلك, فإن هذه الحقائق ينبغي ألا تفسر على أنها غير أخلاقية نسبيًا فالطفل لا يعني أنه يكفي الهرب من الرقيب حتى تكون أمينًا وكل الذي يظنه هؤلاء الأشخاص هو مجرد أن العقاب هو مركز الجاذبية بالنسبة للكذب, فالكذب ممنوع ولو أن المرء قد لا يعرف سبب ذلك تمامًا والدليل على ذلك هو أن الإنسان يعاقب من أجله ولو أنه لا يعاقب ما كان سيئًا، فهذه الإجابات معناها إذن أن الكذب خطأ ما دام الله أو الراشدون يحرمونه. وهذه هى الغيرية في شكلها البسيط, وهى تؤيد تفسيرنا للواقعية في بدايتها.

 

وهاك بعض الإجابات المتقدمة قليلاً حيث الكذب خطأ في ذاته ويبقى كذلك حتى إذا لم يعاقب عليه.

دير Dur (7)- هل يسمح لنا أن نكذب؟  – لا, إنه عمل سئ.  – لماذا ؟   – لأنا نعاقب عليه.  – لو استطعنا أن نقوله دون أن ننال عقابًا فهل هذا سئ أم غير سئ؟  – سئ.   – لو فرضنا أنا كنا فى بلد لا يعيش فيه سوى أطفال, وليس فيه من يعرف أنا نكذب, فهل لا زال قول الكذب سيئًا أم لا؟  – سيكون سيئًا.

جر Gir(9)   لماذا كان سيئـًا؟   – لأنا نعاقب عليه.   – لو كنت لا تعلم أنك تكذب فهل يعتبر عملاً سيئًا أيضًا؟  – سيكون سيئًا ولكن بشكل أقل (لدينا هنا بقية ذات أهمية من النوع الأخير للإجابة)  – لماذا كان سيئًا؟  – لأنه كذب على أية حال.

أوف Auf (9)  – لو أن الاكاذيب لا عقاب عليها, فهل تظل خطئا؟  – تظل خطئًا عند الولد الذي قالها.

آرل Arl(10)  – لو أن الأكاذيب لا عقاب عليها, فهل تكون سيئة أم غير سيئة؟  – طبعًا ستكون سيئة.

 

عند مستوىً معين, إذن, تصبح القواعد إجبارية ومستقلة عن العقاب.   أي مستقلة عن القوة الضابطة التي تنبعث منها.   هذه هي الظاهرة التي لفت إليها بوفيه الأنظار, فالأومر التي ترتبط أول الأمر ربطًا محكمًا بالشخص الذي فرضها تصفى عن طريق عقل الطفل فتصبح عامة, فهى عملية من النوع الذي وصفه جانيت مرتبطًا بالمستوى “المعقول”.   قوانين السلوك, بهذا الشكل, تشبه قوانين التفكير وتنتهي بأن تضع نفسها فوق القرينة العملية التي حدثت معها عامة ومطلقة.

 

ولكن حتى ولو أن القواعد تصبح عامة بهذه الطريقة, فإنها تصبح غيرية.  حقًا, يأخذ الطفل الأمر الخاص الذي صدر إليه ويرفعه إلى مستوى القانون العام, وعملية التوسع العقلي هذه قد تعزى إلى التعاون, ولكن القاعدة تظل ثابتة رغم ذلك في شكل أمر خارجي عن شعور الطفل.  وسنرى الآن كيف أن حالة الأشياء هذه سوف تترك الخطة معينة نظرًا لنمو فهم الطفل نفسه.   والواقع فإن الكبار من الأطفال فيما بين 10 و 12 على العموم يتوسلون ضد الكذب بأسباب كهذه, وهى أن الصدق ضرورى للاتفاق المتبادل من الجانبين.  حقًا, سوف نجد أن بين البواعث المؤكدة مجموعة كاملة من العبارات التي أثارها حديث الراشد “يجب ألا نكذب لأنه لا فائدة منه”.

 

(آرل 10)    – يجب أن نقول الصدق …… فضميرنا يحدثنا. و(هوف 11).   ولكن بجانب هذه القواعد الحميدة, وإن كانت في الغالب عديمة المعنى, نستطيع أن نلاحظ رد فعل يبدو إن لم يكن تلقائيًا فهو على أية حال قد قام على أساس من الخبرة.  فرد فعل في السؤال يتضمن أن الصدق ضروري لأن خداع الآخرين يقضي على الثقة المتبادلة.   وإن المرء لدهشته الحقيقية المرتبطة بهذا الموضوع وهي أنه بينما يعد صغار الأطفال الكذب في منتهى السوء كلما صعب تصديقه فإن الكبار منهم على العكس من ذلـك يذمون الكذب كلما كان ناجحًا.

 

وهاك بعض الأمثلة الجديدة لاتجاهات الصغار من الأطفال في هذه النقطة التي تصادف أن لاحظناها أكثر من مرة أثناء الفقرة السابقة .

بج Bug (6)    – الكذب الخاص بالكلب أسوأ من الكذب الخاص بالدرجات الحسنة لأن أمه قد تصدق  الأخير.

 

روك Roc (7)   – الكذب ليس ظريفًا.  – لماذا؟  – لأننا أحيانًا نصدقه وأحيانًا لا نصدقه.  – أيهما أسوأ, ذلك الذي تصدقه أم ذلك الذي لا تصدقه؟  – ذلك الذي لا نصدقه.  حدث أن طفلين قالا إن قدميهما تؤلمانها فلا يستطيعا أن يوصلا رسالة.  أما أحدهما فصدق وأما الآخر فلم يصدق, فأيهما أسوأ؟  – ذلك الذي لم تصدقه.   – لماذا؟  – لأنك قد تخطئ فتنظر إليه نظرة فاحصة (لأنه في حالة الذي صدق فإن الظواهر قد تدفعك إلى أن تفكر في أن قدمه موجعة.  فالكذب محتمل ولذلك كان أقل سوءًا من الحالة التي تكون فيها الظواهر الكثيرة ضده.

 

ساف Sav (7)    – متى يكون الكذب أسوأ : حين يصدقه الناس أو حين لا يصدقونه؟  – حين لا يمكنك أن تصدقه.

 

أما الكبار من الأطفال فعلى العكس من ذلك يرون أن الكذب يزداد سوءًا بنوع خاص كلما حقق غايته ونجح في خداع الآخرين, ولذلك نجد أن هؤلاء الذين يتمسكون بصفات الكذب غير الاجتماعية لم يعودوا يقولون إنه يجب ألا نكذب “لأنا نعاقب” بل لأن فعل ذلك يضاد الاحترام المتبادل بين الجانبين.

دين Din (8 متقدم)   – لماذا لا نكذب؟  – لأنه لو كذب كل إنسان فلن نجد إنسانًا يعرف الصدق.

أوف Auf (9)    – لماذا كان من السوء أن تكذب؟  – لأن الأم تصدقه.   وهذا مقياس مضاد تمامًا لذلك الذي كان يستخدمه الصغار من الأطفال.

لوك Loc (10)     – لماذا كان من السوء أن تكذب؟  – لأنك لن تثق في الناس بعد ذلك.

كى Kei (10)   – الكذب المتعلق بمعلم المدرسة أسوأ من الكذب المتعلق بالكلب لأن هذا المتعلق بالمدرس لا تستطيع أن تعرف أنه كذب.

 

والظاهر أن تطور الإجابات تبعًا للسن يبين تقدمًا محدودًا في اتجاه تبادل المعاملة.   فالاحترام من جانب واحد وهو مصدر الأوامر المطلقة التي تؤخذ حرفيًا يترك مكانه للاحترام المتبادل وهو منبع الفهم الأخلاقي.  ونستطيع فعلاً أن نميز ثلاث مراحل من التطور : في المرحلة الأولى الكذب خطأ لأنه موضوع للعقاب, فإذا أمكن التخلص من العقاب فإن الكذب يصبح مسموحًا به.  وبعد ذلك يصبح الكذب خطأ في ذاته ويبقى كذلك حتى في حالة إمكان التخلص من العقاب.   وأخيرًا, فإن الكذب خطأ لأنه لا يتفق مع الثقة المتبادلة والتعاطف.   وهكذا يصبح الشعور بالكذب شيئًا داخليًا بالتدريج ونستطيع أن نضع لذلك نظرية تقول إنه يفعل ذلك تحت تأثير التعاون.  أما إن نسبنا التقدم إلى ذكاء الطفل وحده ذلك الذي يقوم باستمراربتحسين فهمه لما أخذه أولاً في شكل إحساس حقيقي خالص, لو نسبناه لذلك فإنا نكون قد غيرنا السؤال.  إذ كيف يتقدم الذكاء السيكولوجي بتقدم السن إن لم يكن بازدياد التعاون؟ فالتعاون طبعًا يتضمن الذكاء ولكن هذه العلاقة الدائرية طبيعية تمامًا, فالذكاء ينشط التعاون ومع ذلك فهو في حاجة إلى هذه الوسيلة الاجتماعية لتكوينه هو ولو صحت نظريتنا فإنه ينبغي أن نجد – وهذا هو السؤال الذي يجب أن نبحثه – أن الاكاذيب بين الأطفال التي تعتبر أول الأمر قانونية تنتهى بأن تعتبر محرمة من بين العلاقات التى تقوم بينهم وهذا في الحقيقة هو الذي سيتبين لنا.   وسنبدأ ببعض إجابات صغار الأطفال ممن يرون أن الأكاذيب بين الأطفال مسموح بها.

 

فل Fel(6) – هل قول الكذب للكبار والأطفال سيء؟  – لا.  – أيهما أسوأ؟  – للكبار.   – لماذا؟   لأنهم يعرفون الحقيقة.   (لاحظ عودة ظهور المقياس الحقيقي بشكل تلقائي : كلما كان الكذب واضحًا كلما كان أسوأ)   – وماذا عن الأطفال؟  – إنه مسموح لأنهم أصغر.

بلي Bli(6)- الكذب على الكبار ليس كالكذب على الأطفال.  – أيهما أسوأ؟  – على الكبار.

إيري Iri  (7)  – وهل يجوز أن تكذب على الصغار أم لا؟   –  نعم, سيدي.   – هل هذا سئ أم لا؟         – هو سئ قليلاً.  – وهل هو أسوأ على الكبار أم على الصغار أم الكل سواء؟  –  الكذب على الأطفال لا يصل إلى نفس الدرجة من السوء.   – لماذا؟  – لأنهم ليسوا كبارًا.

دروس Drus (7)     – إنه أسوأ في حالة الكذب على الكبار فهم أكبر من الأطفال, أما الصغار من الأطفال فقد يتبادلون ألفاظ السوء (تعريف الكذب).

كارن Carn (8) لك أن تكذب على الأطفال لا على الكبار “لأن الرجل أفضل من الولد”.

إيم Em (8.5)   – الطفل لا يستطيع أن يميز الصدق أما الكبير فيستطيع, ولهذا كان الكذب عليه أسوأ. مرة أخرى يظهر المقياس الواقعي.

بي Pi (9.3)- إنه أسوأ بالنسبة للكبار لأنهم أكبر سنًا.

إير Er (9.8) – المسألة مهمة بالنسبة للطفل فتستطيع أن تكذب عليه ولكن يجب ألا تفعل ذلك مع الكبار.

 

وعلى العكس من ذلك نجد أن الكبار من الأطفال, ولو أنهم يتمسكون بأن من الخطأ أن نخدع الراشدين إلا أنهم يرون أن خداع الأصدقاء في نفس الدرجة من السوء, فأنت تستطيع أن تقول شيئًا لمجرد المزاح ولكن الكذب الجاد بين الأطفال يستحق نفس الدرجة من اللوم التي يستحقها الكذب على الراشدين.  وهاك بعض الأمثلة :

بوه Boh (7.10)   – هل نستطيع أن نكذب على الأطفال أم أن ذلك في نفس درجة السوء التي عليها الكذب على الكبار؟  – إنهما سواء.

دى Di (8.6) -إنهما في درجة السوء سواء لأن الطفل لا يستطيع أن يعرف إن كنت كاذبًا أم لا وأنه يكون مسرورًا.    وقد كانت المناقشة على العكس تمامًا من مناقشة إيم.

أود Aud (9.6)   – من السوء أن تكذب على الطفل لأن الطفل أصغر.

دين Den  (11سنة )  – من السوء أن تكذب على الطفل لأنه قد يصدق.

كـوت Cott (12.8)   – تعاقـب أشـد إن كذبت على الكبير ولكنهما في السوء سواء.

كال Cal (13سنة) – أحيانًا تضطر إلى أن تكذب على الكبار لكن الكذب على الصديق عمل غير لائق.

 

تبين هذه الإجابات (1) كيف أن نمو التماسك بين الأطفال يساعد على فهم الطبيعة الحقيقية للكذب.  قارن مثلاً إجابات Em بإجابات ديDi فالكذب عند إيم – الذي تسود عنده فكرة السلطة – خطأ كلما كان واضحًا أما عند دي الذي تعلم معنى الصداقة فنجد أن الكذب كلما كان خادعًا.

 

وفي الختام نستطيع أن نحل المشكلتين اللتين وضعناهما لأنفسنا على النحو التالي : إذا كان الصغار من الأطفال يمثلون كل مظاهر المذهب الواقعى الأخلاقي في الغالب وقد يؤدى هذا في بعض الحالات إلى سيادة المسؤولية الموضوعية على المسئولية الشخصية فسبب ذلك يرجع إلى العلاقة النوعية التي تقوم بين قسر الكبار ومركزية الذات عند الأطفال.  فاحترام الطفل الذي يقوم من جانب واحد نحو الراشد يجبره على قبول أوامر الأخير حتى حين تكون هذه من نوع يستطيع أن يطبقه في الحال ومن هنا تبدو القواعد والصفة الحرفية للأحكام الأخلاقية. على العكس من ذلك, لو أن نمو الطفل هو من النوع الذي يجعل هذه الأوامر داخلية ويجعله يكون رأيه عن المسؤولية الشخصية فإن ذلك يرجع إلى التعاون والاحترام المتبادل يمدانه بفهم حي متزايد للحقائق السيكولوجية.   وهكذا نجد أن الصدق بالتدريج لم يعد واجبًا تفرضه الغيرية بل أصبح شيئًا يتصوره الشعور الذاتي الشخصي حسنًا.

 

باختصار, فإن دراسة القواعد المفروضة على الأطفال بواسطة الراشدين تؤيد ما سبق أن عرفناه من دراسة القواعد التي يتسلمها الصغار عن الكبار. ومهما كان الارتباط وثيقـًا بين الاحترام المتبادل والاحترام الجانة من ناحية الاستمرار العام للظاهرة العقلية, فإن العمليتين تؤديان رغم ذلك إلى نتائج مختلفة في الكيفية.

(1) انظر Statistique P. 353-H

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

كمال شاهين

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s