الحكم الاخلاقي عند الطفل – 2 #كمال_شاهين


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

Ruling on children2.jpg

الحكم الأخلاقي عند الطفل  -12

القاعدة الحركية

القاعدة الحركية في نشاتها تكون ممتزجة بالعادة، ففي خلال الشهور القليلة الأولى من حياة الطفل نجد أن طريقته في تناول الثدي أو وضع رأسه على المخدة, إلخ, تتبلور في شكل عادة ذات سلطان.    ولهذا تعزى ضرورة بدء التربية منذ المهد، فتعويد الطفل أن يتخلص من مشكلاته، وأن يهدأ عن طريق تغلبه عليها, كل ذلك يؤدي إلى تكوين عادة حسنة أو سيئة.    ولكن ليست كل عادة تؤدي إلى قاعدة، فالعادة يجب أن تثبت أركانها.   والصراع الناشئ في هذه المناسبة يجب أن يعطى الفرصة لقيام بحث نشيط للعادة.    وفوق هذا كله فالتتابع الخاص يجب أن يتم بانتظام، فمثلاُ يجب أن تكون هناك قدرة على الحكم وإدراك الانتظام. فالقاعدة الحركية إذن تنتج من نوع من عاطفة التكرار التي تتولد من عملية التوافق الحركي. والقواعد البدائية للعبة الكريات (رمي الكريات. تكويمها. دفنها. إلخ ..) التي لاحظناها حوالي سن 2-3 ليست سوى ذلك. والسلوك الذي ندرسه الآن ينتج من الرغبة في القيام بالتدريب الذي تدفع إليه طبيعة الشئ الذي هو في متناول الطفل، فهو يبدأ باستخدام الكريات في عمل أشكال معروفة له, كعمل عش, أو الاختفاء تحت الأرض, وغير ذلك، ثم يوفق بين هذه الأعمال وبين طبيعة الشئ وذلك عن طريق منع الكريات من أن تتدحرج بوضعها في ثقب أو رميها, إلخ.  وهذا المزيج من استدخال العمليات الأولية والتوافق مع ظروف الموقف هو الذي يحدد معنى الذكاء الحركي ولكن – وهذا حين تظهر القواعد في عالم الوجود – بمجرد قيام توازن بين التوافق والاستدخال نجد أن السلوك الأخلاقي الذي حصل عليه الطفل قد تبلور وأصبح ملزمًا، وحتى العمليات الجديدة التي كان الطفل يتناولها بحذر تجدها قد استقرت, مع أنها كانت إجبارية ونافذة. ولكن هل هذا السلوك البدائي مصحوب بالشعور بالواجب أم الشعور بالقاعدة؟  إنا لا نظن ذلك فبدون الشعور بالانتظام الذي يدخل في تركيب أي ذكاء, والذي رأيناه يميز بوضوح الذكاء الحركي, بدون هذا فإن الشعور بالواجب لا يمكن ألا يظهر، ولكن عملية إدراك الواجب تحتوي على أكثر من مجرد عاطفة الانتظام، فهناك عاطفة احترام السلطة تلك التي – كما بين دوركايم وبوفيه بكل وضوح – لا يمكن أن تاتي من الفرد وحده، وإنا نميل إلى القول بأن القواعد تبدأ منذ اللحظة التي يبدأ فيها إدراك الواجب، أي حين يبدأ العنصر الاجتماعي في الظهور.  ولكن المادة التي جمعناها تدل على أن هذا السلوك الإجبارى المقدس ليس سوى مسألة عرضية في تطور القواعد، فبعد أن كان الاحترام من جانب واحد أصبح احترامًا متبادلاً.   وبهذه الطريقة تصبح القاعدة معقولة إذ أنها تظهر نتيجة لعقد ذي طرفين.  ولكن ما هي القاعدة العقلية إن لم تكن قاعدة حركة بدائية تحررت من رغبات الفرد وخضعت لسلطة التبادل.

 

والآن لنعد إلى أثر العلاقات الرفدية الداخلية في تكوين القواعد – وأول شئ نكرره هو العنصر الاجتماعية نجد في كل مكان.   فمن ساعة الميلاد تفرض على الطفل نظم معينة للسلوك يفرضها عليه الكبار(1)  وقد بين من قبل أن كل نظام يلاحظه الطفل في الطبيعة وكل “قانون” يظهر له لمدة طويلة, سواء كان طبيعيًا أم أخلاقيًا فإن له نفس التأثير على سلوك الطفل.  حتى في المرحلة السابقة للكلام التي تتميز بالقاعدة الحركية الخالصة فقد تحدث الناس عن قيام “اجتماع” عند الأطفال.  فمدام “بيلر Buhler” في دراساتها الممتعة عن السنة الأولى من حياة الطفل قد لاحظت بكل دقة كيف أن الطفل أكثر اهتمامًا بالناس منه بالأشياء.  وهناك أمران يدفعاننا إلى ألا نعتبر هذه الحقائق تلعب دورًا في نمو القواعد الحركية.  أولهما أن الطفل كما لاحظت مدام بيلر أكثر اهتمامًا بالكبار منه برفاقه.  وهذا إما أن يكون دليلاً على أن الاهتمام بالكبير والقوى الغامضة (ولن نقول شيئًا عن ذلك الاهتمام بالطعام والراحة الطبيعية التي يجدها في شخصية الآباء) لا زال يفوق أي اهتمام اجتماعي، وإما أن – وربما كان هذا نفس المستوى – العلاقات الفردية الداخلية القائمة على التقدير والاحترام من جانب واحد أقوى من العلاقات القائمة على التعاون.  وفى أى الحالتين فإن الطفل في شهوره 10-12 وهو يقوم بكل أنواع الأعمال الإلزامية المتصلة بالأشياء التي يتناولها ربما كان متأثرًا بطريق غير مباشر وجداناته نحو الكبار ولكن ليس الطفل – ولا من يلاحظه – يستطيع أن يميز هذه المؤثرات من بقية مكونات العالم الذي يعيش فيه الطفل.  على أن الطفل نفسه في سن الثانية متى استطاع أن يتكلم وأن يفهم ما يقال له فإنه يصبح مدركًا للقواعد التي فرضت عليه بكل وضوح (الجلوس عند تناول وجبات الطعام، أو الذهاب للفراش حين يريد هو أن ينصرف للعب) ويستطيع أن يميز تمامًا بين هذه القواعد وبين القواعد الحركية أو الإلزامية التي وضعها هو أثناء لعبه.  هذا العناء المتزايد المفروض على الطفل عن طريق المحيطين به هو الذي نعتبره تداخلاً للعامل الاجتماعي.  وفى حالة قواعد اللعب نجد أن عدم الاستقرار بين هذه العملية والعمليات الحركية الخالصة في غاية الوضوح.   ففي لحظة ما يقابل الطفل غيره ممن هم أكبر منه سنًا ممن يلعبون الكريات وفق قانون فيشعر توًا أنه ينبغي أن يلعب بنفس الطريقة ويستدخل في الحال القواعد الموضوعة, فيضمها إلى مجموعة الأوامر التي تتحكم في طريقة حياته. بمعنى آخر, سرعان ما يضع المثال الذي أخذه من الأطفال الأكبر منه سنًا في نفس المستوى الذي يضع فيه العادات الكثيرة والواجبات المفروضة عليه من الكبار.  وهذه ليست عملية تعليل واضحة، فطفل الثالثة أو الرابعة مشبع بقواعد الكبار, وعالمه تسود فيه فكرة أن الأشياء موجودة على النحو الذي ينبغي أن تكون عليه. وأن أعمال كل إنسان مطابقة لقوانين طبيعية وأخلاقية.  باختصار أن هناك “نظام عالمي” وظهور قواعد اللعب “القاعدة الحقيقية” كما يلعبها الكبار من زملائه سرعان ما تختلط فى هذا العالم.  والقاعدة التي يقلدها الطفل بهذه الطريقة يحس من أول الأمر بأنها شئ إجباري ومقدس.

 

وكل الذي نستطيع أن نعتبره النتيجة الأساسية لبحثنا والذي سوف نعيد دراسته في الفصل الأخير من هذا الكتاب هو أن العامل الاجتماعي ليس شيئًا واحدًا فحسب فإنه إن وجد عدم استمرار نسبي بين النشاط الحركي الأولي وتداخل الكبار, فإن عدم الاستمرار ليس أقل وضوحًا من الاحترام من جانب واحد الذي يصاحب هذا التداخل والاحترام المتبادل الذي يظهر فيما بعد.  من جهة أخرى, فإنه يستحسن, تجنبًا لسوء الفهم, أن نقول إن الصفات التي ندرسها ليست أكثر أهمية من النسب الممتزجة بها، فإنه بين الاحترام من جانب واحد الذي يقوم به الطفل حين يتسلم أمرًا دون أي احتمال لعدم الاتفاق بين الاحترام المتبادل بين مراهقين يتبادلان وجهة النظر – بين هذا وذاك مراحل متوسطة، ولذلك فإن العناد لا يمكن أن يقوم بين غير البالغين كما أن الاحترام لا يمكن أن يكون جانبيًا خالصًا، فأكثر الأولاد خضوعًا عنده إحساس أنه يستطيع أن يقرر أن العطف المتبادل قد كان يغلف العلاقات التي كانت مثقلة بعامل السلطة.  وكذلك نجد أن التعاون لا يمكن أن يكون نقيًا خالصًا، ففي أي مناقشة بين الأنداد نجد أن أحدهم لابد أن يحدث ضغطًا على الآخرين عن طريق دفاعه الواضح أو الخفي عن العادة أو السلطة. فالتعاون أيضًا اصطلاح محدود نقصد به التوازن المثالي الذي تهدف نحوه كل علاقات العناد.  وكلما نما الطفل فإن علاقاته بالكبار تقرب من المساواة، وكلما تقدمت الجماعات فإن آراءهم الجماعية تفسح مجالاً للمناقشة بين الأفراد.  وعلى ذلك فإنه في كل وقت تتغير فيه نسبة العناد والتعاون فإن الحالات العقلية والسلوك تتميز بصفة جديدة مناسبة، وعلى ذلك فمهما بدا التحليل صناعيًا فإن من الضروري أن نميز هاتين العمليتين على اعتبار أنهما تؤديان إلى نتائج مختلفة.

 

ولنبدأ بالاحترام من جانب واحد والقاعدة القسرية التي يؤدي إليها.    الحقيقة الهامة في هذا الموضوع والتي تفصل بين هذا النوع من الاحترام والنوع التالي له من الارتباط الوثيق الذي لاحظناه بين الاحترام الذي يرجع إلى عناد الكبار من الأطفال أو الراشدين وبين السلوك المركزى الذات للطفل بين الثالثة والسابعة.  ولهذا فإنا نبدأ ببحث هذه النقطة حتى نصل إلى وضع المعنى الإجمالي لها.

 

والحقائق الخاصة بهذا الموضوع هي كما يلي : فالطفل من جهة يعرف أن هناك قواعد “القواعد الحقيقية”, وأنها يجب أن تطاع لأنها إجبارية، ولهذا عنده تقديس واحترام, ولكنه من جهة أخرى ولو أنه يلاحظ بشكل غامض الخطة العامة لهذه القواعد (عمل مربع. التصويب نحو المربع.  إلخ) فإنه لا زال يلعب مع نفسه إلى حد كبير دون رعاية لشركائه, وهو يعنى بحركاته أكثر من عنايته برعاية القواعد نفسها، وبذلك فهو يمزج بين رغباته بالفكرة “العامة”.  والتفسير الصحيح لهذه الحقائق يحتاج إلى تدقيق شديد، لأنه من السهل أن يخطئ الإنسان حين يدرس مشاكل اجتماعيات الطفل، ولذا ينبغي أن نذكر القارئ أن سلوك الطفل فيما بين الثالثة والسابعة بالنسبة للعبة الكريات يمكن أن يقارن من جميع النواحي بسلوك الطفل في نفس السن من ناحية الحديث أو من ناحية الحياة الاجتماعية والعقلية إجمالاً.  ولكن مركزية الذات الشائعة في جميع أنواع السلوك تسمح على الأقل بتفسيرين.  فيظن البعض – وقد كنا فى بحوثنا السابقه من هذا الفريق – أن مركزية الذات سابقة للاجتماعية، بمعنى أنها طريق موصل بين الفردية والاجتماعية – بين المرحلة الحركية الفردية وبين مرحلة التعاون الخاصة.  ومهما يكن ارتباط الذات بالاحترام من جانب واحد فإن هذا الامتزاج بين القسر والذاتية الذي يميز بين المرحلة الثانية والسابعة يبدو لنا أقل اجتماعية من التعاون (الذي هو العامل الوحيد الحاسم في تكوين العناصر العقلية في الأخلاق والمنطق).  وهناك من المفكرين الآخرين من يرى عكس ذلك فلا يقيد السلوك المركزي الذات بأي حال سابق للاجتماعية – العنصر الاجتماعي لازال متحدثًا مع نفسه طوال المراحل المتعددة – ولكنهم يعتبرونه كما كان سلوكًا غريبًا عن السلوك الاجتماعي ومماثلاً لما يحدث عند الراشد حين يخفي الوجدان الشخصي ورأيه الموضوعي، أو حين يخرج من محادثة حرم منها نتيجة عجزه أو رغبته (1).    والمفكرون من النوع الثاني لا يرون أي فرق أساسي بين التعاون والقسر, ومن هنا ××× رأيهم في أن العنصر الاجتماعي عنصر دائم طوال مرحلة النمو العقلي.

 

والوقائع التي تقوم عليها مناقشتنا الحالية يبدو أنها من نوع يزيل هذه الالتباسات.   مركزية الذات هي في نفس الوقت سابقة للاجتماعية من وجهة نظر التعاون النهائي, وهى شبيهة بالاجتماعية أو اجتماعية بسيطة من جهة علاقاتها بالصراع فهي تكون معظم آثاره المباشرة.  ويحتاج فهم هذا إلى تحليل العلاقات بين الصغار والكبار من الأطفال.   فكل من يدقق النظر لابد أن يلاحظ أنه كلما كان الطفل صغيرًا كلما قل شعوره ×××.    فمن الناحية العقلية نجد أن الطفل لا يستطيع أن يميز بين الخارجي والداخلي, ولا الذاتي والموضوعى.    ومن ناحية النزوع فإنه يسهل أن يقع تحت تأثير أى إيحاء “وإن هو عارض رغبات الناس فهذه حالة من حالات السلبية التى يطلق عليها “روح التناقض(2)” وهي تشير فقط إلى حالة عجزه عن الدفاع عندما يحيط به.   فالشخصية القوية تستطيع أن تحتفظ بنفسها دون الاستعانة بسلاح معين ولكن الراشد والطفل الكبير لهما سلطان كبير عليه فيفرضون عليه آرائهم ورغباتهم يقبلها دون أن يحس بأنه يفعل ذلك. وكل ما في الموضوع – وهذا وجه آخر للصورة – هو أن الطفل لا يفصل ذاته عن البيئة سواء كانت طبيعية أو اجتماعية فهو يخرج في كل أفكاره وأعماله أفكارًا وأعمالاً تأتي من تدخل ×××× وهذه نظرًا لأنه يستطيع أن يدرك أنها شخصية تعوقه عن اكتمال اجتماعية فنجده من الناحية العقلية يمزج خيالاته الخاصة مع الآراء السائدة ومن هنا جاءت أكاذيبه (أكاذيب عن حسن نية) وتلفيقاته وكل مظاهر التفكير عند الأطفال.   ومن وجهة النظر العملية نجده يفسر بطريقته الخاصة الأمثلة التي اختارها، ومن هنا جاء شكل اللعب المركزي الذات الذي تحدثنا عنه قبلاً، والطريق الوحيد لتجنب ××× الانحراف هو التعاون الحقيقي بحيث إن الطفل والكبير كلا منهما من ناحيته يسمح أن يظهر فرديته والحقائق الشائعة الاستعمال ولكن الوصول إلى هذه النتيجة×××× عقلاً يعرف نفسه ويدرك مكانه من العلاقة بينه وبين غيره، فهو إذن يتطلب منه مساواة عقلية وتبادلاً عقليًا وكلاهما عامل لا يمكن أن نصل إليه عن طريق الاحترام من جانب واحد كالذي نراه.

 

ومركزية الذات بمعنى أنها خليط بين الذات والعالم الخارجي وأنها نقص ××× التعاون تشمل هذه الظاهرة نفسها، فمادام الطفل لا يستطيع الفصل بين ذاته وخيالاته التي تأتيه من العالم الطبيعي أو الاجتماعي فهو لا يستطيع أن يتعاون, فالتعاون يتطلب إدراك ذاته ووضعها بالنسبة لتفكيره بشكل عام. ولكي يصبح مدركًا لذاته يجب أن يحرر نفسه من تفكير الآخرين ورغباتهم, فقسر الراشدين والكبار من الاطفال إذن لا يمكن فصله عن مركزية الذات اللاشعورية للطفل الصغير.

 

فإذا رجعنا إلى مجتمعات الطفل قبل سن الثامنة، فإنا سوف نقابل ظاهرة بهذا الترتيب، فليس هناك وسط لانتقال العدوى من وسط هؤلاء الاطفال حتى أنه لا يمكن القول إنه حتى إجبار الكبار من هذه المجتمعات الأولية وحتى النكتة التي تنتشر عند الصغار لابد أنها جاءت كما هي وفرضت عليهم أو أوحيت إليهم فليس في هذا المجال أفراد يعملون بمحض اختيارهم وذاتيتهم ولا عقول مدركة تفرض نفسها مدفوعة بقانون داخلي تخضع هي له.  وعلى ذلك فإنها لازالت أقل اتحادًا وأقل تعاونًا حقيقيًا من مجتمع أطفال في سن الثانية عشرة.  مركزية الذات والتقليد هما شئ واحد(1) وبالمثل سنرى فيما بعد موضوع الذاتية والتعاون.  ولهذا فليس من المصادفة أن نجد أن كل صغار الأطفال يستدخلون القواعد المعروفة في محيطهم فيدخلونها ضمن القواعد الأخلاقية التي يفرضها عليهم الراشدون وآباؤهم أنفسهم وربما نستطيع أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنربط مركزية الذات بالاعتقاد في الأصل الديني للنظم.  فمركزية الذات عند الأطفال هي في جوهرها عدم القابلية للتمييز بين الذات والبيئة الاجتماعية.  ونتيجة عدم التمييز هذا أن العقل تتسلط عليه ميوله دون قصد ما دامت هذه الميول لم يقضَ عليها ولم تتحول إلى حالة شعورية عن طريق التعاون وفي الوقت نفسه نجد أن الأوامر المأخوذة قد أدخلت عن مستوى أعلى وقد لفتنا النظر (الفقرة 5) إلى الصعوبة الواضحة التي يواجهها الأطفال الصغار في التمييز بين ما اخترعوه هم أنفسهم وما فرض عليهم من الخارج.   فمحتويات العقل يحس بها الطفل كأنها مألوفة جدًا كأنما هي شخصية وثابتة وبمعنى آخر ظاهرة وواضحة. وليس هناك أوضح في صفات ذاكرة الأطفال من هذا الإحساس المركب من محتويات نفسه، وهو في الوقت ذاته يقع تحت نفوذ شئ أعظم من نفسه يبدو كأنه منبع وحي، ولا يمكن أن نجد ولو قليلاً من التصوف دون سمو ورغبة.  وعلى العكس فلا تقوم رفعة دون مركزية ذات معينة.  ويمكننا أن نبحث عن أسس تطوير هذه الخبرات في الموقف الوحيد للطفل الصغير بالنسبة للكبار الذين يحيطون به ويبدو لنا أن نظرية الأساس البنوى للعاطفة الدينية تكون فريدة القوة في تلك النقطة، فإذا عدنا إلى تحليلنا للعبة الكريات فإن الحقيقة ذات القيمة العظمى هي أن الصغار لا الكبار من الأطفال هم الذين يعتقدون في الأصل الراشد للقواعد، ولو أنهم غير قادرين أن يزاولوا هذه القواعد من الناحية العملية، وهذه العقيدة تشبه العقيدة السائدة في المجتمعات المحافظة التى تعزو قوانينها وعاداتها إلى رغبة الأسلاف.  ولشرح هذا الموضوع نقول نفس ما قلناه قبلاً, فمادام الدافع للسلوك ليس هو الإدراك الذاتي بل هو شئ خارجي عن الفرد, فإن هذا الشئ الخارجي لابد أن يتمثل فيه السلف.  ففي حالة الطفل التي نتناولها الآن نجد أثر الخارجية ومركزية الذات تسير جنبًا إلى جنب طالما أن مركزية الذات هي نتيجة لضغط من الخارج.  فإذا كان الأطفال إذن في مراحلهم الأولى قد أظهروا أكثر ما يكون من الاحترام نحو القواعد مع اعتقادهم بأنها جاءت عن السلف فإن هذا لا يرجع إلى مجرد المصادفة بل إن الظاهرتين تقومان في نطاق منطق الاحترام من جانب واحد.

 

والآن ننتقل إلى بحث الاحترام المتبادل والقواعد المعقولة, ونحن نرى أن هنا علاقة تشابه بين الاحترام المتبادل والذاتية وبين الاحترام من جانب واحد ومركزية الذات على ألا ننسي أن الاحترام المتبادل أقوى من الاحترام من جانب واحد في ربط القوى مع المعقولية التي تظهر في المرحلة الحركية، ولذلك يمتد إلى أبعد من الحالة التي يميزها التداخل بين الصراع ومركزية الذات.

 

ولقد أشرنا أثناء دراستنا للحقائق القائمة إلى العلاقة الواضحة بين التعاون وإدراك الذات، إذ أنه منذ اللحظة التي يبدأ فيها الأطفال في الخضوع للقواعد وتطبيقها بروح التعاون الحقيقي فإنه تتكون لديهم فكرة جديدة عن القواعد، فالقواعد أصبحت شيئًا قابلاً للتغيير متى اتفق على ضرورة ذلك، فصدق القاعدة لا يستند إلى التقاليد بل إلى الاتفاق المتبادل من الجانبين.   فكيف تفسر هذه الحقائق؟  كل الذي ينبغي أن نفعله إن أردنا فهم هذه الحقائق هو أن نبدأ بالمعادلة الوظيفية التي تربط القسر ومركزية  الذات فنأخذ العضو الأول للمعادلة فننتقل به داخل القيم المتتابعة التي تربط الصراع والتعاون.  والطفل في خلال هذا التطور ليست لديه أي فكرة عن ذاته، فالقسر الخارجي عليه لا زال يلعب دورًا هامًا، وهو يشوهه فيحيله إلى شكل ذاتي ولكنه لا يميز بين الجزء الصادر عن ذاتيته والجزء الآخر الناتج من ضغط البيئة، فالقواعد تبدو عنده إذن ذات أصل خارجي وجاءت عن السلف وإن كان لا يزال يفشل فى مزاولتها.  أما من ناحية حلول التعاون محل القسر, فنجد أن الطفل يفصل ذاته عن أفكار الناس الآخرين, فكلما نما الطفل فإن سلطان الكبار يتضاءل ونجده قد أصبح قادرًا على مناقشة الموضوعات تدريجيًا مناقشة الند للند.  وقد زادت لديه الفرص (خارج نطاق الإيحاء والطاعة السلبية) في أن تباين آراءه أراء الآخرين. ومن هنا فإنه لم يعد فقط قادرًا على أن يكتشف الحدود التي تفصل ذاته عن الشخص الآخر بل يستطيع أن يتعلم كيف يفهم الشخص الآخر وأن يفهمه هذا الشخص الآخر.  وبذلك يكون التعاون حقًا عاملاً في خلق الشخصية إن اعتبرنا الشخصية ليست هي النفس اللاشعورية لمركزية الذات الطفلية ولا النفس الفوضوية إجمالاً وإنما هي تلك التي تصمد للمناقشة المتبادلة الموضوعية والتي تعرف كيف تخضع لها حتى تنال الاحترام، فالشخصية إذن تضاد الذات(1) وهذا يوضح لنا كيف كان الاحترام المتبادل بين شخصيتين تشعر به كل منهما نحو الآخر هو احترام حقيقي لا ينبغي أن يختلط مع الاتفاق المتبادل بين فردين “ذاتين” قادرين على الارتباط لغاية سيئة أو حسنة.  وما دام التعاون هو مصدر الشخصية فإن القواعد على هذا الأساس لم تعد خارجية بل أصبحت عوامل داخلية في تكوين الشخصية وهي في الوقت نفسه ثمرة لها فهذه حلقة مفرغة مما نصادفه كثيرًا في النمو العقلي وهكذا الذاتية الغيرية.

(1)CR . M . et . P .

(1)أنظر : Blondel, le Langage et la Penesée chez l’enfant d’apres un livre récent. Revue Hist. Phil. Relig. ( Strasbourg ) Vol IV ( 1924 ),  P. 474 et seq.

(2) انظر Mme Reynier, L’seprit de confracdiction ehez l’enfant La Nouvelle Education, V, 1926 P. 45-52

(1) أنظر ص 57             L. P.

(1) انظر : Roman Fernandez De la personalité, au pareil ( paris ) 1928

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

الحكم الأخلاقي لدى الطفل  – 13

وهذا التحليل بين مقدار الجدة التي تقوم نتائج الاحترام المتبادل لو قارناها بتلك التي تظهر في حالة الاحترام من جانب واحد، ومع ذلك فإن الأولى ناتجة من الأخيرة، فالاحترام المتبادل معناه حالة التوازن التي يتجه نحوها الاحترام من جانب واحد وذلك حين تنطمس الفروق بين الطفل والراشد, والصغير والكبير، كما أن التعاون هو حالة التوازن الذي يتجه نحو القسر في نفس الظروف. ورغم هذا الاستمرار في الحقائق فمن الضروري أن نميز نوعي الاحترام فإن لهما نتائج كبيرة مختلفة ومثلها مثل ما بين الذاتية وبين مركزية الذات من ميزات.

 

ونستطيع أن نقول إن الاحترام المتبادل والتعاون لا يمكن الإلمام بهما إلمامًا كاملاً، فهما ليسا اصطلاحين محدودين فحسب بل هما كذلك مثل عليا للتوازن.  ففي كل زمان ومكان نجد أن القواعد والآراء المقبولة قبولاً عامًا لها وزنها مهما كان خفيفًا في التاثير على روح الفرد مما يجعلنا نقول إن الطفل 12-14 يستطيع من الناحية النظرية فقط أن يختبر وينقد كل القواعد. وقلنا من الناحية النظرية إنه حتى الرجل الناضج العقل لا يخضع لنقده الأخلاقي سوى جزء بسيط من القواعد التي تسيره, وديكارت “Descartes” رغم رغبته في أن يجتزأ حدودأخلاقه الوقتية فإنا نجده قد ظل مخلصًا لها طول حياته.

 

ولا يعنينا أن نبحث موضوع ما إذا كان التعاون يمكن التحقيق بشكل كامل أو أنه يظل مثلاُ أعلى من الناحية النظرية فقط، فمن الناحية السيكولوجية نجد أن قاعدة بذاتها حقيقة عند طفل السابعة الذي يعتبرها مقدسة غير قابلة لأن تمس وفي الوقت ذاته نجد أن طفل الثانية عشر لا يعتبرها حقيقة إلا إذا كان الاتفاق عليها متبادلاً.  وأعظم خلاف بين القسر والتعاون, أو بين الاحترام من جانب واحد والاحترام المتبادل, هو في أن الأول يفرض العقائد والقواعد التي وضعت فعلاً على أن تقبل ككل.  وأما الثاني فيقترح فقط الطريقة : طريقة التحقيق والتنظيم المتبادل العقلى, طريقة التحقيق والمناقشة في نطاق الأخلاق.  ولا يعنينا كثيرًا ما إذا كانت هذه الطريقة تطبق مباشرة على كل القواعد التي فرضتها البيئة أو على ناحية واحدة من السلوك, فما دامت قد ظهرت في عالم الوجود فإنه يمكن تطبيقها على كل شئ.

 

وهذا الفرق الأساسي بين القسر والتعاون (أحدهما يضع قواعد موضوعية والآخر يعطي طريقة لعمل القواعد) يعطينا بطريقة مباشرة الإجابة  لاعتراض لابد أن يظهر أثناء تحليلنا لنتائج الاحترام المتبادل وهو لو أننا فرضنا أن الاحترام المتبادل هو العامل الأساسي لسلوك أطفال 12-13 وما فوقها، فكيف ننسب إليه تأثيرات أخلاقية خالصة؟ من السهل أن نرى أن الاتفاق المتبادل يكفي للدلالة على وضع قواعد اللعبة ما دام الطفل مدفوعًا للعب عن طريق كل من ×××× واللذة.  حين ننتقل إلى القواعد الأخلاقية الفعلية (لا تكذب. لا تسرق. إلخ) فلماذا لا نجد الاحترام المتبادل يؤدي إلى قيام بعض الاتفاق بين الأطفال على موضوع يعتبره الراشدون خطأ؟  خذ مثلاً عصابة من صغار اللصوص ممن يقوم نشاطهم الجمعي على السرقة ومضابقة الآمنين. أليس الاتفاق المتبادل القائم بين أعضائها يقابل من الناحية السيكولوجية الاحترام المتبادل الذى يقوم بين لاعبي الكريات؟  الواقع أننا لو تركنا الحقيقة القائلة بوجود علاقة أمانة بين اللصوص فإنه يصعب جدًا أن تواجهنا هذه الصعوبة.  فيجب من بادئ الأمر أن نميز بين الاتفاق المتبادل إجمالاً والاحترام المتبادل، فقد يقوم اتفاق متبادل على الرذيلة لأنه ليس هناك ما يمنع ميول الفرد الفوضوية من أن تتجه نحو ميول فرد آخر.  أما كلمة “الاحترام” فتتضمن (على الأقل من ناحية الاحترام المتبادل) تقدير الشخصية بشكل خاص مادامت هذه الشخصية تخضع نفسها للقواعد.   فالاحترام المتبادل, إذن, يمكن أن نعتبره ممكنا فى نطاق ما يعتبره الأفراد أنفسهم خلقـًا.

 

أكثر من ذلك, فإنه بمجرد ظهور التعاون (في ميدان الأخلاق وكذلك فى ميدان المعقولات) فإن الشخص يجب أن يميز بين الطريقة ونتائجها، أو كما وضعها أحد رجال المنطق المعاصرين “العقل المركب” (عمليًا أو نظريًا) و”العقل المركب”.  هناك, إذن, نوعان من القواعد: نوع مركب يؤدي إلى التمرين على التعاون, ونوع آخر مركب وهو نتيجة هذا التمرين نفسه. وقد جرنا إلى هذا الحديث التمييز ×××× يتصل بقواعد اللعبة، فقواعد المربع والخط إلخ، التي يلاحظها أطفال 11-13 قواعد “مركبة” ترجع إلى اتفاق متبادل ويمكن أن تتغير بواسطة الرأي العام، بالأسبقية التي نعطيها للعدل حين يتعارض مع الصدفة، وللجهد على الكسب السهل وقواعد “مركبة” إذ أنه بدون روح اللعب هذه لا يمكن أن يتحقق التعاون.  وبنفس الطريقة، فما نسميه القواعد الأخلاقية نستطيع أن نقسمها إجمالاً إلى “قواعد مركبة” مستقلة عن الاتفاق المتبادل، وقواعد مركبة أو أسس وظيفية تؤدي إلى قيام التعاون والتبادل. ولكن كيف يمكن أن نعتبر هذه القواعد المركبة نفسها نتيجة الاحترام المتبادل ما دام هو ضروري لتكوينها؟ الصعوبة هنا شكلية خالصة، فبين الاحترام المتبادل والقواعد التي تكيفه تقوم علاقة دائرية شبيهة بتلك التى تقوم بين العضو والوظيفة، فما دام التعاون طريقة فمن الصعب أن نتصور قيامه بدون التمرين عليه، ومهما كانت كمية القسر فإنها لا تستطيع أن تمنع قيامه، وإذا كان الاحترام المتبادل قد يشتق من الاحترام من جانب واحد فإنه يفعل ذلك عن طريق المعارضة والصراع.

 

وعلى هذا فإنا نواجه ثلاثة أنواع من القواعد : قواعد حركية، وقواعد قسرية تقوم على احترام من جانب واحد، وقواعد معقولة (مركبة ومركبة) ترجع إلى الاحترام المتبادل.  وقد حددنا العلاقة التي تقوم بين النوعين الآخرين, كما درسنا في مكان آخر كيف تتلو الواحدة الأخرى في العلاقتين الأوليين. وبقي علينا أن نبين العلاقة بين القاعدة المعقولة والقاعدة الحركية.

 

نستطيع بشكل إجمالى أن نقول إن الذكاء الحركي يكمن فيه كل العقل المتكامل، ولكنه يفسح المجال لأكثر من العلة الخالصة والبسيطة، فالطفل من وجهة النظر الأخلاقية والعقلية لا يولد خيرًا ولا شريرًا ولكنه يترك للمقادير، فإذا كان هناك ذكاء فى عملية التوافق الحركي فإن هناك أيضًا عنصر لعب. والقصد الخاص بالنشاط الحركي ليس هو البحث عن الصدق بل متابعة نتيجته سواء كانت موضوعية أو شخصية والنجاح ليس معناه اكتشاف الحقيقة.

 

القاعدة الحركية, إذن, هي نوع من المساواة التجريبية أو التنظيم العقلي وهي في الوقت نفسه طريقة مقدسة للعب, وهي تأخذ شكلاً أو آخر من هذين الشكلين حسب الظروف.  وفي اللحظة التي تضاف فيها اللغة والتخيل إلى الحركة نجد مركزية الذات توجه نشاط الطفل، بينما نجد في الوقت نفسه أن ضغط الراشدين يفرض على عقله مجموعة من الحقائق تظل أول الأمر غامضة وخارجية، فالقسر ومركزية الذات إذن يتداخلان بين الذكاء الحركى والعقل عن طريق مجموعة من الحقائق تبدو كأنها تعترض استمرار التطور، وعند هذه النقطة بالذات نجد أن القاعدة الحركية تتبعها القاعدة القسرية التي هي إنتاج اجتماعي متبلور مختلف تمامًا عن الإنتاج التجريبي الهش للذكاء الأولي الحركي وإن كنا قد رأينا أن اللعب المركزي الذات يستمر بشكل حركي بدائي غير واضح تماما.

 

ولكن لما كان عنصر القسر قد أخذ يتضاءل تدريجيًا ويحل محله التعاون, ولما كانت الذات قد تفوقت عليها الشخصية, فإن القاعدة المعقولة التي تكونت تتسيد من ميزات القاعدة الحركية، فألعاب أطفال سن الحادية عشر هي من بعض الوجوه ألصق بالنظام الحركي لأطفال السنة الاولى وهي في كثرتها وصفاتها التجريبية الحقة أبعد ما يكون شبهًا بألعاب أطفال سن السابعة.  فالطفل في سن الحادية عشر يضع خطة هندسية وفنية لحركاته وتصويباته مثله في ذلك مثل الطفل الذي يقوم بدور الميكانيكي في تناوله للأشياء والمجرب في اختراعه للقواعد.  وعلى العكس من ذلك نجد أن الطفل في عامه السادس أو السابع عرضة لأن يهمل عنصر الاختراع هذا فيقتصر على التقليد وحفظ الطقوس ولكن التفوق العظيم الذي لا حد له لطفل الحادية عشرة على طفل العام الأول, ذلك التفوق الذي ربما يكون قد وصل إليه عن طريق مروره في مرحلة المتوسطة يتمثل في أن اختراعاته الحركية لم تعد تحت نفوذ خياله الفردي.   فطفل الحادية عشر قد توصل إلى معرفة عملية المساواة التجريبية والنظام العقلي الذي يسير عليه الطفل. ولكن القاعدة الحركية التي يكتشفها الطفل تميل باستمرار لأن تتضاءل وتحل محلها طقوس اللعب، بينما أن طفل الحادية عشر لا يخترع شيئًا دون أن يتعاون مع نظرائه، فهو حرفي أن يخترع بشرط أن يخضع لنظم تبادل الرأي، فالشئ الحركي لا يعمل إلا معتمدًا على الشئ الاجتماعي وإنما نصل إلى التناسق عن طريق اتحاد العقل مع الطبيعة، بينما نجد أن القسر الأخلاقي والاحترام من جانب واحد يجعل الشئ الخارق للطبيعة معارضًا للطبيعة والصوفية معارضة للتجربة العقلية.

 

يظهر أننا قد تعمقنا فى مناقشة لعبة الكريات أكثر مما ينبغي لها, ولكن تاريخ لعبة الكريات في نظر الأطفال له من الأهمية ما لتاريخ الدين أو نظم الحكومات، فهو تاريخ تلقائي عظيم.ولهذا كان من المفيد أن نحاول إلقاء الضوء على حكم الأطفال على القيم الأخلاقية عن طريق الدراسة التمهيدية للسلوك الاجتماعي لهؤلاء الاطفال فيما بينهم.

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

الحكم الأخلاقي لدى الطفل  -14

9- النتائج

2- احترام الجماعة أو احترام الاشخاص :  البحث عن نظرية نسترشد بها

قبل أن نسير في تحليلنا قدما يستحسن أن نناقش النتائج التي وصلنا إليها في ضوء النظريتين الأساسيتين اللتين سبق أن عرضناهما عن الطبيعة السيكولوجية للاحترام والقوانين الخلقية, فإذا اتفقنا مع “كانت” على أن الاحترام لا يمكن تفسيره على أساس التجربة, لم يبق لنا غير حلين: فإما أن يكون الاحترام متجهًا نحو الجماعة نتيجة لضغط الجماعة على الفرد, وإما أن يكون متجهًا نحو الفرد نتيجة للعلاقات بين الأفراد.  وأولى هاتين النظريتين تعزى إلى “دوركايم” والثانية إلى “بوفيه”, ولم يأتِ الوقت المناسب لمناقشة هاتين النظريتين لذاتهما، ولكنا في الوقت نفسه, ودون أن نسبق نتائج البحث النقدي السابق, في حاجة إلى نظرية عملية تقيم وزنًا لجميع وجوه النظر الممكنة – وهذاأمر يصبح أكثر ضرورة إذا علمنا أن اختلاف هذين المؤلفين راجع قبل كل شئ إلى فروق الطريقة – ولذلك كانت الطريقة هي الشئ الهام الذي نبحث عنه في الوقت الحاضر ليكون عونًا لنا على الانتقال من دراسة قواعد اللعب إلى تحليل الحقائق الأخلاقية التي يفرضها الراشدون على الصغار – فنحن إذن مضطرون من وجهة نظر الطريقة التي نتبعها إلى أن نمس مسألة الفرد والمجتمع الشائكة.  ولعل إحدى وسائل بحث الموضوع أن نحلل القواعد ونفسرها على نحو موضوعي من حيث اتصالها بمجتمعات محررة في صورها وأشكالها.  وهذه هي الطريقة التي استخدمها دوركايم فاستطاع بها أن يلقي على طبيعة الحقائق الأخلاقية ضوءًا لا سبيل إلى إنكاره، إذ يكفي أن يعيش الأفراد في مجتمع لكي يثبت في هذا المجتمع صفات جديدة، فالجماعة لا تستطيع أن تفرض نفسها على الفرد ما لم تحط نفسها بطابع إلزامي وبهالة من القداسة ودون أن تثير في الفرد الإحساس بالواجب الأخلاقي.  فالقاعدة, إذن, ليست سوى ضغط الجماعة على الفرد، ويمكن أن نفسر على هذا النحو ظهور تلك العاطفة التلقائية التي هي الاحترام, وهي منبع كل دين وكل أخلاق، فالمجتمع في الواقع يفرض ذاته على الفرد دون أن يلبس ثوبًا من القداسة ودون أن يثير عاطفة الإلزام الإخلقي.  فالقاعدة إذن ليست شيئًا آخر سوى حالة من حالات الحياة الاجتماعية، وإذا ظهرت القاعدة كشئ ملزم للوجدان الفردى فما ذلك إلا لأن الحياة في مجتمع تحول هذا الوجدان إلى عاطفة احترام.  ومما يستلفت النظر في هذا الشأن أن نشاهد أنه حتى في مجتمعات الأطفال أو المجتمعات التي غرضها الأساسي هو اللعب فإن لها قواعدها وأن هذه القواعد تتطلب احترام عقول الأفراد.  ومن العجيب أيضًا أن نلاحظ أن هذه القواعد تستمر ثابتة في مظاهرها الأساسية وفي روحها أجيالاً متتابعة وأنها تصل إلى درجة عجيبة في رقتها وأسلوبها. 

 

لكن القواعد كما رأينا لا تبقي مع تطور النمو الاجتماعي للأطفال هي هي بعينها من حيث طبيعة الاحترام، رغم أن مضمونها المادي قد يبقى ثابتًا.  فالقاعدة عند كل طفل هي حقيقة مقدسة لأنها تقليدية.  أما في نظر الكبار فتعتمد على الاتفاق المتبادل, فالغيرية والذاتية هما قطبا هذا التطور فهل تعيننا طريقة”دوركايم” على شرح هذه الحقائق؟

 

ليس لـ”دوركيم” نظير في عميق إدراكه وتحليله لتطور ظاهرة الاقتداء الإجبارى وزوالها، ففي المجتمعات المقطعية (1) نجد أن ظاهرة الاقتداء هذه تصل إلى أقصاها, فكل وحدة اجتماعية تكون نظامًا مقفلاً وكل الأفراد متماثلون معًا فيما عدا فوارق السن، كما أن التقاليد تضغط بكل قوتها على وجدان كل فرد, ولكن بمجرد أن يزداد المجتمع حجمًا وكثافة فإن الحدود التي تفصل بين عشائره تضمحل وتمحي ظاهرة الاقتداء المحلية نتيجة لاختلاط العشائر.  ويستطيع الأفراد أن يهربوا من رقابة أفراد عشيرتهم خاصة وأن تقسيم العمل الاجتماعي الذي ياتي بالضرورة نتيجة التضخم والتكاثف بنوع الأفراد من الناحية السيكولوجية. وهذا يؤدي إلى قيام الفردية وتكوين الشخصية بمعناها الصحيح، وبذلك تبدو الغيرية والذاتية مرتبطين بطريق مباشر مع شكل المجتمع ووظيفته.

 

فهل هذا التحليل ينطبق على جماعات الأطفال؟  لا شك هو كذلك من نواحٍ عديدة، فهناك بالتأكيد تشابه بين التماسك الآلي أو الميكانيكي والمجتعات التي يكونها الأطفال فيما بين الخامسة والثامنة ففي هذه المجتمعات المنعزلة الواحدة عن الأخرى كما في العشائر المكونة تكوينًا وقتيًا نجد أن الفرد ليس متنوعًا ولا مختلفًا عن غيره في العشيرة.  فالحياة الاجتماعية والحياة الفردية شئ واحد، والإيحاء والتقليد عاملان في غاية القوة، وكل الأفراد متشابهون فيما عدا الاعتبار القائم على السن، فالقاعدة التقليدية قسرية والاقتداء حتمي.

 

أما فيما يتعلق باختفاء ظاهرة الاقتداء تدريجيًا كلما كبر الطفل, فهذه أيضًا يمكننا أن نشرحها ببعض العوامل التي حددها دوركايم.  إذ يمكن أن نقيم موازنة بين ازدياد حجم المجتمعات وكثافتها وتحرر الأفراد الناتج عن هذه الظاهرة وبين مجتمع الأطفال الذين كلما نموا فإنهم يشتركون في عدد متزايد من التقاليد المحلية، فلاعب الكريات في سن العاشرة والثانية عشر سوف يكتشف مثلاً أن هناك أنواعًا أخرى من اللعب تقوم جنبًا إلى جنب مع تلك التي تعود عليها، ثم إنه سيكون له أصدقاء من تلاميذ مدارس أخرى ممن يحررونه من فكرة الامتثال والخضوع، وبذلك يحدث اختلاط بين المجموعات التي كانت توشك حتى الآن أن تكون منعزلة. وفى الوقت نفسه نجد أن الطفل مع نموه ينسحب من دائرة أسرته، ونظرًا لأنه في أول الأمر كان يخضع الألعاب للواجبات التي فرضها عليه الراشدون فإنه كلما هرب من اقتدائه بالأسرة تناول التغيير إدراكه للقواعد.

 

ونحن حين نقارن هذه الحقائق بنمو الجماعات حجمًا وكثافة فإننا نستطيع أن نقيم هذه المقارنة من ناحية واحدة فحسب، وهي ناحية النقصان التدريجي للإشراف على الأفراد.  بمعنى آخر, إن الحقيقة الواضحة في تطور قواعد اللعب هي أن الطفل قد قل خضوعه بالتدريج لسلطان الكبار. وليس هناك تقسيم تدريجي للعمل عند الأطفال وما نصادفه من تنوع واختلاف عند الاطفال هو من النوع السيكلوجي وليس من النوع الاقتصادي ولا السياسي. ولهذا فإذا تطورت جماعات الاطفال من النوع المقطعي إلى النوع المنظم تنظيمًا راقيًا، وإذا حدث تطور ملحوظ من التقليد إلى التعاون الفردي، أو من الغيرية إلى الذاتية فإن هذه العملية وإن كنا نصفها بالاصطلاحات الموضوعية لعلم الاجتماع فإنها تعزى أولاً وقبل كل شئ إلى شكل ونشاط مراحل السن المختلفة للجماعات.

 

بمعنى آخر, فإن العامل الرئيسي في الاتباع الإجبارى للصغار ليس أكثر من احترام السن.  أي أنه احترام لكبار الأطفال سنًا، وفوق ذلك كله احترام للراشدين.  وهذا واضح جدًا في لعبة الكريات في الأطفال في سن 11 إلى 13 إذ ليس هناك من هو أكبر منهم في هذه اللعبة, فهي لعبة ينتهي تداولها بانتهاء مرحلة التعليم الابتدائي. ولكن لو تركنا هذه الظاهرة الخاصة لوجدنا أن الولد في هذه السن بدأ يدرك انه أصبح يشعر بالمساواة للمراهقين أكثر مما كان، وأنه أخذ يتحرر من قسر الراشدين.  ونتيجة ذلك أن إدراكه الأخلاقي يتناوله التغيير الذي تحدثنا عنه قبلاً.  وليس من شك في أن هذه الظاهرة من خواص مجتمعاتنا ولذلك يصدق عليها رأي “دوركايم”, ففي مجتمعاتنا نجد أن الطفل في سن 13 يهرب من دائرة الأسرة ويتصل بعدد متزايد من الدوائر الاجتماعية مما يوسع أفقه العقلي.  بينما في المجتمعات البدائية نلاحظ أن المراهقة هي سن الاتباع ولذلك يشتد فيها القسر الأخلاقي, وكلما كبر الفرد تحرر بالتدريج.  ولكنا لو قصرنا تفكيرنا على دائرة مجتمعات الأطفال عندنا فإننا نجد أن التعاون هو في الواقع الظاهرة الاجتماعية الأولى وأحسنها قيامًا على أساس سيكولوجي متين, فبمجرد أن يتحرر الفرد من سيطرة السن فإنه يميل إلى التعاون على اعتبار أنه الشكل العادي للتوازن الاجتماعي.

 

والذى نبحث عنه – باختصار – ودون الدخول في التفاصيل, هو الوصول إلى نظرية عملية فقط. هذا وطريقة دوركايم نقصها ظاهر في أنواع الاحترام المختلفة.  فدوركايم يناقش الموضوع وكأنما الاختلافات من سن إلى أخرى أو من جيل إلى آخر لا حساب لها, فهو يأخذ أفرادًا متجانسين ويبحث عن أثر أنواع التجمعات المختلفة على عقول أفرادها.  وكل النتائج التي يصل إليها عن هذا الطريق صحيحة ولكنها غير تامة إذ يكفي لنقد ذلك أن نتصور استحالة قيام مجتمع أفراده من سن واحدة دائمًا مهما توالت السنون ومن جيل واحد.  هنا ندرك الأهمية الكبري للصلات بين الأعمال المختلفة والعلاقات بين الراشدين والأطفال، وهل مثل المجتمع يعرف شيئًا عن الاتباع الإجبار؟  وهل يعرف هذا المجتمع وخاصة الاعتقاد في شئ علوي؟ وهل يمكن أن نلاحظ في هذا المجتمع الاحترام من جانب واحد وما يترتب عليه من آثار في الشعور الأخلاقي؟  كل هذه الأسئلة تخالج نفوسنا، وأيًا كانت الإجابة عنها فمما لاشك فيه أنه يجب أن نعارض التعاون بالقسر الاجتماعي أكثر مما جرت به العادة.   فالخير ليس سوى ضغط جيل على جيل أما الأول فيتضمن علاقة اجتماعية من القوة والأهمية بحيث تؤدي إلى تكوين مقاييس عقلية.

 

وأثر السن يسوقنا إلى النظرية الثانية عن سيكولوجية القواعد, وهي نظرية “بوفيه” فهو من حيث المبدأ ومن حيث الطريقة لا يقبل غير الأفراد، ولكنه بدلاً من أن يخوض كغيره في مناقشات عقيمة حول الحدود الفاصلة بين ما هو اجتماعي وما هو فردي نجد أنه يرى أن الاحترام والشعور بالواجب وقيام القواعد يفترض قيام علاقة بين فردين على الأقل.  وطريقته هنا موازية لطريقة دوركايم، ولا تعارضها بأى حال من الأحوال.  أما الخلاف فيمكن تلخيصه بين الذين يريدون أن يفسروا الشعور الأخلاقي على أساس عمليات نفسية فردية خالصة (العادة. التوافق البيولوجي إلخ ..) وبين الذين يريدون ضرورة وجود علاقة بين الأفراد، فمتى سلمنا بأنه يجب توفير فردين على الأقل حتى يمكن قيام حقيقة أخلاقية فليس يعنينا بعد ذلك أن نصف الحقائق موضوعيًا كما فعل “دوركايم” (أو على الأقل حاول أن يفعل) أو نصفها على أساس فكرة الضمير (1).  ولقد تساءل بوفيه عن كيف يظهر الشعور بالواجب فرأى أن هناك حالتين ضروريتين لابد من ارتباطهما ارتباطاً كافيا.  (1) فلابد أن يتلقى فرد من فرد أمرًا ولذلك تكون القاعدة الإجبارية، وهى تختلف سيكولوجيًا عن العادة الفردية، أو عما سبق أن أطلقنا عليه القاعدة الحركية (2).  والفرد حين يتلقي الأمر لابد أن يتقبله ، فمثلاً لابد أن يحترم الشخص الذي صدر عنه هذا الأمر. “وبوفيه” يختلف هنا عن “كانت” الذي يعتبر الاحترام إحساسًا موجهًا نحو أشخاص لا نحو القواعد.  وعلى هذا النحو فليست الصفة الإجبارية للقواعد الموضوعة بواسطة فرد من الأفراد هي التي تدعونا لاحترام هذا الفرد، وإنما الاحترام الذي نحسه للفرد هو الذي نعتبر القواعد التي يضعها إجبارية.  فظهور الإحساس بالواجب عند طفل ما يمكن أن نفسره على نحو بسيط هو أنه تلقى الأوامر من أطفال أكبر سنًا (في اللعب)، ومن الراشدين (في الحياة) وأنه يحترم كبار السن من الأطفال كما يحترم آباءه.

 

ومن هنا يبدو أن النتائج التي وصلنا إليها تؤكد كل التأكيد هذه النظرية، فقبل تدخل الراشدين أو الكبار من الأطفال نجد في أخلاق الأطفال قواعد معينة سميناها القواعد الحركية، ولكنها ليست ملزمة كل الإلزام، لأنها لا تتألف من واجبات بل من تطابق تلقائي للغير، وعلى العكس من ذلك فإنه منذ اللحظة الأولى التي يتلقى فيها الطفل من والديه مجموعة من توجيهات الناس فإن القواعد بل ونظام العالم نفسه تبدو كلها عنده ضرورية من الناحية الأخلاقية.  وبهذه الطريقة فإنه بمجرد أن يحتذي الطفل الصغير برفاقه الكبار في لعبة الكريات فإنه يتقبل اقتراحاتهم ويعتبر القواعد الجديدة المكتشفة بهذه الطريقة مقدسة وإجبارية.

 

ولكن المشكلة التي تواجهنا والتي أثارها”بوفيه” نفسه وناقشها هي : كيف أن هذه الاخلاق الخاصة بفكرة الواجب تسمح بظهور الأخلاق الخاصة بفكرة الخير؟  والمشكلة ذات وجهين، فمن جهة نجد أن أول شعور بالواجب هو جوهري “غيري” فالواجب ليس شيئًا سوى قبول أوامر من الغير.  ثم تساءل “بوفيه” بعد ذلك عن كيف يصل الطفل إلى التمييز بين الاحترام الحسن والاحترام السئ, ثم كيف يتأتى للطفل – بعد أن يكون قد قبل دون تمييز تفرضه البيئة – أن يقوم فيزاول الاختيار ويؤلف سلسلة من القيم؟  وفي مقابل فكرة دوركايم التي يصف فيها أثر الكثافة الاجتماعية على عقل الأطفال نجد أن بوفيه يلجأ إلى فكرة ما ينشأ بين الأفراد من علاقات تأثر وتأثير، وما بين التعليمات المفروضة من تناقض, فالطفل وقد تقاسمته تيارات متناقضة في وقت واحد نجده مضطرًا إلى أن يحتكم إلى عقله لكي يوحد المادة الأخلاقية.  وفي هذا نوع من الاستقلال الذاتي. ولكن ما دام العقل لا يخلق واجبات جديدة ويكتفي بأن يختار من بين الأوامر التي يتلقاها فإن هذا الاستقلال الذاتي لا يزال نسبيًا.  من جهة أخرى فإن “بوفيه” يرى أنه يجب أن نميز بجانب الإحساس بالواجب إحساسًا بالخير أي الإحساس بشئ جذاب لا مجرد شئ إجباري.  وهذا شعور فيه استقلال تام.  فإذا كان دوركايم قد اعترف أيضًا بهذه الثنائية بين الواجب والخير، وحاول أن يرتد بها إلى علة واحدة هي ضغط الجماعة على عقل الفرد فإنا نجد أن “بوفيه” قد تجاهل هذا الموضوع وتركه متعمدًا.

 

وقد آن الأوان لأن ننتقل إلى بحث الدور الذي يقوم به الاحترام المتبادل، دون أن نخرج عن دائرة نظرية “بوفيه” الخصبة التي ترى أن كل العواطف الأخلاقية تأخذ أصولها من الاحترام المتبادل بين الأفراد بالرغم من أننا نستطيع أن نميز أنواعًا مختلفة من الاحترام.وهناك حقيقة لا يتطرق إليها الشك، تلك هي أنه أثناء نمو القوى العقلية للطفل يلعب الاحترام دورًا أساسيًا، فهو الذي يجعل الطفل يقبل كل الأوامر التي تأتيه من الآباء فهو العامل الأكبر في الاستمرار بين الأجيال المختلفة.

 

وتبدو لنا أيضًا حقيقة ليست أقل قابلية للنقض من سابقتها سواء في ضوء النتائج التي حصلنا عليها أو الحقائق التي سوف نبحثها في بقية هذا الكتاب.  وتلك هي أن الطفل كلما زادت سنه فإن طبيعة احترامه تتغير، فبمجرد أن نصل إلى المستوى الذي يصدر فيه الأفراد أحكامهم على قدم المساواة على أساس ذاتي أو موضوعي فإن الضغط الذي يفرضه كل منهم على الآخر يصبح شيئًا ثانويًا.  ثم إن تدخل حكم العقل الذي لاحظه “بوفيه” في شرح الاستقلال المكتسب عن طريق السلوك الأخلاقي هو حكم ناتج عن التعاون التدريجي. هذا وقد أوصلتنا دراستنا السابقة إلى أن نقبل الموازين العقلية وبخاصة هذا الميزان الهام ألا وهو ميزان التناظر الذي هو في الواقع مصدر العلاقات المنطقية.  فتلك الموازين لا يمكن أن تنمو إلا في ميدان التعاون وعن طريقه.  وسواء كان التعاون نتيجة أو سببًا للعقل أو هما معًا فإن العقل في حاجة إلى التعاون ما دامت المعقولية معناها أن “يضع الإنسان  نفسه” بحيث يخضع الجزئي للكلي، فالاحترام المتبادل إذن يبدو لنا وكأنه حالة ضرورية للذاتية بناحيتيها العقلية والأخلاقية.  فمن الناحية العقلية يحرر الطفل من الآراء المفروضة عليه، وهذا يساعد على الانسجام الداخلي والضبط المتبادل, ومن الناحية الأخلاقية يستبدل المعايير المسلطة عليه من الخارج بمعايير مستمدة من الفعل ومن الشعور نفسه.   تلك المعايير التي تقوم على التعاطف المتبادل.

 

باختصار, فسواء أخذنا برأي دوركايم أو برأي بوفيه فمن الضروري للإلمام بالموقف أن نأخذ بعين الاعتبار مجموعتين من الحقائق الاجتماعية والأخلاقية: الأولى هي القسر والاحترام من جانب واحد، والثانية هي التعاون والاحترام المتبادل. وهذه هي النظرية التي سوف نستعين بها في تقسيم الحكم الأخلاقي إلى نظامين مختلفي الأصل.  وسواء وصفنا الحقائق بلغة علم الاجتماع أو نظرنا إليها من وجهة علم النفس (فكلتا اللغتين متشابهتان في نظرنا وغير متناقضتين) فإنا لا نستطيع أن نقلل من آثار التعاون بالنسبة للقسر والاحترام من جانب واحد.

(1) هي المجتمعات التى إذا انقطع منها جزء أمكن أن يعيش قائمًا بكل الوظائف.   وهذه هي المجتمعات البدائية.  أما المجتمعات المتقدمة فهي مجتمعات معقدة إذا اقتطع منها جزء فإنه لا يستطيع أن يقوم بكل الوظائف الاجتماعية ويتعرض للانحلال. وهذا بالقياس إلى ما هو معروف فى علم البيولوجيا من فروق بين الأحياء البسيطة والأحياء المعقدة. المترجم

(1) انظر رأى لا كوهت القاطع في :

  1. La combe (La Methode Sociologique du Durkheim), d’ Essertier (psychologie et sociologie, Paris, alcan) et de bien d’autres.

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

الحكم الأخلاقي عند الأطفال  – 15

                                                                          

قسر الراشد والمذهب الواقعي والأخلاقي

أتيحت لنا الفرصة أثناء تحليلنا لقواعد اللعب لنرى كيف أن الطفل, في البداية, لا يعتبر هذه القواعد إجبارية وحسب بل أيضًا ذات قدسية ويجب التعامل معها حرفيًا, وكيف أن هذا الموقف كان نتيجة القسر الذي يفرضه الكبار من الأطفال على صغارهم، وكذلك ضغط الراشدين أنفسهم، وهكذا اتحدت القواعد مع الواجبات ولذلك سميت باسمها فعلاً.

 

وهذه المشكلة, أي مشكلة الاحترام من جانب واحد, أو الآثار الأخلاقية للقسر, هي التي تناولناها بالدراسة عن طريق دراسة مباشرة لفكرة الطفل عن واجباته والقيم الأخلاقية عنده بوجه عام.   ولكن هذا الموضوع متسع للغاية وسنحاول أن نحدد دائرة البحث ما استطعنا, فنقصرها على الموضوع الذي كان نصيبه من العناية أقل من غيره, وهو الحكم الأخلاقي نفسه.  ولقد سبقت لنا ملاحظة الحقائق الخارجية والداخلية المتفق عليها, وتحليل كل من تطبيق القواعد والشعور بالقواعد.  ولكننا الآن في ضوء الصعوبات الضخمة الفنية التي تقوم فى سبيل دراسة العلاقات بين الأطفال والراشدين سوف نقصر بحثنا على الشعور بالقواعد، بل أكثر من ذلك فإنا سوف نقصره على الجزء الذي هو أكثر تبلورًا وأقل حياة من الشعور بالقواعد, ونقصد به ما يمكن أن نطلق عليه الحكم الأخلاقي النظري، على اعتبارأنه مقابل لما يحدث في الخبرة العملية نفسها.  وسنقصر بحثنا على هذه المشكلة الخاصة لأن بحوثا كثيرة قد تناولت ناحية تطبيق الطفل للقواعد.  فهناك بحوث كثيرة تناولت موضوع الكذب مثلاً. والبحث من هذا النوع يقابل الوصف الذي أتينا عليه في تطبيق القواعد في ميدان اللعب, ولذلك كان من الطبيعي أن نقصر بحثنا على دراسة أحكام الأطفال على مثل هذه الموضوعات,كحكمهم على الكذب والصدق إلخ.

 

ولما كنا بصدد مقارنة الأحكام الأخلاقية للطفل بما نعرفه عن سلوكه في الميادين العملية المقابلة فإنا سوف نتبين – كما في حالة الشعور بالواجب – أن هذه كلها حالات غيريه الأصل – وسوف نرجع في هذه الناحية إلى نظريتنا عن العلاقات بين الغيرية ومركزية الذات.   فالغيرية لا يمكن أن تكون بأي حال كافية لإحداث تغير عقل، أما القسر ومركزية الذات فالاتفاق بينهما سهل.  وهذه هي نفس النتيجة التي سوف نجدها عند دراسة آثار قسر الراشدين.  واخيرًا, فقد رأينا أن التعاون ضروري في غزو الأخلاق الذاتية.  والآن فإن مثل هذه النظرية لا يمكن أن نبرهن عليها إلا عن طريق تحليل الطريقة التي يستدخل الطفل بها القواعد الأخلاقية في لحظة ما ويشكلها بكامل حريته.

 

في هذا الفصل سوف نتناول بالدراسة أولاً آثار القسر الاخلاقي، ولو أنا أيضًا سوف نضع بعض الخطوط الرئيسية للتعاون الذي سندرسه فيما بعد.  والواقع أن القسر الاخلاقي كثير الشبه بالقسر العقلي والأخلاق الحرفية الدقيقة التي يميل الطفل لأن ينسبها للقواعد التي تأتيه من الخارج والتي تشبه شبهًا كبيرًا المواقف التي يقفها الطفل إزاء اللغة وإزاء الحقائق العقلية التي يفرضها عليه الراشدون. ونستطيع أن نستغل هذا الشبه فيوضع اسم لهذه الحالة فنطلق اسم “الحقيقة الأخلاقية” على دائرة الأحكام على القيم وهي متصلة “بالمذهب الحسي”.  وبنفس الطريقة نطلق اللفظية أو “المذهب التصوري” على التعليل النظري. وكما أن المذهب الواقعي عمومًا (بالمعنى الذي وضعنا له هذا الاصطلاح في أبحاثنا السابقة – أنظر الجزء الأول من R.M.) ينتج من اختلاط الذاتية بالموضوعية – ومن هنا كان نتيجة مركزية الذات – وكذلك من القسر العقلي للراشدين, فإن المذهب الواقعي الأخلاقي ينتج من تداخل هذين النوعين من الأسباب.  ولذلك سوف نطلق اسم المذهب الواقعي الأخلاقي على الميل الذي يبديه الطفل نحو اعتبار الواجب والقيمة المرتبطة به شيئًا ذا استمرار ذاتي مستقل عن العقل وعلى اعتبار أن الواجب يفرض بنفسه دون اعتبار للظروف التي قد يجد الفرد نفسه فيها.

 

إن المذهب الواقعي الأخلاقي له على الأقل ثلاثة مظاهر: فهو يرى أن الواجب شيء غيري في أساسه, ذلك أن أي عمل فيه خضوع للقاعدة أو للراشد فهو خير، بصرف النظر عما قد يأمر به، وكل عمل لا يتسق مع القواعد فهو شر.    فالقاعدة إذن لا يمكن بحال من الأحوال أن نعتبرها شيئًا من عمل العقل، أو حتى مما يحكم فيه العقل أو يفسره، ولكنها تعطى كما هى كشيء خارج عن العقل، وهي تتصور أيضًا كشيء منزل من الكبار ومفروض منهم.  فالخير, إذن, هو شئ تحدده الطاعة تحديدًا دقيقًا, ثم إن المذهب الواقعي الأخلاقي يتطلب أيضًا رعاية حرفية القانون لا روحه.   وهذا المظهر مشتق من الناحية الأولي.  ومع ذلك فمن الممكن أن نتصور أخلاقًا غيرية تقوم على روح القواعد لا على محتوياتها القاسية والسريعة.   فمثل هذا الموقف لا بد ألا يعتبر واقعيًا، بل يميل لأن يكون معقولاً وداخليًا.  ولكن عند بداية التطور الأخلاقي للطفل نجد أن قسر الراشدين يؤدي, على العكس، إلى نوع من الحقيقة اللفظية التي سوف نرى أمثلة كثيرة لها فيما بعد.

 

وأخيرًا نجد أن هذا المذهب يؤدي إلى الوصول إلى رأي موضوعي في المسؤوولية ونستطيع أن نجعل هذا مقياسًا للواقعية، فمثل هذا الموقف تجاه المسؤولية يمكن تمييزه بسهولة عن الحالتين السابقتين.  فما دام الطفل يأخذ القانون حرفيًا ويرى الخير في الطاعة فإنه يقيِّم الأعمال لا تبعًا للباعث الذي أدي إليها بل تبعًا للاتساق المادي مع القواعد المعمول بها. ومن هنا جاءت المسؤولية الموضوعية التي سوف نرى أمثلة واضحة لها في الحكم الأخلاقي عند الطفل.

 

  1. الطريقة

قبل أن نتقدم في تحليل الحقائق فإنه يحسن أن نناقش في كلمات قليلة الطريقة التي نزمع اتباعها.  ولعل الطريقة الوحيدة الصائبة في دراسة الحقائق الأخلاقية هي بلا شك أن نلاحظ عن قرب أكبر عدد ممكن من الأفراد والأطفال ممن يرسلهم آباؤهم أو معلموهم – أو كان ينبغي أن يرسلوهم – ليعالجوا نفسيًا وطبيًا، ففي هؤلاء مادة غنية لهذا التحليل.  وبالإضافة إلى ذلك فإن التربية في المنزل تؤدي باستمرار إلى قيام مشاكل نفسية مستعصية، والتخلص من هذه المشاكل – لسوء حظ الأطفال – لا يعتمد فقط على بصيرة الآباء، والناحية التعليمية الفنية الفردية لحل هذه المشاكل هي من بعض النواحي أحسن وسيلة للتحليل, ولكنها موضوعة تحت تصرف علماء النفس.  ولهذا فإننا سنبذل أقصى جهدنا في الجزء الباقي من هذا البحث في اعتبار النتيجة الصحيحة هي التي لا تتعارض مع ما نلاحظه في حياة الأسرة.

وهنا فقط, كما في حالة الآراء العقلية, نجد أن الملاحظة الخالصة هي وحدها الطريق القويم وهي لا تؤدي بنا إلى عدد بسيط من الحقائق المتناثرة، ولهذا نرى أنه يجب أن نكملها باستجواب الأطفال في المدرسة.  وسنتناول بالبحث هذا الحوار الآن تاركين إلى فرصة أخرى أمر طبع ملاحظاتنا التي قمنا بها على أطفالنا نحن.  وإذا كان الاستجواب في الميدان العقلي سهلاً نسبيًا – رغم الصعوبات الكثيرة التي نصادفها في الطريق – فإنه في الميدان الأخلاقي لا يؤدي إلا إلى الحقائق المعروفة.    وبطريقة غير مباشرة فأنت تستطيع أن تجعل الطفل يعلل مشكلة فى الطبيعة أو المنطق وأنت في هذا لم تتصل بالتفكير التلقائي ولكن على الأقل اتصلت بالتفكير أثناء قيامه في نفس الطفل.   وأنت لا تستطيع أن تجعل الطفل يعمل في معمل لكي تشرح سلوكه الأخلاقي, فالمشكة الأخلاقية عند الطفل تبعد عن سلوكه الأخلاقي بعدًا أكبر من بعد المشكلة العقلية عن التطبيق العملي, ففي ميدان الألعاب وحده يمكن أن تساعدنا طرق العمل على تحليل الحقائق أثناء تكوينها.  أما بالنسبة للقواعد الاخلاقية التي يأخذها الطفل عن الراشد فأنت لا تستطيع أن تفكر في بحث مباشر عن طريق الحوار, ولهذا نستغلها أحسن استغلال.   ولن تكون محاولتنا قاصرة على أن نختبر العمل وحده ولكن مجرد الحكم على القيمة الاخلاقية.  بمعنى آخر لن يقتصر تحليلنا على القرارات العملية للطفل ولا تذكرة لأعماله بل سنحلل الطريقة التي يقيِّم بها السلوك الذي نعرضه عليه.

 

أكثر من ذلك, فإنا نصادف هنا صعوبة جديدة وهي أننا لا نستطيع أن نجعل الطفل يحقق بشكل محسوس أنواع السلوك الذي نعرضه عليه للحكم عليه كما نستطيع ذلك في حالة لعبة الكريات أو أي شئ ميكانيكي من أي نوع.  كل الذي نستطيع أن نصل إليه إنما نصل إليه عن طريق القصة.   وهذه بلا شك طريقة غير مباشرة، فهل هناك صلة بين سؤال الطفل عن رأيه في سلوك ما كل علاقته به أنه قص عليه وبين أخلاق هذا الطفل؟

 

للإجابة على هذا السؤال نجد أننا نستطيع أن نقول إنه ربما كان ما يفكر فيه الطفل من الناحية الأخلاقية ليس له أى صلة حقيقية بما يفعله ويحس به في خبرته العملية، فحوار طفل الخامسة إلى السابعة عن الكريات قد أماط لنا اللثام عن التناقض الغريب بين التطبيق وبين التفكير فيها. من جهة أخرى, يمكن القول ربما كان ما يفهمه الطفل فعلاً عن القصص التي تعرض عليه ليس له صلة بما قد يفكر فيه لو أنه شاهد هذه المناظر نفسها.  وينبغي ألا نحاول حل مشكلات هذه الطريقة بواسطة اعتبارات مسلم بها، وكل الذى نأمل فيه هو أن نلفت الأنظار إليها وإلى الاهتمام النظري بالمشكلات التي تثيرها، ذلك أنا سنواجه مسائل عامة عن العلاقات بين الحكم اللفظي والتطبيق العملي للأفكار عقلية كانت أم أخلاقية.

 

والحق أن البحث في الذكاء أيسر من البحث في الأخلاق ولكن هذا ينطبق فقط على الوظيفية في التفكير لا في المحتويات، فإذا اضطررنا لكي نحصل على المحتويات – كما فعلنا في الماضي – أن نسأل الطفل عن معتقداته هو فإن المشكلة تكون هي نفسها.  ولهذا يحسن أن نضعها في الشكل الآتي :

هل التفكير اللفظي – أى التفكير الذي يقوم على أفكار تثيرها اللغة لا علي أشياء تبدو في خلال العمل الفعلي – هل هذا التفكير تفكير حقيقي وتلقائى؟  أيًا كانت الإجابة فإن هذه المشكلة ذات أهمية عظمى في علم النفس البشري. فهل الإنسان فقط يقوم بتأليف عبارات لا صلة لها بأفعال أم أن هناك حاجة لصوغ جزء من أعماله هو؟

 

هذا السؤال هو سؤال في منتهي العمق, ولكي نجيب عنه ينبغي أن ندرسه عند الطفل وعند غيره. فعند الطفل, كما هو عند الكبار, طبقة من الأفكار اللفظية مفروضة كما هي على تفكيره العملي.   فالطفل لا يخترع القصص فقط أثناء حواره بل إنه يتحدث بها إلى نفسه طوال الوقت، ومن السهل أن نبرهن أن القصص التي نخترعها أثناء التجارب السيكولوجية هي بشكل عام مماثلة لتلك التي تبدو تلقائية. (فنحن نستطيع أن نبيّن مثلاً أن النتائج التي حصلنا عليها عن طريق استجواب الطفل في نواحٍ عديدة عن فكرته عن العالم مرتبطة ارتباطًا أساسيًا بتلك التي اكتشفناها عن طريق الملاحظة المباشرة وعن طريق تحليل “لماذا؟” على الخصوص, ولكن المشكلة لازالت قائمة.    فما هي العلاقة التي تقوم بين التفكير اللفظي والتفكير الحسي والعملي؟ وهذه المشكلة لها أهمية خاصة في دائرة الأخلاق، أما الصعوبات التى نصادفها فسوف نخضعها لفحص دقيق، وغايتنا منه لن تكون تحقيق طريقتنا أو نقدها (كل طريقة تؤدى إلى نتائج هي طريقة هامة ومعنى النتائج فقط هو موضوع المناقشة) بل ستكون غايتنا من هذا الفحص مساعدتنا للوصول إلى حكم أكثر تحديدًا لمشكلة النظريات الأخلاقية.

 

فإذا بدانا بالراشد نجد أن مجموعة من المفكرين يرون أنه لا غني للعقل عن أن يضع لنفسه القواعد أو على الأقل يحكم على طبيعة الأعمال الأخلاقية.  هذه المجموعة من العلماء تقبل إذن عن طريق المناقشة أو بدون مناقشة هذا الفرض القائل بوجود علاقة بين التفكير الأخلاقي والسلوك الأخلاقي, وهم يقولون بأنه إما أن الأخير ينتج عن الأول أو أن التفكير هو التحقيق الشعوري للسلوك (أي أن السلوك يأتي من الشعور) وقد نجد مجموعة من الأفراد يكون سلوكهم الشخصي مصادفة فوق كل نقد ولكنهم لا يؤمنون “بعلم الأخلاق”.  و”كانت” و”دوركايم” هم خير من يمثل الاتجاه الأول أما “باريتو Pareto” فهو خير من يمثل النوع الثاني, فالسلوك عنده هو الموجود وحده بعضه منطقي وبعضه الآخر غير منطقي، مثله مثل السلوك الغريزي أو السلوك ذو الصبغة الوجدانية.  يضاف إلى هذا – وفي مستوى مختلف تمامًا – نوع من الأحاديث المتقنة وهذه وظيفتها تقوية السلوك، وإن كان مضمونها يخلو من أي معنى ذكائي.   وهذه الأحاديث – مشتقات متعددة الأشكال وتعسفية – تقوم على الرواسب الوجدانية للسلوك غير المنطقي فهل هي النظريات الاخلاقية؟

 

المسألة التي يجب أن نبحثها هي : هل الأشياء التي يقولها لنا الأطفال – عند مقارنتها بالأخلاق الحقيقية –  تقوم على شعور حقيقي, أم أنها “مشتقات” تفكيرية (بالمعنى الاشتقاقي للكلمة), أم مجرد ببغائية؟  الواقع أننا لا نستطيع أن ندعي أننا قد توصلنا إلى أصل هذه المشكلة, فالملاحظة المباشرة هي صاحبة القول الفصل في هذا.

 

وحتى نستطيع أن نعطي القول الفصل للملاحظة المباشرة ينبغي أن نبحث أولاً عن الآراء اللفظية عن الأخلاق – وهذا هو الذي يجعلنا نعتبر بحثنا ذا قيمة أيًا كانت النتائج النهائية له.  أكثر من ذلك, فإن دراسة القواعد التي عرضناها في الفصل الأول قد زودتنا بأدلة على جانب كبير من الأهمية، وبالجملة فقد وجدنا فيها علاقة معينة (ليست بسيطة ولكنها محددة تمامًا) بين رأى الأطفال في القواعد وتطبيقهم لهذه القواعد نفسها. ولهذا نستطيع أن ننتقل الآن في تحليلنا للمشكلة إلى مستوى آخر.

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

الحكم الأخلاقي عند الأطفال   -16

فأولاً – ماهي العلاقة بين الحكم على القيمة وبين العمل الأخلاقي نفسه؟  فهذا طفل يرى أن له كل الحق في أن يحدث أباه عن أعمال أخيه السيئة, وآخر يرى أنه حتى لو سأله الأب فإنها تعتبر “نذالة” أن يحدث أباه عن سيئات أخيه، وهو يفضل أن يعاقب على أن يدفع بأخيه إلى العقاب.

 

فالمشكلة إذن هي أن نعرف هل كل من هذين الطفلين يرى من الناحية العملية أن ما قرره من الناحية اللفظية هو حقيقة يعمل بها؟ وفي هذا الصدد ينبغي أن نعني بتجنب كل غموض، فبعض التجارب عنيت بقياس هذه القيمة الأخلاقية للطفل عن طريق اختيار الحكم الاخلاقي، فالآنسة دسكودر Mlle Descoudres مثلا ترى أن الطفل الذي يستجيب للقيم العملية التي تقال له هو (1) في الجملة أحسن ممن تكون أحكامه الأخلاقية غير دقيقة.  وربما كان الذكاء – بل إنه من التوقع أن يكون – وحده كافيًا لأن يجعل التقييم الأخلاقي للطفل أكثر تحديدًا دون الحاجة لأن نشير عليه بالأعمال الخيرة.  وعلى هذا الأساس فقط نجد الطفل السيء الخلق الذكي يعطى إجابات أحسن من الولد البطئ طيب القلب.   أكثر من ذلك, فكيف يستطيع السيكلوجي أن يقسم التقدير الأخلاقي للأطفال حتى على أساس التقسيمات العادية؟ إن هذه الأقسام الممكنة في الحالات البعيدة الفروق قد تتعرض لكثير من عدم الدقة في الحالات العادية, وهي الحالات التي تعنى بمعرفة هل اختيار الحكم الأخلاقي يساعد على معرفة الطفل أم لا ؟

 

ولكنا لو تركنا هذا السؤال لأنه لا يعنينا هنا فعلاً، فإننا نستطيع أن نسأل هل الحكم على القيمة التي يقول بها الطفل أثناء حواره هو نفس الحكم الذي يقوم به فعلاً بصرف النظر عن القرار العملي الذى قد يقرره؟  مثال ذلك أن طفلاً ما قد يقول لنا أثناء الحوار أن الكذبة ” أ ” أسوأ من ” ب “, فسواء كان هو نفسه يقول كذبًا أم لا، وسواء كان هو نفسه سيعمل وفق ما يسميه “خيرًا” أم لا، فإن لنا الحرية في أن نبحث الأمر من ناحيـة السلوك لنرى هل لا زال يعتبر الكذبة ” أ ”  أسوأ من الكذبة ” ب ” أم لا؟  وليس الذي نسير وراء بحثه هو وضع الطفل لأعماله الأخلاقية من الناحية العملية (فقد رأينا فيما يتصل بلعبة الكريات أن احترامًا غامضًا للقواعد قد يسير جنبًا إلى جنب تطبيق خالص لمركزية الذات) وإنما الذي يعنينا هو كيف نحكم بالخير أوالشر على أعماله وسلوكه؟  تلك هي وجهة النظر التي علي أساسها وضعنا لأنفسنا مشكلة نحاول الكشف عنها وهي : هل الأحكام على القيم التى وصلنا إليها عن طريق الحوار ترتبط بالتفكير الحقيقي أم لا.

 

ويبدو أن هناك صلة بين الحكم اللفظي النظري والتقييم الحسي الذي يعمل في السلوك مستقلاً عما إذا كانت هذه التقييمات متبوعة بقرارات حقيقية أم لا.  وقد لاحظنا في أغلب الاحيان أنه في الميدان العقلي نجد أن التفكير اللفظي للأطفال يحتوي على تطور يأتي إلى الشعور، أو شعور حقيقي لأعمال تاتي من السلوك، وفي مثل هذه الحالات نجد أن التفكير اللفظي – بكل بساطة – يتخلف وراء التفكير المحسوس، ما دام الأول يقوم على بناء من الرموز وعلى عمليات في مستوى جديد أخذ مكانه من قبل في المستوى السابق. الواقع أن المشكلات القديمة التي أمكن التغلب عليها في مستوى السلوك قد تعود فتظهر أو على الأقل تستمر في المستوى اللفظي، فهناك تخلف زمني بين الظاهرات المحسوسة والظاهرات اللفظية في نفس العملية.  لهذا يمكن أن نقول إنه في الميدان الأخلاقي هناك تخلف زمني بين التقييم المحسوس للطفل وبين حكمه النظري على القيم.  فالأخير هو إدراك تطوري مناسب للأول وسوف نقابل أطفالاً مثلاُ لا يلتفتون في تقييمهم للسلوك في المستوى اللفظي (المسؤولية الموضوعية) ولكن حين نسألهم عن خبرات شخصية نجدهم يضعون نصب أعينهم كل ما يدخل في دائرة اللعب.  ولذلك يمكن ان نقول إنه في مثل هذه الحالات نجد أن الناحية النظرية تتخلف وراء الحكم الأخلاقي العملي وهي تبين بطريقة مناسبة أن هناك مستوى مسبوقًا من المستويات العملية.

 

ولكن قد لا تقوم أي علاقة بين الاثنين، وعلى أساس هذا الرأي فإن النظريات الأخلاقية للطفل لا تكون سوى مجرد حديث لا علاقة له بقيمه المحسوسة.  أكثر من ذلك, فإنه مع ملاحظة أن الحالات العارضة لا زالت أكثر أهمية في الميدان الأخلاقي منها في الميدان العقلي – فإن الطفل يعطي إجاباته لصالح الراشد أكثر منها لصالحه هو.  ولو أخذنا هذه الحالة على أساس عدم وجود أخطاء في هذه النقطة، فإنه من المؤكد أنه في أغلب الحالات نجد الطفل في منتهى الأمانة خلال التجربة، وكل الذي يعتقده هو أن المطلوب منه هو مجرد محاضرة أخلاقية أكثر منه تفكير في الأسس.   مثال ذلك أننا تحدثنا مع أطفال في العاشرة ممن دافعوا عن القيمة الأخلاقية “للنميمة” ولكنهم غيروا مبدأهم بمجرد أن رأوا على وجوهنا أننا لم نتأثر برأيهم.  وعلى هذا فإن آراءهم الحقيقية قد اختفت وتقنعت أمام الرغبة الوقتية في ان يذكروا الآراء الأخلاقية التي يسر لها الراشدون.  حقًا كان الكبار منهم هم الذين استجابوا على هذا النحو ولكن أليس ذلك دليلاً على أن الصغار من الأطفال لا يفصلون تفكيرهم على ما قد يستمعون إليهم من آبائهم ومعلميهم ؟   أليست حالة التفكير اللفظي للأطفال حتى سن 10-11 ليست سوى تكرار أو تشويه لتفكير الراشدين وليس لها أية علاقة بالقيم الأخلاقية الحقيقية التي يزاولها الطفل في حياته الخاصة.

 

ولكي نستقر على قرار في هذه النقطة يحسن أن نرجع إلى ما سبق أن درسناه في بحثنا عن لعبة الكريات، فقد تمكنا من جهة أن نرى كيف وضع الأطفال القواعد موضوع التطبيق وكيف قيموا واجباتهم كلاعبين وسط اللعبة نفسها.  من جهة أخرى استطعنا أن ننجح في جمع نظريات أخلاقية معينة عن مادة هذه القواعد نفسها، وقد ظهرت هذه القواعد في نفس المكان، ولذلك فهى تقوم على أساس خالص من الأحكام النظرية، والآن نكرر أنه يوجد ارتباط بين الناحية العملية والناحية النظرية عند الطفل وإن لم يكن هذا الارتباط بسيطًا فهو محدود، فهناك ارتباط بين التطبيق مركزي الذات للقواعد الذي يسير جنبًاإلى جنب مع الشعور باحترام الكبار والراشدين وبين الحكم النظري الذي يحيل القاعدة إلى شئ مقدس سام وفي الحالة الأولى لا يرتبط الحكم النظري بالناحية العملية نفسها ولكنه يرتبط بالأحكام التي تصاحب العمل، وهذا شئ طبيعي ما دامت مركزية الذات مسألة لا شعورية والاحترام الوحيد الذي يعتقد الطفل أنه يخضع نفسه له هو مسألة شعورية.   هذا ويرتبط بالتطبيق المعقول للقواعد الذي يسير جنبًا إلى جنب مع الاحترام المتبادل – يرتبط به الحكم النظري الذي يضفي على القواعد صفة ذاتية خالصة.  وعلى هذا فإنه في دائرة اللعب على الأقل نجد أن الحكم النظري يرتبط بالحكم التطبيقي، وليس معنى ذلك أن الحكم النظري يفسر العمل الحقيقي للطفل، ولكنه يرتبط في أساسه بالأحكام التي يقول بها الطفل أثناء عمله، وعلى ذلك نستطيع أن نقبل أن الحكم اللفظي يتخلف وراء الحكم الفعلي، ففكرة الذاتية تظهر عند الطفل متاخرة حوالى عام عن السلوك التعاونى وعن الإدراك العملي الذاتي.

 

أما بالنسبة للميادين التي نقترب منها الآن (الكذب والعدل, إلى آخره) فإننا لهذا قد نتقدم على النظرية القائلة بأن الحكم اللفظي والنظري للطفل يرتبط بشكل إجمالى مع الأحكام الحسية والعملية التي قد يكون الطفل قد أصدرها في مناسباتها أثناء أعماله في السنين السابقة، فليس من شك أن التفكير اللفظي يتخلف عن التفكير العملي ولكن يبدو لنا أنه لا يمكن أن يكون منقطع الصلة بالمراحل السابقة من التفكير العملى, وسوف يكشف لنا المستقبل عما إذا كانت هذه الطريقة في منتهى الجرأة وعلى أية حال فإن التفكير اللفظي سواء كان أخلاقيًا أو عقليًا يستحق الدراسة الدقيقة.  وهو لا يقتصر على الطفل وحده بل إنه في حياة الراشدين – كما بينت بوضوح تجارب باريتو Parrto – يلعب دورًا هامًا في ميكانيكية الحياة الاجتماعية.    وأخيرًا يجب أن نسلم بالحقيقة القائلة بأن التقويم اللفظي الذي يقوم به الأطفال لا يقوم على أساس أعمال كانوا من مؤلفيها أو مشاهديها ولكن أساسه هو قصص قيلت لهم. فالتقييم عند الأطفال إذن كما هو تقييم لفظي من الدرجة الثانية.    ولقد حاول السيكولوجي ” فرنالد (1)Fernald ” توضيح هذا الموضح العارض بالطريقة التالية : فقد قص على الأطفال عدة قصص ثم سألهم عن مجرد تقسيمها. أما الآنسة ديسكودر Mlle Descoudres فقد طبقت هذه الطريقة فعرضت مثلاً خمسة أنواع من الكذب على الأطفال ثم طلبت منهم بعد ذلـك تقسيمها حسب أهميتها.   وهذه إجمالاً هي الطريقة التي سوف نتبعها وإن كنا لن نمنع أنفسنا طبعًا – بعد أن يتم التقسيم – من أن ندخل في مناقشة حرة مع الأطفال حتى نصل إلى أسباب هذا التقويم.

 

ويجب أن نأخذ حذرنا لكي نتجنب التعقيدات غير الضرورية.   مثال ذلك أنه يبدو لنا أن من الضروري ألا نقص على أطفالنا أكثر من قصتين في وقت واحد لأن الطفل إذا عرضت عليه سلسلة من القصص فإن تقسيمها يتطلب مجهودًا عقليًا لا صلة بالتقييم الأخلاقي, إذ أنه ينسى ثلاث قصص من الخمس ثم يقارن أي اثنين يختارهما مصادفة.    وهذا يعطي نتائج ليست بذات أهمية خاصة.  أكثر من ذلك فإنه بعد أن استخدمنا القصص العادية سرعان ما تبين أن أسلوبها أبعد عن متناول فهم الأطفال.  وفي علم النفس يجب أن نتحدث إلى الأطفال بلغتهم وإلا فإن التجربة تتحول إلى اختبار للذكاء أو الفهم اللفظى.ولكن رغم كل هذه الاحتياطات فلا زالت هناك مشكلة واحدة باقية وهي إذا كان الطفل قد شاهد المنظر الذي تصفه له فهل يكون حكمه عليه بنفس الطريقة ؟

 

الجواب لا.  ففي الحياة الواقعية نجد الطفل ليس أمام أعمال منعزلة بل أمام شخصيات تجتذبه أو تنفره ككل، فهو يعرف قصدهم بالبديهة المباشرة، ولذلك لا يستطيع أن يتحرر عنهم، وهو يزيد أو ينقص في حكمه عن العدل تبعًا للظروف المشددة أو المخففة، وهذا هو السبب في أن القصص التي يقصها الأطفال أنفسهم غالبًا ما تؤدي إلى تقييمات مختلفة عن التي توحي بها قصص القائمين بالتجارب، ولكنا نعود فنكرر أن التقييمات التي نحصل عليها من وراء القصص التي نقصها عليهم قد تتخلف في الزمن وراء التقييمات المباشرة التي تأتي من الحياة اليومية.

 

خلاصة القول أن نتائج تجاربنا لا تكاد تخلو من أهمية, فهي نسبيًا ثابتة وفوق ذلك فإنها تتمشى إلى حد ما مع السن، وكل الذي سبق أن قبلناه عن نظرية الحوار المعملى (الإكلينيكي) ينطبق هنا.  يضاف إلى ذلك أنا نعتقد أنه في الحياة اليومية – كما في مجرى الحوار – يجب ألا نواجه الطفل بالأعمال المحسوسة وحدها، بل بقصص عن أعمال وكذلك بتقييمات لفظية.   ولذلك كان من المهم أن أن نعرف موقفه في مثل هذه المواقف.  باختصار, فإن الطريقة لمواجهة المشكلات الحقيقية من هذه الناحية وفي النواحي الأخرى ليست في قبول وتسجيل نتائج التجارب، بل في معرفة كيف نضعها بالنسبة لحياة الطفل الحقيقية ككل.وهذا لا يمكن عمله عند بداية بحثنا في هذا الميدان الصعب.

 

(1)A.Descoudres : “Sur le jugement moral : L’Intermediare des Educateurs . , P . 54 ( 1914 )

(1)Fernald ” American Journal of Insanity ” avril 1912

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

الحكم الأخلاقي عند الطفل  – 17

  1. الموضوعية

سوء التصرف والسرقة

لاحظنا فيما يتعلق بقواعد اللعب أن الطفل يمر بمرحلة يعتقد فيها أن القواعد ذات حقيقة إجبارية وينبغي ألا تمس، والآن ندرس إلى أي حد تذهب هذه الحقيقة الأخلاقية وبخاصة البحث فيما إذا كان قسر الكبار – الذي ربما كان هو السبب – يكفي لقيام ظاهرة المسئولية الموضوعية.  وكل ما قلناه عن صعوبة تفسير دراسة الأحكام الأخلاقية للأطفال ليس له تأثير على طبيعة بحثنا، بمعنى أن المسؤولية الموضوعية التي نحن على وشك إعطاء أمثلة لها هل هي مرتبطة بحياة الطفل في جملتها أم هى مرتبطة أكثر بالنواحي الخارجية واللفظية لتفكيره الأخلاقي؟  ولا زالت المشكلة الخاصة بمصدر هذه المسؤولية  وسبب نموها قائمة كما هي.

 

والأسئلة التي وضعت للأطفال حول هذه النقطة هي تلك التي سوف ندرس نتائجها أولاً.  مشكلة الأحكام المتصلة بقول الكذب بدأنا بها كمقدمة – وإن كانت في الواقع هي آخر ما فكرنا فيه – وفي أثناء القيام بالتحليل الذي سنتحدث عنه في الأقسام التالية لاحظنا بوجه عام أن صغار الأطفال غالبًا ما كانوا لا يقيسون خطورة الكذب على أساس نية الكذب بل على أساس عدم مطابقة قوله للواقع.  وقد كان غرضنا من وضع الأسئلة التالية هو تحقيق قيام هذا الميل بصفة خاصة وبصفة عامة بالنسبة الموضوعية.  وقد كانت مجموعة الأسئلة الأولى خاصة بدراسة نتائج سوء التصرف.  فسوء التصرف عند الأطفال يقوم فيه النزاع مع الراشدين بدور هام من الناحية العملية، غير أن هذا الدور من الناحية النظرية لا يتناسب مع ما ينبغي له, وفي كل لحظة يثير الطفل غضب ذويه بسبب كسره شيئًا ما أو تبقيعه أو إتلافه وهو غضب قد لا تبرره الظروف دائمًا، ولكن الطفل يعلق عليه أهمية ويضفي عليه معنى.  وفي حالات أخرى يكون سوء تصرفه ناشئًا عن إهماله أو عدم طاعته فتنبت عنده إلى جوار إحساسه السابق فكرة غامضة عن عدالة ذلك الغضب.  وفي هذه الحالة نجد أن هناك عاطفة فيها فكرة غامضة عن العدل الذاتى.  ولهذا فقد حاولنا أن نجعل الطفل يقارن قصصًا من نوعين من أنواع”سوء التصرف” في إحداهما حدث سوء التصرف عرضًا, أو ربما كان نتيجة عمل بحسن نية ولكنه أدى إلى تلف مادي كبير, وفي الأخرى حدث إهمال أدى إلى تلف بسيط ولكنه حدث بسوء قصد.  وتلك هي القصص :

  1. أ- كان ولد صغير يدعى “جون john” في حجرته، ثم دعي للغداء, فذهب إلى حجرة الطعام ولكن خلف الباب كان هناك كرسي فوقه صينية عليها 15 طبقًا.  لم يكن “جون” يعرف أن هذا كان خلف الباب، فلما دخل حجرة الطعام دفع الباب فألقى بها على الأرض فكسر الأطباق الخمسة عشر كلها.

 

ب- يحكى أنه كان هناك ولد صغير اسمه “هنرى Henry” حدث أن أمه كانت خارج المنزل وحاول الحصول على بعض المربي من إناء, فصعد فوق كرسي ومد ذراعه ولكن المربى كانت عالية جدًا فلم يستطع الوصول إليها ولكن أثناء محاولته خبط إناءً فسقط على الأرض وانكسر.

 

  1. أ- كان هناك ولد اسمه “جوليان Julian” خرج أبوه فحاول الولد أن يعبث بقلم أبيه وبمحبرته، فبدأ يلعب بقلمه ثم عمل نقطة حبر على مفرش المكتب.

 

ب- كان هناك ولد صغير اسمه “أغسطس Auguste” لاحظ أن محبرة أبيه خالية من الحبر ففكر ذات يوم أثناء غياب أبيه أن يملأ المحبرة مساعدة منه له وحتى يجدها أبوه مملوءة حين يعود ولكن زجاجة الحبر عملت نقطة كبيرة على مفرش المكتب .

 

  1. أ – يحكى أن بنتا تدعى “مارى Marie” رغبت في أن تفاجئ أمها مفاجأة سارة ففصلت لها قطعة قماش ولكنها لم تكن ملمة باستخدام المقص استخدامًا صحيحًا فأحدثت في ملابسها ثقبًا كبيرًا.

         

ب- كانت هناك بنت تدعى “مرجريت Marguerite” انتهزت فرصة خروج والدتها من المنزل فأخذت مقصها ولعبت به قليلاً ونظرًا لأنها لم تكن تلم بطريقة استخدامه أحدثت في ملابسها ثقبًا.

 

وبعد أن تفرغ من تحليل الإجابات عن هذه الأزواج من القصص يمكن أن ننتقل إلى دراسة مشكلتين مرتبطتين بالسرقة.  ولما كانت غايتنا الآن هي أن نكتشف ما إذا كان الطفل يعنى أكثر بالباعث أم بالنتائج المادية فسوف نقصر بحثنا على المقارنة بين الأعمال ذات الباعث الأناني وتلك التي تحدث عن حسن نية.

 

  1. أ- قابل “الفريد Alfred” صديقًا له فقيرًا وقد ذكر له صديقه أنه لم يتناول طعامًا في هذا اليوم فقد خلا بيته مما يؤكل فذهب ألفريد إلى مخبز ونظرًا لأنه لم يكن معه نقود انتظر حتى أدار الخباز وجهه فسرق رغيفًا وجرى به وأعطاه لصديقه.

ب- ذهبت “هنرييت Henirette” إلي حانوت فوجدت شريطًا على منضدة وفكرت في أنه سيبدو جميلاً لو وضعته على ملابسها ولذلك انتهزت أول فرصة أدارت فيها صاحبة الحانوت وجهها وسرقت الشريط وولت الأدبار.

 

  1. ا-  “البرتين Albertine” كان لها صديق يحتفظ بطائر في قفص.  كانت ألبرتين تعرف بأن الطائر لم يكن سعيدًا وكانت تطلب دائمًا أن يفرج عنه ولكنه لم يكن يأخذ برأيها, لذلك انتهزت فرصة غياب صديقها وسرقت الطائر وتركته يطير وأخفت القفص في مكان مهمل حتى لا يعود الطائر إلى السجن مرة أخرى.

 

ب. انتهزت “جولييت Juliette” ذات يوم خروج أمها وسرقت بعض الحلوى وأخفتها ثم أكلتها.

 

ولقد وجهنا سؤالين عن كل زوج من هذه الاسئلة هما :

1- هل هؤلاء الأطفال في مستوى واحد من حيث الخطيئة؟ (أو, كما يقول أطفال جينيف, متساوون في الخسة)

1-    أيهما أخس؟  ولماذا؟

 

ومما لا شك فيه أن كلا من هذين السؤالين يقال في مناسبته لرد فعل الطفل.  ومن المهم أن تجعل الطفل يعيد القصص قبل استجوابه، وطريقة إعادته للقصة تكفي للدلالة على مدى فهمه لها.  ولقد حصلنا على النتائج الآتية : فحتى سن العاشرة نجد هناك نوعين من الإجابة يقومان جنبًا إلى جنب : في النوع الأول يقوم العمل على أساس النتائج المادية بصرف النظر عن الباعث، وفي النوع الثاني يكون أساس التقييم هو الباعث.  وقد يحدث أن طفلاً واحدًا يكون أساس حكمه أحيانًا هو النوع الأول وأحيانًا النوع الثاني. زيادة علي ذلك فإن بعض القصص تشير أكثر وضوحًا إلى المسئولية الموضوعية من القصص الأخرى.   فالمادة إذن لو دخلنا في تفاصيلها لا يمكن أن نقول إنها تعطينا ما يمكن أن نطلق عليه مستويات، غير أننا من الناحية الإجمالية لا نستطيع أن ننكر أن المسؤولية الموضوعية تتضاءل كلما كبر الطفل, ولهذا لم نعثر على حالة واحدة تمثلها بعد سن العاشرة.  يضاف إلى ذلك أننا لو قسمنا الإجابات التي حصلنا عليها قبل سن العاشرة إلى مجموعتين متتالتين الأولى هي مجموعة المسؤولية الموضوعية والثانية هي مجموعة المسؤولية الشخصية (وقد عرفناهما عن طريق الإجابات التي أعطيت عن كل قصة، لا عن طريق الأطفال، إذ أن كل طفل قد يختلف من قصة لأخرى) – فإننا نصل إلى أن سن السابعة في المتوسط هي سن المسؤولية الموضوعية، وسن التاسعة في المتوسط هي سن المسؤولية الشخصية. ونظرًا إلى أنه من العبث أن نستجوب أطفالاً قبل سن السادسة استجوابًا مثمرًا لصعوبة قيامهم بعملية المقارنة العقلية, فسن السابعة في المتوسط ,إذن, تمثل الحد الأول للأطفال.  ولو أن الموقفين كانا يمثلان مجرد حالات فردية أو أنواعًا من التربية المثالية لكانت السنين في المتوسط عديمة القيمة ولكن ما دام الأمر ليس كذلك فإنه لا بد أن هناك درجات من التطور.  إذن, نستطيع أن نقول إنه حتى إذا كانت فكرة المسؤولية الموضوعية والشخصية ليس معناها وجود مرحلتين متتاليتين فإنهما على الأقل يحددان عمليتين واضحتين إحداهما تسبق الأخرى في المتوسط في التطور الأخلاقي للطفل وإن كانت معاصرة للأخرى جزئيًا.

 

بعد أن أوضحنا هذه النقطة نستطيع أن نعود الآن إلى الحقائق مبتدئين بالقصص التي تدور حول “سوء التصرف”.    وهنا إجابات نموذجية تبين فكرة المسؤولية الموضوعية الخالصة.

1- قصة الفناجين المكسورة

Geo جيو” (6 سنوات)  – هل فهمت هذه القصص؟  – نعم.  – ماذا فعل الولد الأول؟ – كسر 11 فنجانًا؟  – والثاني؟  – كسر فنجانًا حين حركه بعنف.  – ولماذا كسر الأول الفناجين؟  لأن الباب خبطها.   – والثانى؟  – لسوء تصرفه، حيث كان يحاول الحصول على المربى فسقط الفنجان منه.   – هل أحدهما أسوأ من الآخر؟  – الأول أسوأ, لأنه كسر 11 فنجانًا.  – لو أنك كنت الأب فأيهما تعاقبه أشد؟  – الذي كسر 11 فنجانًا.  – لماذا كسرها؟  – أغلق الباب بشدة فكسرها، لم يفعل ذلك لغرض.  – ولماذا كسر الولد الآخر الفنجان؟  – رغب في الحصول على المربى فتحرك أكثر من اللازم فانكسر الفنجان.          – ولماذا رغب في الحصول على المربي؟  – لأنه كان بمفرده ولم تكن أمه موجودة.  – ألك أخ؟  لا. لي أخت صغيرة.  – لو أنك أنت الذي كسر الأحد عشر فنجانًا أثناء دخول الحجرة، وكسرت أختك  فنجانًا واحدًا فقط أثناء محاولتها الحصول على المربي، فأيكما يستحق عقاباً أشد؟  – أنا, لأني كسرت أكثر مما كسرت.

 

شيما Shema (6 سنوات)  – هل فهمت القصص؟  – نعم.  – فلتقصها علينا.  – يحكى أن طفلاً صغيرًا دعي لغداء وكانت هناك صينية عليها خمسة عشر طبقًا، ولم يكن يعرف، ففتح الباب فكسر الأطباق الخمسة عشر.   – هذا عظيم.  والآن انتقل بنا إلى القصة الثانية.   – كان هناك طفل يحاول أن يحصل على بعض المربى فصعد على كرسي فعلق ذراعه بفنجان فانكسر.  وهنا سألناه: – هل الطفلان سلوكهما سيئ؟ وهل سوء سلوكهما متماثل؟  فاجاب – الاثنان متماثلان في سوء السلوك.  – وهل تعاقبهما عقابًا واحدًا؟  – لا . الذى كسر الخمسة عشر طبقًا يعاقب أكثر.  – هل هو أكثر سوءًا أو أقل من الآخر؟ – أكثر قليلاً فقد كسر خمسة عشر طبقًا.  – ولماذا كسرها؟  – لأنه لم يكن يعرف أن هناك خمسة عشر طبقًا.  – والآخر تعاقبه أكثر أو أقل؟  – الأول كسر أشياء كثيرة أما الثاني فأقل.  – وكيف تعاقبهما؟  – الذي كسر الخمسة عشر طبقًا, فجزاؤه صفعتان أما الآخر فصفعة واحدة.

 

“جورست Gorst” (بنت في السابعة).  طلبنا منها أن تقص علينا القصتين.  كان هناك كرسي في حجرة الطعام عليه أكواب ففتح ولد الباب فانكسرت الأكواب جميعًا.  – والقصة الأخرى؟  – حاول ولد صغير أن يحصل على بعض المربي فحاول الوصول إلى الكوب ولكنه انكسر.   – لو كنت أمهما فأيهما تعاقبين أشد؟  – الذى كسر الأكواب.  – هل هو أسوؤهما سلوكا ؟  – نعم.  – ولماذا كسرها؟  لأنه حاول دخول الحجرة.  – والآخر؟  – لأنه أراد أن يأخذ المربى.  – لنفرض أنك الأم ولك ابنتان صغيرتان إحداهما كسرت خمسة عشر كوبًا حين دخولها حجرة الطعام أما الأخرى فكسرت كوبًا واحدًا حين حاولت الحصول على بعض المربى أثناء غيابك فأيهما تعاقبين أشد؟  – التي كسرت الخمسة عشر كوبًا. ولكن كونست التي تعرف قضيتنا تمامًا تطرقت إلى الحديث عن بعض تجارب شخصية يظهر فيها بوضوح عامل المسؤولية الشخصية.  سألناها :  – وهل كسرت شيئا؟  – فنجانا.  – كيف؟ – حاولت تنظيفه فسقط مني.  – وماذا كسرت سواه؟  – طبقًا في مرة أخرى.  – كيف؟ – أخذته لألعب به.  – أي الفعلين أسوأ؟  – الطبق لأنه ما كان ينبغي أن آخذه.  – وما رأيك في موضوع الفنجان؟  – لقد كان هذا أقل سوءًا لأني كنت أحاول تنظيفه.  – أيهما كان ينبغي أن تعاقبي عليه أكثر؟  كسر الفنجان أم الطبق؟   – كسر الطبق.  – أنصتي, سوف أقص عليك قصتين أخريين.  كانت هناك بنت صغيرة تنظف الأكواب، وكانت تضعها بعيدًا وتنشفها بالملابس فكسرت خمسًا منها، على أن بنتًا أخرى كانت تلعب ببعض الأطباق فكسرت طبقًا واحدًا فأيهما أسوأ سلوكا؟  – التي كسرت الأطباق الخمسة.  ومن هنا نرى أنه في حالة الحكم على تجاربها الخاصة (في الحالة التي يكون فيها عدد الأشياء لا دخل له في الموضوع) فإن المسؤولية الشخصية وحدها هي صاحبة الاعتبار, وبمجرد أن نعود إلى القصص حتى لو أقمناها على تجارب الطفل فإن المسؤولية الوضوعية تعود إلى الظهور بشكل نقي خالص.

 

2-    قصة بقع الحبر

 “كونست Const (بنت في السابعة)” وهي التي فرغنا من دراسة إجاباتها.  أعادت تلاوة قصة بقع الحبر إعادة صحيحة, فقالت “إن ولدًا صغيرًا رأى محبرة أبيه فارغة فأخذ زجاجة الحبر، ولكنه أساء التصرف، فعمل نقطة حبر كبيرة.  – والآخر؟  – كان هناك ولد اعتاد أن يمس الأشياء, فأخذ الحبر وعمل بقعة صغيرة.   – وهل كلاهما في السوء سواء أم لا؟  – لا.   – أيهما أسوأ؟  – الذي عمل البقعة الكبيرة.  – ولماذا؟  – لأنها كانت كبيرة.  – ولماذا عمل البقعة الكبيرة؟  – حين كان يقوم بدور المساعد.   – ولما عمل الآخر البقعة الصغيرة؟  – لأنه كان دائم اللمس للأشياء, ولذلك عمل البقعة الصغيرة.        – إذن أيهما أسوأ؟  – الذي عمل البقعة الكبيرة.

 

“جيو Geo (6 سنوات)” كان يعرف القصص، ويعرف أن قصة الولدين مختلفة، ولكنه اعتبر أسوأهما “ذلك الذي عمل البقعة الكبيرة” – ولماذا ؟  – لأن هذه البقعة أكبر من الأخرى.

 

قصة الثقوب

“جيو Geo (6 سنوات)”  مستوى القصص السابقة  – الأولى رغبت في معاونة أمها فأحدثت ثقبًا كبيرًا في ملابسها, أما الأخرى فكانت تلعب فأحدثت ثقبًا صغيرًا.  – فهل إحداهما أسوأ سلوكًا من الأخرى؟  – تلك التي حاولت أن تساعد أمها قليلاً هي الأسوأ لأنها أحدثت ثقبًا  كبيرًا وقد أنبتها أمها على سوء عملها.

 

أما “كونست Const (بنت في السابعة)” فقد أعادت القصتين على النحو التالي “حاولت بنت صغيرة أن تقص منديلاً لأمها ولكنها أساءت التصرف فأحدثت ثقبًا في ملابسها.  – والأخرى؟  – كان هنالك بنت صغيرة اعتادت أن تلمس الأشياء، فأخذت مقصًا لتلعب به، فأحدثت ثقبًا صغيرًا في ملابسها، فأيهما أسوأ سلوكًا؟  – تلك التي أحدثت الثقب الكبير.  – ولماذا  أحدثته؟  – أرادت أن تفاجئ أمها.  – هذا صحيح.  وما رأيك في الثانية؟  – لقد أخذت المقص لأنها كانت دائمًا تمس الأشياء فأحدثت ثقبًا صغيرًا. – هذا صحيح. إذن أي البنتين أظرف؟ (أطرقت قليلاً) – أذكري رأيك.  – تلك التي أحدثت ثقبًا صغيرًا هي الأظرف.   – لو كنت الأم التي شاهدت ما فعلته كل منهما فأيهما تعاقبين أكثر؟  – تلك التي أحدثت الثقب الكبير.  – وأيهما تعاقبين أقل؟ – تلك التي أحدثت الثقب الصغير.   – وماذا تقول تلك التي أحدثت الثقب الكبير حين ينالها العقاب العظيم؟  – إنها تقول لقد أردت أن أفاجئ أمي.  – والأخرى؟  – كانت تلعب.     – أيهما ينبغي أن يكون عقابها أشد؟  – تلك التي أحدثت الثقب الكبير.  – لنفرض أنك أنت التي أحدثت الثقب الكبير لكي تفاجئي والدتك, وكانت أختك تلعب فأحدثت ثقبًا صغيرًا، فأيكما تستحق أشد العقاب؟    – أنا.  – هل أنت متاكدة أو غير متأكدة؟  – متاكدة تمامًا.  – هل أحدثت ذات مرة ثقوبًا؟ لا.  – هل ما أسألك سهل؟  نعم.   – هل أنت متأكدة من أن ما تقولين هو تمامًا ما تعنين ؟ – نعم.

 

وهذه الإجابات تكشف لنا عن قوة المقاومة التي توجه نحو الإيحاء العكسي الذي حاولنا أن نقوم به بالقصة, وبالتالى بدوافع أشخاصها.  كما تبين قلة اكتراثهم بالبواعث التي كانت بطريق غير مباشر سببًا في هذه الحوادث المادية.  ومثل هذه الحقائق لو أخذت وحدها فإنها لا تدل على شئ.  وقبل أن نتكلم عن المسؤولية الموضوعية يجب أن نسأل أنفسنا عما إذا كان الطفل يضع حدًا مشابهًا لما يضعه الراشد في حالة الأخلاق, وفي بعض العقوبات القانونية.  فالشخص دون أن يفقد شرفه قد يتعرض للخروج على النظم البوليسية وقد يكون موضوعًا لحكم قانوني دون أن يقوم فعلاً بأى عنصر من عناصر العقوبة (العقوبة المقومة والعقوبة الرادعة عند “دوركايم”). وبالمثل عندما يقول الطفل عن بنت صغيرة إن سلوكها قبيح لأنها قد أحدثت في ثوبها ثقبًا كبيرًا رغم أنه يعرف أن نيتها لم تكن سليمة فحسب بل كانت ممتازة, أليس قصده أنها قد ألحقت ضررًا ماديًا بوالديها ولذلك تستحق العقاب القانوني الخالص بصرف النظر عن أي معنى أخلاقي؟

 

وتبدو الإجابة عن السؤال ذاته فيما يتصل بالسرقة بنفس الشكل كما سنرى حالاً.أما عن الكذب فنظرًا إلى أن كل الأسئلة المرتبطة بالتلف المادي يمكن تلافيها فإننا سنحاول أن نبرهن على أن حكم الطفل الأخلاقي يتضمن فعلاً المسؤولية الموضوعية, وعلى هذا فإنه يمكننا أن نصل إلى نتائج مشابهة مرتبطة بالأمثلة الحاضرة فهنا نجد أن سبق الانشغال بالتلف المادي بالتأكيد يفوق في وزنه أي مسألة من مسائل الخضوع أو عدم الخضوع للقواعد. ولكن هذا الشكل من أشكال المسؤولية الموضوعية فقط ما دام الطفل لا يستطيع أن يميز بين عنصر المسؤولية المدنية كما هي وبين عنصر العقاب. والآن, وفي المستوى اللفظي الذي وقفنا عنده, يبدو لنا أن هذا التمييز شئ من الصعب أن يدخل في عقل الطفل. ولذلك فإن المسؤولية لا تزال موضوعية حتى من وجهة النظر الأخلأقية.

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

الحكم الأخلاقي لدى الطفل  – 18

قبل أن نسير قدمًا في تحليلنا فإن علينا أن نضع المواقف السابقة في وضعها التصوري. وإذن فلنختبر الإجابات التي تناقض تلك التي سبق أن درسناها والتي تدور حول أزواج القصص نفسها :

 

  1. قصة الفناجين المكسورة

سنبدأ هنا بحالة استثنائية لطفل في السادسة من عمره (معظم أطفال السادسة يعطون إجابات من نوع المسؤولية الموضوعية)

شيما Schma (بنت في السادسة والنصف، متفوقة من الناحية العقلية فتبدو وكأنها في الثامنة)  بدأت تذكر لنا أن كلا الولدين سيئي السلوك، وأنه يجب عقابهما “عقابًا واحدًا”.  قلت لها: – أظن أن أحدهما أسوأ من الآخر, فأيهما تظنين؟  – كلاهما واحد.  – ألم تكسري شيئا؟  – لا.  طول عمري, ولكن طفلاً آخر فعل ذلك.  – ماذا كسر؟  –  فنجانًا ودلوًا.  – وكيف حدث هذا؟  – أراد أن يصطاد فكسر دلوًا، ثم عاد فكسر ثانية ليغيظني.  – وهل كسر أيضًا فنجانًا؟  – لقد نظفه. وكان يضعه على حافة المنضدة فسقط.   – في أي اليومين كان أسوأ؟  يوم أن كسر الدلو أم يوم أن كسر الفنجان؟ – يوم أن كسر الدلو.           – لماذا؟  – لأنه كسر دلوي عن قصد، أما في الفنجان فلم يفعل ذلك عن قصد، فقد وضعه على الحافة، ولكنه انكسر.  سألتها بعد ذلك – في القصص التي أخبرتك عنها أي الولدين أسوأ؟ ذلك الذي كسر الخمسة عشر فنجانًا أم ذلك الذي كسر واحدًا؟  فأجابت :  – ذلك الذي أراد الحصول على المربي لأنه أراد أن يأكلها.   وهذا عن طريق استدعاء ذكرياتها الشخصية يمكن أن يجر “شيما” إلى أن تحكم تبعًا للمسؤولية الذاتية.

 

مول Mol (7 سنوات) سألناه : – أيهما أسوأ؟ فقال : – الثاني الذي أراد أن يأخذ قدرًا من المربى لأنه أراد أن يأخذ شيئًا دون أن يستأذن.  – وهل أمسك به؟  – لا.   – هل كان هو الأسوأ دائمًا؟  – نعم.         – والأول؟   – لم يكن خطؤه، فهو لم يفعل ذلك عن قصد.

 

كورم Corm (9 سنوات) قال  – إن ذلك الذي كسر الكوب حين دخوله لم يكن سيئًا لأنه لم يكن يعرف أن هناك أي أكواب.  أما الآخر الذي أراد الحصول على المربى فاصطدم ذراعه بكوب فهو أسوأ.   – كم كوبًا كسر؟  واحدًا.  – كم كسر الولد الآخر؟  – خمسة عشر.   – أيهما يكون عقابه أشد؟  – الولد الذي أراد الحصول على المربى.  فهو يعرف، وقد فعل فعلته عن قصد.

 

جروس Gros (9 سنوات)  – ماذا فعل الولد الأول؟  – لقد كسر خمسة عشر كوبًا حين كان يفتح الباب.  – والثاني ماذا فعل؟  – كسر كوبًا واحدًا حين كان يحاول الحصول على بعض المربى.  – أي هذين العملين أسوأ فى نظرك؟  – ذلك الذي كسر الكوب حين كان يحاول القبض على الكوب كان أكثر حماقة لأن الولد الآخر لم يكن يرى أن هناك بعض الأكواب خلف الباب أما هو فقد كان يرى ما يفعل.  – وكم كسر؟  – كوبًا واحدًا.   – والآخر؟  – خمسة عشر.  – إذن أيهما تعاقبه عقابًا أشد؟  – ذلك الذي كسر واحدًا.  – لماذا؟  – لأنه فعل فعلته لغرض فلو أنه لم يقصد أخذ المربى ما حدث شئ.

 

نس Nus (10 سنوات)  – أسوأهما ذلك الذي أراد الحصول على المربى.  – وهل هناك فرق على أساس أن الآخر كسر أكوابًا أكثر؟  – لا لأن ذلك الذي كسر الخمسة عشر كوبًا لم يفعل ذلك عن قصد.

 

1-    قصة بقع الحبر

سكي Sci (6 سنوات)  – ماذا فعل الأول؟  – لقد أحب أن يدخل السرور على أبيه, فلما رأى المحبرة خالية فكر في أن يملأها فعمل بقعة كبيرة على كسوته.  – ماذا فعل الآخر؟  – أراد أن يلعب بحبر والده فعمل بقعة صغيرة.  – أيهما أسوأ؟  – ذلك الذي لعب بالمحبرة.  – هل هذا الذي أراد أن يصنع معروفًا عمل بقعة كبيرة أم صغيرة؟  – عمل بقعة كبيرة, أما الولد الآخر فعمل بقعة صغيرة.  – أليس مهمًا أن يكون الأول قد عمل بقعة كبيرة؟  – الحكاية واحد فالآخر كان أكثر رغبة فى أن يرتكب خطأ لأن ذلك الذي عمل بقعة صغيرة أراد أن يفعل شيئًا أكثر خطأ من الآخر.

 

جروس Gros (9 سنوات) قال : – إن ذلك الذي أراد أن يعمل شيئاً نافعًا، ولو أن البقعة أكبر يجب ألا يعاقب.

نس Nus (10 سنوات)   – أسوأهما ذلك الذي عمل البقعة الصغيرة لأن الآخر أراد أن يساعد.

 

2-    قصة الثقوب

سكى (6 سنوات) أعادت القصة على النحو الآتى : – أرادت الأولى أن تفاجئ أمها فشكت نفسها وأحدثت ثقبًا كبيرًا في ثوبها، أما الثانية فهي تحب لمس الأشياء، فأخذت المقص وعملت ثقبًا صغيرًا في ثوبها.  – فأيهما أسوأ؟  – تلك التي أرادت أخذ المقص فعملت ثقبًا صغيرًا في ثوبها هي الأسوأ.  – أيهما تعاقب أشد, تلك التي عملت ثقبًا صغيرًا أم الأخرى؟  – ليست تلك التي عملت ثقبًا كبيرًا لأنها كانت تريد أن تفاجئ أمها.

 

كورم Corm (9 سنوات)  – أسوأهما هي الثانية لأنه ما كان ينبغي أن تأخذ المقص لتلعب به.  أما الأولى فلم تفعل ما فعلت عن قصد ولذلك لا  تستطيع أن تقول أنها سيئة التصرف.

 

وهذه الإجابات تبين كيف أن الأطفال حتى في حالة الصغار ممن حاورناهم كانوا قادرين على فهم الفروق الأخلاقية الطفيفة بكل دقة كما كان في استطاعتهم أن يعملوا حساب النية.  وعلى ذلك نستطيع أن نعرض نظريتنا فنقول إن التقييم القائم على الخسارة المادية وحدها هو نتيجة قسر الكبار الذي يغير اتجاهه خلال احترام الأطفال أكثر منه ظاهرة تلقائية لسيكولوجية الأطفال.  على العموم, فإن الراشدين يقسون في الحكم على سوء التصرف, ولما كان الآباء يفشلون في الإلمام بالموقف ولا يتمالكون أعصابهم نظرًا لفداحة الخسارة، فإن الولد يكتسب هذه الطريقة في النظر إلى الأشياء ويطبق القواعد المفروضة تطبيقًا حرفيًا وإن كان ضمنيًا.  وكلما كان الآباء عادلين وأقام لنفسه عواطف تعارض ردود الكبار، فإن المسئولية الموضوعية تتقلص أهميتها.

 

أما عن السرقة فقد وجدنا مجموعتين من الإجابات، وهنا أيضًا نجد أن كلا من المسؤولية الموضوعية والشخصية يقومان في كل الأعمال بين السادسة والعاشرة، على أن الأخيرة تأخذ في السيادة كلما كبر الطفل.  وهاك بعض الأمثلة على المسؤولية الموضوعية :

 

3-    قصة الرغيف والشريط

( Sci ) سكي (6 سنوات) وقد دل على وجود الفكرة الشخصية للمسؤولية بالنسبة لسوء التصرف, وقد غير موقفه هنا وأعاد القصة كما يلي :  – كان هناك ولد مع صديقه وقد سرق قطعة من الخبز أعطاها لصاحبه.  وهناك بنت احتاجت إلى شريط لتضعه حول ملابسها لتبدو جميلة فسرقته.  – هل أحدهما أسوأ من الآخر؟  -نعم.  لا, إنهما سواء.  – لماذا سرق الولد الأول؟  – لأن صاحبه يحب قطعة الخبز الصغيرة.  – ولماذا سرقت البنت الصغيرة الشريط؟  – لأنها تريده.  – أيهما تعاقب أشد؟  – الولد الذي سرق الخبز وأعطاه لأخيه بدلاً من أن يحتفظ به لنفسه.  – هل كان سيئًا لأنه أعطاه له؟  – لا, لقد كان محسنًا فقد أعطاه لأخيه.  – هل يجب عقاب أحدهما عقابًا أشد من الآخر؟  – نعم, الولد الصغير سرق الخبز ليعطيه لأخيه فيجب أن يعاقب عقابًا أشد, فالخبز أغلى ثمنًا.

 

(Schma) شيما (6 سنوات) أعادت رواية القصة على النحو التالي :  – كان هناك ولد ولما كان أحد أصدقائه ليس عنده خبز فقد سرق رغيفًا أخفاه في جيبه ثم أعطاه لصاحبه.   ذهبت بنت إلى دكان فرأت شريطًا فقالت لنفسها من الجميل أن أضع هذا الشريط على ملابسي ولذلك سرقته.  – فهل أحدهما أسوأ من الآخر؟  – إنه الولد فقد أخذ رغيفًا والرغيف أكبر.  – وهل ينبغى عقابهما؟  – نعم.  4 صفعات للأول.    – والبنت؟  – صفعتان.  – ولماذا أخذ الرغيف؟  – لأن صاحبه لم يكن عنده ما يقتات به.  – والطفلة الأخرى؟  – لتبدو جميلة.

 

(Ceo) جيو (6 سنوات)  – أيهما أسوأ؟  ذلك الذي سرق الرغيف؟   – لا.  – الرغيف أكبر من الشريط.    وعلى ذلك فإن جيو يشبه الأطفال الآخرين في إلمامه التام بالباعث على السلوك.

 

4-    قصة القفص والحلوى

(Desa) ديزا (6 سنوات) : كان لبنت صغيرة صديق له قفص فيه طائر وكانت تعتبر هذا عملاً في غاية القسوة، ولذلك أخذت القفص وأخرجت الطائر.  – والقصة الأخرى؟  – سرقت بنت صغيرة حلوى وأكلتها.  فهل هما في السوء سواء أم أن إحداهما أسوأ من الأخرى؟  – تلك التي سرقت القفص أسوأ.   – لماذا؟  – لأنها سرقت القفص.  – والأخرى؟  – لقد سرقت الحلوى.  – هل هذا العمل أكثر أو أقل سوءًا من الآخر؟  – أقل.  الحلوى أقل من القفص.  – لو كنت الأب فأيهما تعاقب أكثر؟  – تلك التي سرقت القفص.  – ولماذا سرقته؟  – لأن الطائر لم يكن سعيدا.  – ولماذا سرقت الأخرى الحلوى؟        – لتأكلها.

 

وهذه الحالات الثلاث للمسؤولية الموضوعية هي حالات في سن السادسة، ولم نجد حالة واحدة فوق السابعة بالنسبة لهذا النوع من القصص.  وهناك بعض حالات واضحة عن المسؤولية الشخصية وجدناها فيما يتعلق بنفس هذه القصص, وكلها تقريبًا لأطفال في سن التاسعـة والعاشـرة.  فالتقسيم هنا إلى أنواع على أساس السن أكثر منه في حالة سوء التصرف.

 

5-     قصة الرغيف والشريط

Crom)) كورم (9 سنوات) قصت علينا قصتين صحيحتين   – ما رأيك فيهما؟  – الولد الصغير ما كان ينبغي أن يسرق الخبز بل كان عليه أن يشتريه.  والبنت الأخرى ما كان ينبغي أن تسرق هي الأخرى.  – أيهما أسوأ سلوكا؟  – البنت الصغيرة أخذت شريطًا لنفسها, أما الولد الصغير فقد أخذ الرغيف أيضًا ولكن ليعطيه لصاحبه الذي لم يكن لديه غذاء.  – لو أنك كنت مدرسة فأيهما تعاقبين بشدة؟  – البنت الصغيرة.

(Nuss) نس (10 سنوات) سألناه :  – أيهما أسوأ؟  فأجاب : – البنت الصغيرة لأنها أخذته لنفسها.

 

6-     قصة القفص والحلوى

(Sci) سكى (6 سنوات) سألناه :  – أيهما أسوأ؟  فقال : – تلك التي سرقت الحلوى، فالأولى قد سرقت القفص لتمنح الطائر حريته.

(Corm) كورم (بنت في التاسعة)  – كان من الجميل أن ترغب البنت الصغيرة في منح الطائر حريته. أما البنت الأخرى فما كان ينبغي أن تأكل الحلوى.

Gros جروس (9 سنوات) قال : – إن الذي سرق الحلوى كان أسوأ سلوكًا.  – لماذا؟  – لأن الآخر قد أعطى الحرية للطائر.

 

وهكذا نجد أن هذه الإجابات تضع أمامنا موقفين متميزين من المواقف الأخلاقية : أحدهما يحكم على الأعمال تبعًا للنتائج المادية، والآخر يتخذ الدافع أساسًا لحكمه.  وقد يوجد الموقفان معًا في سن واحدة, وعند الطفل الواحد، ولكنا إجمالاً لا نجدهما متعاصرين.  والمسؤولية الموضوعية تتضاءل في المتوسط كلما كبرت سن الطفل.  وتكتسب المسؤولية الذاتية أهمية نسبية تبعًا لذلك.  لدينا إذن عمليتان تتداخلان بشكل جزئي ولكن الثانية منهما تنجح بالتدريج في أن تسود على الأولى.

24 مايو 2017

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

الحكم الأخلاقي لدى الطفل  -19

فما معنى هذه الحقائق؟  إن فكرة المسؤولية الموضوعية تنتج من غير شك عن قسر الراشدين، ولكن المعنى الحقيقي لهذا القسر يحتاج إلى تحديد، فإنه في حالات سوء التصرف يظهر القسر في شكل مختلف إلى حد ما عنه في حالات الكذب، ففي بعض الحالات التي درسناها من المؤكد أن الراشدين أو بعضهم يطبقون في أحكامهم سواء كانت “موزعة” (التوبيخ) أو “منظمة” (العقاب).  وهذه الأحكام منسجمة مع قواعد المسؤولية الموضوعية.   فالأم في المتوسط (معظم الأطفال الذين درسناهم جاءوا من أحياء فقيرة جدًا) تكون أكثر غضبًا على كسر خمسة عشر كوبًا منها على كسر كوب واحد, بصرف النظر عن الدافع إلى ارتكاب الجريمة.  ونستطيع أن نقول إجمالاً إنه ليس المظهر الخارجي لأوامر الراشد وتأثيرها على عقل الطفل هو وحده الذي يؤدي إلى تكوين المؤثرات التي ناقشناها، بل إنه أيضًا المثال الذي يأخذه عن الراشد نفسه.

 

أما في حالات الكذب فإننا نجد أن المسؤولية الموضوعية تفرض نفسها على عقل الطفل دون أن يقصد الراشدون ذلك بأي حال من الأحوال.  ومهما بدا الموضوع الذي ندرسه محصورًا فإن له أهمية واضحة تمامًا، فالراشد حين يسمح لنفسه أن يقيِّم أعمال سوء التصرف أو السرقة على أساس نتائجها المادية فإنه مما لا شك فيه أنه غير عادل من وجهة نظر أغلبية الناس.  من جهة أخرى فإن الآباء الذين يحاولون أن يربوا أولادهم تربية أخلاقية تقوم على أساس الدافع يصلون إلى نتائج مبكرة كما يبدو عن طريق الملاحظة الجارية وعن طريق الأمثلة القليلة للمسؤولية الشخصية التي تمكنا من ملاحظتها في سن 6 أو 7.  فكيف إذن يحدث أنه في معظم  الحالات قبل سن 9-10 سنوات يقبل الطفل قبولاً تامًا وجهة النظر القائمة على المسؤولية الموضوعية بل إنه قد يتفوق على الراشد من هذه الناحية؟  أي أن الطفل أكثر موضوعية, إن صح هذا التعبير, من الأب الأقل ذكاء.  كما أن معظم الآباء يرسمون حدودًا يهمل الأطفال وضعها، فهم يوبخون على أساس حجم الخسارة المادية التي ترتبت على سوء التصرف ولكنهم لا يعتبرون العمل في ذاته خطئًا أخلاقيًا.  أما الطفل فعلى العكس من ذلك, كما لاحظنا قبلاً, فيبدو أنه لا يميز بين الناحية القانونية الخالصة وبين الناحية الأخلاقية لموضوع السؤال.  فإنه لأسوأ سلوكًا أن تعمل بقعة كبيرة على سترتك من أن تعمل بقعة صغيرة، وهذا رغم أن الطفل يعرف معرفة تامة أن النية قد تكون طيبة.  فارتكاب بعض هذه الأعمال في ذاته خطأ بصرف النظر عن العلاقة السيكولوجية. أما بالنسبة للسرقة التي أجمعت الآراء التي عرضت على الطفل على اعتبار أنها جريمة أخلاقية عظيمة فإن هذه الظاهرة تبدو أكثر وضوحًا لدى معظم الأطفال تقريبًا قبل سن 9-10.  وهم يعتبرون سرقة قطعة خبز جريمة أكبر سواء من وجهة النظر القانونية أو الأخلاقية عن سرقة الشريط أو الحلوى.  والآن نستطيع أن نفهم كيف أن رجلاً يذم السرقة بصرف النظر عن الشئ المسروق ولكن من الغريب أن نرى صغار الأطفال يتمسكون برأي مادي خالص حين نطلب منهم أن يقارنوا بين عملين غير متشابهين كالأعمال التي وضعناها في قصصنا.

 

والمشكلة القائمة في هذا كله هي المشكلة الآتية : ما أصل التفوق السائد للأحكام ذات المسؤولية الموضوعية التي تفوق في مداها وعمقها كل ما قد يكون قد تمثل للطفل بواسطة الراشدين؟  هناك إجابة يظهر فيها أنها الوحيدة الممكنة، فالقواعد المفروضة على الراشد سواء كانت لفظية (لا تسرق. لا تمسك بالأشياء القابلة للكسر بدون عناية. إلى آخره) أو مادية (الغضب والعقوبات) تتضمن التزامات مرتبة عند الطفل قبل أن يكتسبها عقله تمامًا بصرف النظر عما إذا كان سيضعها موضع التطبيق أم لا. فهي إذن تحتوي على قيمة ذات ضرورة مقدسة.  والأشياء الممنوعة تأخذ معنى المحرمات، فالحقيقة الأخلاقية إذن يبدو أنها تتجه للقسر ولحالات بدائية للاحترام من جانب واحد، فهل هذا نتيجة مقدرة أم هو نتيجة طارئة وغير مباشرة؟  هذه هي النقطة التي سوف نحاول استخلاصها فيما يتعلق بالكذب، ولكن قبل أن نذهب في تعميماتنا إلى أبعد حد يجب أن نتذكر أن إجابات الأطفال قد جاءت عن قصص قيلت لهم، ولم تنتج عن حقائق لهم بها خبرة حقيقية.  وكما فعلنا عند مناقشة الطريقة نستطيع هنا أيضًا أن نسأل انفسنا عما إذا كانت القيم اللفظية ترتبط بالتفكير الحقيقي للطفل أم لا, فهذه القيم تتغير يقينًا كلما كبر الطفل، ويبدو أنها أيضًا نتيجة لبعض مؤثرات مرتبة, ولكن هل هي مجرد اشتقاقات نظرية واستنتاجات لفظية بسيطة من ألفاظ تفوه بها الراشدون فهي إذن غير فعالة، أم انها مرتبطة بمواقف حقيقية صاغها الاحترام من جانب واحد وهي تشكل سلوك الطفل قبل أن تلهمه بأقواله؟

 

وقد لاحظنا في بعض الحالات أن الطفل يهتم أكثر ما يهتم بالدافع الذي يوجه أفكاره هو بخلاف ما إذا كنا نسأله عن واحد أو أكثر من قصصنا الصغيرة, ومثل هذه الحقيقة تبين لنا تمامًا أنه إذا كان الموقف الموضوعي الخالص من الناحية النظرية يرتبط ببعض حقائق التفكير المادي والعملي فإنه يجب أن توجد فترة تخلف بين ظهور هذين النوعين، فالموقف النظري بلا شك يتخلف عن الموقف العملي.  ومع ذلك فالمشكلة أهم من هذا, إذ ربما تساءلنا عما إذا كان الطفل قد سادت عنده فكرة المسؤولية الموضوعية في لحظة ما من لحظات خبراته في الحياة الأخلاقية أو على الأقل فيما يتصل منها بسوء التصرف أو الكذب.

 

والملاحظة المباشرة – وهي الحكم الوحيد في هذا الموضوع – واضحة وضوحًا كافيًا في هذه النقطة : فمن السهل أن نلاحظ وبخاصة عند صغار الأطفال ممن يقل عمرهم عن 6-7 سنوات أن الإحساس بالخطيئة الكثير الحدوث فيما يتعلق بسوء التصرف يتناسب مع التلف المادي بدلاً من أن يبقي خاضعًا للدافع.  ولقد لاحظت على أطفالى أنفسهم ممن لم يوبخوا على سوء التصرف غير المقصود – مدى الصعوبة التي لاقيتها لأصرف عنهم كل إحساس بالمسؤولية إذا تصادف وكسروا إناءً أو بقعوا قماشًا.   ومن منا لا يتذكر صفة الاتهام التي قد تأخذها مثل هذه الحادثة البسيطة بمجرد حدوثها، فهي تظل كصدمة فجائية ويتغلب علينا الشعور بالخطيئة فتجعلنا نحترق, وكلما زاد عدم توقع ما حدث كلما كانت الكارثة لا يصعب تعويضها.  ومن المؤكد أن جميع العوامل تعمل (الإحساس بالعدل الحلولي، الارتباطات العاطفية بالإهمال السابق، الخوف من العقاب, إلى أخره).  ولكن كيف يمكن أن يحس الطفل بالخسارة المادية كغلطة إن لم يكن هذا الطفل يطبق بشكل حرفي, وواقعي, ضمني, وظاهري, مجموعة من القواعد التي يحس نحوها باحترام.

 

ولذلك نستطيع أن نضع مقدمًا النظرية بأن أحكام المسؤولية الموضوعية التي ظهرت خلال حوارنا قد وضتعت على أسس أرستها التجارب التي كانت حقيقية تعيش خلالها.  والمادة الجديدة ربما تزيد من ثروة الإدراك الأخلاقي للطفل وتمكنه من أن يميز طبيعة المسؤولية الشخصية، غير أن هذه التجارب الأولى كافية – كما يبدو – لتكوين أساس دائم لحقائق أخلاقية تعود للظهور في كل مناسبة جديدة.  والآن, ما دام التفكير عند الطفل يتخلف وراء العمل، فمن الطبيعي أن حل المشاكل النظرية كالتي استخدمناها ينبغي أن يكون عن طريق خطط أقدم وأكثر عادية من الخطط الرقيقة والضعيفة التي لا زالت في دور التكوين.  وعلى ذلك نجد أن الراشد الذي يحيا في وسط يرى فيه كل قيمة ويجرب كل انفعالاته التي يدهشه منها المستحدث، لو أن ذلك الراشد واجه فجأة ضرورة حل مشاكل الآخرين فإنه قد يلجأ إلى المبادئ التى نبذها بالنسبة لنفسه.  مثال ذلك أننا نجده – في حالة عدم إعطائه وقتًا كافيًا للتفكير – يحكم على أعمال جاره بقسوة لا تستطيع أن تفهمها بالقياس إلى ميوله العميقة الحاضرة، ولكنها متاثرة ومرتبطة بنظام القيم الداخلي عنده، وبنفس الطريقة قد يعمل أطفالنا حسابًا للدوافع عند تقدير سلوكهم ومع ذلك فإنهم يلتزمون التقدير المادى للأعمال في حالة حكمهم على سلوك الأشخاص المختلفين الذين تتضمنهم قصصنا.

 

ونستطيع الآن أن نتبين كيف تظهر المسؤولية الشخصية وتنمو في داخل الدائرة التي نقوم بتحليلها الآن.  فمما لا شك فيه أن الآباء – عن طريق استخدام ناحية فنية معينة – يمكن أن ينجحوا في جعل الأطفال يعنون بالدافع أكثر من عنايتهم بالقواعد كنظام مقدس للممنوعات.  وكل ما في الموضوع أن نتساءل : هل هذه الطريقة لا تتضمن العناية بفرض واجبات خالصة على الأطفال، ووضع التعاطف المتبادل فوق أي شئ  آخر أم لا؟  فالطفل حين يتعود العمل من وجهة نظر من حوله، أو حين يحاول أن يدخل السرور إليهم لا يطيعهم، في هذا الحين بالذات نجده يحكم على أساس النية.  فوضع النية موضع الاعتبار على أساس افتراض التعاون والاحترام المتبادل – ومن عندهم أطفال وحدهم الذين يعرفون مدى الصعوبة التي نواجهها في وضع هذا الرأى موضع التطبيق, فهيبة الآباء في نظر الصغار من الأطفال تجعلهم حتى ولو حاولوا ألا يفرضوا شيئًا في صورة واجبات عامة فإن رغباتهم تعمل عمل القانون ولذلك تؤدي بطريقة آلية إلى تكوين حقائق أخلاقية (مستقلة طبعًا عن الحالة التي يقوم بها الطفل لتحقيق هذه الرغبات) ولكي تمحو كل آثار الحقائق الأخلاقية فإن المرء يجب أن يضع نفسه في مستوى الطفل ويعطيه إحساسًا بالمساواة، ويتمسك بالواجبات الخاصة وعدم كفايته هو.  وفي ميدان سوء التصرف وفساد النظام إجمالاً لتنظيم اللعب العناية بالنظافة الشخصية إلى آخره مثلاُ.   وفي كثير من الواجبات التي تعتبر ثانوية بالنسبة للنظرية الأخلاقية ولكنها مهمة في الحياة اليومية (ربما كانت تسعة أعشار الأوامر التي تصدر للأطفال ترتبط بهذه المسائل المادية) في كل هذا من السهل أن تلفت النظر لحاجات الإنسان الخاصة وصعوباته بل وأخطائه هو، وأن نشير إلى نتائجها وبذلك نخلق جوًا من المساعدة والفهم المتبادلين, وبهذه الطريقة لا يجد الطفل نفسه أمام مجموعة أوامر تحتاج إلى طاعة مقدسة وخارجية، بل أمام مجموعة من العلاقات الاجتماعية يبذل فيها كل فرد جهده لطاعة هذه الواجبات نفسها، وهو يقبل ذلك كنتيجة للاحترام المتبادل.  والانتقال من الطاعة إلى التعاون يمثل تقدمًا شبيهًا بالذي رأينا تأثيراته في تطور لعبة الكريات، ففي المرحلة الاخيرة وحدها يتفوق الحكم الأخلاقي القائم على النية على المسؤولية الموضوعية.

 

أما في حالة عدم عناية الأطفال بمثل هذه الاعتبارات, أي في حالة إصدارهم الأوامر والعقوبات خبط عشواء فمن الواضح أن نمو فكرة النية عند الطفل ليس سببها القسر الأخلاقي بل إنها تنمو رغمًا عنه وكرد فعل عكسي له.  فهذا طفل أثناء رغبته في القيام بعمل مناسب ارتكب سوء تصرف فنال جزاءه من الزجر والتعنيف، أو هو على العموم قد رأى أن حكم الغير على عمله يختلف عن حكمه هو، فمن الواضح أنه بعد فترة وجيزة من الخضوع – طالت أم قصرت – يقبل فيها الأحكام فإنه يبدأ يحس أنها كلها غير عادلة، ومثل هذه المواقف قد تؤدي إلى ثورة، ولكن العكس يحدث لو أن الطفل وجد أشقاءه وشقيقاته, أو في أصدقاء اللعب نوعًا من المجتمع تنمو فيه رغبته للتعاون والتعاطف المتبادل، فإن نوعًا جديدًا من الأخلاق يمكن أن يخلق فيه أخلاق المعاملة بالمثل لا الطاعة، وهذه هي الأخلاق القائمة على النية وعلى المسؤولية الشخصية حقيقية.        باختصار, فسواء نجح الآباء في الوصول إلى تحقيق هذا في الحياة العائلية أو أنه وضع جذوره رغم معارضتهم, فإن التعاون هو الذي يعطى النية أسبقية على الحَرفية والاحترام من جانب واحد الذي أوجد المذهب الواقعى الأخلأقي. 

25 مايو 2017

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

الحكم الأخلاقي لدى الطفل  -20

          3- المسؤولية الموضوعية “2” الكذب

في دراستنا لأحكام الأطفال على موضوع الكذب ننفذ خطوة إلى باطن فكرة التقييم عند الأطفال، فالكذب – دون شك – يمثل إلى عقل الطفل مشكلة أهم وأشد إلحاحًا من مشكلة سوء التصرف, بل أشد من مثل الأعمال الاستثنائية كالسرقة. وهذا يرجع إلى الحقيقة القائلة بأن الميل إلى الكذب ميل طبيعي وتلقائي وعام لدرجة أننا نعتبره جزءًا أساسيًا من تفكير الطفل.  مشكلة الكذب, إذن, عند الطفل هي مشكلة الصراع بين المواقف، مركزية الذات والقسر الأخلاقي للراشد.          وهذه الفرصة سوف تساعدنا على أن نتابع هذا التحليل الذي وضعنا خطوطه فيما يتعلق بالمراحل الأولى لتطبيق قواعد اللعب والشعور بها.

 

وطبيعة كذب الأطفال وأنواعها معروفة تمامًا الآن بفضل المجهود الجميل الذى قام به شتيرن Stern(1) وبفضل العدد الوفير من الكتب الأخرى التي فصلتها تفصيلاً.   ليس في نيتنا أن نتابع هذا السبيل في البحث، فغرضنا أن نحلل شعور الطفل بالكذب، وبمعنى أدق التي يحكم بها الطفل على الكذب ويقيمه. نحن نعرف لماذا يكذب الأطفال، ونعرف الصعوبات التعليمية التي يظهرها السؤال، ولذلك كانت هذه الحالة بصفة استثنائية مناسبة لدراسة الحكم الأخلاقي عند الطفل.  وإذا أمكن خلال الحوار أن نرى كيف يفكر الأطفال في الكذب ويقيمونه، فإنه يسهل علينا نسبيًا أن نقرر مدى مناسبة إجاباتهم لما نعرفه من مصادر أخرى عن طبيعتهم للكذب والصدق.

 

ومن أول الأمر يبدو لنا تقييم الأطفال وقد سادته فكرة النية والمسؤولية الموضوعية.   وقد جمعنا اختباراتنا حول هذه المشكلة حيث يدور حوارنا بصفة أساسية حول النقاط الثلاث الآتية :

تعريف الكذب.  المسؤولية في وظيفة محتويات الكذب.  والمسؤولية في النتائج المادية.  يضاف إلى ذلـك أننا قمنا بدراسة نقطتين سنتناولهما في الفقرة (4) – هل يكذب الأطفال كل منهما على الآخر؟ ولماذا يكذب الواحد منهم؟

 

النقطة الأولى: تعريف الكذب

من الطبيعي أن يرتبط تعريف الكذب بمشكلة المسؤولية الموضوعية والمذهب الواقعي الأخلاقي، ذلك أن الذي سوف نبحث عنه هو ما إذا كان الطفل يفهم أن الكذب هو أن يتعمد تحريف الحقيقة وأن يقصد إلى ذلك.  وحتى هذا السؤال التمهيدي للتعريف الخالص قد وضع قراء الإيحاء وكشف عن قوة الميول الحقيقية عند الطفل.

وأبسط تعريف من الناحية البدائية توصلنا إليه – وهو في الوقت نفسه من وجهة نظرنا تعريف مميز وواقعي – هو أن الكذب كلمة دنيئة.  فالطفل ولو أنه يلم تمامًا بالكذب حين يصادفه إلا أنه يتمثله في السباب والعبارات غير المهذبة التي يحرم على الإنسان استخدامها.   وهاك أمثلة على ذلك:

ويب Web (6 سنوات)  – ما الكذب؟  – هو أن تقول كلمة خسيسة ما كان ينبغي أن تتفوه بها.  – ما معنى الأشياء الخسيسة؟   – التفوه بالكلمات الخسيسة.   – اذكر لي كلمة خسيسة.  هل تعرف أيًا منها؟   – رِمّة (كلمة سباب تستعمل في سويسرا كقسم أو كاصطلاح للسباب, وكثير من الناس لا يعرفون معناها الحقيقي) – هل هذا كذب؟  – نعم.  – ولماذا كان كذبًا؟  – لأنها كلمة خسيسة.  – وحين أقول “مجنون” هل هذا كذب؟  – نعم.  – كسر ولد ذات مرة فنجانًا ولكنه قال إنه لم يفعل ذلك, فهل هذ اكذب؟  – نعم.      – لماذا؟  – لأنه فعل ذلك.  – انظر إلى هذا الشاب (أحد الطلبة المرافقين لنا).  أنا أقول عنه إنه في التاسعة والثلاثين من عمره.  هل أنت في التاسعة والثلاثين؟  (أجاب الطالب أنه في السادسة والثلاثين فقط)  ثم عدت إلى ويب Web  – هل من الكذب أن أقول عنه إنه في التاسعة والثلاثين بينما هو في السادسة والثلاثين فقط؟  – نعم, إنه كذب.  – لماذا؟  – لأنه في السادسة والثلاثين.  – هل هذه كذبة خسيسة أم لا؟  – ليست خسيسة.  – لماذا؟  – لأنها ليست كلمة خسيسة.  – هل قولى 2 +2 = 5  كذب أم لا؟ – نعم, كذب.  – خسيس أم غير خسيس؟  – غير خسيس.  – لماذا؟  – لأنها ليست كلمة خسيسة.

 

لود Lud (6 سنوات)  – هل تعرف معنى الكذب؟ – إنه قول الكلمات الخسيسة.  – اذكر لي كلمة خسيسة تعتبرها كذبًا.  أنصت لود قليلاً ثم تفوه بكلمة سباب.  – هل هذا كذب؟  – نعم.  – لماذا؟  – لأنها كلمة خسيسة.  – سوف أقص عليك قصة : لقد كان هناك ولد كسر فنجانًا ثم قال إنه لم يكسره. فهل هذا كذب؟    – نعم.  – لماذا؟  – لأنه هو الذي كسر الفنجان.

 

نس Nus (6سنوات)  – ما الكذب؟  – إنه حين تقول كلمة خسيسة.  – هل تعرف كلمات خسيسة؟  – نعم.    – قل لي واحدة.  – جيفة.  – هل هذا كذب؟  – نعم.   – لماذا؟  – لأنه يجب ألا تقول كلمات خسيسة.      – وحين أقول “مجنون” فهل هذا كذب؟  – نعم.  يري نس أن قصة الفناجين المكسورة فيها كذب.

 

راد Rad (6 سنوات)   – الكذب كلمات يجب ألا تقولها فهي كلمات خسيسة.

 

تول Tul (6 سنوات)  – إن قلت “مجنون” لبعض الناس فهل هذا كذب؟  – نعم.  – لماذا؟  – لأنها كلمات دنيئة.  – ولو كان حقيقة مجنون فهل يكون قولى له كذبًا أم لا؟  – نعم, يكون كذبًا.  – لماذا؟       – لأنها كلمة دنيئة.

 

وأخيرًا, هنا طفل يتردد بين التعريف والتعريف الصحيح.

رب Rib  (7 سنوات)  – هل تعرف الكذب؟ – إنه حين تكذب.  – وما قول الكذب؟  – إنه حين تقول كلمة دنيئة.  – متى يقول الناس كذبًا؟  – حين يقولون كلامًا ليس صحيحًا.  – هل الكذب نفسه هو الكلمات الدنيئة؟  – لا إنهما ليسا شيئًا واحدًا.   – لماذا؟  – لأنهما ليسا متشابهين.  – ولماذا قلت لي إن الكذب هو الكلمات الدنيئة؟   – لقد ظننتهما شيئًا واحدًا.

 

وهذا التعريف للكذب الذي وجدنا له أمثلة كثيرة عند الصغار من الأطفال ولو أنه غير عام، ولا يميز مرحلة معينة، إلا أنه ذو أهمية عظمى في تثبيت موقف الطفل بالنسبة للكذب، فليس هناك شئ أكثر خروجًا من الشعور الأخلاقي ولا أكثر شبهًا بالشئ المقدس بدون سبب من التحريم المنسوب إلى اللغة، فلماذا كانت كلمة من الكلمات خيرة على حين أن أخرى تثير سخط كل إنسان؟  الطفل على الأقل لا يعرف أي سبب لذلك؛ فهو يخضع لقسر اللغة، ويقبل هذا الغموض دون سؤال، ولكن هذا من غير شك هو نوع من الالتزامات الذى يبقى غريبًا عن فهمه العملي، فكيف إذن يطابق بين الكذب والكلمات الخسيسة ؟

 

يجب أن نلاحظ أولاً أنه ليس هناك أي التباس لفظة مقدم هنا، فالطفل الذي يعرِّف الكذب بأنه “كلمة خسيسة” يعرف تمامًا أن الكذب يحتوي على عدم قول الصدق، فهو إذن لا يخطئ بوضع كلمة محل أخرى، وكل ما في الموضوع أنه يطابق بين الواحدة والأخرى، بما يبدو عندنا من توسع لا نعرفه لكلمة “كذب”.

 

وفوق ذلك فإن الكثرة النسبية لهذا التعريف, مضافًا إليها أن هذا الجزء من الحوار يأتى دائمًا قبل غيره, تدلنا فيما يبدو على أن هذا لا شأن له بالإيحاء اللفظي الذي يعزى إلى بيئة الطفل أو إلى الحوار نفسه. ولهذا يبدو أن هناك تفسيرًا واحدًا وهو أن قول الكذب معناه ارتكاب خطأ أخلاقي بواسطة اللغة. واستخدام الكلمة الدنيئة يشمل أيضًا خطئًا ارتكب عن طريق استخدام اللغة، وعلى هذا فإن الطفل الذي لا يحس بموانع داخلية تمنعه من قول الكذب والذي هو في سن السادسة لا يزال يكذب قليلاً أو كثيرًا حين يسرح خياله أو يلعب.  عند هذا الطفل نجد أن نوعي السلوك في مستوى واحد.   فحين يتفوه بجمل معينة لا تتفق مع الصدق (والذي يعتبره أبواه كذبًا خالصًا) فإنه يدهشه أن يجد أن هذه العبارات قد أثارت سخط من حوله، وأنهم يعيرونه بها لأنها خطأ.  وحين ينقل عبارات معينة من الشارع يحدث نفس الشئ، وبذلـك يستخلص أن هناك أشياء يستطيع الإنسان قولها، وأشياء لا ينبغي أن يتفوه بها فيسمى الأخيرة “كذبًا” سواء أكانت كلمات غير مفهومة أم عبارات لا تتفق مع الحقيقة.

 

ولهذا يبدو هذا التطابق بين السباب والكذب دليلاً على أن تحريم الكذب لازال شيئًا خارجيًا تمامًا عن عقل الطفل نفسه في المراحل الأولي.  أكثر من ذلك فإن هذه النظرية تتفق مع كل ما نعرفه عن عقل الطفل قبل سن 7-8 .   وهذا يساعدنا على أن نرى أن من الطبيعي للغاية أن نجد التقييم “الموضوعي” واضحًا عند صغار الأطفال فيما يختص بالقصص التي نطلب منهم مقارنتها.

 

أما عن التعريف الأكثر تقدمًا للكذب الذي يبقى هو التعريف العادي إلى سن متاخرة نوعًا (بين 6و10 في المتوسط) فإنه يقوم بكل بساطة على القول “بأن الكذب شئ غير حقيقي” ولكن مجرد العبارات هنا يجب ألا تخدعنا، ويجب أن نتعمق في فهم الأفكار الضمنية التي تخفيها.  وقد رأينا في بحث آخر (J.R.) مدى الصعوبة التي يلاقيها الطفل في تحديد الأفكار التي يستخدمها نظرًا لعجزه عن تحقيقها شعوريًا، ولذلك فإنه لكي يعرف معنى التعريف الذي قلناه يجب أن نتأكد مما إذا كان الطفل يخلط الكذب بكل أنواع عدم الدقة (خصوصًا الأخطاء) أم أنه يعتبر ضمنًا أن الكذب يقال حين يخرج الشخص قصدًا عن الحقيقة.  ولكي نصل إلى إقرار هذه النقطة ينبغي أن نعرض على الطفل عددًا معينًا من القصص ونسأله في كل مرة عما إذا كان هناك كذب قد قيل أم لا (ولماذا) وعما إذا كان هناك خطأ أم لا (ولماذا) وعما إذا كان يمكن أن يكون هناك كذب وخطأ في آن واحد ؟

 

وقد دار الحوار على أن الأطفال بين 5 , 7 بينما يلمون بوجود ظل من الاختلاف بين الخطأ المتعمد والخطأ غير المتعمد فإنهم لا يميلون إلى التشدد في هذا التمييز على الإطلاق.   على العكس من ذلك, فالغالب أنهم يجمعون الحقيقتين معًا تحت اسم واحد هو “الكذب”.

 

وسنورد هنا أمثلة لهذا النوع من التعريف الذي يشمل النوع الثاني إن اعتبرنا النوع الأول الذي يطابق بين الكذب والكلمات البذيئة:

كلاى Clai (6 سنوات)  – هل تعرف الكذب؟  – إنه حين تقول ما ليس حقًا.  – هل (2 + 2 = 5) كذب؟   – نعم, إنه كذب.  – لماذا؟  – لأنه غير صحيح.  – هل الولد الذي قال (2 + 2 = 5) يعرف أنها ليست صحيحة أم أنه ارتكب خطئًا؟  – لقد ارتكب خطئًا.  – إذن، إذا كان قد ارتكب خطئًا فهل هو يقول الكذب أم لا؟  – نعم, إنه قال كذبًا.  – كذب سئ؟  – ليس جدًا.  – انظر إلى هذا الشخص (طالب).  – نعم.  – كم عمره؟  – ثلاثون.  – أرى أنه 28 (الطالب قال بعد ذلك إنه 36 سنة).  – هل كل منا قال كذبًا؟  – نعم.    – كلا الحديثين كذب سئ؟  – ليس كذبًا جدًا.  – أيهما أسوأ: كذبك أم كذبي, أم كلاهما سواء؟  – كذبك أسوأ لان الفرق أكبر.  (المذهب الأخلاقي الواقعي)  – هل هذا كذب أم مجرد خطأ؟  – لقد أخطأنا.   – هل هو كذب على أية حال أم لا؟  – نعم, إنه كذب.

 

ويب Web (6 سنوات) سبق أن اختبرناه في موضوع الكلمات “الدنيئة”.   أجاب قـرب نهاية الحوار مثل الطفل السابق. – هل ارتكاب الخطأ هو كقول الكذب؟  – لا ليسا شيئًا واحدًا.   – سأحكي لك قصة : ذات مرة كان هناك ولد لا يعرف أين شارع “أكاشيا” (وهو الشارع الذي يسكن فيه ويب) فسأله رجل أين هذا الشارع؟  فأجاب الطفل : – أظنه هناك, ولكني غير متأكد.   ولم يكن هناك فعلاً.  فهل ارتكب خطئًا أم قال كذبًا؟  – إنه كذب.   – هل ارتكب خطئًا؟  – لقد ارتكب خطئًا.   – إذن لم يكن كاذبًا؟  – لقد ارتكب خطئًا وقال كذبًا.   وهذه الإجابة الأخيرة يجب أن نلاحظها ملا حظة خاصة لأنها تدل إلى أي مدى تغطي كل من الفكرتين الأخرى.

 

ماب Mab (6 سنوات)   – ما الكذب؟  – حين تقول كلامًا لا معنى له.  – اذكر لى شيئًا تعتبره كذبًا.     – ذكر ولد ذات مرة أنه ملاك ولم يكن ذلك حقًا.  – لماذا قال ذلك؟  – للفكاهة.  – هل مسموح لنا أن نقول كذباً؟  – لا.   – لماذا لا ؟   – لأن هذه خطيئة, والله لا يريد منا أن نرتكب خطيئة.  – لقد ذكر الولد أن (2 + 2 = 5) فهل هذا صحيح؟ – لا, إنها 4.  – هل كان ذلك كذبًا أم كان خطئًا؟  – لقد ارتكب خطئًا.    – هل ارتكاب الخطأ نفسه كقول الكذب أم أنه يختلف عنه؟  – كلاهما واحد.  – انظر إليّ أنا في سن الثلاثين وقد قال لي ولد إني في الستين.  فهل هذا كذب أم هو مخطئ؟  – إنه كذب.  – لماذا ؟  – لأن ما قاله كان خطيئة.   – أيهما أسوأ, ارتكاب الخطأ أم قول الكذب ؟  – كلاهما.

 

تشاب Chap (7 سنوات)  –  ما الكذب؟  – ما ليس بحق.  أي ما يقال غير ما يفعل.   – خمن كم عمري.  – 20.   – لا,أنا في الثلاثين.   فهل تعتبر ما قلته كذبًا؟  – لم يفعله بقصد.  – أنا أعرف, ولكن هل هو والكذب سواء؟  – نعم, إنهما سواء، لأني لم أقل عمرك الحقيقي.  – فهل هذا كذب؟  – نعم, لأني لم أقل الحق.  – هل ينبغي عقابك؟  – لا.  – هل هذا سيئ أم لا.  – ليس سيئًا جدًا.  – لماذا؟  – لأني قلت الحق بعد ذلك.

 

هذه الملاحظات تؤدي إلى استنتاجين : الأول منهما هو أن الطفل من الناحية التطبيقية قد يميز قليلاً أو كثيراً بين العمل عن قصد والخطأ غير الإرادى.  وفكرة النية (ليست العمل المقصود تمامًا، بل هي فكرة العمل عن قصد وهي ليست نفس الشئ) تظهر بصفة عامة في نفس الوقت الذي تظهر فيه “لماذ” الأولى, أي حوالي سن الثالثة . ومع ذلك فإنه خلال السنوات القليلة التالية فإن الطفل لا يميز بين الأعمال المقصودة وغيرها بنفس الوضوح الذي نجده لدينا.  ودليل ذلك أن تفكيره نهائي وإحيائي (نسبة الحياة للجماد) ومصنوع لدرجة يجهلها الراشد المتوسط، وهذا المعنى دقيق إذ أنه لا يستطيع أن يميز الحركات غير الإرادية اللاشعورية والميكانيكية من الأعمال السيكولوجية الشعورية (انظر R.M.) ولهذا كان هناك سبب للشك، بينما لو كان طفل 6-7 فإنه يستطيع أن يميز بين الخطأ غير الإرادى وبين الكذب المقصود.  والإجابات التي سجلناها يبدو أنها تبين أن التمييز في أحسن صوره يوجد في عملية التفكير أما النتيجة الثانية فهي أن هاتين الحقيقتين وحدهما لا زالتا غير منفصلتين من ناحية التفكير الأخلاقي، فالاخطاء ولو أنها مميزة عن الكذب الخالص غير أنها لا زالت تدخل في نطاق الكذب.  وأكثر من هذا دقة أن الكذب يعرّف بطريقة موضوعية خالصة بأنه شئ لا ينطبق على الحقيقة.  حتى في حالة ما إذا تمكن الطفل من معرفة نوعين من العبارات – أشياء كاذبة فعلاً ، وأشياء كذبها غير مقصود فإنه يدخل النوعين في دائرة الكذب.  وهذا التطابق يشبه ما سبق أن درسناه من قبل بين الكذب والكلمات البذيئة.  ولكن في هذه الحالة بالذات ربما ساعد هذا التطابق عدم قدره الطفل على الفصل بين الأفكار الخاصة بالعمل غير المقصود والعمل غير الاختيارى، فربما كانت هذه الأفكار تبقي مميزة في مستوى التفكير مدة أطول منها في مستوى التطبيق.  وهذا يمدنا بمثال آخر لزمن التخلف بين العمل والتفكير الذي سبق أن تحدثنا عنه.  وما يؤيد هذا الرأى أننا نلاحظ أن هذا التطابق بين الأخطاء والكذب يختفي حوالي سن الثامنة أي في الوقت الذي يختفي فيه الجزء الأكبر من ظاهرة الإحياء وهو نفس الوقت الذي تختفي فيه بعض علامات عدم القدرة على الفصل بين الآراء المقصودة والآراء غير الإرادية.  وسواء كان هذا التفسير صحيحًا أم خاطئًا فإن من الواضح أن كلا من الإجابات التي تناولناها بالمناقشة وكذلـك النوع الأول من التعريفات يكشف عن وجود ميل عند الطفل لتقدير الكذب بطريقة خاصة, حقيقية, خالصة, ومستقلة عن القصد في اللعب وهذا ما سوف تؤكده بقية هذا التحليل.

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

الحكم الأخلاقي عند الطفل   -21

والآن ننتقل إلى النوع الثالث من التعريف ونقصد به التعريف الصحيح للكذب وهو أن كل عبارة الخطأ فيها مقصود فهي كذب.  ونحن لا نجد قبل سن 10-11 أن هذا التعريف قد أدخل شكلاً واضحًا، أما لاعند الاطفال الذين يبدأون بالقول (بأن الكذب هو شيئ غير حقيقي فمعظم هؤلاء لا يفكـرون فعلاً فـي الغـش أي العمل المقصود.   وهاك بعض الأمثلة التي تبدأ بمثل هذه الحالات التى تتضمن تعريفًا صحيحًا.

 

زر Zer (بنت في السادسة)   – ما الكذب؟    – …. .     – هل تعرفين هذه الكلمة؟   – نعم.  – فماذا تعنين بالكذب؟   – هناك ولد كسر الكرسي ثم قال إنه لم يفعل ذلك.   – أنا أقول إن اسمك هيلين فهل هذا صحيح؟  – لا, أنا اسمي مادلين.   – فهل هذا كذب؟  – لا.   – لماذا؟   –  …..     – ذكر لي ولد صغير أن  2 + 2 = 5  فهل هذا كذب أم هو خطأ؟  – لقد ارتكب خطئًا.  – هل هذا كذب في نفس الوقت؟  – لا, إنه ارتكب خطئًا.

 

جار Gar (6 سنوات) ما الكذب؟  – إنه عدم الطاعة.   – إن لم تذهب إلى الحديقة إذا طلب إليك ذلك فهل هذا كذب؟  – لا, يا سيدي.   – إذن ما الكذب؟  – حين تفعل خطئًا ثم لا تبلغ عنه.   – إذا كسر ولد فنجانًا ثم قال إن القط هو الذى فعل ذلك فهل هذا كذب؟  – نعم, يا سيدي.  – ذكر لي ولد أن 2 + 2 = 5  فهل هذا كذب؟  – إنه ليس كذبًا.   – إذن ماذا فعل؟  – لم يكن منتبهًا.

 

بك Bec ( 7 سنوات )  – ما الكذب؟  – حين تقول شيئًا ثم يظهر بعد ذلك أنه غير صحيح.  – كان هناك طفل لا يعرف أسماء الشوارع (ف جينيف) فسأله رجل أين شارع كوراج Courage فاجابه الطفل خطأ, فهل هذا كذب أم أنه ارتكب خطأ؟  – إنه لم يكذب.  – لماذا لا؟  – لأنه أخطأ. (يستعمل لفظ سباب).  – ولماذا أخطأ؟   – لأنك حين تخطئ فسبب ذلك أنك لا تعرف، ولكن الكذب يكون حين تعرف ولكنك تقول ما ليس بصحيح (أى تقول غير ما تعرف).

 

كيKei (7سنوات)  – ما الكذب؟  – حين لا تقول الأشياء صحيحة.   – هل 2+2= 5  كذب؟  – لا, ليس هذا كذبًا.   – لماذا فعل الطفل الذي قالها ذلك؟  – ربما كان مخطئًا.   – ما معنى أنه أخطأ؟  – حين لا تقول الأشياء صحيحة.   – هل ارتكاب الخطأ هو نفسه كقول الكذب؟  – لا.  – ما الفرق؟  -ارتكاب الخطأ هو حين لا تقول الأشياء صحيحة ولكن الكذب يقع فقط حين لا تقول الصدق (أي حين تعرف الصدق ولكنك لا تقوله).   – وما الفشر؟  – إنه حين تقول لمجرد الضحك.

 

بوىPui  (8 سنوات)    – الكذب هو حين تقول ما ليس صحيحا.   – لماذا؟  – لأني لا أعرف.  وهنا نورد بعض الأمثلة الواضحة الجيدة.

 

لاو Lau (8 سنوات)    –  الولد الذي يقول الكذب يعرف ما يفعل، ولكنه لا يريد أن يقول الصدق, أما الآخر (الذي يرتكب الخطأ) فهو لا يعرف.

آرل Ari (10 سنوات)   – حين تكذب فإنك تفعل ذلك لغرض، ولكنك حين تخطئ فإنك لا تعرف.

كى Kei (10 سنوات)- الكذب هو حين تخدع شخصًا آخر, أما ارتكاب الخطأ فهو حين تفعل خطئًا.

 

وهذا التحليل الأولي للتعريفات قد أبان لنا عن الصعوبة الأصيلة التي يواجهها الطفل قبل السادسة في فهم طبيعة الكذب الحقيقية.  فالطفل بطبيعة كونه ميالاً إلى أن يفكر في نفسه أكثر من تفكيره فيمن حوله لا يري المعنى الكامل للخداع، فهو يكذب لأنه يتخيل ولذلك فإن الأمر القائل له لا تكذب والصادر عن طريق قسر الراشد يظهر من أول الأمر في شكله الخارجي فالكذب هو ما يتمشي مع الصدق مستقلاً عن نية الشخص.

 

والأن لننتقل إلى الأجزاء الثانية أو الثالثة من حوارنا, أي تقييم القصص من جهة مضمون الكذب ونتائجه.  ولكي نحل هذه المسائل فإننا استخدمنا – كما فعلنا من قبل – قصصا للمقارنة، وقبل أن نناقش الإجابات التي حصلنا عليها يجب أن نبدأ بمناقشة معنى هذه القصص.

 

فموضوع تقييم الكذب من ناحية محتوياته هو مشكلة المسؤولية.  فالمسؤولية هنا تقوم إما على أنها وظيفة للغرض من الكذب (شخصية) أو كوظيفة لدرجة الكذب (موضوعية).  الصعوبة, إذن, هي أن تجد قصصًا فيها الكذب لا يؤدي إلى نتائج مادية وليس مصحوبًا بأي ظروف مادية إطلاقًا، لأن التجربة قد دلتنا على أن أي كذب يقال مصحوبًا بأي عمل من أعمال الخرق (سوء التصرف) أو شيء مشابه (كسر الفنجان والقول بأن القط هو الذي فعل ذلك – فقد المقص وإنكار فعل ذلك, إلى آخره) يعتبر أسوأ من الكذب غير المرتبط بهذا النوع من العمل, فالطفل في مثل هذه الحالات لا يستطيع أن يفصل الكذب عن العمل المصاحب، ولذلك يحكم عليه على أساس نتائج العمل.  وسوف تظهر هذه الظواهر مرة أخرى فيما بعد فتؤكد ما لاحظناه في الفقرة السابقة ولكنها الآن لا تعنينا وإنما الذي نريد الطفل أن يقيمه هو الكذب ومحتوياته الفعلية.

 

وقد وقع اختيارنا – بعد القيام بعمليات تجميع وبعد أن ترددنا كثيرًا – على الأزواج الثلاثة من القصص الآتية, وكل زوج منها يحتوي على كذب أو مجرد عدم دقة خالية من أي نية سيئة ولكن واضح فيها البعد عن الحقيقة، وكذلك يحتوي شكًا واضحًا ولكنه قيل بنية قوية للخداع.

 

  1. ا.  كان ولد صغير (1) (أو بنت صغيرة) يسير في الشارع فقابل كلبًا خاف منه جدًا, فلما عاد إلى منزله ذكر لأمه أنه رأى كلبًا في حجم البقرة.

ب. عاد طفل إلى منزله من المدرسة وذكر لأمه أن المدرس أعطاه درجة حسنة ولكن ذلك لم يكن صحيحًا, فالمدرس لم يعطه درجات بالمرة, لا حسنة (2) ولا سيئة.  وقد سرت أمه منه وأعطته جائزة.

 

  1. ا.  كان ولد يلعب في حجرته, ثم جاءته أمه وطلبت منه أن يذهب ويقوم بتبليغ رسالة لها ولكن الولد لم يكن يرغب في الخروج ولذلك أخبر والدته بأن قدميه تؤلمانه, ولكن ذلك لم يكن صحيحًا فلم يكن في قدميه أي ألم.

ب‌.    كان ولد يركب سيارة حتى لو لم يطلب إليه أحد ذلك، وقد رأى ذات مرة سيارة جميلة في الشارع فود لو ركب فيها, ولما عاد إلى منزله أخبر من حوله بأن صاحبها أوقفها وأخذه معه في نزهة قصيرة ولم يكن ذلك صحيحًا وإنما هذا كله من محض خياله.

 

  1. ا. كان هناك ولد لا يستطيع أن يرسم جيدًا، ولكنه كان يود كثيرًا أن يكون قادرًاعلى الرسم.   وفي ذات يوم أخذ يمعن النظر في رسم جيد قام به ولد آخر وقال: “أنا قمت بهذا الرسم.”

ب‌.    كان هناك ولد يلعب بالمقص ذات يوم حين كانت أمه خارج المنزل ففقده,  فلما عادت أمه قال إنه لم يره ولم يلمسه.

 

وأخيرًا, فإنا نضع هنا القصص التي استخدمناها في تحليل تقييم الأطفال على أساس النتائج المادية للكذب.

1-    ا. كان هناك ولد لا يعرف اسماء الشوارع جيدًا, ولم يكن متاكدًا أين يقع شارع كوراج (وهو شارع قريب من المدرسة التي كنا نعمل فيها), وفي ذات يوم أوقفه شخص في الشارع وسأله أين يقع شارع كوراج فأجاب الطفل “أظنه هناك.”  إلا أنه لم يكن هناك فعلاً، ولذلك ضل الشخص طريقه تمامًا ولم يستطع العثور على المنزل الذي يبحث عنه.

ب-  كان هناك ولد يعرف تمامًا أسماء الشوارع فسأله شخص أين يقع شارع كوراج ولكن الولد أراد أن يسخر منه فقال إنه هناك ودله على شارع خطأ ولكن الشخص لم يضل الطريق واستطاع أن يعرف الطريق ثانية.

 

5- وقد استخدمنا أيضًا عددًا من القصص يمتزج فيها الكذب مع الخرق (سوء التصرف) (السكر وبقع الحبر, إلى آخره).   وكنا نقص القصتين كل اثنتين معًا وقبل أن نسأل المفحوص كنا نجعله يقص علينا القصص من الذاكرة حتى نتأكد من أنه فهمها وأنه قد ألم بالنيات التي تلعب دورًا فيها وهو ما كان يتم عن طريق سؤال الطفل بعد كل قصة : “لماذا كان الولد يقول ذلك؟”.   وعلى العموم فإن الأشخاص موضوع الحوار كانوا يفهمون لأول وهلة أن القصة 1- تشمل مبالغة بسيطة ترجع إلى الخوف, وأن القصة 2- ب و3- أ تتضمن مجرد اختراع ناتج من الرغبة إلخ …. بينما القصص ا- ب  و3- ب ترتبطان بأعمال خداع مقصودة ترجع إلى الرغبة فى الحصول على الحلوى، أو إلى الكسل, أو الخوف من العقوبة المستحقة.  وبعد أن كنا نتأكد من أن الطفل قد فهم كنا نسأله أن يقارن القصتين وأن يقول أي الكذبتين أو الولدين أسوأ ولماذا.   والإجابات التي حصلنا عليها عن طريق هذا الحوار كانت واضحة, ويجب أن نذكر أن الطفل في موضوع سوء التصرف والسرقة يبدو أنه يحكم على الأعمال من ناحيتها الخارجية (نتائجها) قبل أن يعمل أي حساب للنية.   وتحليل هذه القيم المتصلة بالكذب لا يؤيد هذه النتيجة فحسب ولكنه يسمح لنا أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول إنه بصرف النظر عن كل تقدير للنتائج المادية للأعمال فإن عقل الطفل يبقي متجهًا نحو المسؤولية الموضوعية.

 

ولهذافإن قصصنا من 1-3 قد خفضت الدور الذي تلعبه النتائج المادية إلى أقل حد.   ولذلك فإن الطفل حين يجيب لا يكون مفكرًا في العمل الذي يدور حول الكذب بل يكون الكذب نفسه ونيات الكاذب هي موضع التفكير.   ولقد لفت نظرنا أن عددًا كبيرًا من صغار الأطفال الذين استجوبناهم قيموا الكذب لا على أساس نية الكاذبين بل تبعًا لعظم أو قلة احتمال عبارة الكذب للتصديق. وللحق فإننا لو حكمنا على أساس النوعين الأولين من التعريف الذي لا زلنا ندرسه فإن لنا كل الحق في أن نتوقع أنه كلما بعدت العبارة عن الحقيقة ظهر للطفل أنها كاذبة، وهذا في الواقع ما سنراه فعلاً ولكن الشئ غير المتوقع هو أن الحكم على القيمة نفسها من مثل الحكم على الكذب أو الكاذبين “كسئ” أو “غير سئ” يجب أن يخضع لنفس القاعدة .ومع ذلك, فإن هذا هو ما يحدث في المستوى اللفظي الذي وضع فيه حوارنا لسوء الحظ.   وهاك أمثلة متعلقة بالأزواج الثلاثة الأولى من القصص.

 

          1- قصة الكلب والقط, والطفل الذي ادعى أنه حصل على درجات حسنة

فل Fel  (6 سنوات) أعادت القصتين صحيحتين.   – أي هاتين الطفلتين أسوأ؟  – البنت الصغيرة التي قالت إنها رأت كلبًا في حجم البقرة.   – لماذا كانت أسوأ؟  – لأن هذا لا يمكن حدوثه.  – وهل صدقتها أمها؟  – لا, لأن هذا يستحيل حدوثة. (كلاب في حجم البقرة)  – ولماذا قالت ذلك؟  – مبالغة.  – ولماذا قالت الأخرى كذبًا؟  – لأنها أرادت أن تجعل الناس يعتقدون أنها قد حصلت على تقرير جيد.   – هل وثقت أمها في قولها؟  – نعم.  – أيهما تعاقبين أكثر لوكنت أنت الأم؟  – تلك المرتبطة بموضوع الكلب لأنها قالت أسوأ الكذب.  فهي الأسوأ.

 

بج Bug (6 سنوات)   – أيهما أسوأ؟  – ذلك الذي قال عن البقرة.  –  لماذا كان هو الأسوأ؟  – لأن ذلك غير صحيح.  – وصاحب الدرجات الجيدة؟  – إنه أقل سوءا.   – لماذا؟   – لأن أمه كان يجب أن تصدقه لأنها صدقت الكذبة (وهذه ليست فلتة لسان فقد قابلنا عددًا من الحالات لأطفال في سن 6-7 ممن كانوا يشبهون فل وبج فيقيسون درجات السوء في الكذب بدرجة عدم قابليته للتصديق لدى الراشدين, وتبعًا لذلك نجد أن الكذب المرتبط بالدرجات الجيدة ليس سيئًا جدًا لأن الأم يسهل أن تصدقه.  – لماذا كذب الآخر بخصوص البقرة؟  – لأنه كان يقص على أمه كذبًا.  – أيهما تعاقب أشد؟  – ذلك الذي قال إنه رأى كلبًا بحجم البقرة.

 

ماى Mae (6 سنوات)  – أي الكذبتين أسوأ؟  – الكلب الذي في حجم البقرة.   – وإذا كان عليك أن تعاقب هؤلاء الأطفال فأيهما تعاقبه عقابًا أشد؟  – ذلك الذي قال إنه رأى كلبًا في حجم البقرة.  – ولماذا قال الآخر إن المدرس أعطاه درجة حسنة؟   – لأنه كان ولدًا خبيثًا وما كان ينبغي أن يقول ذلك.

 

كى Ke  (7 سنوات)   – أيهما أسوأ كذبًا؟  – ذلك الذي قال إنه رأى كلبًا في حجم البقرة.   – لماذا كانت هذه الكذبة أسوأ؟  – لأنه ليس هناك شئ كهذا (لاحظ هذه الصيغة التي تشرح تمامًا وجهة النظر القائمة على المسؤولية الموضوعية في حالة الكذب.  – أي الولدين ينبغي أن يناله عقاب أشد؟  – الذي رأى كلبًا في حجم البقرة.  – لماذا؟  – لأن هذا غير صحيح.   – ولماذا قال الآخر إن مدرسه أعطاه درجة جيدة؟   – لكي تشترى له أمه شيئًا.  – ولماذا قال الآخر إنه رأى كلبًا كبيرًا كالبقرة؟   – نفس السبب.  لأنه أراد أن يقول شيئاً كهذا (ليفخر بأنه رأى شيئًا عجيبًا)  – ولماذا قال شيئًا كهذا؟   وعلى هذا فإن “كى” يفهم جيدً ادوافع الطفلين النفسية ولكنه رغم ذلك لا يزال يتمسك بالتقييم الموضوعي للمسؤولية.

 

روك Rok (7 سنوات)  – ما رأيك في هذين الكاذبين؟  هل هما سواء أم أن أحدهما أسوأ من الآخر؟    –  ذلك الذي رأى كلبًا في حجم البقرة.   – لماذا؟   – لأنه لم يحدث أن رأى شخص كلابًا كبيرة كالبقرة.   – لو كنت الأم فأيهما تعاقب أشد؟  – ذلك الذي ذكر كذبة البقرة.

 

بيرد Burd (7 سنوات)  – الأسوأ هو الذي رأى كلبًا في حجم البقرة, وهو أسوأ لأن أمه تعرف (أن هذا خطأ ومستحيل) أما الآخر فإن الأم لا تعرف الحقيقة.  فإذا قلت شيئاً لا تعرف الأم حقيقته فهذا أقل سوءًا لأن الأم  قد تصدقه.  أما إذا كانت الأم تعرف أن هذا غير صحيح, فإن ذلك يكون كذبًا كبيرًا.  ومن المستحيل أن نشرح بشكل أكثر وضوحًا فكرة أن أهمية الكذب تقاس فقط بدرجة عدم احتمال العبارة للكذب أكثر من قول هذا الطفل إن ما تصدقه الأم ليس سيئًا بينما الكذب الواضح سئ.

 

دريف Driv (7 سنوات)   – أي الولدين أسوأ؟  – ذلك الذي قال إنه رأى كلبًا في حجم البقرة.   – هل هذا أسوأ؟  – هو أسوأ.  – ولماذا كانت هذه أكبر كذبة؟  – لأنه قال كذبة أكبر كثيرًا مما في القصة الأخرى.   – لماذا؟  – لأنه لا يمكن حدوثها.    

 

ساف Sav (7 سنوات) يقول إن الأسوأ هو الكذبة الخاصة بالكلب “لأنه لا يمكن أن تكون”.   – وتلك الخاصة بالمدرس؟  – نعم, هذا ما قد يحدث ولكنه ليس صحيحًا.  – أي هذين الطفلين تعاقبه عقابًا أشد؟ – ذلك الذي ذكر موضوع الكلب.   – لماذا؟  – لأنه لا يمكن أن يحدث هذا.  – وهل صدقت الأم الكذبة عن الكلب؟  – لا.  – وهل يمكن أن تصدق الأم الكذبة عن المدرس؟  – ربما.  – أي الحالتين أسوأ: حين تصدق الأم الكذب أو حين لا تستطيع تصديقه؟  – حين لا تستطيع تصديقه.

 

تروت Trot (7 سنوات)  – أيهما يجب أن ينال عقابًا أشد؟  – ذلك الذي رأى كلبًا في حجم البقرة.       – ولماذا كان هو الأسوأ؟  – لأن الكلب لا يمكن أن يكون في حجم البقرة.  – وهل صدقته الأم؟  – لا إنها لم تصدقه.  – وهل صدقت الأم الكذبة عن المدرس؟  – نعم, فأحيانًا يكون عمل الطفل جيدًا وأحيانًا ليس بجيد.  – وأي الولدين تعاقب عقابًا أشد؟  – ذلك الذي تكلم عن الكلب.   – لماذ ؟  – لأن ذلك لا وجود له (كلب فى حجم البقرة) ولأنه في المدرسة قد تعاقب أحيانًا وقد لا تعاقب أحيانًا أخرى.  (الكذبة الثانية إذن أكثر احتمالاً للصدق ولذلك كانت أقل سوءًا).

 

بوه Euh   – أيهما أسوأ؟  – كلاهما سواء.  – لو كنت الأب فأيهما تعاقب أشد؟  – ذلك الذى قال إنه رأى كلبًا في حجم البقرة.  – لماذا؟  – لأنه لا يمكن أن يكون كذلك.

 

2- كذبة الطفل الذى شكا بقدمه حتى لا يقوم بتوصيل رسالة, والطفل الذي يفخر بأن له سيارة

ويد Wid (6 سنوات)  – أيهما أسوأ؟  – تلك الخاصة بالسيارة.   – لماذا؟  – لأنها أكبر من الأخرى.    – لماذا؟   – لأنها اكثر إمعانًا في الكذب من الأخرى.  لاحظ هنا التعبير الكمي، يعنى أن ما يقوله هو أمعن فى الكذب من الذي يوضح وجهة النظر القائمة على المسؤولية الموضوعية.

 

روك Roc (7 سنوات)   – أيهما أسوأ؟  – تلك الخاصة بالسيارة.  – لماذا؟  – لأن البنت الصغيرة لا تستطيع قيادة السيارة والنزهة فيها.

 

بي Pie (7 سنوات) قصة مرض القدم    –  أي كذبة أسوأ؟  – كذبة القدم المريضة.  – لماذا؟ – لأنه أراد أن يبقي في المنزل.  – وقصة السيارة؟  – هي كذب أيضا.  – لماذا؟  – لأنه أراد أن يقول ذلك.  – ولماذا أراد أن يقول ذلك؟ – لأنه أراد أن يكون خبيثا.  (أن يكون مكارا)  – أيهما أسوأ؟ – تلك الخاصة بالسيارة.   – لماذا؟  – لأنها أكبر.  – لماذا؟  – لأنها قصة أطول فهي أكبر وأسوأ.  – لماذا؟  – لأنه قال لأمه أشياء كثيرة, لا جملة واحدة ولكن عبارة طويلة (قصة معقدة).  – إن كان عليك أن تعاقبهما فأيهما ينال عقابًا أشد؟  – ذلك الذي تكلم عن السيارة.  وهذا يبين لنا فكرة الكمية الخالصة عن الموضوع عند بي.  فكلما كانت القصة كبيرة كانت أسوأ.

 

بيرد Burd (7 سنوات و10 أشهر)  – أيهما أسوأ؟  – تلك الخاصة بالسيارة.   – لماذا؟  – لأن الأم تعرف أنه لا يستطيع أن يذهب في هذا الوقت القصير (لا يمكن أن يكون قد ذهب لفسحة في سيارة أثناء فترة غيابه القصيرة).

 

دريف Driv (7 سنوات و 6 أشهر)    – أي الولدين أسوأ؟  – ذلك الذي قال إنه ذهب في السيارة.       – لماذا؟  – لأنها أكبر كذبة.   – ولماذا ترى أنها أكبر كذبة؟  – لأنه قال إنه ركب سيارة ولم يكن ذلك صحيحًا.   – والآخر الذي قال إن قدمه تؤلمه.   هل كان هو أيضًا أسوأ أو أقل سوءا؟  – أقل.  – لماذا؟   – لأنه قال إن قدمه تؤلمه.  – وهل كان ذلك صحيحا؟   – لا, يا سيدي.   – إذن, لماذا ترى أنه أقل سوءا؟   لماذا قال إن قدمه تؤلمه؟  – لكيلا يوصل الرسائل.  – ولماذا قال الآخر إنه كان يتنزه فى سيارة؟          – ليجعل أمه تعتقد أنه فعل ذلك.  – أيهما أسوأ؟  – ذلك الذي ادعى أنه كان في سيارة.

 

3- قصص الرسم والمقص

در Deir (8 سنوات)  – أيهما أسوأ؟  – ذلك الذي قال إنه رسم.   – لماذا كان أسوأ؟  – لأن كل واحد ظن أنه ليس هو، أما هو فقال إنه هو نفسه.  – ولماذا قال ذلك؟  – حتى يظن كل واحد أنه هو.           – وصاحب قصة المقص لماذا قال كذبًا؟  – حتى لا تعاقبه أمه.  – إن وكل إليك هذين الطفلين فأيهما تعاقب أشد؟  – ذلك الذي قال إنه رسم.   – لماذا تعاقبه عقابًا أشد؟  – لأن كذبته أسوأ.

 

جريم Grem (8 سنوات و10 أشهر)  – أيهما أسوأ؟   – ذلك الذي قال إنه عمل الرسم.  – لماذا؟  لأنه لا يستطيع أن يرسم وقال إنه هو.  – لماذا قال كذباً؟   – ليفخر.  – ولماذا كذب الآخر؟  – لأنه كان يفضل اللعب على الذهاب والبحث عن المقص.   – أيهما تعاقب أشد؟   – ذلك الذي قال إنه رسم.”

 

بيت Pit ( 9 سنوات )  – أيهما أسوأ؟  – صاحب قصة الرسم لأنه لا يعرف كيف يرسم ومع ذلك قال إنه رسم.   – ولماذا قال ذلك؟  لأنه أراد أن يقول إنه هو كأنما الآخرين لا يعرفون أنه لا يستطيع الرسم.    – ولماذا قال الآخر كذبا؟  – أراد أن يعود باللوم على شخص آخر.  – إذن فأيهما تعاقب أشد؟  – صاحب قصة الرسم .

 

من هنا نستطيع أن نتبين القاعدة التي تخضع لها هذه الإجابات، فالكذب أسوأ كلما أمعن في البعد عن التصديق, وكلما كانت محتوياته أكثر بعدًا عن الواقع.  وعليه, فكذبة الكلب الذي هو في حجم البقرة هي بنوع خاص (1)  سيئة لأنها “يستحيل أن تحدث”, لأنه “ليس هناك شئ كهذا”,لأنه “لم ير أحد كلابًا في حجم البقر, لأنها “أكبر كذبة”.   وفوق ذلك فإن النقطة الرئيسية أنها كذب لأنك “لا تستطيع تصديقها”, فالأم سوف ترى بسرعة أنها ليست حقيقية, وسوف تبين الكذبة أمام الجميع ولكن ليس هناك شئ غريب في الحصول على درجات عالية في المدرسة, فهذا شئ متوقع حدوثه، ويسهل على الآباء أن يصدقوه، فهي لذلك كذبة صغيرة والأم قد تأخذ بها.   وبنفس الطريقة نجد الكذبة المتصلة سيئة لأنك “لا تستطيع أن تأخذ الصغار من البنات في نزهة في سيارة”, ولأنها قصة طويلة فهي لذلك قصة لها بعض الأهمية، بينما في حالة الشكوى غير الحقيقية من الأقدام المريضة حتى لا يقوم بتوصيل الرسائل هى في الغالب لاشئ بالنسبة للأم ما دامت تأخذها موضع الاعتبار. وأخيرًا, فإن التفاخر بالقدرة على رسم صورة على حين أنك لا تستطيع أن ترسم هي في غاية السوء ذلك لأن كل إنسان يستطيع ان يتحقق من عدم صحة هذه العبارة.   نحن, إذن, أمام أحكام للمسؤولية الموضوعية في حالة غير ناضجة, أو على الأقل في شئ أكثر بساطة من الحالات التى حللنا محتوياتها فيما يتعلق بسوء التصرف والسرقة, ففي هذه الحالات كان هناك دائمًا محل التساؤل عما إذا كان الطفل لم يتأثر بالناحية المادية للعمل وبالخسارة المادية الخالصة التي أصابت الراشدين. أما في الحالات الحاضرة فإن العنصر المادي قد تضاءل إلى أقل حد، فعندنا أكاذيب تكون النية فيها هي الواضحة, وأكاذيب تخدع كما يقول الطفل نفسه. من جهة أخرى, عندنا مجرد خرافات وأكاذيب لمجرد المزاح أو مبالغات يعرفها الطفل نفسه. مع ذلك, فإن الأشخاص الذين اخترناهم يهملون نية الكاذب ويضعون أساس حكمهم على درجة بُعد الكذب عن القابلية للصدق.   أي يحكمون عليه من الناحية الأكثر خارجية والأكثر موضوعية.ولهذا فليس هناك مكان للبحث عن شرح هذه الحقائق على أساس عدم قدرة الطفل على فهم القصص، فمن الواضح جدًاأن كل الأشخاص الذين اخترنا إجاباتهم قد فهموا النيات التي دخلت في الموضوع، ولا يرجع تقييمهم للأكاذيب على أساس المسؤولية الموضوعية إلى نقص في الوعي، وإنما يرجع إلى أن النية لا تبدو عندهم ذات قيمة من جهة الأخلاق نفسها.ولكن ينبغي أن نضيف أنه حتى في مستوى التفكير اللفظي الذي في مستوى حوارنا فإن فكرة المسؤولية الموضوعية لا تبدو نقية عند أي طفل فهي دائمًا ممتزجة بمسؤولية ذاتية، فالطفل لا يعنى بالنية المتضمنة في قصة الكلب نجده على العكس يحكم على قصص الرسم والمقص حكمًا يتسق مع القرائن السيكولوجية. فليس هناك إذن موضع للمناقشة أن هناك مرحلتين حقيقيتين وكل الذي نستطيع أن نقوله إن المسؤولية الموضوعية هي ظاهرة كثيرًا ما نجدها عند صغار الأطفال ولكن تتضاءل أهميتها كلما زادت السن.

(1) هذه القصة من وضع المدموازيل ديسكودر Mlle Descoudres

(2) يجب ألا يذكر عن الطفل أنه أخذ درجة سيئة وإلا فإن الشخص المسئول سوف يعتبر دون مناقشة أسوأ ويكون هذا الحكم مستقلاً عن الكذب المفروض عليه من سلطة عليا .

(1)هذا الاصطلاح خسيس هو الاصطلاح المستخدم بنوعه خاص عند أطفال جنيف للدلالة عل معنى “شرير” و “لا أخلاق له”, إلى آخره.

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

كمال شاهين

#تطويرالفقهالاسلامي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s