الشرعة والمنهاج

بسم الله الرحمن الرحيم

الشرعة والمنهاج

قسم 6

هناك في القوانين الوضعية تعبير دستوري مفاده بأن العقد شريعة المتعاقدَين أو المتعاقدِين. فلو اتفق شخصان معا أو مجموعة مع بعض أو شعب مع برلمانهم أو أمة مع زعيمها، بأن يجعلوا لمرور السيارات قانونا ينظم حركة العربات في الشوارع ويعين حدود وحقوق المارة كما يعاقب المخالفين بغرامات مالية؛ فما هو المانع من ذلك؟ ألا نقول: ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم. فهم التزموا بقوانين بلادهم والقوانين تحكم بذلك والمشرعون منتخبون من غالبية الشعب فلو لم نعمل بتشريعاتهم فنحن سوف نكون سببا للفوضى. والسذج الذين يظنون بأن التشريعات الحكومية غير ملزمة فهم لا شعوريا يدعون إلى الفوضى ويجب تجاهلهم وعدم الاهتمام بفتاواهم وأحكامهم غير المعقولة. أما الذين يظنون بأنهم وكلاء الله تعالى أو وكلاء أولياء الله وعلى الناس أن يستأذنوا منهم ليتصرفوا في أموالهم وينتخبوا نوابهم البرلمانيين أو يختاروا لأنفسهم حاكما يدير أمورهم؛ فهم في الواقع يتكبرون على الناس. إنهم وضعوا أنفسهم أربابا من دون الله وسنوا تشريعات لتقوية سلطانهم ونفوذهم ويجب تقديم النصح والإرشاد للمغفلين الذين يتبعونهم ليتركوهم ويتجاهلوهم فهم يضرون البشر وليس لهم أي تفويض سماوي للسيطرة على الناس. قال تعالى في سورة الزمر: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63). فالله تعالى على كل شيء وكيل وغيره يكذب بل يفتري الكذب ويجعل نفسه وكيلا لله تعالى بدون أن يخوله ربه بذلك. أتذكر أحد كبار المراجع رحمه الله تعالى قبل عدة عقود كان يحارب حكومته ويسعى لتقويضها ولكنه كان يفتي بعدم جواز رفض القوانين الوضعية التي شرعت لتنظيم حياة الناس ويعتبرها معصية. فليس كل المراجع يعتقد بأنه على كل شيء وكيل. والذين يقولون مثلا بأنهم لم يصوتوا لنوابهم فإنهم لا شعوريا أسقطوا حقهم في الانتخابات وليس لهم أن يتذرعوا بعدم موافقتهم مع برلمانهم ليخالفوا قوانين الدولة. إنهم بموافقتهم البقاء في دولة بها برلمان تشريعي قد التزموا بما التزم به السلطة الحاكمة ولو يريدون الرفض فعليهم أن ينتقلوا إلى الجبال ويعيشوا مع الغزلان والغيلان. سوف نتحدث قريبا عن الحدود الشرعية لسن القوانين والتشريعات كما سنتحدث شيئا فشيئا عن معنى جعل الله تعالى للناس شرعة ثم جعله سبحانه لهم منهاجا لتنفيذ التشريعات. لكننا لا زلنا بحاجة إلى المزيد من المقدمات التي تهيؤنا لفهم التشريعات وكيفية ارتباطها بنظام الربوبية.

أحمد المُهري
4/10/2021

#تطوير_الفقه_الاسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *