الشرعة والمنهاج 7

بسم الله الرحمن الرحيم

الشرعة والمنهاج

قسم 7

الناس بمختلف أديانهم ومعتقداتهم ومشاربهم وافكارهم يجتمعون في مختلف أصقاع أرض الله تعالى في أزمان مختلفة. فالناس ليسوا مجموعة واحدة، بل مجموعات متنوعة زمانيا ومكانيا؛ فلا يمكن أن يعيش الجميع على تشريعات ومناهج موحدة. حتى القوانين العامة مثل قوانين حركة القطارات والطائرات والسيارات والبواخر لا يمكن أن تكون موحدة لكل أهل الأرض. السرعات تتغير واحتياجات الناس غير متشابهة والظروف متفاوتة؛ حتى سرعة تجاوب الناس في كل بلد تتغير باعتبار تغير الثقافات وسعتها أو محدوديتها. أضف إلى ذلك الإمكانات المادية لكل قوم والتي لا تبقى على حالة أو كيفية واحدة. فكل قوم وكل أهل بلد يحتاجون لأنفسهم في كل زمان قوانين وسننا تشريعية تخصهم.

حتى طرق ووسائل التنفيذ أو ما تسمى بالمناهج قد تتغير من قرية إلى قرية. بمعنى أن القوانين التشريعية لقطر واحد قد تتغير حين إجراء تلك القوانين في كل مدينة او قرية بما يتناسب مع إمكانات تلك الأماكن. حتى الأماكن والثقافات تؤثر في تنفيذ القوانين وعلى أساسها تُعدل القوانين أو يضعون لها استثناءات لتسهيل تنفيذها.

المهم أن تنطوي التشريعات والمناهج على الأسس الأولية للدولة. فالدولة تكون ملكية تحكمها سلسلة ملوك يتسلط فيها الابن الأكبر أو يختار الملك شخصا من أسرته؛ أو تحكمها رؤساء جمهوريات أو ما شابههما من أسس الحكم المتفاوتة. هذه الأسس وكذلك أسس انتخاب النواب أو السطلتين التنفيذية والقضائية وما يتبعهما تسمى دستور البلاد.

وللأديان دساتير وكذلك للقوميات والاتحاديات والائتلافات دساتير يجب على الجميع أن يلتزموا بها. والدساتير تعين العملة وأصل السياسة الاقتصادية لتكون الدولة صناعية أو تجارية أو خدمية أو غيرها. كما أن الدستور يعين حقوق الأفراد والتجمعات وأحيانا تعين وتفرق بين مختلف الأسر ويعين اللغة الرسمية وينظم المحاسبات المؤقتة لأموال الدولة حتى يتم تنظيم الانتخابات البرلمانية. وباختصار فإن:

الدستور: هو النظام الأساسي للحكم والمال والاقتصاد والدفاع وبعض الدساتير تعين دين الدولة.

الشريعة: هي مجموعة القوانين الفرعية التي تنظم علاقات الأفراد ببعضهم البعض وتنظم علاقاتهم بالدولة وبأرباب الحكم والقضاء. وكذلك محاسبة من بيدهم المال.

المنهاج: هو طريقة تنفيذ التشريعات بما يتناسب مع الإمكانات الزمكانية والبشرية وإمكانات كل جنس بشري من الذكر والأنثى وكذلك مسؤوليات الكبار والعقلاء تجاه الصغار والقصار.

وبالنسبة للأديان السماوية فإن الله تعالى ينزل الأديان المناسبة لكل مجموعة من خلقه بما يتلاءم مع إمكاناتهم وتطورهم الفكري والاجتماعي. الأديان تنطوي على دستور السماء للعبادة وللمنع من الظلم وتعين الموازين القسط ليوم الحساب. ولا يحتاج الدين أن يوضح كل الأمور لكل الناس بل يكفي الإشارة إليها. فلا يمكن تعيين موازين العدالة أو موازين القسط وهي أكثر دقة من العدالة، والتي يريدها الله تعالى ليوم القيامة بل يكتفي الدين بالتنبيه على وجود تلك الموازين.

وحتى تتبلور المسائل بصورة أكثر دقة أنقل للقراء الكرام آيات من سورة المائدة توضح لنا الشرعة والمنهاج القابلين للتغيير والمنبثقين من دستور السماء الذي لا يتغير.

قال تعالى في سورة المائدة:

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50).

لا يمكننا تفسير الآيات في هذا المختصر ولكننا حينما نقرأ الآيات كلها نشعر بأن هناك دستورا سماويا للجميع وتنبثق من ذلك الدستور شرائع مختلفة لكل قوم بما يتناسب معهم كما تنبثق من كل تشريع لكل قوم في كل زمان وكل مكان طرق تنفيذية مناسبة قد لا تكون مطابقة لأساليب التنفيذ لدى السابقين او لدى كل المجموعات البشرية في زمان واحد.

وفي الختام أن تكون هذه المقاطع والمقطع الختامي مفيدة لمن يسعى لفهم بعض تعابير القرآن الكريم وأعتذر من الاختصار كما أعتذر من أنني نسيت بعد نشر المقطع السادس أن أنشر المقطع السابع والأخير.

وتقبلوا تحيات أخيكم

أحمد المُهري

13/10/2021

#تطوير_الفقه_الاسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *